اكتمل ✓

ما هو توليد العلوم وكيف كان أداةً لبناء الحضارة الإسلامية وإحياء الفكر؟

توليد العلوم هو منهج إبداعي قامت عليه الحضارة الإسلامية، يقوم على اختراع العلوم ونقلها وتصنيفها خدمةً للنص الشريف والواقع المحيط. ويستند هذا التوليد إلى المبادئ العشرة للعلوم التي وضعها التراث الإسلامي مدخلاً لكل علم جديد. وهو الجسر الذي يصل بين الشرع والواقع، ومظهر من مظاهر حياة الفكر وتفاعله مع العصر.

ما هو توليد العلوم وكيف كان أداةً لبناء الحضارة الإسلامية وإحياء الفكر؟
ما هو توليد العلوم وكيف كان أداةً لبناء الحضارة الإسلامية وإحياء الفكر؟
4 دقائق قراءة
  • كيف يمكن للأمة الخروج من أزمتها الفكرية عبر توليد العلوم لا مجرد نقلها والحفاظ عليها؟

  • قامت حضارة المسلمين على العلم واتخذت النص الشريف محوراً، فأخذ المسلمون يخترعون العلوم وينقلون ما يعينهم على فهم الحقيقة.

  • توليد العلوم مظهر من مظاهر حياة الفكر وجسر يصل بين الشرع والواقع، ويحتاج إلى قدرة التصور المبدع.

  • وضع التراث الإسلامي المبادئ العشرة للعلوم مدخلاً لكل علم، وهي ذاتها العناصر اللازمة لتوليد علم جديد.

  • علم العروض نموذج حي على أن العلوم لا تولد كاملة، إذ أضاف الأخفش بحر المتدارك وابتكر البارودي أوزاناً جديدة.

  • توليد العلوم هو الأداة اللازمة لبناء الحضارة الإسلامية وضمان استمرارها في المستقبل.

قيام حضارة المسلمين على العلم وخدمة النص الشريف

من أدوات بناء الحضارة: توليد العلوم

قامت حضارة المسلمين على العلم، ووضع المسلمون الأوائل علوماً خادمة لمحور حضارتهم وهو النص الشريف، والتزموا بهذا المحور وخدموه وانطلقوا منه وجعلوه معياراً للقبول والرد والتقويم، ولهذا أصبح توليد العلوم من أهم أدوات بناء هذه الحضارة، فأخذ المسلمون يخترعون العلوم اختراعاً، وينقلون منها عن الأمم السابقة ما يمكِّنهم من فهم الحقيقة، وإدراك الواقع ونفس الأمر، ويصنفونها ويبلغونها لمن بعدهم، ولمن يجاورهم، ورأينا عصر الترجمة في عهد المأمون، ورأينا البيروني في كتابه (تحقيق ما للهند من مقولة ممدوحة في العقل أو مرذولة)، ورأينا الخوارزمي في كتابه (مفتاح العلوم) وهو الذي يرسم لنا الذهنية العلمية في التاريخ الإسلامي ويرصد ذلك التنوع من ناحية، والتفاعل من ناحية أخرى، وهما الصفتان المجمع عليهما لكل من اطلع على التراث الإسلامي ونتاجه الفكري.

توليد العلوم كحياة للفكر وجسر بين الشرع والواقع

ولابد علينا أن ندرك أن توليد العلوم نوع من أنواع مظاهر حياة الفكر، وأنه لم يمت، وهو أيضاً مظهر من مظاهر التفاعل مع العصر الذي نعيشه، وهو ثالثاً الجسر الذي يصل بين الشرع والواقع المحيط.

ويسأل كثير من المخلصين عن كيفية توليد العلوم، وهي تحتاج إلى قدرة التصور المبدع، وهي التي قد لا توجد عند كثير ممن اشتغل بنقل العلم والحفاظ عليه، والتصور المبدع هذا أمر لابد منه لعملية التوليد.

الحاجة لنموذج يوضح مشروعية توليد العلوم

ولنضرب مثالاً يجيب على أولئك الذين يريدون نموذجاً لتوليد العلوم حتى يسيروا على منواله، وحتى يُهدئ بال من يشك في هذه العملية وما قد تخفيه في ظنهم من الاعتداء على ثوابت الدين، أو القدح في هوية الإسلام، فنحاول أن نلقي الضوء على بذور توليد العلوم وآليات ذلك في التراث الإسلامي عسى أن ندرك المنهجية التي ساروا عليها في خدمة حضارتهم.

المبادئ العشرة للعلوم كبذور لتوليد علم جديد

فقد وضع التراث الإسلامي ما يسمى بالمبادئ العشرة من أجل أن يطلع عليها طالب العلم، ليتشوف للعلم الذي سوف يدرسه، أو ليعرف ما لا بد له من معرفته، وهي بذاتها العناصر التي يجب الالتفات إليها عند توليد العلوم.

ووضعها بعضهم في صورة نظم يحفظه صغار الطلاب حتى يحدث لهم هذا التشوف الذي انحسر بعد ذلك عند المسلمين في التلقي دون إنشاء العلوم واستمرار الفكر فقال:

النظم الشعري الذي يجمع المبادئ العشرة للعلوم

من رام فَنًّا فليقدِّم أوَّلا

علما بحدِّه وموضعٍ تلا

وواضع ونسبة وما استمد

منه وفضله وحكم معتمَد

واسم وما أفاد والمسائل

فتلك عشر للمُنى وسائل

وبعضهم فيها على البعض اقتصر

ومن يدري جميعها انتصر

تعريف العلم وموضوعه وتمييز العلوم بموضوعاتها

فالمبدأ الأول هو تعريف العلم، وهو المعيار الأول لتحديد إطاره، والمبدأ الثاني هو موضوعه، والعلوم تتمايز بموضوعاتها، وموضوع العلم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية حتى تتكون المسائل في هذا العلم من الموضوع والوصف المناسب له، والمسائل هي الجمل المفيدة التي عرفناها في اللغة العربية في علم النحو وغيره، والتي تتكون إما من مبتدأ وخبر، وإما من فعل وفاعل، وكلاهما واحد في الدلالة على الجملة المفيدة التي يستفيد منها سامعها مراد المتكلم من كلامه، فموضوع علم الطب جسم الإنسان من حيث الصحة والمرض، وعلى ذلك يكون جسم الإنسان مبتدأ وما يعرض عليه من أحوال الصحة والمرض وكيفية العلاج وأسباب ذلك كله هو الخبر الذي يكوِّن الجمل المفيدة في علم الطب، فجسم الإنسان مسند إليه (مبتدأ أو فاعل) فهو موضوع، وما يخبر عنه هذا المسند (خبر أو فعل) وهو محمول أي محمول على ذلك الموضوع، فقولنا جسم الإنسان يمرض بالميكروب ويصح بالدواء جمل مفيدة تكوِّن العلم.

تحديد واضع العلم وأثر النقاش العلمي في تنمية العقل

والمبدأ الثالث هو تحديد الواضع لهذا العلم، حيث إنه سينسب إلى أول من ألَّف فيه، ولو ألفت جماعة مرة واحدة فسيحدث نزاع أيهم ألف أوَّلاً، ونرجع إلى حلاوة النقاش العلمي والخلاف الثري الذي كان يحرك العقول ويربي النفوس على قبول الرأي الآخر، ويدرب الطلاب والعلماء على البحث وترتيب الأدلة واستجلاب البراهين وبيان جهة دلالتها، ويخرج العقل المسلم من إسار التقليد والجمود والأزمة الفكرية التي يمر بها إلى نوع آخر من العمق في الفهم والوعي بما يجرى حوله، والقدرة على تهيئة الأجواء لعودة المجتهدين العظام مرة أخرى، قادرين على عرض ما عندهم بالمنطق والبرهان الذي يوافق عليه الجميع حتى لو لم يتخذوه سبيلاً لهم، ولكنهم يحترمون المنهج ويؤكدون على صحته بغضِّ النظر عن النتائج ومشارب البشر، أما المبادئ السبعة الباقية فهي نسبته إلى العلوم الأخرى، ومن أي العلوم يستمد، وأحكامه ومسائله، وما فضله وما حكمه وما اسمه، وما الثمرة والفائدة المترتبة عليه؟

المبادئ العشرة كمدخل للعلم وتطبيقها في علم العروض

فهذه العشرة تعد مدخلاً للعلم تدفع طالب العلم إلى التشوف لدراسته وتحصيله، وهي بنفسها التي يمكن للمفكر إذا أراد أن يبني علماً أن يحددها كبداية لاستقلال العلوم أو إبداعها، والحقيقة أن العلم لا يولد كاملاً حتى علم العروض الذي ضبط به الخليل بن أحمد الفراهيدي الشعر العربي لم يولد كاملاً بالرغم من أنه كان شبه كامل، إلا أننا رأينا الأخفش يضيف إليه بحر المتدارك، ورأينا علماء هذا الفن ينشئون أوزاناً أخرى، صحيح أنه لم يتكلم بها العرب، ولم ينقل من شعرهم شيء على أوزانها إلا أنها زادت في العلم، ووسعت من مفهوم الشعر كما أورده الدمنهوري في كتابه: «الكافي في العروض والقوافي»، حتى ابتدع محمود سامي البارودي بعض الأوزان التي لم تكن من قبل فقال:

ابتكار أوزان شعرية جديدة وخاتمة عن دور توليد العلوم

املأ القدح

واعصِ مَنْ نصح

واروِ غُلتي

بابنة الفرح

إن توليد العلوم منهج مناسب للخروج العملي من الأزمة الطاحنة التي تمر بها الأمة، وهو من الأدوات اللازمة لبناء الحضارة الإسلامية وضمان استمرارها لعصور مديدة في المستقبل، والله ولي التوفيق.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المحور الذي قامت عليه حضارة المسلمين وجعلوه معياراً للقبول والرد؟

النص الشريف

ما الشرط الأساسي الذي لا بد منه لعملية توليد العلوم؟

التصور المبدع

كم عدد المبادئ التي وضعها التراث الإسلامي مدخلاً لكل علم؟

عشرة

ما موضوع علم الطب وفق المبادئ العشرة للعلوم؟

جسم الإنسان من حيث الصحة والمرض

من العالم الذي أضاف بحر المتدارك إلى علم العروض بعد الخليل بن أحمد؟

الأخفش

ما الكتاب الذي ألّفه البيروني ويتعلق بدراسة الفكر الهندي؟

تحقيق ما للهند من مقولة ممدوحة في العقل أو مرذولة

ما الوظيفة الثالثة لتوليد العلوم إلى جانب كونه مظهراً لحياة الفكر والتفاعل مع العصر؟

الجسر الذي يصل بين الشرع والواقع

ما الأثر الإيجابي للنقاش العلمي حول واضع العلم على العقل المسلم؟

يخرج العقل من التقليد والجمود نحو العمق والاجتهاد

ما الكتاب الذي ذكر فيه الدمنهوري توسيع مفهوم الشعر بأوزان جديدة؟

الكافي في العروض والقوافي

ما الذي يميز العلوم بعضها عن بعض وفق المبادئ العشرة؟

موضوعاتها

ما الغاية الكبرى من توليد العلوم في السياق الحضاري الإسلامي المعاصر؟

الخروج العملي من الأزمة الفكرية وبناء الحضارة الإسلامية

ما الصفتان المجمع عليهما لدى كل من اطلع على التراث الإسلامي ونتاجه الفكري؟

التنوع والتفاعل، وهما الصفتان اللتان تميزان التراث الإسلامي ونتاجه الفكري.

ما عصر الترجمة وفي عهد من ازدهر؟

عصر الترجمة هو الحقبة التي نقل فيها المسلمون العلوم عن الأمم السابقة، وقد ازدهر في عهد الخليفة المأمون.

لماذا انحسر التشوف للعلوم عند المسلمين لاحقاً؟

انحسر التشوف بسبب الاقتصار على التلقي دون إنشاء العلوم واستمرار الفكر الإبداعي.

ما المقصود بالمسائل في علم من العلوم؟

المسائل هي الجمل المفيدة المكونة من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل، وهي التي تتكون من الموضوع والوصف المناسب له.

ما المبادئ السبعة الباقية من المبادئ العشرة بعد التعريف والموضوع والواضع؟

هي: نسبة العلم إلى العلوم الأخرى، وما يستمد منه، وأحكامه، ومسائله، وفضله، وحكمه، واسمه، والثمرة والفائدة المترتبة عليه.

ما الفرق بين ناقل العلم ومولّده؟

ناقل العلم يحفظه وينقله دون إضافة، أما مولّد العلم فيمتلك قدرة التصور المبدع التي تمكنه من إنشاء علوم جديدة أو إضافة ما لم يكن موجوداً.

ما الذي ابتدعه محمود سامي البارودي في مجال الشعر العربي؟

ابتدع البارودي أوزاناً شعرية جديدة لم تكن موجودة من قبل، مما يمثل نموذجاً على الابتكار في إطار التراث.

ما الكتاب الذي ألّفه الخوارزمي ويرسم الذهنية العلمية في التاريخ الإسلامي؟

كتاب مفتاح العلوم، الذي يرصد التنوع والتفاعل في الذهنية العلمية الإسلامية.

لماذا يقال إن العلوم لا تولد كاملة؟

لأن حتى علم العروض الذي وضعه الخليل بن أحمد شبه كاملاً أضاف إليه الأخفش بحر المتدارك، وأنشأ العلماء أوزاناً أخرى، مما يثبت أن العلوم تتراكم وتتطور عبر الأجيال.

ما الهدف من صياغة المبادئ العشرة في نظم شعري يحفظه الطلاب؟

الهدف إحداث التشوف لدى صغار الطلاب، أي إثارة الشوق والرغبة في دراسة العلم وتحصيله.

كيف يسهم النقاش العلمي في تهيئة الأجواء لعودة المجتهدين؟

يدرب النقاش العلمي العلماء والطلاب على ترتيب الأدلة واستجلاب البراهين وقبول الرأي الآخر، مما يخلق بيئة فكرية تستقبل الاجتهاد وتحترم المنهج العلمي.

ما العلاقة بين توليد العلوم والخروج من الأزمة الفكرية للأمة؟

توليد العلوم هو المنهج العملي للخروج من الأزمة الفكرية، لأنه يحيي الفكر ويصل بين الشرع والواقع ويضمن استمرار الحضارة الإسلامية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!