اكتمل ✓

كيف تُسهم اللغة في بناء الحضارة وما خطر مدارس ما بعد الحداثة على اللغة والدين والأسرة؟

اللغة هي الأداة الأساسية التي تجعل بناء الحضارة عبر الأجيال ممكناً وفعالاً، إذ تربط الإنسان بأجداده وأحفاده وتحفظ التراكم المعرفي. اللغة العربية لغة مقدسة لنزول القرآن الكريم بها، ويجب الحفاظ عليها في حدود النص المقدس مع السماح بتطويرها بما لا يُفقد الاتصال بالتراث. مدارس ما بعد الحداثة المتطرفة تسعى إلى هدم اللغة والدين والأسرة والثقافة والدولة، مما يحوّل اللغة إلى أداة هدم للحضارة.

كيف تُسهم اللغة في بناء الحضارة وما خطر مدارس ما بعد الحداثة على اللغة والدين والأسرة؟
كيف تُسهم اللغة في بناء الحضارة وما خطر مدارس ما بعد الحداثة على اللغة والدين والأسرة؟
3 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن تكون اللغة سلاحاً لهدم الحضارة بدلاً من بنائها في عصر العولمة؟

  • اللغة هي الجسر الوحيد للتواصل بين الأجيال وأساس بناء الحضارة الإنسانية عبر الزمن.

  • اللغة المقدسة هي التي يُكتب بها نص مقدس كالعربية للقرآن والعبرية للتوراة والسنسكريتية للفيدا.

  • للغة وظيفتان: الأداء والتلقي، وتقوم على ثلاث عمليات هي الوضع والاستعمال والحمل.

  • مدارس ما بعد الحداثة المتطرفة تسعى إلى إزالة الثقافة والدين والأسرة والدولة واللغة لتحقيق النسبية المطلقة.

  • الحفاظ على اللغة العربية في حدود النص المقدس مع تطويرها ضرورة حضارية لمواجهة العولمة.

أهمية اللغة كأداة أساسية في بناء الحضارة الإنسانية

من أدوات بناء الحضارة: اللغة

قد يغفل الكثير من الناس عن أهمية اللغة في بناء الحضارة، رغم أنها الجسر الوحيد للتواصل بين الإنسان وأقرانه المحيطين به أو أجداده من الأجيال السابقة أو أحفاده من الأجيال القادمة، فاللغة هي الأداة التي جعلت فكرة بناء الحضارة عبر الأجيال قائمة وفعالة والتحدث عن اللغة وعلاقتها بالحضارة الإسلامية يتمحور حول عدد من الأسئلة: هل هناك لغة مقدسة؟ وما معنى قداستها؟ وإلى أي مدى نتمسك بتلك القداسة؟

تعريف اللغة المقدسة وأمثلتها في الديانات المختلفة

واللغة المقدسة عند علماء اللغويات توصف بها اللغات التي بها نص مقدس له أتباع يأخذونه كمصدر لمعرفتهم وأحكام حياتهم، أو إطار لسلوكهم، وبهذا التعريف فإن اللغة العبرية التي كُتب بها (التوراة)، واللغة السنسكريتية التي بها كُتب (الفيدا)، واللغة العربية التي بها نزل وكُتب (القرآن الكريم) هي لغات مقدسة،

قال تعالى:

(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف:٢]

وقال تعالى:

(بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) [الشعراء:١٩٥]

وقال سبحانه:

(قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الزمر:٢٨]

فلا يقبـل الناطقـون بهـذه اللغـات، والذين آمنـوا بمرجعيـة هـذه النصوص أن يتركوها، لا للتطور، ولا للتدهور، ولا يغيرون فيها دلالات الألفاظ، ولا وسائل الفهم من نحو وصرف، حيث إن استنباط الأحكام من النص يقتضي ذلك،

وظيفتا الأداء والتلقي في اللغة وعمليات الوضع والاستعمال والحمل

وهذا مبني على أن اللغة لها وظيفتان: الوظيفة الأولى: هي الأداء، وفيه يعبر المتكلم عما في ذهنه من معان بألفاظ لها دلالة متفق عليها بين أهل اللغة الواحدة، حيث وضعت هذه الألفاظ مقابل هذه المعاني، وواضع ذلك عند بعضهم هو الله، قال سبحانه:

(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) [البقرة:٣١]

وعند آخرين هم البشر، وفريق ثالث يرى أن أصول اللغات وقوانينها من عند الله، وأن الألفاظ المولَّدة من وضع البشر، وليس هذا مهماً الآن، ولكن المهم أن الوضع بمعنى جعل الألفاظ بإزاء المعاني أمر لابد منه حتى يتم التفاهم بين البشر، وذلك أن المتكلم يقوم بنقل المعاني التي قامت في ذهنه إلى السامع الذي يحمل هذه الألفاظ على مقابلها من المعاني التي سبق للواضع أن تواضع عليها، وبذلك الحمل من السامع تتم الوظيفة الثانية للغة، وهي وظيفة التلقي.

فتحصل عندنا ثلاث عمليات: الأولى الوضع، والثانية الاستعمال، والثالثة الحمل، حتى قال علماء أصول الفقه: إن الاستعمال من صفات المتكلم، والحمل من صفات السامع، والوضع قبلهما.

رؤية ما بعد الحداثة للغة والنسبية المطلقة في التأويل

ويرى بعض الناس من مدارس ما بعد الحداثة أن عملية الوضع ينبغي أن تكون مرنة لا تتقيد بالموروث، فيجب تغيير دلالات الألفاظ بحيث تزداد مساحة الحرية الفكرية، وعند هؤلاء الحداثيين تم اختصار وظيفة اللغة إلى التلقي فقط، ومعنى هذا أن السامع يحمل الكلام على ما يشاء من معنى بغضِّ النظر عن مراد المتكلم من كلامه، وبذلك يفتح باب التأويل من غير ضابط ولا رابط، ونصل إلى النسبية المطلقة، حيث يفهم كل سامع ما يشاء أن يفهم ولا ينظر إلى حمل الكلام على ما وُضع له، ولا إلى حمله على مراد المتكلم.

مشروع المدارس المتطرفة لما بعد الحداثة لهدم الثقافة والدين والأسرة والدولة واللغة

وترى بعض المدارس المتطرفة من مدارس ما بعد الحداثة أن هناك خمسة أشياء يجب أن تزول حتى يستطيع الفكر البشرى أن يبدع، وأن ينطلق بدون أي عائق، وهذه الخمسة هي: الثقافة، والدين، والأسرة، والدولة، واللغة. ورفع سلطان الثقافة السائدة أمر سيؤدي إلى الاتجاه نحو (النسبية المطلقة) التي تدعو هذه المدارس الفكرية لتبنيها، والتحرر من سلطان الدين قد تم من قبل في الحضارة الغربية، والأسرة أصبحت تطلق عندهم على أي اثنين، فلم يعد المعنى زوجاً، وزوجة، وابنا، وابنة، أو أباً، وأماً، وعائلة.

تلك المعاني التي ورثناها عمن قبلنا، ويعدون هذا من المعاني المعجمية، أي التي وجدناها في المعجم اللغوي، ومن هذا المدخل أصبح الشذوذ الجنسي الذي لعن عند عقلاء البشر، دع عنك الأديان كلها من حقوق الإنسان. ورَفْع سلطان الدولة، وأن يستبدل بها الجمعيات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، يحتاج إلى تغيير النظام القانوني والاجتماعي، بل قوانين الفكر والنموذج المعرفي والإطار المرجعي.

التوازن بين قدسية اللغة وتطويرها لخدمة العصر والمهام الإنسانية

إن هذه الحقائق تجعلنا نذهب إلى أن هناك لغة مقدسة، إلا أن هناك فارقا كبيرا بين اللغة المقدسة التي يجب الحفاظ عليها من أجل فهم النص، وقدسية اللغة التي تمنع من اتساعها وقيامها بواجب عصرها وزمانها، فهذه اللغة المقدسة يجب الحفاظ عليها في حدود النص المقدس حيث نحتاج إليه، وفي حدود أدوات فهمه على مستوى ألفاظه ومعانيه وعلى مستوى تركيباته ودلالاتها المختلفة وعلى مستوى سياقه أيضاً، وأن تطوير اللغة وارد، ولكن بصورة لا تفقدنا الاتصال بالتراكم المعرفي التراثي من ناحية، وأن تكون وعاءً قادراً على انطلاق الفكر بكل جوانبه العلمي والحسي والتجريبي وحتى الفكر الفلسفي، وإعمال العقل ليبقى الإنسان إنساناً يقوم بواجبه من عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس، وأن هذا التغير يجب ألا يمس أيضاً ثوابت البشر، وأن يكون في سعته متسقاً مع الاتساع الطبعي الذي هو من سنن الله في كونه.

خطر مآلات اللغة المتطرفة وضرورة العناية بها لحماية الحضارة

لابد أن نعي أيضاً أثناء عملية اتساع مآلات اللغة التي تبنتها المدارس المتطرفة لما بعد الحداثة، والتي انتشرت في عصرنا بسبب ثورة الاتصالات وظاهرة العولمة، أنها لا تتفق مع رؤيتنا للعالم ولا مع مقررات ديننا وأسس حضارتنا وتاريخنا، ومن ثم فتتحول اللغة إلى أداة هدم لحضارتنا وفكرنا وتراثنا، والحاصل: أن الاهتمام باللغة أمر جليل إذا أردنا لحضارتنا أن ترى النور.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما التعريف الذي يُعطيه علماء اللغويات للغة المقدسة؟

اللغة التي كُتب بها نص مقدس يأخذه أتباعه مصدراً لمعرفتهم وأحكام حياتهم

ما العمليات الثلاث التي تقوم عليها اللغة وفق علماء أصول الفقه؟

الوضع والاستعمال والحمل

ما الخمسة أشياء التي ترى المدارس المتطرفة لما بعد الحداثة ضرورة إزالتها؟

الثقافة والدين والأسرة والدولة واللغة

ما الوظيفة التي اختزلت فيها مدارس ما بعد الحداثة دور اللغة؟

التلقي فقط

أي من اللغات التالية تُعدّ لغة مقدسة لنزول القرآن الكريم بها؟

العربية

ما النتيجة التي يُفضي إليها فتح باب التأويل بلا ضابط وفق ما بعد الحداثة؟

النسبية المطلقة في الفهم

ما الشرط الذي يجب توافره في تطوير اللغة العربية وفق الرؤية المعتدلة؟

أن لا يُفقد الاتصال بالتراكم المعرفي التراثي ولا يمس ثوابت الدين

ما السبب الذي أدى إلى انتشار مآلات اللغة المتطرفة في عصرنا؟

ثورة الاتصالات وظاهرة العولمة

ما الوظيفة الأولى للغة المتعلقة بالمتكلم؟

الأداء

ما اللغة التي كُتب بها الفيدا وتُعدّ لغة مقدسة؟

السنسكريتية

ما الذي يقصده علماء أصول الفقه بأن الاستعمال من صفات المتكلم؟

أن المتكلم هو الذي يُوظّف الألفاظ الموضوعة في التعبير عن معانيه

ما الذي تعنيه المعاني المعجمية في سياق نقد مدارس ما بعد الحداثة؟

المعاني الموروثة التي وجدناها في المعجم اللغوي

لماذا تُعدّ اللغة الجسر الوحيد للتواصل الحضاري بين الأجيال؟

لأنها الأداة التي تنقل الأفكار والمعارف من الأجداد إلى الأحفاد وتجعل بناء الحضارة عبر الزمن قائماً وفعالاً.

ما الفرق بين وظيفة الأداء ووظيفة التلقي في اللغة؟

الأداء هو تعبير المتكلم عما في ذهنه بألفاظ ذات دلالة متفق عليها، أما التلقي فهو حمل السامع للكلام على المعاني الموضوعة له.

ما الآيات القرآنية التي تؤكد عروبة القرآن الكريم؟

من أبرزها قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقوله: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ).

ما الفرق بين اللغة المقدسة وقداسة اللغة التي تمنع تطورها؟

اللغة المقدسة يجب الحفاظ عليها في حدود النص المقدس لفهمه، أما القداسة المبالغ فيها فتمنع اللغة من القيام بواجب عصرها وتطوير وعائها الفكري.

ما موقف الناطقين باللغات المقدسة من تغيير دلالات ألفاظها؟

لا يقبلون تركها للتطور أو التدهور، ولا يغيرون دلالات ألفاظها ولا وسائل فهمها من نحو وصرف، لأن استنباط الأحكام من النص يقتضي ذلك.

ما الآراء المختلفة في أصل وضع اللغة؟

رأي يقول إن الله هو الواضع، ورأي يقول إن البشر هم الواضعون، ورأي ثالث يرى أن أصول اللغات من الله والألفاظ المولّدة من وضع البشر.

كيف أثّر مفهوم ما بعد الحداثة على تعريف الأسرة؟

أصبحت كلمة الأسرة تُطلق على أي اثنين، فلم يعد المعنى مقتصراً على الزوج والزوجة والأبناء، مما غيّر المعاني المعجمية الموروثة.

ما البديل الذي تقترحه مدارس ما بعد الحداثة المتطرفة لسلطان الدولة؟

تقترح استبدال الدولة بالجمعيات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني مع تغيير النظام القانوني والاجتماعي والإطار المرجعي.

ما المجالات التي يجب أن تكون اللغة وعاءً لها عند تطويرها؟

يجب أن تكون وعاءً للفكر العلمي والحسي والتجريبي والفلسفي، وأن تُعمل العقل لتمكين الإنسان من عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس.

ما العلاقة بين ثورة الاتصالات والعولمة وانتشار الفكر اللغوي المتطرف؟

أدت ثورة الاتصالات وظاهرة العولمة إلى انتشار مآلات اللغة المتطرفة التي تبنتها مدارس ما بعد الحداثة على نطاق واسع في عصرنا.

لماذا يُعدّ الاهتمام باللغة أمراً جليلاً لاستمرار الحضارة الإسلامية؟

لأن إهمال اللغة يحوّلها إلى أداة هدم للحضارة والفكر والتراث، والاهتمام بها شرط لا غنى عنه إذا أردنا لحضارتنا أن ترى النور.

ما المقصود بالوضع في علم اللغة وأصول الفقه؟

الوضع هو جعل الألفاظ بإزاء المعاني، أي تخصيص لفظ معين للدلالة على معنى معين، وهو شرط لازم لتحقيق التفاهم بين البشر.

ما الشرط الذي يجب أن يستوفيه تطوير اللغة حتى يكون متسقاً مع سنن الله؟

يجب أن يكون التطوير في سعته متسقاً مع الاتساع الطبعي الذي هو من سنن الله في كونه، وألا يمس ثوابت البشر.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!