ما فضل بر الوالدين وما حق الوالدين على الأبناء وما حكم عقوقهما وكيف يكون البر بعد موتهما؟
فضل بر الوالدين عظيم في الإسلام، إذ قرن الله طاعتهما بعبادته مباشرة، وجعل رضاه في رضاهما وسخطه في سخطهما. وحق الوالدين على الأبناء يشمل الإحسان بالقول اللين والمال والخدمة وصلة أهل ودهما. أما عقوق الوالدين فهو من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، ويستمر البر بهما بعد موتهما بالصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام أصدقائهما.

- •
كيف يكون بر الوالدين وما صوره العملية في القول والفعل والأدب اليومي؟
- •
فضل بر الوالدين عظيم في الإسلام، إذ قرن الله الإحسان إليهما بعبادته وتوحيده مباشرة في آيات متعددة.
- •
حق الوالدين على الأبناء يشمل القول اللين والخدمة والمال والطاعة في المباح والمكروه ما لم يكن فيه معصية.
- •
عقوق الوالدين من الكبائر بنص القرآن والسنة، وحتى سب والد غيرك سببًا لسب والدك يُعدّ من الكبائر.
- •
بر الوالدين بعد الموت واجب ويكون بالصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام أصدقائهما.
- •
قدّم النبي صلى الله عليه وسلم بر الوالدين على الهجرة والجهاد، مما يدل على علو منزلتهما في الإسلام.
- 1
افتتاح بالثناء على الله المتنزه عن الصاحبة والولد، تمهيدًا لبيان فضل بر الوالدين بوصفه خلقًا إسلاميًا كريمًا.
- 2
تعريف بر الوالدين لغةً وشرعًا، وبيان اهتمام الإسلام البالغ بهما وجعل طاعتهما من أفضل القربات.
- 3
بيان عظم مقام الوالدين وشمول لفظهما للأجداد، وعجز الأبناء عن رد جميل بذلهما المادي والمعنوي.
- 4
اقتران الإحسان للوالدين بعبادة الله في القرآن، وبيان أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر بعد الشرك.
- 5
بيان الآيات المقرونة عند ابن عباس وأن شكر الوالدين شرط مقرون بشكر الله لا يُقبل أحدهما دون الآخر.
- 6
تكرار الوصية بالوالدين في القرآن وحديث «رضا الرب في رضا الوالدين» دليل على عظيم فضل بر الوالدين.
- 7
أحاديث تقديم بر الوالدين على الهجرة والجهاد، وبيان فضل بر الأم وأن الجنة عند رجلها.
- 8
فهم الفقهاء والسلف لوجوب بر الوالدين ولو كانا مشركين، وصور البر بالقول والمال والطاعة في المباح.
- 9
صور عملية تفصيلية لبر الوالدين في الأقوال والأفعال والآداب اليومية استنادًا إلى القرآن وتفسير ابن عباس.
- 10
تحريم شتم الوالدين وكونه من الكبائر بنص الحديث الصحيح، وبيان أن صلة أهل ودهما من بر الوالدين بعد الموت.
- 11
حديث أبي أسيد في بر الوالدين بعد الموت بالدعاء وإنفاذ العهد وإكرام الأصدقاء، وختام بتأكيد علو شأنهما.
ما علاقة تنزيه الله عن الولد بمكانة الوالدين في الإسلام؟
الله سبحانه تنزّه عن الصاحبة والولد لأن ذلك صفة كمال له وحده، بينما جعل الزوجية والذرية من صفات كمال عباده. وهذا الافتتاح يمهّد لبيان أن بر الوالدين خلق إسلامي كريم يرتبط بعظمة الخالق وتفرده.
ما تعريف بر الوالدين في اللغة والشريعة وما فضله في الإسلام؟
البر في اللغة يعني الخير والفضل والصدق والطاعة والصلاح، وفي الشريعة يعني الإحسان بالقول اللين الدال على الرفق والمحبة مع الشفقة والعطف والإحسان بالمال. وقد اهتم الإسلام بالوالدين اهتمامًا بالغًا وجعل طاعتهما والبر بهما من أفضل القربات، ونهى عن عقوقهما وشدّد في ذلك غاية التشديد.
ما حق الوالدين على الأبناء ولماذا يعجز الإنسان عن رد جميلهما؟
حق الوالدين على الأبناء عظيم لأنهما سبب وجودهم وعماد حياتهم، وقد بذلا كل ما أمكنهما على المستويين المادي والمعنوي في رعاية أبنائهم وتربيتهم. ويشمل لفظ الأبوين الأجداد والجدات، ومهما جهد القلم في إحصاء فضلهما فإنه يبقى قاصرًا عن تصوير جلالهما وحقهما على الأبناء.
ما حكم عقوق الوالدين وما فضل بر الوالدين في القرآن الكريم؟
جعل الله بر الوالدين وطاعتهما من أفضل القربات بعد توحيده سبحانه، وقرن الإحسان إليهما بعبادته مباشرة في قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾. أما حكم عقوق الوالدين فهو من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، ولا يجوز قول أف لهما ولا نهرهما.
لماذا لا يُقبل شكر الله دون شكر الوالدين وما دلالة الآيات المقرونة؟
قال ابن عباس رضي الله عنهما إن ثلاث آيات مقرونات لا تُقبل واحدة بغير قرينتها، ومنها: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾، فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لم يُقبل منه. وهذا يدل على أن حق الوالدين على الأبناء مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحق الله، وتكررت الوصايا في القرآن بالإلزام ببرهما والتحذير من عقوقهما.
ما الأحاديث النبوية الواردة في فضل بر الوالدين ورضاهما؟
صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما»، مما يدل على أن رضا الله مرتبط مباشرة برضا الوالدين. وقد تكررت الوصايا في القرآن الكريم بالإحسان إليهما، ومنها قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ﴾.
هل يُقدَّم بر الوالدين على الجهاد والهجرة وما فضل بر الأم تحديدًا؟
نعم، قدّم النبي صلى الله عليه وسلم بر الوالدين على الهجرة والجهاد، فأمر من جاء يبايعه على الهجرة وتركَ أبويه يبكيان بالرجوع إليهما وإضحاكهما. وفي شأن الأم تحديدًا قال صلى الله عليه وسلم: «ويحك الزم رجلها فثمّ الجنة»، مما يدل على علو منزلة الأم وعظيم فضل بر الوالدين.
ما صور بر الوالدين عند الفقهاء وهل يجب بر الوالدين غير المسلمين؟
قال الشيخ الدردير إن بر الوالدين واجب ولو كانا مشركين أو فاسقين، ويكون البر بالقول اللين الدال على محبتهما وبإعطائهما ما ينفقانه في أعيادهما وقيادة الأعمى منهما ولو كافرًا. ويطيع الأبناء الوالدين في المباح والمكروه، وهذا ما فهمه الصحابة والتابعون وأئمة الدين سلفًا وخلفًا.
ما صور بر الوالدين العملية في الأقوال والأفعال والآداب اليومية؟
صور بر الوالدين تشمل مناداتهما بأحب الألفاظ كيا أمي ويا أبي، وتعليمهما ما يحتاجانه من أمور الدين، وعدم التقدم عليهما في المشي، وعدم الجلوس أو القيام إلا بإذنهما. كما يشمل البر عدم رفع الصوت عليهما وعدم إحداد النظر إليهما وعدم استقباح ما يصدر منهما عند الكبر أو المرض، قال ابن عباس: يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب.
ما حكم شتم الوالدين وهل عقوق الوالدين من الكبائر وكيف يكون البر بعد موتهما؟
شتم الوالدين من الكبائر بلا خلاف، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الكبائر شتم الرجل والديه»، بل حتى التسبب في سب والد غيرك يُعدّ كبيرة. ومن بر الوالدين بعد موتهما صلة أهل ودهما، إذ قال النبي: «إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي».
ما الذي يبقى من بر الوالدين بعد موتهما وما صوره الكاملة؟
بر الوالدين بعد الموت يشمل الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم إلا من قبلهما، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الأنصاري. وقد كان النبي يهدي لصدائق خديجة برًا بها بعد وفاتها، مما يؤكد أن فضل بر الوالدين لا ينقطع بالموت.
فضل بر الوالدين لا يُحصى، وقد قرن الله طاعتهما بتوحيده وجعل عقوقهما من أكبر الكبائر.
فضل بر الوالدين في الإسلام بالغ الأثر، إذ قرن الله سبحانه الإحسان إليهما بعبادته مباشرة في آيات متعددة، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم أن رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما، بل قدّم بر الوالدين على الهجرة والجهاد في سبيل الله حين أمر الرجل بالرجوع إلى أبويه.
حق الوالدين على الأبناء يمتد ليشمل القول اللين والطاعة في المباح والمكروه وصلة أهل ودهما حتى بعد وفاتهما. أما حكم عقوق الوالدين فهو من أكبر الكبائر بعد الشرك، وحتى التسبب غير المباشر في سب الوالدين يُعدّ كبيرة، ويستمر البر بهما بعد الموت بالدعاء والاستغفار وإنفاذ العهد وإكرام الأصدقاء.
أبرز ما تستفيد منه
- فضل بر الوالدين يعلو على الجهاد والهجرة في سبيل الله.
- عقوق الوالدين من الكبائر بعد الشرك بالله مباشرة.
- بر الوالدين بعد الموت واجب بالدعاء وصلة أهل ودهما.
- رضا الله مقرون برضا الوالدين وسخطه بسخطهما.
تنزيه الله عن الصاحبة والولد وافتتاح بالثناء والصلاة
بر الوالدين خلق إسلامي كريم الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديرا، الحمد لله كثيرا.
وصلى الله على رحمة الله المهداة للعالمين، الذي أرسله ربنا شاهدا ، ومبشرا ، ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وعلى آله الطاهرين وأصحابه الطيبين وكل من أحبه بصدق واتبعه إلى يوم الدين. .. ثم أما بعد ..،
فسبحان من تنزه عن الصاحبة والولد، المتفرد الصمد، الغني عن الخلائق، المتفضل على خلقه بكل أشكال المدد، سبحانه جعل التنزه عن الصاحبة والولد من صفاته كماله، فقال سبحانه حكاية عن نفر من الجن المسلم :
﴿ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدا﴾(1)،
وقال عز من قائل :
﴿ سبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ (2) ،
وقال سبحانه وتعالى :
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾(3)،
كمال العباد بالزوجية والذرية وتعريف بر الوالدين
ورغم أن الاتصاف بالصاحبة والولد صفة نقص لا تنبغي للخالق سبحانه، فقد جعلهما الله سبحانه وتعالى من صفات كمال عباده، بل جعلهما من صفات كمال أفضل خلقه على الإطلاق، وهم صفوته من خلقه وأخص أحبابه، أنبيائه صلوات الله عليهم جميعا، فقال سبحانه :
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً ﴾(4).
وقد اهتم الإسلام بالوالدين اهتماماً بالغاً. وجعل طاعتهما والبر بهما من أفضل القربات. ونهى عن عقوقهما وشدد في ذلك غاية التشديد. ومن معاني البر في اللغة : الخير والفضل والصدق والطاعة والصلاح.
وأما في الشريعة : فيطلق في الأغلب على الإحسان بالقول اللين اللطيف الدال على الرفق والمحبة ، وتجنب غليظ القول الموجب للنفرة ، واقتران ذلك بالشفقة والعطف والتودد والإحسان بالمال وغيره من الأفعال الصالحات .
مفهوم الأبوين واتساع مدلولهما وبيان عظم مقامهما
والأبوان : هما الأب والأم . ويشمل لفظ ( الأبوين ) الأجداد والجدات . قال ابن المنذر : والأجداد آباء ، والجدات أمهات ، فلا يغزو المرء إلا بإذنهم ، ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الإخوة وسائر القرابات.
ولا يخفى على كل عاقل، ما للوالدين من مقام وشأن يعجز الإنسان عن دركه، ومهما جهد القلم في إحصاء فضلهما فإنَّه يبقى قاصراً منحسراً عن تصوير جلالهما وحقّهما على الأبناء، وكيف لا يكون ذلك وهما سبب وجودهم، وعماد حياتهم وركن البقاء لهم؟
لقد بذل الوالدان كل ما أمكنهما على المستويين المادي والمعنوي لرعاية أبنائهما وتربيتهم، وتحمّلا في سبيل ذلك أشد المتاعب والصعاب والإرهاق النفسي والجسدي وهذا البذل لا يمكن لشخص أن يعطيه بالمستوى الذي يعطيه الوالدان.
قدسية عطاء الوالدين واقتران شكرهما بعبادة الله
ولهذا اعتبر الإسلام عطاءهما عملاً جليلاً مقدساً استوجبا عليه الشكر وعرفان الجميل وأوجب لهما حقوقاً على الأبناء لم يوجبها لأحد على أحد إطلاقاً، حتى أن الله تعالى قرن طاعتهما والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده بشكل مباشر فقال عز من قائل :
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾ (1).
لهذا ولغيره الكثير جعل الله برهما وطاعتهما من أفضل القربات بعد توحيده سبحانه وتعالى، وجعل عقوقهما والإساءة إليهما من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله.
الآيات المقرونة ووجوب شكر الوالدين مع شكر الله
يقول حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ثلاث آيات مقرونات بثلاث، ولا تقبل واحدة بغير قرينتها..
﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول ﴾ (1)،
فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه.
﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ﴾ (2)،
فمن صلى ولم يزكِّ لم يقبل منه.
﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ (3)،
فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه.
ولأجل ذلك تكررت الوصايا في كتاب الله تعالى والإلزام ببرهما والإحسان إليهما، والتحذير من عقوقهما أو الإساءة إليهما، بأي أسلوب كان، قال الله تعالى:
﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ (4).
تكرار الوصية بالوالدين وبيان تعب الأم في القرآن
وقال تعالى:
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنا﴾(5).
وقال تعالى:
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾(6).
وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء التأكيد على وجوب بِرّ الوالدين والترغيب فيه، والترهيب من عقوقهما.
ومن ذلك : ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما "(7).
تقديم بر الوالدين على الهجرة والجهاد وفضل الأم
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبويّ يبكيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما "(1).
وعن معاوية بن جاهمة السلمي: أنه استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد معه، فأمره أن يرجع ويَبرَ أُمَّه، ولما كرر عليه، قال صلى الله عليه وسلم :
" ويحك.. الزم رجلها... فثمّ الجنة " (2).
وقد سمى الشرع الحنيف الولد كسبا لأبيه، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه } ، وقال عليه الصلاة والسلام : { إن أولادكم من كسبكم ؛ فكلوا من كسب أولادكم }.
فهم السلف والفقهاء لوجوب بر الوالدين وطاعتهما
وكذلك كان فهم الصحابة والتابعين، وأئمة الدين سلفا وخلفا فعن عطاء قال قلت له: إن أمي تقسم علي أن لا أصلي بعد المكتوبة شيئا ولا أصوم ( إلا ) فريضة شفقة علي ، قال: أبرر قسمها . [مصنف ابن أبي شيبة].
وقد قال الشيخ الدردير في [الشرح الصغير] : ( و ) يجب ( بر الوالدين ) وإن كانت الأم تفضل على الأب في البر ولو كانا مشركين أو فاسقين بالجوارح أو بسبب الاعتقاد . ويكون البر بالقول اللين الدال على محبتهما بأن يقول لهما ما ينفعهما في أمر دينهما ودنياهما بدون رفع صوت عليهما ويقود الأعمى منهما - ولو كافرا - للكنيسة ويحملهما لها ، ويعطيهما ما ينفقانه في أعيادهما ..... إلى أن قال : ويطيع الوالدين في المباح والمكروه .
صور عملية لبر الوالدين في الأقوال والأفعال والآداب
ويكون بر الوالدين بالإحسان إليهما بالقول اللين الدال على الرفق بهما والمحبة لهما ، وتجنب غليظ القول الموجب لنفرتهما ، وبمناداتهما بأحب الألفاظ إليهما ، كيا أمي ويا أبي ، وليقل لهما ما ينفعهما في أمر دينهما ، ودنياهما ويعلمهما ما يحتاجان إليه من أمور دينهما ، وليعاشرهما بالمعروف . أي بكل ما عرف من الشرع جوازه ، فيطيعهما في فعل جميع ما يأمرانه به ، من واجب أو مندوب ، وفي ترك ما لا ضرر عليه في تركه ، ولا يحاذيهما في المشي ، فضلا عن التقدم عليهما ، إلا لضرورة نحو ظلام ، وإذا دخل عليهما لا يجلس إلا بإذنهما ، وإذا قعد لا يقوم إلا بإذنهما ، ولا يستقبح منهما نحو البول عند كبرهما أو مرضهما لما في ذلك من أذيتهما.
وفي قوله تعالى :
﴿ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ (1).
قال ابن عباس : يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب ، فلا يغلظ لهما في الجواب ، ولا يحد النظر إليهما ، ولا يرفع صوته عليهما.
تحريم شتم الوالدين ووجوب صلة أهل ودهما بعد موتهما
ومن البر بهما والإحسان إليها : ألا يسيء إليهما بسب أو شتم أو إيذاء بأي نوع من أنواعه ، فإنه من الكبائر بلا خلاف .
ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : {إن من الكبائر شتم الرجل والديه ، قالوا . يا رسول الله : وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال : نعم يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ، ويسب أمه فيسب أمه }.
وفي رواية أخرى : { إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه . قيل : يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه ؟ . قال : يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه } .
ومن برهما صلة أهل ودهما ، ففي الصحيح عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي } فإن غاب أو مات يحفظ أهل وده ويحسن إليهم ، فإنه من تمام الإحسان إليه .
بر الوالدين بعد موتهما وعلو شأنهما في الإسلام
وروى أبو أسيد وكان بدريا قال : { كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم جالسا ، فجاءه رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله . هل بقي من بر والدي بعد موتهما شيء أبرهما به ؟ قال : نعم ، الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما ، فهذا الذي بقي عليك } . { وكان صلى الله عليه وسلم يهدي لصدائق خديجة برا بها ووفاء لها } ، وهي زوجته ، فما ظنك بالوالدين .
كل هذه النصوص الشرعية تؤكد على ما للوالدين من حقوق، من بر وطاعة وصلة، وكذلك تؤكد على علو شأنهما وارتفاع قدرهما عند الله سبحانه وتعالى، مما لا يدع مجالا للشك في هذا القدر وتلك المنزلة.
ونحن إنما نذكر بقدر الوالدين، وبحقهما في البر والصلة، حتى يعود هذا بالخير على المجتمع المسلم كله، وكفى ببر الوالدين فضلا أن جعل الله رضاه في رضاهم، وكذلك سخطه في سخطهم نسأل الله العظيم أن يهدينا الطريق المستقيم وأن يتوب علينا والمسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ما شعورك تجاه هذا المقال؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا المقال؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الذي قرنه الله بعبادته وتوحيده مباشرة في القرآن الكريم؟
الإحسان إلى الوالدين
ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي جاء يبايعه على الهجرة وتركَ أبويه يبكيان؟
ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما
ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «ويحك الزم رجلها فثمّ الجنة»؟
الجنة تُنال بخدمة الأم ولزومها
وفق ما ذكره ابن عباس، من لم يشكر لوالديه مع شكره لله فماذا يترتب على ذلك؟
لا يُقبل منه شكره لله
ما حكم عقوق الوالدين في الإسلام؟
من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله
هل يجب بر الوالدين إذا كانا مشركين أو فاسقين؟
يجب البر بهما مع عدم طاعتهما في المعصية
ما الذي يشمله لفظ «الأبوين» في الفقه الإسلامي؟
الأب والأم والأجداد والجدات
ما الذي يُعدّ من أبر البر وفق الحديث النبوي الصحيح؟
صلة أهل ود الأب بعد وفاته
ما الذي يبقى من بر الوالدين بعد موتهما وفق الحديث النبوي؟
الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم من قِبَلهما
ما الكبيرة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالوالدين في صحيح مسلم؟
شتم الوالدين ولو بالتسبب غير المباشر
ما معنى البر في اللغة العربية؟
الخير والفضل والصدق والطاعة والصلاح
ما الذي سمّاه الشرع الحنيف «كسبًا» للأب؟
ولده
ما معنى البر في الشريعة الإسلامية؟
الإحسان بالقول اللين الدال على الرفق والمحبة، وتجنب غليظ القول، مع الشفقة والعطف والتودد والإحسان بالمال وسائر الأفعال الصالحة.
ما الآية القرآنية التي تقرن الإحسان للوالدين بعبادة الله؟
قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾.
ما حديث النبي صلى الله عليه وسلم في رضا الله ورضا الوالدين؟
قال صلى الله عليه وسلم: «رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما».
هل يشمل وجوب البر الوالدين غير المسلمين؟
نعم، قال الشيخ الدردير إن بر الوالدين واجب ولو كانا مشركين أو فاسقين، ويشمل البر إعطاءهما ما ينفقانه في أعيادهما وقيادة الأعمى منهما ولو كان كافرًا.
ما الآداب العملية لبر الوالدين في المشي والجلوس؟
لا يتقدم الابن على والديه في المشي إلا لضرورة كالظلام، ولا يجلس عندهما إلا بإذنهما، ولا يقوم إلا بإذنهما.
ما الثلاث آيات المقرونة التي ذكرها ابن عباس؟
طاعة الله مع طاعة الرسول، وإقامة الصلاة مع إيتاء الزكاة، وشكر الله مع شكر الوالدين — لا تُقبل واحدة بغير قرينتها.
كيف يكون التسبب غير المباشر في شتم الوالدين كبيرة؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه»، فالتسبب في سب والدَي غيرك يُعدّ من الكبائر.
ما صور بر الوالدين بعد وفاتهما؟
الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم إلا من قِبَلهما.
لماذا قدّم النبي بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله؟
لأن حق الوالدين عظيم جدًا، فأمر النبي من أراد الجهاد وأمه حية بالرجوع إليها وملازمتها قائلًا: «الزم رجلها فثمّ الجنة».
ما الفرق بين مقام الصاحبة والولد عند الله وعند عباده؟
الصاحبة والولد صفة نقص لا تليق بالخالق سبحانه، لكن الله جعلهما من صفات كمال عباده حتى أفضلهم وهم الأنبياء.
ما الذي يُعلّمه الابن لوالديه ضمن صور البر؟
يُعلّمهما ما يحتاجانه من أمور دينهما، ويقول لهما ما ينفعهما في أمر دينهما ودنياهما.
ما دلالة كون الولد «كسبًا» لأبيه في الشريعة؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه»، مما يدل على أن للأب حقًا في مال ولده.
ما الذي يدل على استمرار النبي في بر من أحبهم بعد وفاتهم؟
كان النبي صلى الله عليه وسلم يُهدي لصدائق خديجة رضي الله عنها برًا بها ووفاءً لها بعد وفاتها.