اكتمل ✓

ما هي صفات المنافق وهل إخلاف الوعد من الكبائر وما حكم نقض العهد مع الناس؟

صفات المنافق أربع كما في الحديث المتفق عليه: إذا حدّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر. وقد عدّ العلماء عدم الوفاء بالعهد من الكبائر، إذ جعله ابن حجر الهيتمي الكبيرة الثالثة والخمسين. ونقض العهد مع الناس محرم ما لم ينقضه الطرف الآخر أولاً، وللمسلم حينئذٍ حق الرد بالمثل.

ما هي صفات المنافق وهل إخلاف الوعد من الكبائر وما حكم نقض العهد مع الناس؟
ما هي صفات المنافق وهل إخلاف الوعد من الكبائر وما حكم نقض العهد مع الناس؟
8 دقائق قراءة
  • هل يجوز للمسلم نقض عهده مع غير المسلمين أو الفاسقين، وما الضوابط الشرعية لذلك؟

  • الوفاء بالعهد صفة إلهية أكدها القرآن الكريم في آيات عديدة، وهو في حق الله تفضل ورحمة بعباده.

  • ذم القرآن ناقضي العهود ووصفهم بأنهم شر الدواب، ومدح الموفين بها ووعدهم بالأجر العظيم.

  • صفات المنافق الأربع الواردة في الحديث المتفق عليه تشمل الكذب والخيانة والغدر والفجور في الخصومة.

  • عدم الوفاء بالوعد كبيرة من الكبائر وفق ما قرره ابن حجر الهيتمي، ويترتب عليه خصومة الله يوم القيامة.

  • للمسلم قواعد ذهبية في التعامل بالعهود: إتمامها إلى مدتها، وانتقاضها بنقض الطرف الآخر، والرد بالمثل عند الاعتداء.

منزلة الوفاء بالعهد كصفة إلهية وخلق إنساني عظيم

الوفاء بالعهود وقواعده الذهبية

لا شك أن الوفاء بالعهد قيمة إنسانية وأخلاقية ممدوحة، وهو من صفات الله سبحانه وتعالى، والوفاء بالعهد في حق الله من باب التفضل علينا والرحمة بنا، إذ لا يسأل عما يفعل، ولا يفرض أحد عليه شيئا، وإنما أراد الله أن يؤكد لنا رحمته بنا، فأخبرنا أنه يوفي بعهده الذي وعدنا به، فقال تعالى :

﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء :122]

وقال سبحانه :

﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة :80]

وقال سبحانه وتعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًا فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة :111].

ذم نقض العهود ومدح الموفين بها في القرآن الكريم

وقد ذم ربنا من ينقض العهود فقال تعالى :

﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [البقرة :27]

وقال تعالى :

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال :55، 56].

وقال تعالى :

﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف :102]

وامتدح الله من لا ينقض العهد والذين يوفون به، فقال سبحانه :

﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ المِيثَاقَ﴾ [الرعد :20]

وقال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون :8].

وقال سبحانه وتعالى :

﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة :177].

تعريف العهد لغويا ومعانيه المتعددة في الاستعمال

فما هو العهد ؟ وما هو العقد ؟ وما هي البيعة ؟ وما هو الوعد ؟ العهد في اللغة : الوصية، يقال : عهد إليه إذا أوصاه، والعهد : الأمان والموثق والذمة واليمين، وكل ما عوهد الله عليه، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد، والعهد : العلم، يقال : هو قريب العهد بكذا أي قريب العلم به، وعهدي بك مساعدا للضعفاء : أني أعلم ذلك.

والعهد يكون بمعنى الأمر، ومعنى اليمين، قال أبو بكر الجصاص : « العهد ينصرف على وجوه : فمنها الأمر ، قال الله تعالى : { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل } وقال : { ألم أعهد إليكم يا بني آدم } والمراد الأمر. وقد يكون العهد يمينا ، ودلالة الآية على أن المراد في هذا الموضع اليمين ظاهرة. لأنه قال : { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } ولذلك قال أصحابنا : إن من قال : «علي عهد الله إن فعلت كذا» أنه حالف.

العهد كيمين وقصة حذيفة وتعريف العقد والوعد والبيعة

وقد روي في حديث حذيفة حين أخذه المشركون وأباه فأخذوا منه عهد الله أن لا يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدما المدينة ذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال :

{ تفي لهم بعهدهم وتستعين الله عليهم}.

وروي عن عطاء والحسن وابن سيرين وعامر وإبراهيم النخعي ومجاهد إذا قال : علي عهد الله إن فعلت كذا فهو يمين» [أحكام القرآن للجصاص 3/181، 182].

أما العقد فهو كما ذكر الجرجاني : ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول شرعا، والصلة : أن العقد إلزام باستيثاق بخلاف العهد فإنه قد يكون باستيثاق وقد لا يكون، ولذا يقال : عاهد العبد ربه، ولا يقال : عاقد العبد ربه، إذ لا يجوز أن يقال : استوثق من ربه.

وأما الوعد فقد قال ابن عرفة : إخبار عن إنشاء المخبر معروفا في المستقبل. قال أبو هلال العسكري : والفرق بين الوعد والعهد أن العهد ما كان من الوعد مقرونا بشرط نحو إن فعلت كذا فعلت كذا.

والبيعة صفة على إيجاب المبايعة والطاعة، أي التولية وعقدها، والبيعة صفة أيضا على إيجاب البيع، والبيعة بالمعنى الأول أخص من العهد.

ضد الوفاء الغدر ودرجات العهود وأعلاها عهد الله

ولذا فهو ضد الغدر وهو و ترك الوفاء بالعهد، أو نقضه . قال : غدره وغدر به غدرا: أي خانه ، ونقض عهده.

ويترتب على تلك المعاني اللغوية، والفروق اليسيرة بين تلك الألفاظ درجات العهود والوعود.، فالعهود درجات تبعا لطرف العهد، فأعلى درجات العهود وأقدسها عهد الله سبحانه وتعالى، وقد توعد سبحانه وتعالى من أهمله واشترى به ثمنا قليلا العذاب الأليم، فقال سبحانه :

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران :77]

وقال سبحانه :

﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب :15].

الأمر بالوفاء بعهد الله والنهي عن نقض الأيمان والترغيب فيه

وأمر ربنا بالوفاء به، فقال تعالى :

﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام :152].

وقال سبحانه :

﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل :91].

ورغب سبحانه في الوفاء بعهده فقال تعالى :

﴿وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل :95].

قداسة عهد الله وبيعة الرسول ومراتب العهود بين البشر

فعهد الله هو أعلى درجات العهود قداسة والتي يتحتم على المؤمن الوفاء بها، وذلك لعظم المعاهد سبحانه وتعالى، ثم تأتي درجات العهود مع البشر، فأعلاها العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجلى هذا العهد في سيرته الشريفة فيما يعرف بالبيعة له، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح :10]

وقال تعالى :

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح :18]

ومنه ما أرشد ربنا نبيه إليه من قبول مبايعة النساء والاستغفار لهن، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة :12].

العهود بين البشر وخطورتها واعتبار نقضها من الكبائر

ثم تأتي بعد ذلك العهود التي تعقد بين البشر، ويحدد درجاتها على قدر المنافع العامة المترتبة على الالتزام بها، والمفاسد العامة المترتبة على نقضها، فكلما كان العهد يعصم الدماء ويقر السلام ويملأ الأجواء بالأمان كان أعظم من غيره.

ولقد عد العلامة ابن حجر الهيتمي عدم الوفاء بالعهد من الكبائر، وجعله الكبيرة الكبيرة الثالثة والخمسين، فقال : «ومما يدل على تأكد العهود وأن الإخلال بالوفاء بها كبيرة الحديث المتفق عليه :

{أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا اؤتمن خان ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر}.

وفي الحديث :

{لكل غادر لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان}.

وروى البخاري :

{ يقول الله - تعالى - ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجره}.

أحاديث خصومة الله للغادرين وخلع الطاعة وخطورة نقض البيعة

وروى مسلم :

{ من خلع يدا من طاعة الله لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية }،

ومرت أحاديث كثيرة في هذا المعنى» [الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/182].

وقد سألني سائل –وهو يعلم أن الإسلام قد نظم لنا حياتنا وبنى فينا الإنسان الذي يرضى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم- عن أساس من أساس العلاقات الدولية وعن الوفاء بالعهد والوعد مع غير المسلمين والمنحلين والفاسقين : إلى أي مدى يلتزم المسلم بهذه العهود ؟ والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة :1].،

ويقول سبحانه : وقال تعالى :

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء :34].

صفات المنافقين في الحديث وامتناع اجتماع الكذب والخيانة مع الإيمان

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :

«أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» [رواه البخاري ومسلم]

فإلى أي حد يفي المسلم بعقوده وعهوده ومعاهداته ووعوده حتى لا يكون خائنا ؟ فالخيانة من صفات النفاق، ولا يكون كاذبا، فالكذب من صفاتهم كذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا أن أبعد الأخلاق السيئة عن المسلم الكذب، فقد قيل:

« يا رسول الله، المؤمن يكون جبانا ؟ قال: نعم، قيل: يكون بخيلاً ؟ قال: نعم، قيل: يكون كذابا ؟ قال: لا» [رواه مالك في الموطأ، والبيهقي في الشعب]،

وعن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال :

«يطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب» [رواه البزار وأبو يعلى]،

فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الكذب أبعد ما يكون عن المؤمن، وكذلك الخيانة والغدر.

القواعد الذهبية العامة التي تضبط وفاء المسلم بالعهود

فما هي تلك القواعد الذهبية التي تحكم المؤمن في معاهداته ووعوده ؟ يضع ربنا لنا الأسس القويمة الأصيلة التي يسير عليها المسلم إلى يوم القيامة، وهي تمثل سنة من السنن الإلهية التي أجراها الله في كونه لا تتخلف ولا تتبدل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

أولى تلك القواعد : إتمام العهد إلى نهاية مدته، فلكل عهد مدة يلتزم المسلم بالعهد ولا يغدر ولا يخون، قال تعالى :

﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة :4].

أقوام لا عهد لهم واستثناء مشركي مكة وانتقاض العهد بالنقض

الثانية : أن هناك أقوام ليس لهم عهد كالمشركين مثلا، قال تعالى :

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة :7].

الثالثة : أن هناك من يستثنى من هذا الحكم العام، كمشركي مكة، قال تعالى :

﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [التوبة :7].

الرابعة : أن العهد ينتقض ويكون بلا أثر إذا نقضه الآخر، ويكون المسلم في حل من الالتزام به، وعندئذ يأذن له بحق الرد إن شاء أو فعل ما تستوجبه مصلحة المسلمين، فالاستقامة على العهد مرتبطة باستقامة الطرف الآخر قال تعالى :

﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة :7].

وعليه فيحق للمسلم الرد بالمثل في ذلك، قال تعالى :

﴿الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البقرة :194].

صفات من لا يرقبون إلا ولا ذمة وربطها بالواقع المعاصر

الخامسة : أن الأقوام الذين لا عهد لهم استحقوا ذلك بسبب سلوكهم، وأنهم يستخدمون العهد للغدر والخداع، فيوضح ربنا ذلك حيث يقول تعالى :

﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة :8].

فإن حقيقة هؤلاء القوم العدوان، فهم ليسوا بمعاهدين، بل إنهم المعتدين، يقول تعالى :

﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ [التوبة :10].

وكأن التاريخ يعيد نفسه، وها نحن نرى الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وها نحن نرى معتقلات التعذيب السرية في الدولة الأوروبية وفي جوانتنامو فتحت للمسلمين مخالفة كل الشرائع السماوية والأرضية، ونرى الاحتلال العسكري الأمريكي والصهيوني، ونرى القتل وقصف الأراضي المسلمة في أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان، هؤلاء لديهم خططهم وحساباتهم، ونحن لسنا في حسابهم، فلن يعقدوا عهدا إلا لتضييع الوقت والانقضاض علينا مرة بعد المرة، وما سايسبيكوا منا ببعيد ؟

الوفاء بالعهد سمة المسلم وأثره الدعوي وخاتمة بالدعاء

وفي الختام سيظل الوفاء بالعهد سمة من سمات شخصية المسلم، إذ ضده بعيد كل البعد عن المسلم، فضد الوفاء الغدر والخيانة والكذب، والمسلم لا يتطبع على هذه الخلال أبدا، والمسلم يدعو إلى دين الله بأخلاقه التي تربى عليها من كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والوفاء بالعهد من أهم الأخلاق التي تفتح قلوب الآخرين للإسلام.

رزقنا الله والوفاء بالعهود معه ومع خلقه حتى يرضى عنا ويرضينا سبحانه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كم عدد صفات المنافق الواردة في الحديث المتفق عليه؟

أربع صفات

أي الكبائر جعل ابن حجر الهيتمي عدم الوفاء بالعهد؟

الكبيرة الثالثة والخمسون

ما الذي يُرفع للغادر يوم القيامة وفق الحديث النبوي؟

لواء يُعرَّف به

ما الخلة التي قال النبي إن المؤمن لا يُطبع عليها؟

الكذب

ما أعلى درجات العهود وأقدسها في الإسلام؟

عهد الله سبحانه وتعالى

ما الفرق بين العهد والوعد وفق ما ذكره أبو هلال العسكري؟

العهد هو الوعد المقرون بشرط

ماذا أمر النبي حذيفة وأباه بعد أن أخذ منهما المشركون عهداً؟

الوفاء لهم بعهدهم والاستعانة بالله عليهم

ما الحكم إذا نقض الطرف الآخر العهد مع المسلمين؟

ينتقض العهد ويحق للمسلم الرد بالمثل

من الثلاثة الذين يكون الله خصمهم يوم القيامة وفق الحديث الذي رواه البخاري؟

من أعطى بالله ثم غدر، ومن باع حراً، ومن استأجر أجيراً ولم يعطه أجره

ما أول القواعد الذهبية التي تحكم وفاء المسلم بعهوده؟

إتمام العهد إلى نهاية مدته

ما وصف القرآن للذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويفسدون في الأرض؟

الخاسرون

ما معنى الغدر في اللغة العربية؟

ترك الوفاء بالعهد أو نقضه وخيانة صاحبه

ما الخلتان اللتان قال النبي إن المؤمن لا يُطبع عليهما؟

الخيانة والكذب، فقد قال النبي: «يطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب».

ما معنى البيعة في الاصطلاح الشرعي؟

البيعة صفة على إيجاب المبايعة والطاعة، أي التولية وعقدها، وهي أخص من العهد.

ما الفرق بين العقد والعهد؟

العقد إلزام باستيثاق دائماً، بخلاف العهد الذي قد يكون باستيثاق أو بدونه، ولذا يقال عاهد العبد ربه ولا يقال عاقد العبد ربه.

ما الآية القرآنية التي تُثبت أن مبايعة النبي هي مبايعة لله؟

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾.

ما الوعيد القرآني لمن يشتري بعهد الله ثمناً قليلاً؟

لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.

ما الحديث الذي استدل به ابن حجر الهيتمي على أن نقض العهد كبيرة؟

الحديث المتفق عليه: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً... وإذا عاهد غدر».

ما الشرط القرآني للاستمرار في الوفاء بالعهد مع الآخرين؟

استقامة الطرف الآخر على العهد، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾.

ما وصف القرآن للذين ينقضون عهدهم في كل مرة ولا يتقون؟

وصفهم بأنهم شر الدواب عند الله في قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ﴾.

ما الأساس القرآني لوجوب الوفاء بالعقود مع جميع الناس؟

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.

لماذا يُعدّ الوفاء بالعهد أداة دعوية للإسلام؟

لأن الوفاء بالعهد من أهم الأخلاق التي تفتح قلوب الآخرين للإسلام، والمسلم يدعو إلى دينه بأخلاقه المستمدة من القرآن والسنة.

ما الحديث الذي رواه مسلم عن خطورة خلع الطاعة وعدم البيعة؟

«من خلع يداً من طاعة الله لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».

ما صفة الأقوام الذين لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة وفق القرآن؟

وصفهم القرآن بأنهم المعتدون، وأنهم يُرضون المسلمين بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون.

ما الذي يجعل عهداً ما أعظم من غيره من العهود بين البشر؟

قدر المنافع العامة المترتبة على الالتزام به والمفاسد العامة المترتبة على نقضه، فكلما عصم الدماء وأقر السلام كان أعظم.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!