اكتمل ✓

كيف يشكل القرآن الكريم محور الحضارة الإسلامية وما دوره في التشريع وبناء الهوية؟

القرآن الكريم هو محور الحضارة الإسلامية ومصدر التشريع الأول، وهو كلام الله المنزل بلسان عربي مبين، معجزة خالدة صالحة لكل زمان ومكان. يقوم عليه المنهج الذي تُبنى منه العلوم والمعارف التي تُشكّل معالم الحضارة والنهضة. وفهمه الصحيح يستلزم تدبر مقاصده لا الوقوف عند ظواهر ألفاظه فحسب.

كيف يشكل القرآن الكريم محور الحضارة الإسلامية وما دوره في التشريع وبناء الهوية؟
كيف يشكل القرآن الكريم محور الحضارة الإسلامية وما دوره في التشريع وبناء الهوية؟
3 دقائق قراءة
  • كيف يمكن لنص يمثل ٢٪ من جذور اللغة العربية أن يكون معجزة لغوية تفوق كل كلام البشر؟

  • لكل حضارة محور تدور حوله، ومحور الحضارة الإسلامية هو النص القرآني والنبوي الذي تُستمد منه العلوم والتشريعات.

  • اتفق علماء المسلمين على أن النص القرآني هو المصدر الأول للتشريع، سواء أكان إلهيًا محضًا أم اجتهادًا مستنبطًا من الوحي.

  • القرآن الكريم معجزة في فصاحته وبلاغته وإخباره بالغيب واشتماله على شريعة عادلة خالية من التعارض والتناقض.

  • ترجمة القرآن إلى غير العربية لا تُعد قرآنًا ولا يصح الاستنباط منها، لأن فهم الآيات وترجمتها كلاهما يحتمل الخطأ.

  • الوقوف عند ظواهر الألفاظ دون تدبر المقاصد يُبطل حكمة التشريع ويُبعد عن الفهم الصحيح للقرآن.

محورية النص القرآني والنبوي في بناء الحضارة الإسلامية

محور الحضارة

لكل حضارة محور تدور حوله، ومحور حضارة الإسلام هو النص بشقيه -القرآن الكريم والسنة الشريفة- ومن ثم فقضيتنا وهدفنا في بناء حضارتنا هو كيفية فهم هذا النص وكيفية خدمته على أي نحو كانت الخدمة، فهذا النص وهو يحتل هذه المرتبة الفريدة في فكرنا وهويتنا، هو مصدر المنهج الذي سنبني عليه علومنا ومعارفنا التي ستكون فيما بعد معالم حضارتنا ونهضتنا.

وقد اتفق علماء المسلمين على أن النص هو المصدر الأول والرئيس للتشريع الإسلامي، والتشريع هو سن القوانين التي تُسْتَمَدُّ منها الأحكامُ لأعمال المكلَّفين، والأحكامُ لما يقع بينهم من الأقضية والحوادث، أي أنه هو القانون التي ستقوم عليه الحضارة، وهو إما أن يكون إلهيًّا أو وضعيًّا، والإلهي إما أن يكون إلهيا محضا، وهو الذي سنه الله سبحانه وتعالى بآيات قرآنية وأحاديث ألهمها رسوله أو أقره عليها، أو يكون تشريعا إلهيا باعتبار المرجع والمصدر وهو ما سنه مجتهدو المسلمين، من الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المجتهدين عبر العصور، استنباطا من نصوص الوحي الإلهي وروحه ومعقوله، فهو تشريع إلهي باعتبار المرجع والمصدر، وهو نفسه ما يطلق عليه أنه تشريع وضعي باعتبار جهود المجتهدين في استنباط الأحكام والتشريعات، وهو يمكن أن يتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وكذلك المصلحة والمآلات.

تعريف القرآن الكريم وبيان حفظه وعدم حجية ترجمته

والنص الذي هو محور حضارة الإسلام له شقان: القرآن الكريم والسنة النبوية، والقرآن هو كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين تبيانا لما به صلاح الناس في دنياهم وأخراهم، وهو معجزة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبرى، تعبدنا الله تعالى بتلاوته، وألهمنا حفظه وكتابته، ويسر أمر نقله بين الأجيال بالتواتر، تحقيقا لوعده حيث قال:

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [سورة الحجر:آية ٩]

ولا تُعَد ترجمة القرآن إلى غير العربية ولا تفسيره بها قرآنا، فلا يصح الاستنباط من الترجمة، لأن فهم المراد من الآيات يحتمل الخطأ، والتعبير عنه باللغة الأخرى يحتمل الخطأ أيضاً.

أوجه إعجاز القرآن وخصائصه التشريعية والروحية

ويرجع إعجاز القرآن إلى فصاحة ألفاظه، وبلاغة أساليبه، وخفته على اللسان، وحسن وقعه في السمع، وأخذه بمجامع القلوب، وإخباره بأمور مغيبة، ماضية أو مستقبلة، واشتماله على أخلاق سامية فاضلة، وشريعة عادلة كاملة، صالحة لكل الناس في جميع البقاع والأجيال، ثم سلامته -مع كل هذا- من التعارض والتناقض، وهذا مصداقاً لقوله تعالى:

(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً) [سورة النساء: آية ٨٢]

وقوله صلى الله عليه وسلم:

«كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلاَ يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعُوهُ أَنْ قَالُوا (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً) هُوَ الَّذِي مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (رواه الترمذي).

دور القرآن في تهذيب لغة العرب والإحصاءات اللغوية لألفاظه

وقد جاء القرآن ليهذب لغة العرب التي كانت مليئة بالغرائب ووحشي الكلام، وأذكر شعر ابن المطهر الحلي حيث يقارن بين القديم والجديد في لغة العرب، ويظهر من ذلك مدى تهذيب القرآن لتلك اللغة:

إنما الحيزبون، والدردبيس والطخا والنخا والعلطبيس

لغة تنفر المسامــع منها حيث تتلى وتشمئز النفوس

أين قولك هذا حديث قديم من مقالك عقنقل قدموس

وألفاظ القرآن نحو ١٨١٠ ألفاظ تمثل جذور الكلمات القرآنية، في حين أن معجم لسان العرب لابن منظور نحو ثمانين ألف مادة أعني جذراً، أي أن جذور القرآن تمثل نحو اثنين في المائة (تماماً ٢.٢٥%) من جذور لسان العرب، والقرآن أصغر نص مقدس، وعدد كلماته نحو ٦٦ ألف كلمة، منها ١٦٢٠ كلمة لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة، ويقول بعضهم إن الأديب الروسي تولستوي لم يكرر ٤ كلمات في كتابه الحرب والسلام، فعُدَّ ذلك من بلاغته وتمكنه اللغوي، فإذا صح ذلك، فإن هذا التفرد في القرآن الكريم بهذا العدد الضخم من الألفاظ غير المكررة يكون معجزة بمعنى الكلمة. تضاف إلى وجوه إعجازه التي تخرجه عن نظام كلام البشر.

خطر الوقوف عند ظواهر النص وضرورة تدبر المقاصد الشرعية

وليس من الفقه في الدين أن يقف المرء عند ظواهر الألفاظ، وينصرف عن تدبر كلام الله، فقد ذم الله المنافقين لوقوفهم عند الظواهر، وانصرافهم عن التدبر، حيث خاطب المؤمنين بقوله:

(لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) [سورة الحشر: آية ١٣]

وقال تعالى:

(فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) [سورة النساء: آية ٧٨]

وذلك لأن الوقوف عند الظواهر يبعد عن المقاصد الشريفة، ويبطل حكمة التشريع، وهناك مثال يوضح الفرق الشاسع بين سوء الفهم القائم على الوقوف عند ظواهر الألفاظ وحسن الفهم القائم على استنباط المنهج والمحور الذي ستقوم عليه الحضارة، قال الله تعالى:

(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً) [سورة البقرة: آية ٢٤٥]

فقالت اليهود الواقفون عند الظواهر حينئذ:

(إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) [سورة آل عمران: آية ١٨١]

بينما قال الصحابي أبو الدحداح -وقد فقه المقصد: إن الله كريم، استقرض منا ما أعطانا [تفسير القرطبي].

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المحور الذي تدور حوله الحضارة الإسلامية وفق ما تقرره أصول التشريع؟

النص القرآني والسنة النبوية

ما الوصف الصحيح للتشريع الذي يسنه مجتهدو المسلمين استنباطًا من نصوص الوحي؟

تشريع إلهي باعتبار المرجع والمصدر

لماذا لا تُعد ترجمة القرآن الكريم إلى لغة أخرى قرآنًا يصح الاستنباط منه؟

لأن فهم المراد من الآيات وترجمته كلاهما يحتمل الخطأ

ما نسبة جذور كلمات القرآن الكريم من إجمالي جذور معجم لسان العرب؟

نحو اثنين في المائة (٢.٢٥٪)

كم عدد الكلمات التي لم ترد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة؟

نحو ١٦٢٠ كلمة

ما الذي يُبطله الوقوف عند ظواهر الألفاظ القرآنية دون تدبر المقاصد؟

حكمة التشريع ومقاصده الشريفة

ماذا فهم الصحابي أبو الدحداح من آية القرض الحسن؟

أن الله كريم استقرض منا ما أعطانا

ما الوصف الذي أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن في الحديث الذي رواه الترمذي؟

هو حبل الله المتين والصراط المستقيم

ما الآية التي استشهد بها القرآن على سلامته من التعارض والتناقض؟

ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا

ما الذي ضمنه الله سبحانه وتعالى للقرآن الكريم في قوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)؟

حفظه من التحريف والضياع

ما الشقان اللذان يتكون منهما النص الذي هو محور الحضارة الإسلامية؟

القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وهما معًا مصدر المنهج الذي تُبنى عليه العلوم والمعارف والتشريعات.

ما الفرق بين التشريع الإلهي المحض والتشريع الإلهي باعتبار المرجع؟

التشريع الإلهي المحض هو ما سنه الله بآيات قرآنية وأحاديث نبوية مباشرة، أما التشريع الإلهي باعتبار المرجع فهو ما استنبطه المجتهدون من نصوص الوحي وروحه، وهو قابل للتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال.

لماذا يُعد القرآن الكريم معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الكبرى؟

لأنه جمع الفصاحة والبلاغة والإخبار بالغيب والشريعة الكاملة الصالحة لكل زمان ومكان، مع سلامته التامة من التعارض والتناقض، وهو ما يخرجه عن طاقة البشر.

ما عدد جذور كلمات القرآن الكريم وكم يمثل من جذور لسان العرب؟

جذور القرآن نحو ١٨١٠ جذرًا، تمثل ٢.٢٥٪ فقط من جذور معجم لسان العرب البالغة ثمانين ألف مادة.

ما إجمالي عدد كلمات القرآن الكريم؟

نحو ٦٦ ألف كلمة، منها ١٦٢٠ كلمة لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة.

كيف هذّب القرآن الكريم اللغة العربية؟

جاء القرآن فنقّى اللغة العربية من الغرائب ووحشي الكلام التي كانت شائعة في الشعر الجاهلي، وارتقى بها إلى مستوى بلاغي رفيع.

ما موقف اليهود من آية القرض الحسن وكيف يكشف خطأ الوقوف عند الظواهر؟

فهم اليهود من الآية أن الله فقير لأنه يستقرض، وهو فهم قائم على الوقوف عند الظاهر دون تدبر المقصد، بينما الصحيح أن الآية تحث على الإنفاق في سبيل الله.

ما الذي يميز التشريع الوضعي الاجتهادي عن التشريع الإلهي المحض؟

التشريع الاجتهادي يقبل التغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال والمصلحة والمآلات، بينما التشريع الإلهي المحض ثابت بنصوص الوحي.

ما الذي يعنيه قول النبي صلى الله عليه وسلم إن القرآن لا يخلق على كثرة الرد؟

يعني أن القرآن لا يبلى ولا تنتهي عجائبه مهما كثرت تلاوته وتكررت، وهو وجه من وجوه إعجازه الذي يميزه عن كلام البشر.

ما الحكمة من نقل القرآن بالتواتر بين الأجيال؟

تحقيق وعد الله بحفظ القرآن من التحريف والضياع، كما قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

ما الفرق بين فهم أبي الدحداح وفهم اليهود لآية القرض الحسن؟

أبو الدحداح فقه المقصد فقال: إن الله كريم استقرض منا ما أعطانا، بينما وقف اليهود عند الظاهر فقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء.

ما الخصائص التي تجعل شريعة القرآن صالحة لكل الناس في جميع العصور؟

اشتمالها على أخلاق سامية فاضلة وعدالة كاملة، وسلامتها من التعارض والتناقض، وقدرتها على الاستجابة لمتغيرات الزمان والمكان عبر الاجتهاد المستنبط من روحها.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!