هل يجوز الخلاف في مسائل العقيدة وما الفرق بين أصول الدين وفروعه؟
يجوز الخلاف في المسائل الفرعية من علم العقيدة كما يجوز في مسائل الفقه والأخلاق، إذ الضابط ليس عنوان العلم بل مدى قطعية النص ثبوتاً ودلالةً. وقد ثبت هذا الخلاف منذ عهد الصحابة في مسائل كرؤية النبي ربه وتعيين الذبيح والإسراء بالروح أو الجسد. أما المسائل المجمع عليها التي تمثل هوية الإسلام فلا خلاف فيها، وهي التي يضبطها الإجماع.
- •
هل يجوز الخلاف في مسائل العقيدة أم هو مقصور على الفقه فقط؟ الجواب أن الخلاف السائغ يمتد إلى فروع العقيدة والأخلاق معاً.
- •
أراد الله لهذه الأمة الوحدة، فنهى عن الفرقة في آيات متعددة، غير أن الخلاف في المسائل غير القطعية ليس من الفرقة المذمومة.
- •
هوية الإسلام تشمل مسائل عقدية وفقهية وأخلاقية يضبطها الإجماع، وهي التي لا يجوز الخلاف فيها.
- •
الضابط الحقيقي لجواز الخلاف هو مدى قطعية النص ثبوتاً ودلالةً، لا كون المسألة منتسبة لعلم العقيدة أو الفقه.
- •
وصف علم التوحيد بـ«أصول الدين» لا يعني خلوه من المسائل الفرعية، بل يعني أن الإيمان بالله أساس الإسلام كله.
- •
ثبت الخلاف في مسائل عقدية فرعية منذ عهد الصحابة كرؤية النبي ربه وتعيين الذبيح والإسراء وتعذيب الميت ببكاء أهله.
- 1
يستعرض الآيات القرآنية الآمرة بوحدة الأمة والناهية عن الفرقة والتنازع، تأسيساً للحديث عن حدود الخلاف الجائز.
- 2
يبين أن هوية الإسلام تجمع مسائل عقدية وفقهية وأخلاقية يضبطها الإجماع، وهي أساس وحدة الأمة.
- 3
يقرر أن الخلاف في المسائل غير القطعية ليس فرقة مذمومة، مستنداً إلى حديث «خلاف أمتي رحمة» وإجماع الأئمة على معناه.
- 4
يعرض آراء الإمام القاسم وابن قدامة والإمام أحمد في اختلاف الأئمة باعتباره رحمة وسعة للمسلمين.
- 5
يكشف أن توهم منع الخلاف في العقيدة نشأ من الخلط بين لقب «أصول الدين» ومضمون العلم الذي يشمل فروعاً خلافية.
- 6
يوضح أن تسمية علم التوحيد بأصول الدين تعني أن الإيمان بالله أساس الإسلام، لا أن العلم خالٍ من المسائل الفرعية.
- 7
يقرر أن ضابط الخلاف الجائز هو قطعية النص ثبوتاً ودلالةً لا انتساب المسألة لعلم العقيدة أو الفقه.
- 8
يشرح قاعدة «لا مسوغ للاجتهاد في مورد النص» ويبين أثرها في تحديد حدود الخلاف الجائز في العقيدة والفقه.
- 9
يعرض رأي الشاطبي القاضي بأن الخلاف في الظنيات جائز في الفروع والجزئيات سواء انتمت للفقه أو العقيدة أو الأخلاق.
- 10
يعرض نقد ابن تيمية لتقسيم المسائل إلى أصول وفروع ويقرر أن المجتهد المخطئ في العقيدة مغفور له.
- 11
يسرد ابن تيمية أمثلة على الخطأ المغفور في الاجتهاد العقدي كمسألة رؤية الله ومسألة الذبيح.
- 12
يستكمل أمثلة الخطأ المغفور في الاجتهاد العقدي بقصة الرجل المحروق ومسألة إرادة الله للمعاصي.
- 13
يثبت بنص ابن تيمية أن الخلاف في المسائل العقدية الفرعية موجود منذ عهد الصحابة مع بقاء الجماعة والألفة.
- 14
يعرض موقف السيدة عائشة النافي لرؤية النبي ربه ليلة المعراج مع أدلتها القرآنية، كأول مثال على الخلاف العقدي الفرعي.
- 15
يعرض موقف ابن عباس المثبت لرؤية النبي ربه وتقرير الحافظ العراقي لكون هذه المسألة خلافية عقدية معتبرة.
- 16
يعرض الخلاف في مسألة الإسراء بالروح أو بالجسد كمثال ثانٍ على المسائل العقدية الفرعية الخلافية منذ عهد الصحابة.
- 17
يستعرض القرطبي الخلاف في تعيين الذبيح ويعرض أقوال الصحابة القائلين بأنه إسحاق في الجزء الأول من المسألة.
- 18
يكمل عرض الخلاف في الذبيح بذكر القائلين بأنه إسماعيل من الصحابة والتابعين وحجتهم الجغرافية والنقلية.
- 19
يعرض مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله وإنكار عائشة للحديث استناداً لمبدأ عقدي قرآني، كمثال رابع على الخلاف العقدي الفرعي.
- 20
يختتم بتأكيد أن العقيدة كالفقه تشمل أصولاً مجمعاً عليها وفروعاً خلافية، مع الإشارة إلى أن الفروع العقدية أقل من الفقهية.
ما الآيات القرآنية التي تأمر بوحدة الأمة وتنهى عن الفرقة والتنازع؟
أمر الله تعالى بوحدة الأمة ونهى عن الفرقة في آيات متعددة، منها قوله: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة﴾، وقوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾، وقوله: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾. وهذه الآيات تؤسس لمبدأ الوحدة الإسلامية وتحذر من الفرقة المذمومة التي تضعف الأمة.
ما المسائل التي تمثل هوية الإسلام وتضبطها الأمة بالإجماع؟
هوية الإسلام تشمل مسائل من علم العقائد كوجوب الإيمان بالله وحب النبي صلى الله عليه وسلم والبراءة من الكفر والشرك، ومسائل من الفقه كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج، ومسائل من الأخلاق كحرمة الكذب والغش. والإجماع هو الضابط لهذه المسائل التي تميز الأمة الإسلامية وتحقق وحدتها.
هل الخلاف في المسائل غير القطعية يُعدّ فرقة مذمومة وما دليل ذلك من السنة؟
الخلاف في المسائل غير القطعية ليس من الفرقة المذمومة، بل هو أمر جاء به الدين ومستقر تنظيراً وتطبيقاً منذ عهد الصحابة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «خلاف أمتي رحمة»، ومعنى هذا الحديث اتفق عليه الأئمة والعلماء قديماً وحديثاً وإن كان الحديث في سنده ضعف.
كيف نظر الأئمة إلى اختلاف الصحابة والعلماء وما أثره على المسلمين؟
نظر الأئمة إلى اختلاف الصحابة والعلماء نظرة إيجابية باعتباره توسيعاً لدائرة السعة على المسلمين. فقال الإمام القاسم بن محمد إن الله نفع باختلاف الصحابة إذ يرى كل عامل أنه في سعة. وقال ابن قدامة إن اتفاق الأئمة حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة. وأوصى الإمام أحمد بتسمية كتاب الاختلاف «كتاب السعة».
ما سبب توهم بعضهم أن الخلاف لا يجوز في أي مسألة من مسائل العقيدة؟
سبب هذا الوهم هو الخلط بين قول «لا خلاف بين المسلمين في أصول الدين» وبين تسمية علم العقيدة بـ«أصول الدين». فالعلماء حين أطلقوا هذا اللقب على علم التوحيد لم يقصدوا أن هذا العلم لا يشتمل إلا على مسائل لا يجوز فيها الخلاف، وإنما أشاروا إلى أن هذا العلم يبحث قضايا الإيمان التي هي أساس الدين.
لماذا سُمي علم التوحيد بأصول الدين وما علاقته ببنية الإسلام؟
سُمي علم التوحيد بأصول الدين لأن الدين يبتني عليه، إذ الإيمان بالله تعالى هو أساس الإسلام بفروعه المختلفة. وهذه التسمية ليست من حيث إنه قواعد استنباط ولا من حيث عدم اشتماله على مسائل فرعية، بل من حيث إن التوحيد هو الأساس الذي يقوم عليه الدين كله.
ما الضابط الحقيقي لجواز الخلاف في مسائل العقيدة والفقه والأخلاق؟
الضابط الحقيقي لجواز الخلاف ليس عنوان العلم سواء كان عقيدة أو فقهاً، بل هو مدى قطعية النص من حيث الثبوت والدلالة أو مدى وجود نص في المسألة. وليست كل مسائل علم العقيدة تُعدّ أصولاً، فالحديث عن الخلاف مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحديث عن القطعية والظنية في النصوص.
ما معنى قاعدة «لا مسوغ للاجتهاد في مورد النص» وما أثرها على الخلاف؟
قاعدة «لا مسوغ للاجتهاد في مورد النص» تعني أن كل خطاب عُلم ما أريد به من الحكم فلا يجوز الاجتهاد فيه، وهو ما يشير إلى القطعية في الدلالة. فإن كان الحكم الشرعي ثابتاً بنص من الكتاب والسنة الصحيحة قطعي الدلالة فلا مسوغ للخلاف حينئذٍ سواء كانت المسألة عقدية أو فقهية.
ما رأي الإمام الشاطبي في الخلاف بين مسائل الفقه والعقيدة والأخلاق؟
يرى الإمام الشاطبي أنه لا فرق بين الخلاف في مسائل الفقه أو العقيدة أو الأخلاق طالما وُجدت مسوغات الخلاف. وقد قرر أن النظريات لا يمكن الاتفاق عليها عادةً، وأن الظنيات عريقة في إمكان الاختلاف فيها في الفروع دون الأصول وفي الجزئيات دون الكليات، ولذلك لا يضر هذا الاختلاف.
ما موقف ابن تيمية من تقسيم المسائل إلى أصول وفروع وما حكم المجتهد المخطئ في العقيدة؟
يرى ابن تيمية أن من كان مجتهداً في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه سواء في المسائل النظرية أو العملية، وهذا ما عليه أصحاب النبي وجماهير أئمة الإسلام. ويؤكد أن تقسيم المسائل إلى أصول يُكفَّر بإنكارها وفروع لا يُكفَّر بإنكارها ليس له أصل عن الصحابة ولا التابعين ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأهل البدع.
ما أمثلة الخطأ المغفور في الاجتهاد العقدي عند ابن تيمية؟
يضرب ابن تيمية أمثلة على الخطأ المغفور في الاجتهاد العقدي، منها من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته، ومن اعتقد أن الله لا يُرى لقوله تعالى ﴿لا تدركه الأبصار﴾ وقوله ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب﴾. وقد نُقل عن بعض التابعين تفسير آية النظر بأنها تنتظر ثواب ربها، وهذا من الخطأ المغفور في المسائل الخبرية.
ما مثال الرجل الذي أوصى بإحراقه وما دلالته على الخطأ المغفور في العقيدة؟
من أمثلة الخطأ المغفور ما ورد عن الرجل الذي قال لأهله: «إذا أنا متُّ فأحرقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين»، وهذا خطأ عقدي في صفة القدرة الإلهية، غير أنه صدر عن خوف لا عن جحود فغُفر له. وكذلك من أنكر أن الله يريد المعاصي لاعتقاده أن معناه أن الله يحب ذلك ويرضاه.
هل ثبت الخلاف في المسائل العقدية الفرعية منذ عهد الصحابة وكيف تعاملوا معه؟
نعم، ثبت الخلاف في المسائل العقدية الفرعية منذ العصر الأول للتشريع، كما يقرر ابن تيمية بأن الصحابة تنازعوا في مسائل علمية اعتقادية كسماع الميت صوت الحي وتعذيب الميت ببكاء أهله ورؤية محمد ربه، مع بقاء الجماعة والألفة. ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ.
ما موقف السيدة عائشة من مسألة رؤية النبي ربه ليلة المعراج وما دليلها؟
ذهبت السيدة عائشة رضي الله عنها إلى نفي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج نفياً مؤكداً، واستدلت بقوله تعالى ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ وقوله ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب﴾. وأكدت أن النبي رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين لا ربه سبحانه.
ما موقف ابن عباس من رؤية النبي ربه وكيف وصف الحافظ العراقي هذه المسألة؟
كان ابن عباس رضي الله عنه يثبت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج، خلافاً لموقف السيدة عائشة. ويقرر الحافظ العراقي ثبوت هذا الخلاف منذ عهد السلف، ويصفها بأنها مسألة خلاف بين السلف والخلف وإن كان جمهور الصحابة بل كلهم مع عائشة رضي الله عنها، مما يؤكد أنها مسألة خلافية من مسائل علم العقيدة.
هل الإسراء كان بالروح أم بالجسد وما الخلاف الوارد في ذلك عن الصحابة؟
ثبت الخلاف في مسألة الإسراء منذ زمن الصحابة، فقيل كان بالروح دون الجسد ونُقل هذا عن عائشة ومعاوية رضي الله عنهما وعن الحسن البصري. وقيل كان بالروح والجسد معاً وهو ما أشار إليه ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية، وهذه المسألة من المسائل العقدية الفرعية الخلافية.
من هو الذبيح إسحاق أم إسماعيل وما الأقوال الواردة عن الصحابة في ذلك؟
اختلف العلماء في تعيين الذبيح، فذهب أكثرهم إلى أنه إسحاق، ومن قال بذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله وعبد الله بن مسعود كما نقله القرطبي. وقد روى الثوري وابن جريج هذا القول مرفوعاً إلى ابن عباس، وهو الصحيح عن عبد الله بن مسعود.
من قال من الصحابة والتابعين إن الذبيح إسماعيل وما حجتهم في ذلك؟
قال بأن الذبيح إسماعيل أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس أيضاً، ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد وغيرهم. واحتج أبو عمرو بن العلاء بأن إسحاق لم يكن بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة.
هل الميت يعذب ببكاء أهله عليه وما موقف السيدة عائشة من هذا الحديث؟
ورد حديث صحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» أخرجه مسلم. غير أن السيدة عائشة رضي الله عنها أنكرت هذا المعنى ونسبته للنبي، مستدلةً بقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ لتعارضه مع مبدأ عام في العقيدة، وهذا مثال على الخلاف العقدي الفرعي بين الصحابة.
ما خلاصة القول في وجود مسائل فرعية خلافية في علم العقيدة وما علاقتها بعلم الفقه؟
خلاصة القول أن علم العقيدة كعلم الفقه والأخلاق يشتمل على مسائل مجمع عليها تمثل أصولاً، ويشتمل على مسائل فرعية خلافية وإن كانت أقل عدداً من مسائل الفقه الفرعية. والأمثلة المذكورة من رؤية النبي ربه والإسراء والذبيح وتعذيب الميت إنما ذُكرت للتمثيل لا للترجيح، وبها تزول الشبهة القائلة بعدم وجود فروع خلافية في العقيدة.
الخلاف في فروع العقيدة جائز كالخلاف في الفقه، والضابط قطعية النص لا عنوان العلم.
الخلاف في مسائل العقيدة الفرعية جائز ومستقر منذ عهد الصحابة، إذ الضابط الحقيقي هو مدى قطعية النص ثبوتاً ودلالةً لا كون المسألة منتسبة لعلم العقيدة أو الفقه. فمن كان مجتهداً في طلب الحق وأخطأ غفر الله له خطأه سواء في المسائل النظرية أو العملية، كما قرر ابن تيمية وأئمة الإسلام.
وقد ثبت هذا الخلاف عملياً في مسائل عقدية فرعية كرؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج، والإسراء بالروح أو بالجسد، وتعيين الذبيح بين إسحاق وإسماعيل، وتعذيب الميت ببكاء أهله. وقد اختلف فيها الصحابة والتابعون مع بقاء الجماعة والألفة، مما يدل على أن علم العقيدة كعلم الفقه يشتمل على مسائل مجمع عليها وأخرى فرعية خلافية.
أبرز ما تستفيد منه
- الضابط في جواز الخلاف هو قطعية النص لا عنوان العلم فقهاً كان أم عقيدةً.
- وصف علم التوحيد بأصول الدين لا يعني خلوه من المسائل الفرعية الخلافية.
- اختلاف الصحابة في مسائل عقدية فرعية ثابت ولم يُعدّ فرقةً مذمومة.
- المجتهد المخطئ في المسائل العقدية الفرعية مغفور له عند جماهير أئمة الإسلام.
- علم العقيدة كعلم الفقه يشتمل على أصول مجمع عليها وفروع خلافية أقل عدداً.
مقصد وحدة الامة والنهي عن الفرقة في نصوص القرآن
س 4: هل يجوز الخلاف في مسائل تنتمي لعلم العقائد، أم أن الخلاف الجائز مقصور على علم الفقه؟
الجواب بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، فقد أراد الله لهذه الأمة الوحدة، فحثها على ذلك، وزجرها عن الفرقة، قال تعالى:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:92].
وقال سبحانه وتعالى:
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:52].
وقال عز وجل:
﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى:13].
وقال سبحانه:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:103].
وقال تعالى:
﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:105].
وقال سبحانه وتعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:46].
هوية الامة بين العقيدة والفقه والاخلاق وضابط الاجماع
وتَحَقُقُ وحدة الأمة الإسلامية يكون باجتماعها على أصول تمثل هويتها، وتميزها بين سائر أمم الأرض، وهوية الإسلام منها أمور تنتمي إلى علم العقائد كوجوب الإيمان بالله، وحبه سبحانه، وحب نبيه صلى الله عليه وسلم، ووجوب البراءة من الكفر والشرك، ومنها ما ينتمي إلى علم الفقه: كوجوب الصلاة، ووجوب الصيام، والزكاة، والحج، ومنها ما ينتمي للأخلاق كحرمة الكذب، وحرمة الغش، ويضبط هذه المسائل التي تمثل هوية الإسلام الإجماع.
الخلاف غير القطعي بين المسلمين ورحمته وامتداده من عصر الصحابة
أما الخلاف في المسائل غير القطعية ليس من قبيل الفرقة المذمومة، بل هو أمر جاء به الدين، وهو مستقر تنظيرا وتطبيقا من لدن الصحابة رضوان الله عليهم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:
«خلاف أمتي رحمه»
[1]، ومعنى الحديث اتفق عليه الأئمة والعلماء قديما وحديثا.
اثر اختلاف الصحابة والائمة في توسيع دائرة السعة للمسلمين
قال الإمام القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: «لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيرًا منه قد عمل عمله» [2].
قال ابن قدامة المقدسي: «وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام, مهد بهم قواعد الإسلام, وأوضح بهم مشكلات الأحكام, اتفاقهم حجة قاطعة, واختلافهم رحمة واسعة» [3].
وقد صنف رجل كتابًا في الاختلاف. فقال له الإمام أحمد: «لا تسميه الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة» [4].
منشأ توهم منع الخلاف في مسائل العقيدة بسبب لقب اصول الدين
وقد توهم بعضهم أنه لا يجوز الخلاف بين المسلمين في أي من مسائل العقيدة، وسبب هذا الوهم الخلط بين قول: «لا خلاف بين المسلمين في أصول الدين» وبين تسمية علم العقيدة أو علم التوحيد بأصول الدين، فإن العلماء عندما أطلقوا «أصول الدين» كلقب على علم التوحيد لم يقصدوا بذلك أن هذا العلم لا يشتمل إلا على مسائل الأصول التي لا يجوز فيها الخلاف، وإنما إشارة إلى أن هذا العلم يبحث قضايا الإيمان التي هي أساس الدين.
معنى وصف علم التوحيد بانه اصول الدين وارتباطه ببنية الاسلام
فببحثه لهذه القضايا، واهتمامه بقضية التوحيد لُقِبَ هذا العلم «بأصول الدين»، فسمي أصولا لا من حيث إنه قواعد استنباط, ولا من حيث عدم اشتماله على مسائل فرعية، بل من حيث إن الدين يبتني عليه, فإن الإيمان بالله تعالى أساس الإسلام بفروعه المختلفة.
ليست كل مسائل العقيدة اصولا وضابط ربط الخلاف بالقطعية والظنية
وما نريد تقريره هنا أنه ليست كل مسائل علم العقيدة تعد أصولا، فنؤكد على أن الحديث عن الخلاف مرتبط ارتباطا وثيقا بالحديث عن القطعية والظنية في النصوص التي تثبت بها الأحكام.
إذن فمدار الموضوع حول جواز الخلاف أو الخلاف السائغ بين المسلمين ليس هو عنوان العلم، وإنما هو مدى قطعية النص من حيث الثبوت والدلالة، أو مدى وجود نص في المسألة.
قاعدة لا مسوغ للاجتهاد في مورد النص واثرها على الخلاف
ولذا قرر العلماء أنه «لا مسوغ للاجتهاد في مورد النص» وقصدوا بالنص «كل خطاب علم ما أريد به من الحكم» [5]، وهو ما يشير إلى القطعية في الدلالة، فإن كان الحكم الشرعي ثابت بنص من الكتاب والسنة الصحيحة، فلا مسوغ للخلاف حينئذ.
الاستواء بين الفقه والعقيدة والاخلاق في الخلاف السائغ عند الشاطبي
فلا فرق إذن بين الخلاف في مسائل فرعية تنتمي لعلم الفقه، أو تنتمي لعلم العقائد، أو تنتمي لعلم الأخلاق طالما أن مسوغات الخلاف قد وجدت، يقول الإمام الشاطبي: «وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق عليها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف فيها، لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف» [6].
رؤية ابن تيمية لمغفرة خطأ المجتهد ونقد تقسيم اصول وفروع
ورحم الله ابن تيمية حيث قرر هذا المعنى وجلاه، فيقول: «فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائناً ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام. وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها.
فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول (أي العقيدة) وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع (أي الفقه) فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع.
وهو تفريق متناقض فإنه يقال لمن فرق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ فيها؟ وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟ فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ومسائل الفروع هي مسائل العمل قيل له: فتنازع الناس في محمد هل رأى ربه أم لا؟ وفى أن عثمان أفضل من علي أم على أفضل؟ وفى كثير من معاني القرآن وتصحيح بعض الأحاديث هي من المسائل الاعتقادية العلمية ولا كفر فيها بالاتفاق» [7].
الخطأ المغفور في الاجتهاد العقدي عند ابن تيمية وامثلة التاويل
ويقول في موضع آخر: «والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية، كما قد بسط في غير موضع، كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه، مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أن الله لا يُرى لقوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ ولقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [الشورى:51]. نقل عن بعض التابعين أن الله لا يرى، وفسروا قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:22-23].
بأنها تنتظر ثواب ربها كما نقل عن مجاهد وأبي صالح......
امثلة اخرى للخطأ المغفور وانكار ارادة المعاصي وقصة الرجل المحروق
إلى أن قال وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي لاعتقادهم أن معناه أن الله يحب ذلك ويرضاه ويأمر به.. وكالذي قال لأهله: «إذا أنا متُّ فأحرقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين». وكثير من الناس لا يعلم ذلك إما لأنه لم تبلغه الأحاديث وإما لأنه ظن أنه كذب وغلط» [8].
ثبوت الخلاف في المسائل العقدية الفرعية منذ العصر الاول
أما ما يخص المسائل الفرعية التي تنتمي لعلم العقائد فقد ثبت الخلاف فيها من العصر الأول للتشريع، يقول ابن تيمية –موافقة لهذا الكلام-: «وتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية كسماع الميت صوت الحي وتعذيب الميت ببكاء أهله ورؤية محمد ربه قبل الموت مع بقاء الجماعة والألفة. وهذه المسائل منها ما أحد القولين خطأ قطعا،ً ومنها ما المصيب في نفس الأمر واحد عند الجمهور أتباع السلف، والآخر مؤد لما وجب عليه بحسب قوة إدراكه. وهل يقال له: مصيب أو مخطىء؟ فيه نزاع. ومن الناس من يجعل الجميع مصيبين ولا حكم فى نفس الأمر، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ» [9].
المثال الاول لمسائل العقيدة الفرعية رؤية النبي ربه ورأي عائشة
ومن أمثلة المسائل العقائدية الفرعية التي اختلف فيه المسلمين، وكان الخلاف فيها سائغا ما سنتناوله بشيء من التفصيل فيما يلي:
- مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة أعرج به: فذهبت السيدة عائشة رضي الله عنها لنفي ذلك نفيا مؤكدا، فعن عن مسروق قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: «يا أمتاه، هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾. ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا﴾.
ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ الآية ولكنه رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين [10].
رأي ابن عباس في رؤية النبي ربه وتعقيب الحافظ العراقي
في حين أن سيدنا عبد الله بن عباس كان يثبت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة أعرج به، فعكرمة رضي الله عنه يقول: سمعت ابن عباس يقول: «إن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه تبارك» [11].
ويقرر الحافظ العراقي ثبوت هذا الخلاف منذ عهد السلف، فيقول: «....وهذا على مذهب من يقول إنه عليه الصلاة والسلام رأى ربه تبارك وتعالى، وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف، وإن كان جمهور الصحابة بل كلهم مع عائشة رضي الله عنها» [12]. فها هو الحافظ العراقي يذكر مذهب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه، ويخبر بأنها مسألة خلافية بين السلف والخلف وهي من مسائل علم العقيدة.
المثال الثاني الخلاف في كون الاسراء بالروح ام بالجسد
- مسألة ثانية وهي: هل الإسراء كان بالروح دون الجسد أم بكلاهما ؟ وقد ثبت الخلاف في تلك المسألة كذلك منذ زمن صحابة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية:«وقوله: (وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة) اختلف الناس في الإسراء، فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده نقله ابن إسحاق عن عائشة و معاوية رضي الله عنهما ونقل عن الحسن البصري نحوه» [13].
المثال الثالث الخلاف في تعيين الذبيح بين اسحاق واسماعيل الجزء الاول
- مسألة ثالثة: وهي من الذبيح إسحق أم إسماعيل عليهما السلام ؟ وقد أثبت الخلاف في تلك المسألة الإمام القرطبي رحمه الله حيث قال: «واختلف العلماء في المأمور بذبحه فقال أكثرهم: الذبيح إسحاق، وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبدالله. وهو الصحيح عنه. روى الثوري و ابن جريح يرفعانه إلى ابن عباس قال: الذبيح إسحاق وهو الصحيح عن عبد الله بن مسعود....
المثال الثالث الخلاف في تعيين الذبيح بين اسحاق واسماعيل الجزء الثاني
إلى أن قال: «وذلك مروي أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن عبد الله بن عمر: أن الذبيح إسحاق وهو قول عمر رضي الله عنه فهؤلاء سبعة من الصحابة وقال من التابعين وغيرهم علقمة و الشعبي ومجاهد وسعيد بن جبير وكعب الأحبار وقتادة ومسروق و عكرمة والقاسم بن أبي بزة و عطاء و مقاتل وعبد الرحمن بن سابط والزهري و السدي و عبد الله بن أبي الهذيل ومالك بن أنس كلهم قالوا: الذبيح إسحاق. وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى واختاره غير واحد منهم النحاس و الطبري وغيرهما. قال سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر من منى فلما صرف الله عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة طويت له الأودية والجبال. وهذا القول أقوى في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين.
وقال آخرون: هو إسماعيل وممن قال ذلك أبوهريرة و أبو الطفيل عامر بن واثلة وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس أيضا، ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي و يوسف بن مهران ومجاهد و الربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي و علقمة وسئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد:
إن الذبيح هديت إسمعيل... نطق الكتاب بذاك والتنزيل
شرف به خص الإله نبينا... وأتى به التفسير والتأويل
إن كنت أمته فلا تنكر له... شرفا به قد خصه التفضيل
وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عزب عنك عقلك ! ومتى كان إسحاق بمكة ؟ وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة» [14].
المثال الرابع تعذيب الميت ببكاء اهله ورد عائشة على ذلك
- مسألة نذكرها أخيرا: هل الميت يعذب ببكاء أهله عليه ؟ وقد ورد في هذه المسألة حديث صحيح، فعن ابن عمر رضي الله عنه: أن حفصة بكت على عمر فقال مهلا يا بنية ألم تعلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه»
[15]. ألا أن السيدة عائشة وعلى الرغم من ورود الحديث ردت الحديث لتعارضه بمبدأ عام في العقيدة، ومفهوم آية قرآنية فيما تراه؛ لذا فأنكرت السيدة عائشة هذا المعنى، وأنكرت نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: حسبكم القرآن، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام:164] » [16].
خاتمة تاكيد وجود فروع في العقيدة مع قلة عددها عن مسائل الفقه
ليست هذه كل المسائل الفرعية في علم العقيدة التي اختلف عليها العلماء منذ عهد الصحابة، وإنما ما ذُكر تمثيلا لها حتى لا يتهم قولنا بأن هناك مسائل فروع في العقيدة حدث الخلاف عليها. بأن ذلك قول مرسل، ولم يثبت بذكر شيء من هذه المسائل.
وقد ذكرنا هذه المسائل للإشارة إلى ما ورد من خلاف فيها، وليس لترجيح قول على آخر، ونرى أنه بهذا النقل قد تزول الشبهة لدى السائل، ويستقر في علمه أن علم العقيدة كعلم الفقه والأخلاق يشتمل على مسائل مجمع عليها وتمثل أصولا، ويشتمل على مسائل فرعية، وإن كانت المسائل الفرعية فيه ليست بكثرة علم الفقه، والله تعالى أعلى وأعلم.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الضابط الحقيقي لجواز الخلاف بين المسلمين في المسائل الشرعية؟
مدى قطعية النص ثبوتاً ودلالةً
لماذا سُمي علم التوحيد بـ«أصول الدين»؟
لأن الإيمان بالله أساس الإسلام بفروعه المختلفة
ما موقف السيدة عائشة رضي الله عنها من مسألة رؤية النبي ربه ليلة المعراج؟
نفت الرؤية مستدلةً بآيات قرآنية
ما موقف ابن عباس رضي الله عنه من رؤية النبي ربه ليلة المعراج؟
أثبت رؤية النبي لربه تبارك
ما الحجة التي ساقها أبو عمرو بن العلاء على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق؟
إسحاق لم يكن بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة وبنى البيت مع أبيه
بماذا استدلت السيدة عائشة على إنكار حديث «إن الميت يعذب ببكاء أهله»؟
بقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾
ما الذي قرره ابن تيمية بشأن تقسيم المسائل إلى أصول وفروع؟
أنه تقسيم مأخوذ عن المعتزلة وأهل البدع وليس له أصل عن الصحابة
ما الذي أوصى به الإمام أحمد بشأن تسمية كتاب الاختلاف؟
أوصى بتسميته «كتاب السعة»
ما قول الإمام الشاطبي في الخلاف في الظنيات؟
الظنيات عريقة في إمكان الاختلاف في الفروع دون الأصول وفي الجزئيات دون الكليات
ما المسائل التي يضبطها الإجماع وتمثل هوية الإسلام؟
مسائل من العقيدة والفقه والأخلاق معاً
ما الخلاف الوارد في مسألة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم؟
هل كان الإسراء بالروح دون الجسد أم بكليهما
ما معنى قول ابن قدامة «اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة»؟
أن إجماع الأئمة ملزم وخلافهم يوسع على المسلمين
من نقل القول بأن الإسراء كان بالروح دون الجسد عن عائشة ومعاوية؟
ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية
ما مذهب أهل السنة والجماعة في المجتهد الذي يخطئ في المسائل العقدية الفرعية؟
لا إثم عليه وخطؤه مغفور
ما سبب توهم بعضهم أن الخلاف لا يجوز في أي مسألة من مسائل علم العقيدة؟
الخلط بين قول «لا خلاف في أصول الدين» وبين تسمية علم العقيدة بـ«أصول الدين»، إذ العلماء أطلقوا هذا اللقب إشارةً إلى أن العلم يبحث قضايا الإيمان الأساسية لا لنفي وجود فروع خلافية فيه.
ما معنى حديث «خلاف أمتي رحمة» وما حكمه من حيث الثبوت؟
معناه أن الاختلاف في المسائل غير القطعية يوسع على المسلمين ويرفع الحرج، وقد اتفق الأئمة على هذا المعنى. أما من حيث الثبوت فالحديث في سنده ضعف وانقطاع، وإن كان معناه صحيحاً متفقاً عليه.
ما الفرق بين الفرقة المذمومة والخلاف السائغ في الإسلام؟
الفرقة المذمومة هي الاختلاف في الأصول القطعية المجمع عليها التي تمثل هوية الإسلام. أما الخلاف السائغ فهو الاختلاف في المسائل الفرعية غير القطعية في الفقه والعقيدة والأخلاق، وهو أمر جاء به الدين ومستقر منذ عهد الصحابة.
ما قول الإمام القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق في اختلاف الصحابة؟
قال: «لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيراً منه قد عمل عمله»، مما يدل على أن الاختلاف يوسع على المسلمين.
ما الآية التي استدلت بها السيدة عائشة على إنكار تعذيب الميت ببكاء أهله؟
استدلت بقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام:164]، إذ رأت أن تعذيب الميت بفعل أهله يتعارض مع هذا المبدأ العقدي القرآني العام.
ما الأمثلة التي ذكرها ابن تيمية على الخطأ المغفور في الاجتهاد العقدي؟
من أمثلته: من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث ظنه ثابتاً، ومن اعتقد أن الله لا يُرى استناداً لآية ﴿لا تدركه الأبصار﴾، ومن أنكر أن الله يريد المعاصي لاعتقاده أن ذلك يعني محبتها، وقصة الرجل الذي أوصى بإحراقه خوفاً من عذاب الله.
ما الآيات القرآنية التي تنهى عن الفرقة وتأمر بالوحدة؟
من أبرزها: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ [آل عمران:103]، و﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾ [آل عمران:105]، و﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال:46].
ما قول ابن تيمية في حكم المجتهد المخطئ في المسائل النظرية والعملية؟
قال إن من كان مجتهداً في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائناً ما كان، سواء في المسائل النظرية أو العملية، وهذا ما عليه أصحاب النبي وجماهير أئمة الإسلام.
من القائلون من الصحابة بأن الذبيح إسحاق؟
ممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم، وهم سبعة من الصحابة كما ذكر القرطبي.
ما الحجة الجغرافية التي ساقها أبو عمرو بن العلاء على أن الذبيح إسماعيل؟
قال: «أين عزب عنك عقلك! ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة»، مستدلاً بأن موضع الذبح كان بمكة حيث كان إسماعيل لا إسحاق.
ما المسائل العقدية الفرعية التي ذكر ابن تيمية أن الصحابة تنازعوا فيها مع بقاء الجماعة؟
ذكر: سماع الميت صوت الحي، وتعذيب الميت ببكاء أهله، ورؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه قبل الموت، وقد تنازعوا فيها مع بقاء الجماعة والألفة.
ما الفرق بين «أصول الدين» بمعنى اللقب على علم التوحيد و«أصول الدين» بمعنى المسائل القطعية؟
«أصول الدين» كلقب على علم التوحيد يعني أن هذا العلم يبحث قضايا الإيمان التي هي أساس الدين. أما «أصول الدين» بمعنى المسائل القطعية فتعني المسائل المجمع عليها التي لا يجوز الخلاف فيها. والخلط بينهما هو مصدر الوهم بمنع الخلاف في كل مسائل العقيدة.
ما الذي يضبط المسائل التي تمثل هوية الإسلام ولا يجوز الخلاف فيها؟
الإجماع هو الضابط لهذه المسائل، وهي تشمل مسائل عقدية كوجوب الإيمان بالله وحب النبي، ومسائل فقهية كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج، ومسائل أخلاقية كحرمة الكذب والغش.
ما قول الحافظ العراقي في مسألة رؤية النبي ربه من حيث موقف الصحابة؟
قرر أنها مسألة خلاف بين السلف والخلف، وأن جمهور الصحابة بل كلهم كانوا مع عائشة رضي الله عنها في نفي الرؤية، وإن كان ابن عباس يثبتها.
لماذا ذُكرت الأمثلة الأربعة للخلاف العقدي الفرعي في هذا السياق؟
ذُكرت للتمثيل لا للترجيح، بهدف إثبات أن هناك فعلاً مسائل فرعية في علم العقيدة حدث الخلاف عليها منذ عهد الصحابة، حتى تزول الشبهة لدى من يظن أن قول وجود فروع في العقيدة قول مرسل لا دليل عليه.