ما هي تعريفات المعتزلة للأمر وما الاعتراضات الأصولية على صيغة افعل وشروطها؟
قدّم المعتزلة عدة تعريفات للأمر، أبرزها تعريف البلخي بأنه قول القائل لمن دونه افعل أو ما يقوم مقامه، وتعريفه بصيغة افعل المجردة من القرائن، وتعريفه بالإرادات الثلاث، وتعريفه بأنه إرادة الفعل. اعترض عليها الإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب والعضد بوجوه متعددة، منها الدور في التعريف، وعدم الانعكاس والاطراد، وإشكال اشتراط العلو. واختار أبو الحسين البصري تعريفاً خامساً بأن الأمر قول يقتضي استدعاء الفعل بنفسه لا على جهة التذلل.
- •
هل يمكن تعريف الأمر بمجرد صيغة افعل دون الوقوع في الدور أو الإشكالات المنطقية؟
- •
عرّف البلخي وأكثر المعتزلة الأمر بأنه قول القائل لمن دونه افعل أو ما يقوم مقامه، ورده الإمام والآمدي والعضد بوجوه متعددة.
- •
من أبرز الاعتراضات أن صيغة افعل قد ترد في التهديد والإباحة والإرشاد والامتنان فلا تكون أمراً، مما يُبطل طرد التعريف.
- •
اشتراط العلو في التعريف يُفضي إلى إشكال خطير: يلزم منه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الآمر لا المبلغ، وهو ما يتعارض مع حقيقة الرسالة.
- •
قدّم بعض المعتزلة تعريفاً بالإرادات الثلاث احترازاً من النائم والمبلغ وغير الطالب للامتثال، لكنه اعتُرض عليه بالدور والتهافت بين اللفظ والمعنى.
- •
اختار أبو الحسين البصري تعريف الأمر بأنه قول يقتضي استدعاء الفعل بنفسه لا على جهة التذلل، مميزاً إياه عن الخبر والنهي والإرادة.
- 1
تعريف البلخي وأكثر المعتزلة للأمر بصيغة افعل أو ما يقوم مقامها رُدّ بالخطأ والفساد من الإمام والآمدي والعضد.
- 2
الاعتراض الأول على تعريف الأمر بصيغة افعل أن الصيغة ترد في التهديد والإباحة والإرشاد والامتنان فلا تكون أمراً في كل حال.
- 3
الاعتراض الثاني أن ماهية الأمر لا تختلف باختلاف اللغات، وتخصيص صيغة افعل العربية يجعل الحد قاصراً أو ضائعاً.
- 4
اشتراط العلو في تعريف الأمر يُفضي إلى لازم فاسد هو جعل النبي آمراً لا مبلغاً، وهو ما يتعارض مع حقيقة الرسالة.
- 5
العضد اعترض على طرد التعريف بحالة المبلغ، وعلى عكسه بحالة الأدنى المستعلي، مع ذكر الأجوبة المحتملة عن كل منهما.
- 6
التعريف الثاني للمعتزلة بتجريد صيغة افعل من القرائن اعتُرض عليه بالدور في الحد وبأن إصلاحه بحذف لفظة الأمر يُفقده الفائدة.
- 7
تجريد صيغة افعل من القرائن لا يُميزها عن التهديد لأن التهديد أيضاً يمكن وصفه بالتجرد ذاته، مما يُبطل هذا التعريف.
- 8
التعريف الثالث للمعتزلة يشترط ثلاث إرادات مع صيغة افعل للاحتراز من النائم والمبلغ وغير الطالب للامتثال.
- 9
تعريف الأمر بالإرادات الثلاث اعتُرض عليه بالدور وبالخلط بين الدال والمدلول وبالتهافت بين اللفظ والمعنى.
- 10
التعريف الرابع للمعتزلة بأن الأمر إرادة الفعل جاء بعد انحسام طرق التعريف، وأُبطل بالحجج المذكورة في مسألة اشتراط الإرادة.
- 11
أبو الحسين البصري عرّف الأمر باستدعاء الفعل بنفسه لا على جهة التذلل، مميزاً إياه عن الخبر والإرادة والنهي عن الأضداد.
ما تعريف البلخي وأكثر المعتزلة للأمر وما وجه الخطأ فيه؟
عرّف البلخي وأكثر المعتزلة الأمر بأنه قول القائل لمن دونه افعل أو ما يقوم مقامه. حكم عليه الإمام الرازي بأنه خطأ، وقال الآمدي إنه فاسد، ووصفه العضد بأنه من الحدود المزيفة للأمر التي ذكرها المعتزلة. وأشار العضد إلى أن هذا التعريف محاولة منهم لتعريف الأمر باعتبار اللفظ لا المعنى.
ما الوجه الأول من الاعتراض على تعريف الأمر بصيغة افعل وما الأمثلة التي تُبطله؟
الوجه الأول أن تحديد ماهية الأمر بصيغة افعل باطل لأن هذه الصيغة قد توجد فيما ليس بأمر اتفاقاً، كالصادرة عن النائم أو الساهي أو على سبيل الحكاية. كما ترد الصيغة في التهديد كقوله تعالى اعملوا ما شئتم، وفي الإباحة كقوله وإذا حللتم فاصطادوا، وفي الإرشاد كقوله واستشهدوا، وفي الامتنان كقوله كلوا مما رزقكم. فدخول هذه المحامل في التعريف يُبطل طرده.
ما الوجه الثاني من الاعتراض على تعريف الأمر وكيف يتعلق باختلاف اللغات؟
الوجه الثاني أن المطلوب تحديد ماهية الأمر من حيث إنه أمر، وهي حقيقة لا تختلف باختلاف اللغات، بينما ما ذكره المعتزلة لا يتناول إلا الألفاظ العربية. وقد أجاب الآمدي بأن قولهم أو ما يقوم مقامه يقصد به إدراج صيغة الأمر من غير العربي. غير أن الإمام رد هذا الفهم بأنه يجعل الحد مكافئاً لقولنا الأمر هو اللفظ الدال على طلب الفعل، فيصير التنصيص على صيغة افعل ضائعاً.
ما إشكال اشتراط العلو في تعريف الأمر وما اللازم الفاسد المترتب عليه في حق النبي؟
الوجه الثالث أن اشتراط العلو غير معتبر لأن الصيغة قد ترد من الأعلى نحو الأدنى على سبيل التضرع فلا تكون أمراً، وقد ترد من الأدنى نحو الأعلى على سبيل الاستعلاء فتكون أمراً. والوجه الرابع أن اشتراط العلو يلزم منه أن تكون صيغة افعل الواردة من النبي صلى الله عليه وسلم أمراً حقيقياً منه، فيكون هو الآمر لا المبلغ، وهذا يُخرجه عن كونه رسولاً لأن الرسول مبلغ لكلام المرسل لا آمر كالسيد.
ما الاعتراضان اللذان ذكرهما العضد على طرد تعريف الأمر وعكسه؟
الوجه الخامس الذي ذكره العضد أنه يرد على طرد التعريف قول المبلغ لأمر الغير أو الحاكي له افعل لمن دونه، وأجيب بأنه ليس قولاً له في الحقيقة. والوجه السادس أنه يرد على عكس التعريف صيغة افعل الصادرة من الأدنى على سبيل الاستعلاء، ولذلك يُذم بأنه أمر من هو أعلى منه، وأجيب بمنع كونه أمراً عندهم لغةً وإن سُمي به عرفاً.
ما التعريف الثاني للمعتزلة للأمر وما وجها الاعتراض عليه؟
التعريف الثاني لبعض المعتزلة هو أن الأمر صيغة افعل على تجردها من القرائن الصارفة لها عن جهة الأمر إلى التهديد وما عداه من المحامل. اعتُرض عليه بوجهين: الأول أنه يلزم منه الدور لأنه أخذ الأمر في تعريف الأمر وتعريف الشيء بنفسه محال. الثاني أنهم لو أصلحوا ذلك بحذف لفظة الأمر من الحد لما أفادهم شيئاً.
لماذا يتعذر تمييز الأمر عن التهديد بمجرد تجريد صيغة افعل من القرائن؟
إن اقتصر المعتزلة على القول بأن الأمر صيغة افعل المجردة عن القرائن، وزعموا أن صيغة افعل فيما ليس بأمر لا تكون مجردة، فليس ذلك أولى من قول القائل إن التهديد عبارة عن صيغة افعل المجردة عن القرائن، وهو غير متحقق. وعبّر العضد عن هذا بأنه لو أُسقط قيد الأمر بقيت الصيغة مجردة مطلقاً حتى عما يؤكد كونها أمراً، وأجيب بأن المراد القرائن الصارفة عما يتبادر منها عند الإطلاق.
ما التعريف الثالث للمعتزلة للأمر بالإرادات الثلاث وما الغرض من كل إرادة؟
التعريف الثالث لبعض المعتزلة هو أن الأمر صيغة افعل بشرط إرادات ثلاث: إرادة إحداث الصيغة احترازاً من النائم، وإرادة الدلالة بها على الأمر احترازاً مما أريد به التهديد أو غيره من المحامل، وإرادة الامتثال احترازاً من الرسول الحاكي المبلغ الذي قد لا يريد الامتثال. ونبّه الآمدي والعضد على أنه من تعريفاتهم باعتبار ما يقترن بالصيغة.
ما وجوه الاعتراض على تعريف الأمر بالإرادات الثلاث وما التهافت الذي أشار إليه العضد؟
اعتُرض على هذا التعريف بأربعة وجوه: الأول الدور لأخذ الأمر في حد الأمر. الثاني أن الأمر مدلول الصيغة لا هي، والدال غير المدلول. الثالث أن الشرط غير المشروط فلا يصح أخذ الأمر شرطاً في تعريف الأمر. والرابع الذي ذكره العضد أن فيه تهافتاً لأن المراد بالأمر إن كان اللفظ فسد لقوله وإرادة دلالتها على الأمر، وإن كان المعنى فسد لقوله الأمر صيغة افعل.
ما التعريف الرابع للمعتزلة للأمر وما علاقته بمسألة اشتراط الإرادة؟
لما انحسمت على المعتزلة طرق التعريف قال قائلون منهم إن الأمر هو إرادة الفعل. ونبّه العضد على أنه من تعريفاتهم باعتبار الإرادة. وذكر الآمدي والعضد أن أصحابنا احتجوا على إبطاله بما هو مذكور في مسألة هل يشترط في الأمر الإرادة.
ما تعريف أبي الحسين البصري للأمر وكيف ميّز بينه وبين الخبر والنهي والإرادة؟
عرّف أبو الحسين البصري المعتزلي الأمر بأنه قول يقتضي استدعاء الفعل بنفسه لا على جهة التذلل. ودخل في ذلك قولنا افعل وقولنا ليفعل. وميّز بينه وبين الخبر عن الوجوب لأنه لا يستدعي الفعل بنفسه بل بواسطة التصريح بالإيجاب، وبين قول أريد منك أن تفعل لأنه يقتضي إثبات الإرادة بنفسه لا استدعاء الفعل مباشرة، وبين النهي عن أضداد الشيء لأنه يستدعي الفعل بتوسط اقتضائه قبح تلك الأضداد.
تعريفات المعتزلة للأمر الخمسة تعاني من إشكالات الدور والطرد والعكس، وأسلمها تعريف أبي الحسين باستدعاء الفعل بنفسه.
تعريفات المعتزلة للأمر تتوزع بين من حصره في صيغة افعل ومن ربطه بالإرادة، وكلها اعتُرضت بوجوه أصولية دقيقة. فتعريف البلخي بأنه قول القائل لمن دونه افعل يرد عليه أن الصيغة ذاتها تُستعمل في التهديد والإباحة والإرشاد والامتنان، فلا تكون أمراً في كل حال، مما يُبطل طرد الحد.
أما اشتراط العلو في التعريف فيُفضي إلى لازم خطير هو أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم آمراً لا مبلغاً، وهو ما يتعارض مع حقيقة الرسالة. وتعريف الإرادات الثلاث وإن احترز من النائم والمبلغ إلا أنه وقع في الدور بأخذ الأمر في تعريف الأمر. وقد جاء تعريف أبي الحسين البصري بأن الأمر قول يقتضي استدعاء الفعل بنفسه لا على جهة التذلل أكثر دقةً في التمييز بين الأمر والخبر والنهي والإرادة.
أبرز ما تستفيد منه
- تعريف البلخي للأمر بصيغة افعل باطل لعدم اطراده في التهديد والإباحة والإرشاد.
- اشتراط العلو يلزم منه جعل النبي آمراً لا مبلغاً وهو محال.
- تعريف الإرادات الثلاث يقع في الدور لأخذ الأمر في تعريف الأمر.
- أبو الحسين البصري عرّف الأمر باستدعاء الفعل بنفسه لا على جهة التذلل.
تعريف البلخي وأكثر المعتزلة للأمر ومحاولة حصره في اللفظ
التعريف الأول:
وهو تعريف البلخى وأكثر المعتزلة: "أن الأمر هو قول القائل لمن دونه: افعل، أو ما يقوم مقامه".
قال الإمام: وهذا خطأ [1].
وقال الآمدى: وهو فاسد [2].
وقال العضد: هذه من الحدود المزيفة للأمر التى ذكرها المعتزلة [3]، وأشار إلى أنه محاولة منهم لتعريف الأمر باعتبار اللفظ.
الوجه الأول من الاعتراض على تعريف الأمر بصيغة افعل
الاعتراض على التعريف:
وبيان خطأه من وجوه ذكرها الإمام والآمدى وابن الحاجب والعضد [4]:
الأول: أن تحديد ماهية الأمر بالصيغة المخصوصة باطل؛ فمثل ذلك قد يوجد فيما ليس بأمر اتفاقا، كما لو صدرت عن النائم والساهى، أو على سبيل الاتفاق، أو الحكاية لا يقال فيه إنه أمر، مع دخوله فى التعريف.
وكالتهديد فى قوله تعالى
{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [5]
والإباحة فى قوله
{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [6]
والإرشاد فى قوله
{وَاسْتَشْهِدُوا} [7]
والامتنان كقوله
{كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ} [8]
... إلى غير ذلك من المحامل.
الوجه الثاني من الاعتراض وربط الأمر باختلاف اللغات
الثانى: أن المطلوب تحديد ماهية الأمر من حيث إنه أمر، وهى حقيقة لا تختلف باختلاف اللغات، وما ذكروه لا يتناول إلا الألفاظ العربية.
لكن قال الآمدى: "وأراد بقوله: "يقوم مقامه" أى: فى الدلالة على مدلوله، وقصد بذلك إدراج صيغة الأمر من غير العربى فى الحد".
وقد أورد الإمام أيضا هذا الفهم على سبيل الاعتراض ولم يرتضه، ورده بأنه يصير معنى الحد: "قول القائل لمن دونه افعل، أو ما يقوم مقامه فى الدلالة على طلب الفعل".
قال: وإذا ذكرناه على هذا الوجه كان قولنا: "الأمر هو اللفظ الدال على طلب الفعل" كافيا، وحينئذ يقع التعرض لخصوص صيغة "افعل" ضائعا [9].
وغايته أنا لو حملنا مراده على ذلك لأفسدنا الحد على صاحبه من حيث لم يرد هو.
إشكال اشتراط العلو في تعريف الأمر وآثاره
الثالث: أنهم اشترطوا العلو، واعتبار الرتبة غير معتبرة، فإنه قد يرد مثل هذه الصيغة من الأعلى نحو الأدنى ولا يكون أمرا، بأن يكون ذلك على سبيل التضرع والخضوع، وقد يرد من الأدنى نحو الأعلى، ويكون أمرا، ولهذا يوصف بالجهل والحمق، كما هو مبين فى محله.
الرابع: أنه يلزم من ذلك أن يكون صيغة "افعل" الواردة من النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نحونا أمرا حقيقة، لتحقق ما ذكروه من شروط الأمر فيها، ويلزم من ذلك أن يكون هو الآمر لنا بها، ويخرج بذلك عن كونه رسولا؛ لأنه لا معنى للرسول غير المبلغ لكلام المرسل، لا أن يكون هو الآمر، والناهى كالسيد إذا أمر عبده، وسواء كانت صيغته مخلوقة له كما هو مذهبهم، أو لله تعالى كما هو مذهبنا.
نقد العضد لتعريف البلخي بطرده وعكسه في صيغ افعل
وهذا الوجه ذكره الآمدى، ولم يذكره الإمام.
الخامس - ذكره العضد: أنه يرد على طرده، أى: على طرد التعريف، قولُ القائل "افعل" لمن دونه، إذا صدر عن مبلغ لأمر الغير، أو حاك له.
قال: وقد يجاب بأنه ليس قولا لغيره افعل [10].
السادس - وذكره العضد أيضا: أنه يرد على عكسه، أى: على عكس التعريف، "افعل" إذا صدر عن الأدنى على سبيل الاستعلاء؛ ولذلك يذم بأنه أمر من هو أعلى منه.
قال: وقد يجاب بمنع كونه أمرا عندهم لغة، وإن سمى به عرفا [11].
التعريف الثاني للأمر بصيغة افعل المجردة ووجه الدور
التعريف الثانى للمعتزلة:
وهو لبعض المعتزلة حكاه الآمدى فقال: "ومنهم من قال: الأمر: صيغة افعل على تجردها من القرائن الصارفة لها عن جهة الأمر إلى التهديد، وما عداه من المحامل" [12].
وحكى نحوه العضد فى شرح المختصر [13]، ونبه على أنه من تعريفاتهم باعتبار اللفظ.
اعترض على الحد من وجهين:
الأول: فساده - على ما ذكره الآمدى والعضد - لأنه يلزم منه الدور؛ من حيث إنه أخذ الأمر فى تعريف الأمر، وتعريف الشىء بنفسه محال.
الثانى: أنهم لو أصلحوا ذلك بحذف لفظة الأمر من الحد لما أفادهم شيئا.
استحالة تمييز الأمر عن التهديد بمجرد تجريد القرائن
وبيانه على ما ذكره الآمدى أنهم إن اقتصروا فى التحديد على القول بأن الأمر صيغة "افعل" المجرَّدة عن القرائن لا غير، وزعموا أن صيغة افعل فيما ليس بأمر لا تكون مجرَّدة عن القرائن فليس ما ذكروه أولى من قول القائل: التهديد عبارة عن صيغة "افعل" المجرَّدة عن القرائن إلا أن يدل عليه دليل من جهة السمع، وهو غير متحقق [14].
وعبر العضد عن هذا الاعتراض بقوله: "وإن أسقط هذا القيد بقى صيغة الأمر مجردة، فيلزم تجرده مطلقا حتى عما يؤكد فيه كونه أمرا".
قال: "وقد يجاب بأن المراد القرائن الصارفة عما يتبادر منها إلى الفهم عند إطلاقها" [15].
التعريف الثالث للأمر بصيغة افعل مع الإرادات الثلاث
التعريف الثالث للمعتزلة:
وهو لبعض المعتزلة أيضا حكاه الآمدى والعضد [16]: "أن الأمر صيغة "افعل" بشرط إرادات ثلاث: إرادة إحداث الصيغة، وإرادة الدلالة بها على الأمر، وإرادة الامتثال".
ونبها على أنه من تعريفاتهم باعتبار ما يقترن بالصيغة [17].
فإرادة إحداث الصيغة احتراز عن: النائم إذا وجدت الصيغة منه.
وإرادة الدلالة بها على الأمر احتراز عما إذا أريد بها التهديد، أو ما سواه من المحامل.
وإرادة الامتثال احتراز عن الرسول الحاكى المبلغ، فإنه وإن أراد إحداث الصيغة والدلالة بها على الأمر فقد لا يريد بها الامتثال [18].
وجوه الاعتراض على تعريف الأمر بالإرادات الثلاث
واعترض على الحد من وجوه:
الأول: أنه يلزم منه الدور أيضا؛ لأنه أخذ الأمر فى حد الأمر، وتعريف الشىء بنفسه محال كما تقدم.
الثانى: أنه جعل الأمر هو صيغة "افعل"، وهو باطل؛ لأن الأمر مدلول الصيغة لا هى، والصيغة دالة عليه لا هو، والدال غير المدلول.
الثالث: أنه قال الأمر هو صيغة "افعل" بشرط الدلالة على الأمر، وهو باطل؛ لأن الشرط غير المشروط.
هذا هو محصل ما ذكره الآمدى من الاعتراض عليه [19].
الرابع -ذكره العضد: أن فيه تهافتا؛ لأن المراد بالأمر إن كان هو اللفظ فسد لقوله: "وإرادة دلالتها على الأمر", واللفظ غير مدلول عليه، وإن كان المعنى فسد لقوله: "الأمر صيغة افعل", والمعنى ليس صيغة.
قال العضد: وقد يجاب بأن المراد فى أحدهما اللفظ، وفى الآخر المعنى؛ لأنه يقال عليهما [20].
التعريف الرابع للأمر بأنه إرادة الفعل وصلته بمسألة التكليف
التعريف الرابع للمعتزلة:
وهو لبعض المعتزلة أيضا حكاه الآمدى [21] عنهم فقال: "ولما انحسمت عليهم طرق التعريف قال قائلون منهم: الأمر هو إرادة الفعل".
ونبه العضد على أنه من تعريفاتهم باعتبار الإرادة [22].
وذكر الآمدى والعضد أن أصحابنا قد احتجوا على إبطاله بما هو مذكور فى مسألة هل يشترط فى الأمر الإرادة.
تعريف أبي الحسين البصري للأمر باستدعاء الفعل لا على جهة التذلل
التعريف الخامس للمعتزلة:
وهو مختار أبى الحسين البصرى المعتزلى: أنه قول يقتضى استدعاء الفعل بنفسه، لا على جهة التذلل.
وقال فى شرحه: وقد دخل فى ذلك قولنا: "افعل", وقولنا: "ليفعل", ولا يلزم عليه أن يكون الخبر عن الوجوب أمرا، لأنه ليس يستدعى الفعل بنفسه، لكن بواسطة تصريحه بالإيجاب.
وكذلك قول القائل: "أريد منك أن تفعل", هو يقتضى بنفسه إثبات إرادته للفعل، وبتوسطها يقتضى البعث على الفعل، وكذلك النهى عن أضداد الشىء ليس يستدعى فعل ذلك الشىء بنفسه، وإنما يقتضى ذلك بتوسط اقتضائه قبح تلك الأضداد، واستحالة انفكاك المكلف منها، إلا إلى ذلك الشىء.
وقد دخل فى قولنا "يقتضى استدعاء الفعل": الإرادةُ والغرضُ؛ لأنا بينا أنهما داخلان فى الاستدعاء والطلب [23].
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
من الذي عرّف الأمر بأنه قول القائل لمن دونه افعل أو ما يقوم مقامه؟
البلخي وأكثر المعتزلة
ما الوصف الذي أطلقه العضد على تعريف البلخي للأمر؟
من الحدود المزيفة للأمر
أي الآيات التالية استُشهد بها مثالاً على ورود صيغة افعل في التهديد لا الأمر؟
اعملوا ما شئتم
ما اللازم الفاسد الذي يترتب على اشتراط العلو في تعريف الأمر فيما يخص النبي صلى الله عليه وسلم؟
أن يكون النبي آمراً لا مبلغاً
ما العيب الرئيسي في التعريف الثاني للمعتزلة القائل بأن الأمر صيغة افعل المجردة من القرائن الصارفة عن جهة الأمر؟
أنه يلزم منه الدور
ما الغرض من اشتراط إرادة إحداث الصيغة في التعريف الثالث للمعتزلة؟
الاحتراز من النائم
ما الغرض من اشتراط إرادة الامتثال في التعريف الثالث للمعتزلة؟
الاحتراز من الرسول الحاكي المبلغ
ما التهافت الذي أشار إليه العضد في التعريف الثالث للمعتزلة؟
أنه يخلط بين الدال والمدلول بين اللفظ والمعنى
ما التعريف الرابع الذي قدّمه بعض المعتزلة للأمر بعد انحسام طرق التعريف؟
الأمر هو إرادة الفعل
كيف ميّز أبو الحسين البصري بين الأمر والخبر عن الوجوب؟
الأمر يستدعي الفعل بنفسه والخبر يستدعيه بواسطة التصريح بالإيجاب
ما الذي دخل في تعريف أبي الحسين البصري للأمر باستدعاء الفعل بنفسه؟
صيغة افعل وصيغة ليفعل
لماذا لا يُعدّ النهي عن أضداد الشيء أمراً بذلك الشيء في تعريف أبي الحسين؟
لأنه يستدعي الفعل بتوسط اقتضائه قبح الأضداد لا بنفسه
ما الاعتراض الثاني على التعريف الثالث للمعتزلة المتعلق بالدال والمدلول؟
أن الأمر مدلول الصيغة لا هي، والدال غير المدلول
كم عدد التعريفات التي قدّمها المعتزلة للأمر في هذا المتن؟
قدّم المعتزلة خمسة تعريفات للأمر، آخرها مختار أبي الحسين البصري.
ما معنى قول العلماء إن تعريفاً ما يلزم منه الدور؟
يعني أن التعريف أخذ المُعرَّف في نفس الحد، وتعريف الشيء بنفسه محال لأنه لا يُفيد معرفة جديدة.
ما الفرق بين طرد التعريف وعكسه في الاصطلاح الأصولي؟
طرد التعريف يعني شموله لما ليس داخلاً فيه، وعكسه يعني خروج بعض أفراد المُعرَّف منه.
لماذا قال الإمام الرازي إن التنصيص على صيغة افعل في تعريف البلخي ضائع؟
لأن حمل قولهم أو ما يقوم مقامه على الدلالة على طلب الفعل يجعل الحد مكافئاً لقولنا الأمر هو اللفظ الدال على طلب الفعل، فيصير ذكر صيغة افعل بلا فائدة.
ما المحامل التي ذكرها العلماء لصيغة افعل غير الأمر؟
التهديد والإباحة والإرشاد والامتنان، فضلاً عن الصادرة عن النائم والساهي وعلى سبيل الحكاية.
ما الفرق بين الأمر الصادر على سبيل التضرع والأمر الصادر على سبيل الاستعلاء؟
الصادر على سبيل التضرع من الأعلى نحو الأدنى لا يُعدّ أمراً، والصادر من الأدنى على سبيل الاستعلاء قد يُعدّ أمراً ويُذم صاحبه.
ما الجواب الذي أجاب به العضد عن الاعتراض على طرد تعريف البلخي بحالة المبلغ؟
أجاب بأن المبلغ ليس قائلاً لغيره افعل في الحقيقة، فلا يدخل في الحد.
ما الجواب عن الاعتراض على عكس تعريف البلخي بحالة الأدنى المستعلي؟
أجيب بمنع كون ذلك أمراً عندهم لغةً وإن سُمي به عرفاً.
ما الذي يقصده أبو الحسين البصري بقوله لا على جهة التذلل في تعريفه للأمر؟
يقصد إخراج الدعاء والسؤال الصادر من الأدنى إلى الأعلى على وجه الخضوع والتضرع، فإنه ليس أمراً.
كيف فرّق أبو الحسين البصري بين الأمر وقول أريد منك أن تفعل؟
قول أريد منك أن تفعل يقتضي بنفسه إثبات إرادة القائل للفعل، ويقتضي البعث على الفعل بتوسط تلك الإرادة لا بنفسه، فهو ليس أمراً مباشراً.
ما الذي نبّه عليه الآمدي والعضد بشأن التعريف الثالث للمعتزلة؟
نبّها على أنه من تعريفاتهم باعتبار ما يقترن بالصيغة لا باعتبار الصيغة وحدها.
ما الذي يقصده العلماء بقولهم إن الأمر مدلول الصيغة لا هي؟
يقصدون أن صيغة افعل هي الدالة على الأمر، والأمر هو المعنى المدلول عليه، فلا يصح تعريف الأمر بأنه الصيغة لأن الدال غير المدلول.
ما الذي يعنيه قول الآمدي ولما انحسمت عليهم طرق التعريف في سياق التعريف الرابع؟
يعني أن المعتزلة لما عجزوا عن تعريف الأمر بالصيغة أو بالإرادات المقترنة بها لجأوا إلى تعريفه بالإرادة المجردة.
ما الإرادة التي دخلت في تعريف أبي الحسين البصري للأمر باستدعاء الفعل؟
بيّن أبو الحسين أن الإرادة والغرض داخلان في الاستدعاء والطلب، فهما مندرجان في تعريفه.