هل الشيعة من المسلمين وما حكم تكفيرهم وهل يجوز التقريب بينهم وبين أهل السنة؟
الشيعة المعتدلون الذين لا ينكرون أصلاً من أصول الدين مسلمون، ولا يجوز تكفيرهم لأنهم يشهدون الشهادتين ويؤمنون بأركان الإيمان الستة. والتقريب بين أهل السنة والشيعة أمر مطلوب شرعاً، إذ يقوم على المبادئ الإسلامية المشتركة في العقيدة والشريعة. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير من تكفير أهل القبلة، وأكد الإمام الغزالي أن الخطأ في ترك تكفير ألف كافر أهون من الخطأ في سفك دم مسلم.
- •
هل الشيعة من المسلمين وما حكم تكفيرهم في ضوء النصوص الشرعية؟
- •
الشيعة المعتدلون كالإمامية والزيدية مسلمون يشهدون الشهادتين ويؤمنون بأركان الإيمان، ولا يجوز إخراجهم من الملة.
- •
حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من تكفير أهل القبلة، وأكد الغزالي أن الخطأ في ترك التكفير أهون من سفك دم مسلم.
- •
التقريب بين أهل السنة والشيعة أمر مطلوب شرعاً يقوم على المشتركات في العقيدة والشريعة ونبذ التعصب المذهبي.
- •
كثير من مسائل الخلاف بين الفريقين كالبداءة وتحريف القرآن وعصمة الأئمة تبيّن أنها خلافات لفظية لا حقيقية.
- •
أعداء الإسلام استغلوا الفرقة بين السنة والشيعة بسياسة فرّق تسد، وواجب العلماء تبصير الأمة وتوحيد صفوفها.
- 1
مصطلح الشيعة يعني الأتباع والأنصار، وكان يشمل أنصار علي ومعاوية معاً قبل أن يتخصص بأصحاب علي رضي الله عنه.
- 2
تطورت شيعة علي بعد مقتل الحسين مظلوماً فازداد مقتهم على بني أمية وعلى كل من رضي بحكمهم من الصحابة.
- 3
أهل السنة يحبون آل البيت وجميع الصحابة، ويتوقفون عن الحكم في الخلافات السياسية التي جرت بين الصحابة.
- 4
الشيعة فرق متعددة؛ معتدلة كالإمامية والزيدية لم تخالف أصول الدين، وغالية كالإسماعيلية خرجت منه، وأعداء الإسلام يستغلون هذه الفرقة.
- 5
تكفير الشيعة المعتدلين محرم شرعاً لثبوت إسلامهم بالشهادتين وأركان الإيمان، والنبي والغزالي حذّرا أشد التحذير من تكفير أهل القبلة.
- 6
التقريب بين المذاهب الإسلامية يهدف إلى تحقيق الأخوة على أساس المشتركات العقدية، وهو من أعظم أصول الإسلام المدعومة بالقرآن والسنة.
- 7
القرآن والسنة يأمران بوحدة الأمة وينهيان عن الفرقة، ومن يورث العداوات بين المسلمين يسعى في الأرض بالفساد.
- 8
المستعمرون استغلوا سياسة فرّق تسد لإبقاء الفرقة بين المسلمين والسيطرة على بلادهم الغنية بالخيرات.
- 9
التقريب يهدف إلى تجاوز التمذهب السلبي المبني على التناحر نحو تمذهب إيجابي علمي، وهو أمر مطلوب شرعاً.
- 10
العلماء هم المنوط بهم قيادة التقريب، وقد سبق أن حدث تقريب بين علماء الأزهر والشيعة المعتدلة في مطلع القرن العشرين.
- 11
رواية الحديث عند السنة تشمل جميع الصحابة وعند الشيعة تقتصر على نسل علي، لكن المرويات المشتركة بينهما كثيرة وتجمعها محاولات علمية.
- 12
مسألة البداءة عند الشيعة تقابل القضاء المعلق عند أهل السنة، والخلاف بينهما لفظي لا حقيقي نتج من سوء الفهم.
- 13
السنة والشيعة يتفقان على حفظ المصحف المتداول، والخلاف حول التحريف خلاف لفظي يتعلق بالقراءات الشاذة غير المعتمدة.
- 14
تكفير الصحابة خاص بغلاة الشيعة لا بمعتدليهم، والشيعة الأوائل كانوا يفضّلون أبا بكر وعمر كما نقل ابن تيمية.
- 15
الشيعة يرون الإمامة بالوصاية لعلي، وأهل السنة يرونها بالاختيار الحر، وهي مسألة تاريخية سياسية لا تمس أصول الدين.
- 16
التقية عند الشيعة هي إظهار مذهب الخصم طلباً للأمن تحت القهر السياسي، وليست نفاقاً أو كذباً في نظرهم.
- 17
عصمة الأئمة عند الشيعة تعني التوفيق الإلهي لا العصمة من الذنوب كالأنبياء، وهو ما يُقلل من حدة الخلاف العقدي.
- 18
التقريب بين السنة والشيعة ممكن وقد بدأ بين العلماء، وواجب العلماء تبصير أتباعهم ومكافحة التعصب الذي يهدد مستقبل الأمة.
ما معنى كلمة الشيعة لغةً وكيف نشأ هذا المصطلح تاريخياً؟
الشيعة اسم علم أُطلق على معنى الأتباع والأنصار، وجمعه أشياع وشيع. استُخدم المصطلح في البداية لكل من ناصر سيدنا علياً أو معاوية رضي الله عنهما، كما ورد في صحيفة التحكيم. ثم تخصص لاحقاً بأصحاب سيدنا علي بن أبي طالب الذين أقروا بأحقيته في الخلافة.
كيف تطورت شيعة علي تاريخياً وما أثر مقتل الحسين على موقفهم من بني أمية؟
بقيت شيعة سيدنا علي ببقاء نسله الشريف، واستمر معاداة الحكام من بني أمية لأهل البيت. فلما قتل يزيد بن معاوية الحسين عليه السلام ازداد مقت الشيعة على بني أمية، وامتد هذا المقت ليشمل كل من رضي بحكمهم فألحقوا أكثر الصحابة بهم. وأهل السنة يعلمون أن علياً كان أقرب للحق من معاوية وأن الحسين قُتل مظلوماً.
ما موقف أهل السنة من آل البيت والصحابة والخلافات السياسية التي جرت بينهم؟
أهل السنة ليسوا شيعة معاوية وحده، بل هم محبون لعلي ومعاوية وجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ويعتبرون حب آل البيت من أعظم القربات امتثالاً لقوله تعالى: ﴿إلا المودة في القربى﴾. وموقفهم من الخلافات السياسية بين الصحابة هو التوقف وعدم الحكم عليهم، عملاً بقوله تعالى: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت﴾.
ما الفرق بين الشيعة المعتدلين والغلاة وما خطورة استغلال الأعداء للفرقة بين المسلمين؟
انقسمت الشيعة إلى فرق كثيرة؛ منها المعتدلة كالإمامية والزيدية الذين لم يختلفوا مع أهل السنة في أصل من أصول الدين، ومنها الغالية كالإسماعيلية والدروز الذين خالفوا أصول الدين فخرجوا من الإسلام. وقد ساعد أعداء الإسلام على زيادة البعد والفرقة بين أهل السنة والشيعة لإضعاف الأمة.
ما حكم تكفير الشيعة المعتدلين وما الدليل على تحريم تكفير أهل القبلة؟
الشيعة الذين لا ينكرون أصلاً من أصول الدين مسلمون، لأنهم يشهدون الشهادتين ويؤمنون بأركان الإيمان الستة، ولا يجوز إخراجهم من ملة الإسلام. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير من تكفير أهل القبلة، إذ قال: «أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما». وأكد الإمام الغزالي أن الخطأ في ترك تكفير ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم.
ما مفهوم التقريب بين الفرق الإسلامية وهل يتفق مع روح الإسلام؟
التقريب هو التقارب بين أتباع المذاهب الإسلامية بغية تحقيق التآلف والأخوة الدينية على أساس المبادئ المشتركة في العقيدة والشريعة. وهو من أعظم أصول الإسلام، إذ أمر الله تعالى بالاعتصام بحبله وعدم التفرق، وقال النبي: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً». فالتقريب اعتصام بحبل الله واجتماع على هداه.
ما الأدلة الشرعية على وجوب وحدة الأمة وخطورة الفرقة والاختلاف بين المسلمين؟
طلب الله من الأمة أن تتوحد كلمتها فقال: ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة﴾، ونهى عن التفرق فقال: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾. وحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الفرقة قائلاً: «لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا». ومن يسعى لتفريق المسلمين فهو يسعى في الأرض بالفساد.
كيف استغل أعداء الإسلام الفرقة بين المسلمين وما أثر ذلك على الأمة؟
الأمة الإسلامية لم تُؤتَ من ثغرة مثل ما أُوتيت من جانب فرقتها وتنازعها. والمستعمرون استغلوا أسباب الفرقة بين المسلمين أسوأ استغلال، فراحوا يبعثون أسباب العداوة والبغضاء وينفخون في نار قد خمد أوارها. وذلك كله لتبقى لهم الكلمة النافذة في بلاد الإسلام التي حباها الله بخيرات لا توجد في غيرها.
ما الفرق بين التمذهب الإيجابي والسلبي وكيف يُسهم التقريب في تجاوز التعصب الطائفي؟
الدعوة إلى التقريب ليست دعوة لبقاء فرقة على حساب أخرى، بل هي دعوة لتنقية المذاهب من شوائب العصبيات والنعرات الطائفية. والتقريب يبعدنا عن التمذهب السلبي القائم على التناحر غير الديني، ويقربنا إلى التمذهب الإيجابي الذي هو نشاط فكري وعلمي قائم على أساس ديني. وبهذا تبيّن أن التقريب بين السنة والشيعة أمر مطلوب شرعاً.
ما دور العلماء في مشروع التقريب وما المحاور الرئيسة للخلاف بين أهل السنة والشيعة؟
العبء الأكبر في التقريب يقع على عاتق العلماء والمفكرين لأنهم ورثة الأنبياء وأعلم بأسس التقريب وأكثر أثراً في توحيد الصفوف. وقد حدث تقريب فعلي بين علماء الشيعة المعتدلة وعلماء الأزهر في مطلع القرن العشرين. وباستقراء قضايا الخلاف وجد العلماء أنها تدور حول محاور محددة يمكن معالجتها بالحوار العلمي.
ما الفرق بين أهل السنة والشيعة في رواية الحديث وهل ثمة مرويات مشتركة بينهما؟
أهل السنة يعتمدون رواية جميع الصحابة البالغ عددهم نحو مائة وأربعة عشر ألفاً، وعدد أحاديثهم لا يزيد عن خمسين ألف حديث. أما الشيعة فيعتمدون الرواية عن علي من طريق نسله المعصوم عندهم حتى الإمام الثاني عشر. وقد تبيّن أن الروايتين تتحدان في مساحة كبيرة، وصدرت محاولات علمية لرصد هذه المشتركات كجامع الشمل وجامع الأحاديث، مما يدل على أن الاختلاف الفقهي الناتج عنه بسيط وقابل للاجتهاد.
ما مسألة البداءة عند الشيعة وكيف تقارن بمفهوم القضاء المعلق عند أهل السنة؟
علماء الشيعة يؤكدون أن مقصودهم بالبداءة ليس أن الله يقرر أمراً ثم يبدو له غيره، بل يريدون به معنى القضاء المعلق عند أهل السنة. وأهل السنة يقولون إن القضاء منه مبرم لا يتغير، ومنه معلق يمكن أن يغيره الله بسابق علمه وإرادته، وعليه يُحمل حديث: «لا يرد القضاء إلا الدعاء». وعلى هذا فالخلاف في البداءة خلاف لفظي لا حقيقي نتج من سوء الفهم وحمل الألفاظ على غير معانيها الاصطلاحية.
ما موقف الشيعة من تحريف القرآن وهل يتفقون مع أهل السنة على حفظ المصحف المتداول؟
الشيعة اعتذروا عما يوهم القول بتحريف القرآن بأن المقصود هو القراءات الشاذة التي يذكرها أهل السنة أيضاً في كتبهم وهي غير معتمدة لعدم ورودها بسند متواتر. والسنة والشيعة على السواء يقولون بحفظ كتاب الله الذي بين أيدينا والذي لم يختلف عليه المسلمون قط عبر العصور، عملاً بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾. فعاد الخلاف إلى اللفظ دون المعنى.
هل يكفّر الشيعة الصحابة وما موقف الشيعة الأوائل من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؟
القول بتكفير الصحابة خاص بالغلاة من الشيعة، أما الطوائف المعتدلة فلم يُنقل عن أحد من أئمتهم المعصومين كلام مخالف في الصحابة الكرام. وقد نقل ابن تيمية أن الشيعة المتقدمين الذين صحبوا علياً لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر، وأن علياً نفسه قال على المنبر: «ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر». فتكفير الصحابة ليس موقف الشيعة الأوائل بل هو غلو طارئ.
ما قضية الإمامة عند الشيعة وكيف تختلف عن نظرة أهل السنة للخلافة؟
الشيعة يرون أن الخلافة حق لسيدنا علي بالوصاية والنص، وهو ما يعرفونه بقضية الإمامة. أما أهل السنة فيرون أن الخلافة مسألة تتعلق بالاجتماع البشري متروكة لاختيار المسلمين عامة بالانتخاب الحر، وقد جرت بترتيب أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. وهي في جوهرها مسألة تاريخية سياسية لا تمس أصول الدين القطعية.
ما التقية عند الشيعة وهل هي نفاق أم لها مبرر شرعي؟
التقية عند الشيعة هي التكلم بغير ما يعتقد الإنسان في ظروف سياسية خاصة تحت القهر والاضطرار. وقد اعترض أهل السنة على ذلك معدّين إياه باباً من أبواب النفاق أو الكذب. غير أن الشيعة أجابوا بأن التقية ليست كذباً أو نفاقاً، بل هي حكاية مذهب الخصم طلباً للأمن في عصور الجور وتقييد حرية الرأي، وهو وضع تمليه الظروف السياسية القاهرة لا الرغبة في الخداع.
ما معنى عصمة الأئمة عند الشيعة وكيف يختلف عن مفهوم عصمة الأنبياء؟
أهل السنة فهموا عصمة أئمة الشيعة على أنها كعصمة الأنبياء في عدم اقتراف الذنوب. غير أن الشيعة اعتذروا عن هذا الفهم وأوضحوا أنهم لا يريدون هذا المعنى، وإنما يريدون بالعصمة معنى التوفيق الإلهي، أي أن أئمتهم موفَّقون من الله. وبهذا يتضح أن الخلاف في هذه المسألة أيضاً قابل للتقريب عند التدقيق في المعاني.
هل التقريب بين أهل السنة والشيعة ممكن وما واجب العلماء في مكافحة التعصب المذهبي؟
التقريب بين أهل السنة والشيعة ليس مستحيلاً، وقد حدث فعلاً بين العلماء، لكنه يحتاج إلى وقت لكي يظهر أثره على عامة الناس. وواجب علماء الفريقين أن يفهّموا أتباعهم ويبعدوهم عن التعصب المقيت الذي يؤدي إلى تكفير بعضهم البعض مما يهدد مستقبل الأمة الإسلامية. فالتقريب بين السنة والشيعة أمر مطلوب شرعاً وممكن عملياً.
التقريب بين أهل السنة والشيعة المعتدلين واجب شرعي، وتكفيرهم محرم لثبوت إسلامهم بالشهادتين وأركان الإيمان.
التقريب بين أهل السنة والشيعة ليس ترفاً فكرياً بل هو أمر مطلوب شرعاً تدعو إليه نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية. فالشيعة المعتدلون كالإمامية والزيدية مسلمون يشهدون الشهادتين ويؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، ولا يجوز إخراجهم من الملة بحال من الأحوال، كما حذّر النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير من تكفير أهل القبلة.
كثير من مسائل الخلاف بين الفريقين تبيّن عند التدقيق أنها خلافات لفظية لا جوهرية؛ فمسألة البداءة عند الشيعة تقابل القضاء المعلق عند أهل السنة، ومسألة تحريف القرآن تعود إلى القراءات الشاذة التي يذكرها الفريقان، وكلاهما يقول بحفظ المصحف المتداول. أما تكفير الصحابة فهو خاص بالغلاة لا بالطوائف المعتدلة، وقد نقل ابن تيمية نفسه أن الشيعة الأوائل لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر.
أبرز ما تستفيد منه
- الشيعة المعتدلون مسلمون ولا يجوز تكفيرهم لثبوت إيمانهم بالأركان الستة.
- التقريب بين السنة والشيعة واجب شرعي وليس مسلكاً خاطئاً.
- أكثر مسائل الخلاف بين الفريقين خلافات لفظية لا حقيقية.
- أعداء الإسلام استغلوا الفرقة بسياسة فرّق تسد لإضعاف الأمة.
- العلماء هم المنوط بهم قيادة مشروع التقريب وتبصير الأتباع.
تعريف مصطلح الشيعة ونشأته اللغوية والتاريخية الأولى
س 3: هل الشيعة من المسلمين؟ وإذا كانوا من المسلمين فما واجب أهل السُّنَّة نحوهم؟ وما هي مسائل الاختلاف بينهم وبين أهل السنة؟ وهل يجوز التقريب بينهم وبين أهل السنة؟ أو أن هذا مَسْلكًا خاطئا؟
الجواب
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، فالشِّيعة: اسم عَلَمٍ أُطْلِق على معنى الأَتْبَاع والأَنْصَار، وجمعه أَشْيَاع، وشِيَع، وقد أطلق اسم الشيعة على مَنْ ناصروا سيدنا علي بن أبي طالب -كرَّم الله وجهه ورضي عنه- دون غيره، وأقرُّوا بأحقيته في الخلافة.
ولم يختص مصطلح الشِّيعة في بادئ الأمر بأصحاب سيدنا علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه ورضي عنه- دون غيرهم، بل أطلق بمعناه هذا على كل من ناصر وشايع سيدنا عليًّا وسيدنا معاوية –رضي الله عنهما– ودليل ذلك ما جاء في صحيفة التَّحكيم: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما. ثم بعد ذلك صار هذا المصطلح خاصًّا بأصحاب سيدنا علي كرَّم الله وجهه ورضي عنه.
تطور شيعة علي تاريخيا ومعاداتهم لبني أمية بعد مقتل الحسين
إلا أن شيعة سيدنا علي رضي الله عنه بقيت ببقاء نسله الشريف، واستمر معاداة الحكام من بني أمية لأهل بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى قتل يزيد بن معاوية السيد الأكرم الحسين عليه السلام، فازداد مقت شيعة سيدنا علي وأبنائه رضي الله عنهم أجمعين على بني أمية، وامتد مقتهم لكل مَن رضي بحكم بني أمية فألحقوا أكثر صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بهم.
وأهل السنة يعلمون أن عليًّا رضي الله عنه كان أقرب للحقِّ من معاوية رضي الله عنه، ويعلمون أن سيِّدنا الحسين قُتِلَ مظلوما، وخرج أهل المدينة على يزيد بعدما استباحها، ولم يستقر حكم بني أُميَّة إلا بانتقال الحكم لبيت مرْوان.
موقف أهل السنة من آل البيت والصحابة والخلافات السياسية بينهم
فأهل السُّنَّة ليسوا هم شيعة معاوية ولا أتباع شيعة معاوية رضي الله عنه، وإنما هم شيعة لسيدنا علي ولمعاوية رضي الله عنهما وكل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأهل السنة يعتبرون أن حُبَّ آل البيت من أعظم القربات، ممتثلين لقوله تعالى:
﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: 23]،
وأهل السُّنَّة أيضا يحبون جميع الصحابة رضي الله عنهم، ولا تجدهم يحطون من شأن أي واحد من الصحابة رضوان الله عليهم، وأن موقفهم من الخلافات السياسية التي حدثت بين الصحابة هو التعامل معها بما يرشدنا إليه قوله تعالى:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 134]
فلا يقفوا منهم موقف الْحَكَم.
انقسام الشيعة إلى طوائف معتدلة وغالية وخطورة الاستغلال الخارجي
وفي بداية نشأة الشيعة لم تتميز بأصول تُخَالف بها جماعة المسلمين، ثم بعد ذلك بدأ البُعْد بين أهل السنة والشيعة بسبب المسائل السياسية، ثم انقسموا بعد ذلك إلى فرق كثيرة، منها المعتدلة الذين لم يختلفوا مع أهل السُّنَّة على أصل من أصول الدين -وهم من نخصهم بالخطاب هنا كالإمامية والزيدية وهم أغلب من ينتسبون للشيعة- ومنها التي غالت لدرجة أنها خالفت أهل السنة في أصول الدين، فبهذه المخالفة خرج من الإسلام، -كالإسماعيلية والدروز وغيرهما- وقد ساعد أعداء الإسلام على هذا زيادة البُعْد والفرقة بين أهل السنة والشيعة.
حكم إسلام الشيعة المعتدلين والتحذير الشديد من تكفير المسلمين
فالشيعة الذين لا ينكرون أصلا من أصول الدين من المسلمين؛ لأنهم يشهدون أنْ لا إله إلا الله، وأن سيدنا محمَّدًا رسول الله، ويؤمنون بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خير وشره، ومَنِ اجتمعت فيه هذه الخصال ما جاز بحال من الأحوال إخراجه من مِلَّة الإسلام، فلا خلاف بينهم وبين أهل السنة في المسائل القطعية، المعلومة من الدين بالضرورة، ولا في أركان الإسلام، فبهذا لا يجوز لأهل السنة أن يحكموا عليهم بالكفر-كما يفعل المتشَدِّدون ممن تسموا بالسلفيين في هذه الأيام- لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حذَّرنا أَشَدَّ التحذير من الوقوع في تكفير أحد من أهل القبلة.
فعن أبي ذَرٍّ - رضي الله عنه - أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
«لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلا بِالْفُسُوقِ، وَلاَ يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ» [1].
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ» [2].
وقال حجة الإسلام، الإمام الغزالي: والذي ينبغي أن يميل المحصِّلُ إليه: الاحترازُ من التكفير ما وجه إليه سبيلا، فإن استباحة الأموال والدماء من المصلين إلى القبلة، المصرحين بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، خطأ، والخطأ في ترك تكفير ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم» [3].
مفهوم التقريب بين المذاهب واتفاقه مع روح الإسلام العامة
مفهوم التَّقْرِيب ومدى اتفاقه مع روح الإسلام:
يختلف النَّاس في معنى مفهوم التَّقريب الْمُرَاد بين الفِرَق الإسلامية عامَّة، وبين أهل السُّنَّة والشيعة خاصَّة، وخلاصته هو: التَّقارب بين أتباع المذاهب الإسلامية بغية تعرُّف بعضهم على البعض الآخر على طريق تحقيق التآلف والأُخُوَّة الدينية، على أساس المبادئ الإسلامية المشتركة الثابتة في مجال العقيدة والشريعة باعتبارها أساسًا للأُمَّة، وأن يتَّسع صدر كل منَّا بل فِكْرُه وعقله لقبول ما عند الآخر، وذلك عن طريق الاحتكام إلى المصير الذي لابد منه ولا بديل عنه في القضايا الاجتهادية.
وقضِيَّة التأليف بين فصائل الأُمَّةِ، والسَّعْي في إصلاح ذات بَيْنِهَا، وجَمْع شملها على الحقِّ والْهُدَى، ورَأْبِ صَدْعِهَا، والتقريب بين فئاتها المتنازعة، من أعظم أصول الإسلام العظيمة، ومن أفضل أبواب الخير والجهاد في سبيل، قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]
فهو اعتصام بحبل الله، واجتماع على هدى الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» [4].
الأدلة على وجوب وحدة الأمة وخطورة الفرقة والاختلاف
وقد طلب الله سبحانه وتعالى من هذه الأُمَّة أن تتوحَّد كلمتها، وألا تكون فِرَقًا وأحزابا، قال تعالى:
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52]
وقال أيضا:
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 31، 32]
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
«لاَ تَخْتَلِفُوا فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا» [5].
فقد حذَّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الفرقة بين المسلمين ودعا إلى توحيد صفوفهم، روى النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [6].
فهذا يدل على أن كل مَن يعمل لِلَمِّ شملها، ويسعى إلى تأليف قلوب أبنائها، فهو مُؤْمِنٌ حقًّا، مُجاهد في سبيل أنبل غاية عُنِيَ بها الإسلام، وهي تأليف القلوب وتوحيد الأهداف، وأمَّا أولئك الذين يورثون العداوات، ويبعثون العَصَبِيَّات، ويُفَرِّقون بين الأخ وأخيه، ويصطنعون العداوة والبغضاء، فهؤلاء هم الذين يسعون في الأرض بالفساد، وواجب المسلمين المخلصين أن يقفوا لهم بالمرصاد، وأن يُبَصِّروا الأُمَّة بهم، ويكشفوا لهم أهدافهم وسوء غاياتهم، وقد نهانا ربنا عن الفُرْقَة فقال:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105].
آثار الفرقة على الأمة واستغلال الأعداء لسياسة فرِّق تسد
والأُمَّةُ الإسلامية لم تُؤْتَ من ثَغْرَةٍ، مثل ما أُوتِيَتْ من جانب فُرْقتها وتنازعها، والصِّرَاع بينها، وقد رسم الإسلام للأُمَّة طريق وحدتها، وما حصلت الفُرْقَة إلا بالبُعْدِ عن المنهج الإسلامي الصحيح.
ومَنْ يسْتَعْرض تاريخ المسلمين يجد أنهم لم ينهزموا عَسْكَرِيًّا بقدر ما انهزموا بسلاح (فرِّق تَسُد)، وما أسهل على عدوِّنا -على مدار التاريخ- أن يستزرع جماعات للقيام بِمُهمَّة التمزيق التي تُفْرَض علينا؛ فنستسلم لها على أنها أقدار محتومة للأُمَّة، والقَدَرُ منها براء، والْمُستَعْمِرُون استغلُّوا أسباب الفُرْقة بين المسلمين أسوأ استغلال، فراحوا يبعثون لأسباب العداوة والبغضاء، وينفخون في نار قد خمد أوارها وانطفأ لهيبها -مع أن أكثر هذه الأسباب قد أصبحت غير ذات موضوع- كل هذا لتبقى لهم الكلمة النافذة في بلاد الإسلام التي حَبَاها الله بخيرات لا تكاد تُوجَد في غيرها من بلاد الله.
حقيقة الدعوة إلى التقريب والتمييز بين التمذهب الإيجابي والسلبي
وليست الدعوة إلى التقريب بين الفِرَق الإسلامية دعوة إلى بقاء فرقة على حساب فرقة، ولكنها دعوة إلى تنقيتها من الشَّوَائِب التي أثارتها العصبِيَّات والنَّعرات الطائفية، وأذكتها العقلية الشعوبِيَّة، والتقريب يبعدنا عن التمذهب السلبي القائم على التَّناحر الذي هو بحقيقته غير ديني، ويقرِّبنا إلى التمذهب الإيجابي، الذي هو نشاط فكري وعلمي ومدارسة واقعية قائمة على أساس ديني، ويقربنا بالنتيجة إلى الإسلام الواحد الذي اتفقنا عليه.
فبهذا اتضح لنا أن مسألة التقريب بين الفِرَق الإسلامية بوجه عام، وبين السنة والشيعة بوجه خاص أمر مطلوب شرعًا.
دور العلماء في مشروع التقريب وتحديد محاور الخلاف الرئيسة
ولا شك أن العِبْءَ الأكبر في عملية التقريب بين الفِرَق يَقَعُ على عاتق العلماء والْمُفكِّرين؛ وذلك لأنهم -من جهة- ورثة الأنبياء، وحملة الدعوة، وبناة الجيل، وهم -من جهة أخرى- أعلم بالأُسُس التي يعتمدها التَّقْريب، وأكثر أَثَرًا في توحيد الصفوف وتحقيق خصائص الأُمَّة.
وقد حدث تقريب بالفعل بين بعض علماء فِرَق الشيعة المعتدلة وبين علماء أهل السُّنَّة –مُمَّثلا في علماء الأزهر- في بداية مطلع القرن العشرين، وباستقراء قضايا الخلاف بين أهل السُّنَّة وبعض فِرَق الشيعة المعتدلة وجدنا أن هذا القضايا مدارها على الجهات الآتية:
رواية الحديث بين السنة والشيعة ومحاولات جمع المرويات المشتركة
- رواية الأحاديث، فيرى أهل السنة أن الرِّواية المعتمدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشمل نقل الصَّحابة كلهم عنه، وعدد الصحابة الذين رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يقرب من مائة وأربعة عشر ألف صحابي، روى منهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألف وثمانمائة صحابي فقط، وعدد الأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طريق أهل السُّنَّة لا يزيد عن خمسين ألف حديث، منها الصحيح، ومنها الضعيف، ومنها المقبول، ومنها المردود.
أما الشِّيعة فيرون أن الرواية لا تكون معتمدة إلا إذا كانت عن سيدنا علِيٍّ كرَّم الله وجهه ورضي عنه، وذلك من طريق نسله الشَّريف الذي حفظه الله سبحانه وتعالى وعصمه من الخطأ، فكانت العِصْمة لسيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه من بعد أبيه ثم لأخيه الحسين من بعده، ثم لابنه علي زين العابدين من بعده، ثم لابنه محمد الباقر من بعده، ثم لابنه جعفر الصادق من بعده، وإليه تنسب الجعفرية، ثم لابنه موسى الكاظم من بعده، ثم لابنه علي بن موسى الرضا من بعده، ثم لابنه محمد بن علي الجواد، ثم لابنه علي بن محمد الهادي، ثم لابنه الحسن بن علي العسكري، ويعتقد الشيعة أنه هو المهدي، ومن هنا سميت بالإثنى عشرية. ومرويات الشيعة جمعها الإمام المجلسي في كتاب كبير يضم عشرات الآلاف من الأحاديث بعضها صحيح وبعضها ضعيف، فمنها المقبول ومنها المردود.
فإذا نظرنا إلى هذا الكَمِّ الهائل من الرواية عند كل من الفريقين قد اتَّحد في مساحة كبيرة جدًّا واختلف في مساحة أقل، ولقد صدرت عدة محاولات لرصد هذا الاتحاد لجعله منطلقا للتقريب بين المذهبين ولإعلام أتباع كل منهما أنهما يتفقان أكثر مما يختلفان، شأنه في هذا شأن المدارس العلمية التي تنتمي إلى دين واحد بأصول واحدة، ولقد قامت المحاولات لجمع الروايات المشتركة المقبولة عند المذاهب المختلفة، فصنَّف العلامة الإباضي يوسف الطفيش كتابه (جامع الشمل)، وحاول السيد محمد الحسيني الجلالي في جامع الأحاديث أن يبين الروايات المشتركة بين أهل السُّنَّة والشيعة، وهذا مجهود علمي يبين القاعدة المشتركة التي تجمع بين الفريقين.
وعند الاطلاع على هذه الحقائق تزداد تعجبًا وتسأل: ففيم الاختلاف؟ لأن الاختلاف في اعتماد الرواية سوف يسبب اختلافا في الفقه، والاختلاف في الفقه بسيط؛ لأن الفقه مبني على الظن، وما كان مبنيًّا على الظن فإن للاجتهاد فيه مجالا، وإذا كان الأمر أمر اجتهاد فإنه يجب على كل واحد منا أن يقبل اجتهاد المجتهد الآخر.
مسألة البداءة عند الشيعة ومقارنتها بمفهوم القضاء المعلق
- مسألة البداءة، فيرى علماء الشيعة أن أهل السنة أساءوا فهم الشيعة من مرادهم باصطلاح البداءة، فعلماء الشيعة ينكرون أن مقصدهم من البداءة أن الله يقرر أمرًا ثم يبدو له غيره، وقالوا ما نفسر به البداءة هو عين ما تفسرون به أنتم (القضاء المعلق) فأهل السنة يقولون: إن القضاء منه مُبْرَم، ومنه مُعَلَّق، فالمبرم: هو علم الله الذي لا يتغير ولا يتبدل، وأما الْمُعَلَّق: فذلك المسطور في اللَّوح المحفوظ، والذي يمكن أن يُغَيِّره الله سبحانه وتعالى بسابق علمه وإرادته المطلقة، وقدرته التي لا نهاية لها، وحملوا عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«لاَ يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ وَلاَ يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلاَّ الْبِرُّ» [7]،
وحديث:
«لاَ يَأْتِي ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْتُهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ الْقَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» [8].
وعلى هذا فلا خلاف في الحقيقة، إنما هو خلاف موهوم نتج مِن سُوءِ الفهم، ومِن حمل الألفاظ على غير معانيها الاصطلاحية التي استقرَّت في أذهان الناس، وهذا ما يُعْرَف بالخلاف اللفظي، وهو ما لو اطلع كل فريق على ما قاله الآخر لقال به.
دعوى تحريف القرآن والاتفاق على حفظ المصحف المتداول
- القول بتحريف القرآن، ولقد اعتذرت الشيعة عما ورد مما يُوهِمُ هذا المعنى القبيح، بأن هذا اللفظ معناه استعمال القراءات الشاذَّة التي يذكرها أهل السنة أيضا في كتبهم، وهي غير معتبرة ولا معتمدة؛ لأنها لم ترد بسند متواتر عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن السُّنَّة والشِّيعة على السَّواء يقولون بحفظ كتاب الله الذي بين أيدينا، والذي لم يخىتلف عليه المسلمون قط عبر العصور، وهو ذلك الذي بين دفَّتَي المصحف المعروف المشهور، وكل الأُمَّة يقولون بحفظه، كما ورد في قوله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
فعاد الخلاف أيضا إلى اللفظ دون المعنى.
قضية تكفير الصحابة والتمييز بين الغلاة والشيعة الأوائل
- القول بتكفير الصَّحَابة، فهو خاص بالغلاة منهم، أما الطوائف المعتدلة لم نر لأحد من الأئمة المعصومين –عند الشيعة- كلاما مخالفا في الصَّحابة الكرام، والشيعة الأوائل لم يقولوا بهذا، قال ابن تيمية: «الشِّيعة المتقدِّمُون الذين صحبوا عليًّا أو كانوا في ذلك الزمان لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر، وإنما كان نِزَاعُهم في تفضيل علي وعثمان، وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر حتى ذكر مثل ذلك أبو القاسم البلخي قال: سأل سائل شريك بن عبد الله ابن أبي نمر، فقال له أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر، فقال له السائل أتقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم، إنما الشيعي من قال مثل هذا، والله لقد رقى عليٌّ هذا الأعواد، فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، فكيف نرد قوله، وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذابا». [9]
قضية الإمامة والخلافة بين الوصاية والشورى في الفكر الإسلامي
- قضية مَنْ أحقُّ بالخلافة هو سيدنا علي كرَّم الله وجهه، ورضي عنه فقط –وهو قول الشيعة- أو ترتيب الخلافة كما حدثت، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهو قول أهل السُّنَّة، فهي مسألة تاريخية، ولكنها تعرف عند الشيعة بقضية الإمامة، وهي أنها لابد فيها من الوصاية والنصر، وهو ما تدَّعيه الشيعة، أو أنها مسألة تتعلق بالاجتماع البشري، وهي متروكة لاختيار المسلمين عامَّة بالانتخاب الحر، وهو ما تدعيه السُّنَّة.
مفهوم التقية بين الاتهام بالنفاق وتبريرها بظروف القهر السياسي
- التقية: وهي عند الشيعة، وتعريفها عند أهل السنة: أن يتكلم الإنسان بغير ما يعتقد، وعدوا هذا بابا من أبواب النفاق، أو الكذب، أو الضعف، أو الخداع، أو نحو ذلك من الصفات الذميمة. إلا أن الشيعة أجابوا على هذا بأن تعريفها يكاد يكون حكاية مذهب الخصم طلبًا للأمن، وحكاية مذهب الخصم طلبًا للأمن وإن خالفت معتقد مَن يتكلم، إلا أنها ليست واحدة من هذه المعاني القبيحة المذكورة التي تتردد بين النفاق الخداع، وإنما هو وضع قد تمليه على الإنسان ظروف سياسية خاصة في عصر من عصور الجور، وتقييد حرية الرأي، فيضطر الإنسان إلى أن يحكي مذهب الغير، وليس إلى الكذب أو نحو ذلك.
مفهوم عصمة الأئمة عند الشيعة وتخفيف حدة الخلاف العقدي
- العِصْمَة، فقد حملها أهل السنة على معنى: عدم اقتراف الذنوب، وأن عصمة أئمة الشيعة كعصمة الأنبياء، وقد اعتذر الشيعة عن هذا وقالوا بأنهم لا يريدون هذا المعنى وإنما يريدون به معنى التَّوْفِيق، أي: أن أئمتهم مُوفَّقُون.
إمكان التقريب بين السنة والشيعة وضرورة مكافحة التعصب المذهبي
من خلال ما قدمنا تبين أن مسألة التقريب ليست مستحيلة، وأنها تحتاج إلى بعض الوقت لكي يظهر أثرها على الناس، لأن التقريب الذي حدث كان بين العلماء، وواجب هؤلاء العلماء من الفريقين أن يفهموا أتباعهم ويبعدوهم عن التعصب المقيت الذي يؤدي إلى تكفير بعضهم البعض، مما يهدد مستقبل الأمة الإسلامية، والله تعالى أعلى وأعلم.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما المعنى اللغوي الأصلي لكلمة الشيعة؟
الأتباع والأنصار
من الذي نقل أن الشيعة الأوائل لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر؟
ابن تيمية
ما الذي قاله الإمام الغزالي بشأن تكفير المسلمين؟
الخطأ في ترك تكفير ألف كافر أهون من سفك دم مسلم
ما الفرق بين القضاء المبرم والقضاء المعلق عند أهل السنة؟
المبرم علم الله الذي لا يتغير والمعلق ما يمكن أن يغيره الله بسابق علمه
ما الطائفتان اللتان ذُكرتا مثالاً على الشيعة الغلاة الخارجين من الإسلام؟
الإسماعيلية والدروز
ما الحديث النبوي الذي يصف علاقة المؤمنين بالجسد الواحد؟
مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
ما الكتاب الذي جمع فيه العلامة الإباضي يوسف الطفيش الروايات المشتركة بين المذاهب؟
جامع الشمل
ما تعريف التقية عند الشيعة؟
التكلم بغير ما يعتقد الإنسان في ظروف القهر السياسي طلباً للأمن
ما المعنى الذي يريده الشيعة من عصمة أئمتهم وفق ما أوضحوه؟
التوفيق الإلهي لا العصمة من الذنوب
ما الآية القرآنية التي استدل بها على وجوب حب آل البيت؟
﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾
كم عدد الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أهل السنة تقريباً؟
خمسون ألف حديث
ما الذي يميز التمذهب الإيجابي عن التمذهب السلبي؟
التمذهب الإيجابي نشاط فكري وعلمي قائم على أساس ديني والسلبي قائم على التناحر غير الديني
ما الإمام الذي تنسب إليه الجعفرية من الشيعة الإثنا عشرية؟
جعفر الصادق
ما الحديث الذي استدل به على أن الدعاء يرد القضاء؟
لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر
ما الموقف الصحيح لأهل السنة من الخلافات السياسية التي جرت بين الصحابة؟
التوقف وعدم الحكم عليهم والتعامل بما يرشد إليه قوله تعالى: تلك أمة قد خلت
ما الدليل من صحيفة التحكيم على أن مصطلح الشيعة كان يشمل أنصار معاوية أيضاً؟
جاء في صحيفة التحكيم: «هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما»، مما يدل على أن المصطلح كان يُطلق على أنصار الطرفين قبل أن يتخصص بأصحاب علي.
لماذا ازداد مقت شيعة علي على بني أمية بعد مقتل الحسين؟
لأن يزيد بن معاوية قتل الحسين عليه السلام مظلوماً، فازداد مقت الشيعة على بني أمية وامتد ليشمل كل من رضي بحكمهم، فألحقوا أكثر الصحابة بهم.
ما الشرط الذي يجعل الشيعي مسلماً لا يجوز تكفيره؟
أن لا ينكر أصلاً من أصول الدين، وأن يشهد الشهادتين ويؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
ما الحديث النبوي الذي يحذر من رمي المسلم بالكفر؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه»، رواه البخاري ومسلم.
ما الأساس الذي يقوم عليه التقريب بين الفرق الإسلامية؟
يقوم على المبادئ الإسلامية المشتركة الثابتة في مجال العقيدة والشريعة، وتعرف كل فريق على الآخر بغية تحقيق التآلف والأخوة الدينية.
ما الآية القرآنية التي تنهى عن التفرق وتأمر بالاعتصام بحبل الله؟
قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ [آل عمران: 103].
كيف استغل المستعمرون الفرقة بين المسلمين؟
راحوا يبعثون أسباب العداوة والبغضاء وينفخون في نار قد خمد أوارها، وذلك لتبقى لهم الكلمة النافذة في بلاد الإسلام الغنية بالخيرات.
ما الفرق بين الخلاف الحقيقي والخلاف اللفظي في مسائل الخلاف بين السنة والشيعة؟
الخلاف الحقيقي هو اختلاف في المعنى والمضمون، أما الخلاف اللفظي فهو اختلاف في الألفاظ والمصطلحات مع اتفاق في المعنى، وكثير من مسائل الخلاف بين الفريقين تبيّن أنها لفظية لا حقيقية.
ما الكتاب الذي جمع فيه السيد محمد الحسيني الجلالي الروايات المشتركة بين السنة والشيعة؟
كتاب جامع الأحاديث الذي حاول فيه بيان الروايات المشتركة المقبولة بين أهل السنة والشيعة.
ما الإمام الثاني عشر عند الشيعة الإثنا عشرية ومن هو؟
هو الحسن بن علي العسكري، ويعتقد الشيعة أنه هو المهدي المنتظر، ومن هنا سميت هذه الطائفة بالإثنا عشرية.
ما الذي قاله علي رضي الله عنه على المنبر بشأن أبي بكر وعمر؟
قال علي رضي الله عنه: «ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر»، وهو ما نقله ابن تيمية دليلاً على أن الشيعة الأوائل لم يتنازعوا في تفضيلهما.
ما الفرق بين نظرة الشيعة وأهل السنة لقضية الإمامة والخلافة؟
الشيعة يرون أن الإمامة لابد فيها من الوصاية والنص ولذا هي حق لعلي، بينما يرى أهل السنة أنها مسألة تتعلق بالاجتماع البشري متروكة لاختيار المسلمين بالانتخاب الحر.
لماذا وصف العلماء الخلاف في مسألة البداءة بأنه خلاف موهوم؟
لأن ما يقصده الشيعة بالبداءة هو عين ما يقصده أهل السنة بالقضاء المعلق، والخلاف نتج من سوء الفهم وحمل الألفاظ على غير معانيها الاصطلاحية.
ما الآية التي استدل بها على حفظ القرآن الكريم من التحريف؟
قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: 9]، وكلا الفريقين السني والشيعي يقولان بحفظ المصحف المتداول.
ما واجب علماء الفريقين تجاه أتباعهم في مسألة التقريب؟
واجبهم أن يفهّموا أتباعهم ويبعدوهم عن التعصب المقيت الذي يؤدي إلى تكفير بعضهم البعض، مما يهدد مستقبل الأمة الإسلامية.