اكتمل ✓

ما الفرق بين الإصلاح والتجديد وكيف يسهمان في بناء الحضارة واستمرارها؟

الإصلاح يفترض نقصاً أو خللاً في الواقع يستلزم هدماً وإعادة بناء، بينما التجديد يُضيف الجديد الذي يحتاجه العصر دون أن يهدم الموروث أو يبطله. وكلاهما يقع تحت مظلة التغيير المقصود الذي يقوم على القصد والإرادة ووضع الخطة. وتحرير هذين المفهومين وفهمهما بعمق شرط أساسي لبناء حضارة راسخة تستمر عبر الأجيال.

ما الفرق بين الإصلاح والتجديد وكيف يسهمان في بناء الحضارة واستمرارها؟
ما الفرق بين الإصلاح والتجديد وكيف يسهمان في بناء الحضارة واستمرارها؟
4 دقائق قراءة
  • هل تعرف الفرق الحقيقي بين الإصلاح والتجديد، وهل يمكن أن يجتمعا في مشروع تغيير واحد؟

  • التغيُّر يحدث تلقائياً بتبدل الزمان والأحداث، أما التغيير فيقوم على القصد والإرادة ووضع الخطة والتنفيذ.

  • الإصلاح يفترض نقصاً أو خللاً في الواقع أو الموروث، ويستلزم قدراً من الهدم وإعادة البناء وقبول فكرة القطيعة المعرفية.

  • التجديد يُضيف الجديد الذي يحتاجه العصر دون هدم الموروث، مستنداً إلى فكرة واجب الوقت واحترام ما أنجزه السابقون.

  • التفريق بين المسائل والمناهج هو أساس عملية التجديد، إذ يمكن تجديد المناهج وإعادة صياغتها مع الحفاظ على المسائل الثابتة.

  • رفض الثنائيات بين الإصلاح والتجديد ضرورة حضارية، لأن التغيير المنشود قد يحتاج إليهما معاً بنسب متفاوتة.

التمييز بين التغيّر التلقائي والتغيير المقصود في بناء الحضارة

من أدوات بناء الحضارة: الإصلاح والتجديد

هناك فرق بين التغيُّر والتغيير، والفرق بينهما هو القصد والإرادة اللذان يلزم منهما وضع الخطة والتنفيذ، حيث إن التغيُّر يحدث تلقائياً بتبدل الزمان وتغير الناس بالحياة والموت، وجريان الأحداث وتشابكها، والاكتشافات التي تتم، سواء في عالم الحس والكون أو الومضات التي يفتح الله بها على عباده في عالم الأفكار، والتي تؤثر بعد ذلك في العلاقات بين الناس، أفراداً وجماعات، وبين الدول والتكتلات.

أما التغيير فهو ينظر إلى الواقع ويرى فيه شيئاً لابد أن يتبدل، وهنا يظهر القصد لذلك التبديل وتظهر الإرادة، ويسعى الإنسان لوضع خطة مناسبة لهذا التغيير ويقوم بتنفيذها حتى يتم مراده أو بعض مراده من هذا التغيير، وعملية بناء الحضارة تشتمل بالضرورة على التغير والتغيير، وإذا كان التغيُّر لا دور للإنسان فيه، إلا أنه يجب عليه فهم عملية التغيير ودراستها بروية لما لها من دور مهم في بناء الحضارة الإنسانية.

تعريف الإصلاح وعلاقته بالنقص والخلل في الواقع والموروث

وتحت عنوان التغيير، يقع المصطلحان (الإصلاح والتجديد)، ويرى فريق من الكاتبين في الأدبيات المعاصرة، طبقاً لاستعمالهم هذين اللفظين، أنهما مترادفان، فيستعملون كل واحد منهما مكان الآخر.

وأرى أن هناك فارقا بين الإصلاح والتجديد، فالإصلاح يفترض نقصا ما في الواقع، وقد يصل هذا النقص إلى درجة الخلل، وهذا يستلزم شيئاً من الهدم وإعادة البناء، ولذلك فإن الإصلاح يقتضى أيضاً عدم التسليم بالموروث، واعتبار أن خطأ ما قد وقع عند السابقين فهماً أو تطبيقاً أو هما معا، وهذا هو المبرر والمسوِّغ لعملية الهدم والشروع في بناء جديد ينهى النقص القائم.

القطيعة المعرفية ومقاومة مشاريع الإصلاح في الواقع

وبهذا المفهوم للإصلاح يمكن قبول فكرة القطيعة المعرفية الجزئية أو الكلية، طبقاً لرؤية المصلِح ومساحة هذا الإصلاح ومساحة الرغبة والإرادة والقصد في التغيير، ومن خلال القطيعة المعرفية يتم نقد مصادر المعرفة، وأدوات التعامل معها، ويتم أيضا إيجاد معيار جديد للتقويم، ومن هنا تتم عملية تصنيف جديدة للمعرفة. وكل هذه خطواتٌ ستكون هي الخطوات الأولى، لكنها الأساسية أيضاً في خطة الإصلاح. والإصلاح بهذا المعنى عادة يلقى مقاومة شديدة، لأنه أولا يدخل في صدام مع الثقافة السائدة.

وثانيا لأنه يأتي بفكرة لم يتم بعد تجريبها، فتتخوف النفوس من قبولها. ولأنه ثالثا يأتي بتلك الفكرة ويصوغها بصياغات مبدئية ليس كصياغات العلوم المستقرة التي دُرست ونُقلت من جيل إلى جيل. ولأنه رابعا يصف شيئاً من الموروث بالنقص، ولذلك كانت مهمة الإصلاح أصعب وتحتاج إلى زمان أطول.

مفهوم التجديد وإضافة الجديد مع احترام الموروث وواجب الوقت

أما التجديد فيتمثل في عملية إضافة جديدة لا تكر على القديم بالهدم أو البطلان، بل تُضيف الجديد الذي يحتاجه العصر، وموقفها من القديم مبنىٌّ على فكرة القائم بواجب الوقت، وأن السابقين قد قاموا بواجب وقتهم بناءً على مقتضيات حياتهم وأزمانهم، مع الاعتراف بأنهم حققوا نجاحات، وأن علينا واجبا يختلف عن واجب العصور السابقة، ولذلك فمع احترامنا للموروث فإننا لا نقف عنده ولا نقف ضده، بل نحترمه ونضيف إليه ونعيد صياغة مناهجه بصورة تتسق مع ما أضفناه من مناهج جديدة أيضا، وهذا مبنى على فكرة التفريق بين المسائل والمناهج.

التفريق بين المسائل والمناهج وتعريف المسألة في اللغة والنحو

فالمسائل جمع مسألة، وهى ما عرفناه في دراسة النحو بالجملة المفيدة. وفى العربية تكون مكونة من مبتدأ وخبر أو من فعل وفاعل. والمتأمل في الجملة الاسمية والجملة الفعلية يجد أنهما جزءان: موضوع نتكلم عنه وشيء نسنده إلى ذلك الموضوع، ولذلك نرى علماء النحو يتكلمون عن المسند إليه والمسند والإسناد. والمسائل كثيرة بعدد تعبيرات البشر، لكن عندما يقوم الإنسان بعملية الإسناد، فإنه يتخذ منهجاً معيناً أو مجموعة من المناهج حتى يحكم على المسند إليه الحكم المناسب.

مجالات المسائل المعرفية الحسية والعقلية والنقلية والوضعية والشرعية

وتختلف هذه المناهج باختلاف المجال الذي تنتمي إليه المسألة، فهناك المجال الحسي، كقولنا مثلاً: الشمس مشرقة، أو النار محرقة. وهناك المجال العقلي كحقائق الرياضيات والهندسة، ولها تعلق أيضا بالحس عند تطبيقها أو استفادتها منه.

وهناك المجال النقلي، كقولنا الفاعل مرفوع والمفعول منصوب، وهو ليس من وضعنا ولا من رغبتنا، لكنه شيء منقول إلينا في اللغة الموروثة. وهناك جانب أو مجال وضعي نتفق فيه على مصطلحاته كالتأليف في العلوم المختلفة. وهناك مجال شرعي تستفاد منه الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، كقولنا: الصلاة واجبة، والرشوة حرام. وهكذا فإن النسبة بين المسند والمسند إليه هي إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه.

تعريف المنهج وأصول الفقه ودورهما في عملية التجديد

وكل مجال من المجالات السابقة له مصادره، وله أدوات الوصول إلى مسائله وله شروط الباحث في هذا المجال، وهذه الثلاثة هي المنهج في الحقيقة. ولذلك وجدنا من يصف أصول الفقه عند المسلمين بأنه منهج، حيث يتكلم هذا العلم عن أدلة الفقه الإجمالية (المصادر)، وكيفية الاستفادة منها (الأدوات)، وحال المستفيد (شروط الباحث). وفكرة عدم الوقوف عند المسائل واستعمال المناهج - مع إعادة صياغتها في بعض الأحيان إن احتاجت إلى ذلك، إبرازاً لها وتفهيماً للثقافة السائدة بحقائقها – هي أساس مهم في معنى التجديد.

تكامل الإصلاح والتجديد ورفض الثنائيات في مشروع التغيير

والمطلع على الواقع المركب ينبغي أن يرفض فكرة الثنائيات، فليس الإصلاح والتجديد ضدين لا يجتمعان، ويجب ألا يصنف أحدنا نفسه مع الإصلاح في مقابلة التجديد، أو مع التجديد في مقابلة الإصلاح، أو أن نصنف الناس بأن هذا مصلح أو هذا مجدد، لأن التغيير المنشود قد يحتاج إلى الإصلاح والتجديد معاً. وفي بعض الأحيان تختلف النسبة، فنحتاج إلى الإصلاح بنسبة أكبر من التجديد أو العكس، أو نكون على حد سواء في الاحتياج إليهما معاً وبنسبة متساوية.

أثر تحرير مفهومي الإصلاح والتجديد في بقاء الحضارات واستمرارها

هذا التحرير الدقيق لمفهوم الإصلاح والتجديد أمر فارق في عملية بناء الحضارة، بل يمكن القول إن العديد من الحضارات لم يُكتب لها البقاء، بسبب اختلاط مردود هذين المصطلحين في تراثها الفكري، ومن ثم يجب علينا تحريرهما ودراستهما بعمق، إذا أردنا أن نفهم عملية بناء الحضارة، وكيفية تثبيت قواعدها في أرض راسخة تستمر عبر الأجيال، والله هو المستعان.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الفارق الجوهري بين التغيُّر والتغيير؟

التغيُّر يحدث تلقائياً والتغيير يقوم على القصد والإرادة والخطة

ما الذي يفترضه الإصلاح في الواقع أو الموروث؟

نقصاً أو خللاً يستلزم هدماً وإعادة بناء

ما المقصود بالقطيعة المعرفية في سياق الإصلاح؟

نقد مصادر المعرفة وأدواتها وإيجاد معيار جديد للتقويم

على أي فكرة يُبنى موقف التجديد من الموروث؟

فكرة واجب الوقت واعتراف السابقين بنجاحاتهم

ما العناصر الثلاثة التي يتكون منها المنهج في أي مجال معرفي؟

المصادر وأدوات الوصول إلى المسائل وشروط الباحث

لماذا يُوصف أصول الفقه بأنه منهج؟

لأنه يتكلم عن أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد

ما السبب الأول لمقاومة الإصلاح في المجتمعات؟

أنه يدخل في صدام مع الثقافة السائدة

ما الموقف الصحيح من الإصلاح والتجديد في مشروع التغيير الحضاري؟

الجمع بينهما بنسب تتفاوت حسب مقتضيات الواقع

ما الذي يُميز التجديد عن الإصلاح في تعامله مع القديم؟

التجديد يُضيف الجديد دون أن يكرّ على القديم بالهدم أو البطلان

ما أثر اختلاط مفهومي الإصلاح والتجديد في التراث الفكري للحضارات؟

كان سبباً في عدم بقاء كثير من الحضارات

ما المجال المعرفي الذي تُستفاد منه الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية؟

المجال الشرعي

ما المقصود بالمسألة في سياق التفريق بين المسائل والمناهج؟

الجملة المفيدة المكونة من موضوع وشيء يُسند إليه

ما الفرق بين التغيُّر والتغيير في بناء الحضارة؟

التغيُّر يحدث تلقائياً بتبدل الزمان وجريان الأحداث دون قصد، أما التغيير فيقوم على القصد والإرادة ووضع الخطة وتنفيذها لتحقيق تبديل مقصود في الواقع.

لماذا يرى بعض الكاتبين أن الإصلاح والتجديد مترادفان؟

لأنهم يستعملون كل واحد من اللفظين مكان الآخر في الأدبيات المعاصرة، غير أن هناك فارقاً حقيقياً بينهما يتعلق بموقف كل منهما من الموروث ودرجة التغيير المطلوب.

ما الأسباب الأربعة التي تجعل مهمة الإصلاح أصعب من غيرها؟

أولاً: صدامه مع الثقافة السائدة. ثانياً: إتيانه بأفكار لم تُجرَّب فتتخوف النفوس. ثالثاً: صياغاته المبدئية غير المستقرة. رابعاً: وصفه شيئاً من الموروث بالنقص.

ما فكرة واجب الوقت وكيف تُوظَّف في التجديد؟

فكرة واجب الوقت تعني أن السابقين قاموا بواجب وقتهم بناءً على مقتضيات حياتهم وأزمانهم، وأن علينا واجباً مختلفاً يقتضي الإضافة إلى الموروث لا الوقوف عنده أو ضده.

كيف يُجسِّد أصول الفقه مفهوم المنهج؟

يتكلم أصول الفقه عن أدلة الفقه الإجمالية وهي المصادر، وكيفية الاستفادة منها وهي الأدوات، وحال المستفيد وهي شروط الباحث، فهو بذلك منهج متكامل.

ما المجال النقلي في تصنيف مجالات المسائل المعرفية؟

المجال النقلي هو ما يُنقل إلينا في اللغة الموروثة دون أن يكون من وضعنا أو رغبتنا، كقاعدة أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب في النحو العربي.

لماذا يجب رفض الثنائيات بين الإصلاح والتجديد؟

لأن التغيير المنشود قد يحتاج إلى الإصلاح والتجديد معاً، وتختلف النسبة بينهما حسب مقتضيات الواقع، فتصنيف الناس بين مصلحين ومجددين يُعيق عملية التغيير الحضاري.

ما أهمية تحرير مفهومي الإصلاح والتجديد لبقاء الحضارات؟

تحريرهما أمر فارق في بناء الحضارة، إذ إن كثيراً من الحضارات لم يُكتب لها البقاء بسبب اختلاط مردود هذين المصطلحين في تراثها الفكري.

ما الفرق بين المسائل والمناهج في سياق التجديد؟

المسائل هي الأحكام المُسندة إلى موضوعاتها وهي كثيرة بعدد تعبيرات البشر، أما المناهج فهي الأدوات والطرق المتخذة للحكم على تلك المسائل، ويمكن تجديد المناهج وإعادة صياغتها مع الحفاظ على المسائل.

ما الخطوات الأولى في خطة الإصلاح وفق مفهوم القطيعة المعرفية؟

نقد مصادر المعرفة وأدوات التعامل معها، وإيجاد معيار جديد للتقويم، وإعادة تصنيف المعرفة وفق هذا المعيار الجديد.

ما المجال الوضعي في تصنيف مجالات المعرفة؟

المجال الوضعي هو ما يتفق فيه الناس على مصطلحاته كالتأليف في العلوم المختلفة، وهو مجال اتفاقي لا يستند إلى نقل أو عقل محض.

كيف تُسهم عملية الإسناد في تحديد المنهج المتبع؟

عند قيام الإنسان بعملية الإسناد أي نسبة حكم إلى موضوع، فإنه يتخذ منهجاً معيناً أو مجموعة من المناهج تختلف باختلاف المجال الذي تنتمي إليه المسألة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!