اكتمل ✓

ما هو العفاف في الإسلام وكيف يُسهم في بناء الحضارة والمجتمع؟

العفاف في الإسلام قيمة إنسانية شاملة اتفق عليها العقلاء عبر العصور، وهو أصل في بناء المجتمع البشري وسبب تقدمه. يشمل غض البصر وحفظ الفرج وستر العورة والعفاف في الكلام والمال والأخلاق. فقدان العفاف يُسبب اختلاف المعايير وانتشار الفتن ويسد باب استجابة الدعاء، بينما التمسك به يجلب الخير ويحجب الفساد عن المجتمع.

ما هو العفاف في الإسلام وكيف يُسهم في بناء الحضارة والمجتمع؟
ما هو العفاف في الإسلام وكيف يُسهم في بناء الحضارة والمجتمع؟
3 دقائق قراءة
  • هل يمكن بناء حضارة حقيقية دون العفاف؟ الإسلام وجميع الأديان والعقلاء أجمعوا على أن العفاف أصل في بناء المجتمع البشري وسبب تقدمه.

  • أمر القرآن الكريم بغض البصر عن العورات والمحرمات، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم النظرة المحرمة بأنها سهم مسموم من سهام إبليس.

  • فرّق الإسلام بين المكان العام والخاص في مسألة الخلوة بين الرجل والمرأة، ومعيار التمييز هو وجوب الاستئذان من عدمه.

  • العفاف في الكلام ركيزة أخلاقية أساسية؛ إذ حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من حصائد الألسنة ونهى عن الجهر بالسوء والسب واللعن والفحش.

  • يمتد العفاف في الإسلام ليشمل المال والمعاملات، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التسول والرشوة والسرقة وحثّ على الكسب الحلال من عمل اليد.

  • فقدان العفاف الظاهر والباطن يُسبب اختلاف المعايير وانتشار الفتن ويسد باب استجابة الدعاء ويُوقع الضغينة بين الناس.

العفاف قيمة إنسانية مشتركة وأساس في بناء الحضارة والمجتمع

من أدوات بناء الحضارة: «العفاف في السلوك»

دعت جميع الأديان، خاصة الإسلام، إلى العفاف، واتفق عليه العقلاء من البشر فلم يكن أبداً عبر العصور والدهور المختلفة حتى عصرنا الحاضر محلاً للاجتهاد، بل كان محلا للاتفاق، سواء أقام الشخص به في نفسه أم لم يقم، فإن الجميع يعلمون أن العفاف بكل جوانبه من أساسيات هو أصل في بناء المجتمع البشري، ومن أسباب تقدمه ورقيه.

غض البصر وحفظ الفرج كركيزتين للعفاف في حضارة الإسلام

  1. تهتم حضارة الإسلام بمفهوم العفاف، ففي القرآن نجد الأمر بِغَضِّ البصر عن العورات والمحرمات، قال تعالى:

(قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [النور:٣٠]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه جل وعز إيمانا يجد حلاوته في قلبه» (رواه الحاكم في المستدرك).

وقال بعض الظرفاء:

إلهي ليس للعشاق ذنب

لأنك أنت تبلو العاشقين

فتخلق كل ذي وجه جميل

به تسبى قلوب الناظرين

وتأمرنا بِغَضِّ الطرف عنهم

كأنك ما خلقت لنا عيونا

فكيف نغض يا مولانا طرفاً

إذا كان الجمال نراه دينا

الجمال بين فتنة العشاق ورد الشيخ التقي الأمين على مفهوم العفاف

وقال آخر:

خلقت الجمال لنا فتنة

وقلت لنا: يا عباد اتقون

وأنت جميل تحب الجمال

فكيف عبادك لا يعشقون

فرد عليهم الشيخ التقي الأمين السوداني فقال:

خلقت الجمال لنا نعمة

وقلت لنا يا عبادِ اتقون

وإن الجمال تُقىً والتُّقى

جمال ولكن لمن يفقهون

فذوق الجمال يصفي النفوس

ويحبو العيونَ سمو العيون

وإن التقى هاهنا في القلوب

ومازال أهل التقى يعشقون

ومن خامر الطهر أخلاقه

تأبّى الصَّغَار وعاف المجون

وربي جميل يحب الجمال

جمال التقى يا جميل العيون

الفجوة بين النموذج الإسلامي العفيف والنماذج الحضارية الأخرى

وهذا الجدل يظهر الفجوة الواسعة بين النموذج الحضاري الإسلامي القائم على العفاف وبين غيره من النماذج المعرفية الأخرى التي تفتقد العفاف ولا تضعه في مقدمة أولوياتها.

مفهوم العورة ووجوب سترها والحياء من الله في الخلوة

  1. واهتم الإسلام كذلك بحفظ الفرج، ومن هنا جاء مفهوم العورات التي أمر صلى الله عليه وسلم بسترها، كما جاء في حديث بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال:

«احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك»،

قال: قلت: يا رسول الله، فإذا كان القوم بعضهم في بعضا قال:

«إن استطعت ألا يرى أحد عورتك فافعل»،

قلت: فإذا كان أحدنا خاليا! فقال:

«فالله أحق أن يُستحيا من الناس». (رواه النسائي في سننه الكبرى).

ضوابط الخلوة بين الرجل والمرأة والتمييز بين المكان العام والخاص

  1. ومن علامات العفاف في الإسلام أنه أمر بعدم الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية إلا بطريقة آمنة، والمقصود بالخلوة هنا المكان الخاص وليس المكان العام، ومعيار الخصوصية والعمومية هو وجوب الاستئذان الذي يترتب عليه جواز النظر من عدمه، فالمكان الذي يجب علينا أن نستأذن للنظر إلى ما فيه ولا يجوز أن ندخله إلا بعد الاستئذان فهو مكان خاص، والمكان الذي لا يحتاج إلى استئذان كالطريق ووسائل النقل العامة والمساجد والمحلات العامة هو مكان عام، ولا يسمى انفراد الرجل بالمرأة أو المرأة بالرجل فيه خلوة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» (رواه الترمذي في سننه).

العفاف في الكلام وخطورة حصائد الألسنة والجهر بالسوء

  1. واهتم الإسلام أيضاً بالعفاف في الكلام فأمر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم حين نبه معاذاً فقال:

«وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» (رواه الترمذي في سننه).

وربنا يقول في سورة النساء:

(لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) [النساء:١٤٨]،

ولكنه حث على العفو بعدها فقال:

(إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًا قَدِيرًا) [النساء:١٤٩].

العفاف في المال والأخلاق والنهي عن التسول والرشوة والسرقة والفحش

  1. ونهى صلى الله عليه وسلم -من باب العفاف- عن التسول والرشوة والسرقة كما نهى -من باب العفاف- عن السب واللعن والفحش والبذاءة، فقال:

«مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبيَّ اللَّهِ دَاوُودَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (رواه البخاري)،

وقال:

«لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي» (رواه أبو داوود في سننه)،

وقال:

«إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها» (رواه أحمد في مسنده)،

وقال:

«لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِطَعَّانٍ وَلاَ بِلَعَّانٍ وَلاَ بِالْفَاحِشِ الْبَذِيءِ» (مسند الإمام أحمد).

العفاف الظاهر والباطن وآثارهما على استجابة الدعاء واستقرار المجتمع

هذا كله من علامات العفاف في الظاهر، أما العفاف في الباطن والمفاهيم فله حديث آخر قد يكون أهم وأعمق من عفاف الظاهر الذي هو في غاية الأهمية في نفسه، وأرى أن فَقْدَنَا العفاف الظاهر والباطن يسبب كثيراً من اختلاف المعايير والرؤى ويحدث الفجوات، مما يكون له تأثير سلبي على خططنا المختلفة لبناء حضارتنا والسعي لتقدم بلادنا، بل إنني لا أبالغ إذا قلت إن عدم العفاف يسد باب استجابة الدعاء من ناحية، ويوقع الضغينة بين الناس من ناحية أخرى، ويغبش على القلب الذي هو مهبط الرحمات الربانية من أن يرى الحق حقاً والباطل باطلاً، ونتيجة ذلك كله تنتشر الفتن في المجتمع وتعم الفوضى وتختلط الأوراق.

إن العفاف من الأدوات التي تجلب للمجتمع الكثير من الخير وتحجب عنه الكثير من الشر والفساد، فاللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، وأنت على كل شيء قدير.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الوصف الذي أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم على النظرة المحرمة؟

سهم من سهام إبليس مسمومة

ما الثواب الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم من يترك النظرة المحرمة خوفاً من الله؟

إيمان يجد حلاوته في قلبه

وفق حديث بهز بن حكيم، لمن يجوز للرجل كشف عورته؟

لزوجته أو ما ملكت يمينه

ما معيار التمييز بين المكان العام والخاص في مسألة الخلوة وفق الفقه الإسلامي؟

وجوب الاستئذان للدخول والنظر

ما الذي يكبّ الناس في النار على وجوههم وفق الحديث النبوي الوارد في شأن العفاف في الكلام؟

حصائد ألسنتهم

من الذي لعنه النبي صلى الله عليه وسلم في باب العفاف في المال؟

الراشي والمرتشي

بأي نبي استشهد النبي صلى الله عليه وسلم على فضل الكسب من عمل اليد؟

داود عليه السلام

ما الذي يُسببه فقدان العفاف على مستوى القلب وفق المحتوى؟

يُغبّش على القلب رؤية الحق والباطل

كيف وصف الشيخ التقي الأمين السوداني العلاقة بين الجمال والتقى؟

الجمال تُقىً والتقى جمال لمن يفقهون

ما الصفات التي نفاها النبي صلى الله عليه وسلم عن المؤمن الحقيقي في باب العفاف في الكلام؟

الطعّان واللعّان والفاحش البذيء

ما الأثر الاجتماعي لفقدان العفاف وفق ما ورد في الخاتمة؟

انتشار الفتن وعموم الفوضى واختلاط الأوراق

ما الآية القرآنية التي استشهد بها النص في شأن الجهر بالسوء؟

لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ

ما تعريف العفاف ومكانته في الإسلام؟

العفاف قيمة إنسانية شاملة دعت إليها جميع الأديان واتفق عليها العقلاء، وهو أصل في بناء المجتمع البشري وسبب تقدمه ورقيه.

ما الآية القرآنية الواردة في الأمر بغض البصر وحفظ الفرج؟

قوله تعالى: (قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [النور:30].

ما الحديث النبوي الوارد في شأن النظرة المحرمة؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه جل وعز إيماناً يجد حلاوته في قلبه».

ما موقف الشيخ التقي الأمين السوداني من العلاقة بين الجمال والتقى؟

أكد أن الجمال نعمة لا فتنة، وأن الجمال تُقىً والتقى جمال، وأن ذوق الجمال يصفي النفوس ويسمو بالعيون، ومن خامر الطهرُ أخلاقَه تأبّى الصغار وعاف المجون.

ما الفرق بين المكان العام والخاص في مسألة الخلوة؟

المكان الخاص هو الذي يستلزم الاستئذان للدخول والنظر إلى ما فيه، أما المكان العام كالطريق والمساجد ووسائل النقل فلا يستلزم استئذاناً ولا يُسمى انفراد الرجل بالمرأة فيه خلوة.

ما الحديث النبوي الوارد في النهي عن الخلوة بين الرجل والمرأة؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ».

ما الحكم الشرعي في ستر العورة حين يكون الشخص خالياً بنفسه؟

أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الله أحق أن يُستحيا منه من الناس، فيجب الحياء من الله وستر العورة حتى في الخلوة.

ما المقصود بحصائد الألسنة في الحديث النبوي؟

هي ما يصدر عن اللسان من كلام محرم كالسب واللعن والغيبة والفحش، وقد حذّر النبي من أنها ما يكبّ الناس في النار على وجوههم.

ما موقف الإسلام من التسول؟

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التسول من باب العفاف، وحثّ على الكسب الحلال من عمل اليد مستشهداً بنبي الله داود الذي كان يأكل من عمل يده.

ما الأثر الروحي لعدم العفاف على القلب؟

يُغبّش عدم العفاف على القلب فيعجز عن رؤية الحق حقاً والباطل باطلاً، إذ القلب هو مهبط الرحمات الربانية.

ما الأثر الاجتماعي لفقدان العفاف الظاهر والباطن؟

يُسبب فقدان العفاف اختلاف المعايير والرؤى وإيقاع الضغينة بين الناس وانتشار الفتن وعموم الفوضى، مما يؤثر سلباً على مساعي بناء الحضارة.

ما الدعاء الوارد في ختام الحديث عن العفاف؟

«اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها».

ما الجوانب التي يشملها العفاف في الإسلام؟

يشمل العفاف في الإسلام: غض البصر، وحفظ الفرج، وستر العورة، والعفاف في الكلام، والعفاف في المال بالنهي عن التسول والرشوة والسرقة، والعفاف الباطن في المفاهيم والرؤى.

لماذا وصف النص العفافَ الباطن بأنه أهم وأعمق من العفاف الظاهر؟

لأن العفاف الباطن يتعلق بالمفاهيم والرؤى والقلب الذي هو مهبط الرحمات الربانية، وفقدانه يُغبّش الرؤية ويُحدث الفجوات في المعايير بصورة أعمق من مجرد المخالفات الظاهرة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!