اكتمل ✓

ما معنى اليقين لا يزول بالشك وكيف تجلب المشقة التيسير في القواعد الفقهية الكلية الخمس؟

اليقين لا يزول بالشك قاعدة فقهية تعني أن الأمر الثابت بيقين لا يرتفع بمجرد الشك، كثوابت الدين من صلاة وزكاة وصيام. أما المشقة تجلب التيسير فتعني أن الشريعة الإسلامية تيسر الأحكام عند وجود الحرج والمشقة، استناداً إلى قوله تعالى: (يُرِيدُ الله بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ). وهاتان القاعدتان جزء من القواعد الفقهية الكلية الخمس التي يدور عليها معظم أحكام الشريعة الإسلامية وتُؤسِّس لبناء الحضارة الإسلامية.

ما معنى اليقين لا يزول بالشك وكيف تجلب المشقة التيسير في القواعد الفقهية الكلية الخمس؟
ما معنى اليقين لا يزول بالشك وكيف تجلب المشقة التيسير في القواعد الفقهية الكلية الخمس؟
4 دقائق قراءة
  • كيف تبدأ عملية بناء الحضارة الإسلامية وما القواعد الكلية التي تحكم هذا البناء الفكري والمادي؟

  • بناء الحضارة الإسلامية عملية فكرية تبدأ بتحديد القواعد الكلية الخمس وتنتهي بتحقيق الغايات العليا حول محور النص القرآني والسنة النبوية.

  • قاعدة الضرر يزال تُبيح المحظورات عند الضرورة وتُرسي مبدأ درء المفاسد قبل جلب المصالح استناداً إلى حديث لا ضرر ولا ضرار.

  • المشقة تجلب التيسير قاعدة قرآنية تضمن الرفق في تطبيق الأحكام وتجعل الشريعة صالحة لكل زمان ومكان.

  • اليقين لا يزول بالشك يحمي ثوابت الدين القطعية كعدد الصلوات ومقدار الزكاة من الاهتزاز بالشبهات والتردد.

  • قاعدة الأمور بمقاصدها تربط التغيير والإصلاح والتجديد بالنية والقصد، مما يجعل الحضارة الإسلامية قادرة على التطور دون فقدان هويتها.

بداية بناء الحضارة ومحورها في التصور الإسلامي

مقوِّمات بناء الحضارة: القواعد

إن بناء الحضارة عملية فكرية في مقامها الأول تبدأ فور إدراكنا محور هذه الحضارة حيث يجب أن تسير عملية البناء في فلك هذا المحور، فلا تشذ عنه ولا تتعارض معه، وتبدأ عملية البناء من تحديد القواعد وتنتهي عند تحقيق الغايات، فلكل حضارة قواعد أساسية يقوم عليها البناء وغايات عليا تسعى لتحقيقها، وهذه القواعد وتلك الغايات هما طرفا عملية البناء الدائرة حول المحور.

وإذا نظرنا لحضارة الإسلام وجدنا أن محورها كما بينَّا هو النص بشقيه القرآن والسنة، وتبدأ عملية بنائها الفكري بتحديد القواعد الكلية التي سيتم تنظيم الفكر وفقاً لها، ثم تحديد الغايات المقصودة من بناء هذه الحضارة، ثم نرسم خطاً مستقيماً بين القواعد والغايات وهو الخط الفكري للحضارة، ثم يبدأ بعد ذلك البناء المادي الذي يكون في حقيقته انعكاساً واقعياً لما تم بناؤه في الفكر، فمع تحديد القواعد يتكون عقل المسلم فيعرف كيف يفكر؟ وبم يفكر؟ وما القواعد الضابطة له في التفكير؟

تنظيم علاقات المسلم وتعريف القواعد الخمس الكلية

وكيف يتعامل مع الأحكام ومع الشريعة، ومع الواقع، ومع الآخر، بل مع نفسه؟ ويتعلم كيف ينظم علاقته مع ربه، ومع الكون، ومع الإنسان، ويتعلم كيف يرى ماضيه، وحاضره، ومستقبله، فإذا أدرك كل هذا استطاع أن يبني حضارة تجوب الآفاق.

وأمهات القواعد في الفكر الإسلامي خمس، وهي التي يدور عليها معظم أحكام الشريعة الإسلامية، وقد نظمها بعضهم في قوله:

خمسٌ محرَّرة قواعد مذهب

للشافعي بها تكون خبيرا

ضررٌ يُزَالُ وعادةٌ قد حُكِّمَتْ

وكذا المشقةُ تجلب التيسيرا

والشك لا ترفع به متيقنا

والنية أخلص إن أردت أجورا

وتفصيل هذه القواعد الكلية الخمس فيما يلي:

قاعدة الضرر يزال وما يتفرع عنها من قواعد

القاعدة الأولى: الضرر يزال:

وهذه القاعدة مسوقة لبيان وجوب إزالة الضرر إذا وقع، وأصل هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» (رواه أحمد وابن ماجة)، وتتعلق بهذه القاعدة قواعد فرعية مهمة تؤسس الفكر والحضارة معاً منها: الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصانها عنها، ومن ثم جاز أكل الميتة عند المخمصة، وجاز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه، وأخذ مال الممتنع من أداء الدين بغير إذنه، وغير ذلك، ومنها: ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، ومن ثم فلا يأكل من الميتة إلا بقدر سد الرمق، ومنها: الضرر لا يزال بالضرر، ومنها: إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما، ومنها: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة، قدّم دفع المفسدة غالباً، لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (رواه البخاري ومسلم).

قاعدة العادة محكمة وأثر العرف والتعايش في الشريعة

القاعدة الثانية: العادة محكمة:

وأصل هذه القاعدة قوله تعالى: (خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ) [الأعراف:١٩٩]، ويقول ابن مسعود، رضي الله عنه: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح» وهو حديث حسن، وإن كان موقوفاً عليه فله حكم المرفوع، لأنه لا مدخل للرأي فيه، وفي السيرة النبوية عدة نماذج توضح لنا كيفية التعايش مع العادات المختلفة، فهناك النموذج المكي قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وهناك النموذج المكي بعد بعثته، وهناك نموذج الحبشة مع قوم يدينون بدين المسيحية، وهناك نموذج المدينة في عهدها الأول مع تعدد الديانات من يهودية ومسيحية وإسلام، وهناك أخيراً نموذج المدينة في عهدها الأخير قبل وفاته صلى الله عليه وسلم، وكيف انفتح المسلمون على الشعوب المختلفة فتعايشوا معها واندمجوا بها دون أن يفقدوا هويتهم.

قاعدة المشقة تجلب التيسير وأدلة اليسر والرفق

القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير:

والأصل في هذه القاعدة قوله تعالى: (يُرِيدُ الله بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ) [البقرة:١٨٥]، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج:٧٨]، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الرّفق لا يكون في شيء إلّا زانه، ولا ينزع من شيء إلّا شانه» (أخرجه مسلم)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في بيتي هذا: «اللّهمّ من ولي من أمر أمّتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمّتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (أخرجه مسلم)، وعن أبى الدّرداء، رضي الله عنه، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أُعْطِىَ حظّه من الرّفق فقد أعطى حظّه من الخير، ومن حرم حظّه من الرّفق حرم حظّه من الخير» (أخرجه الترمذي في سننه).

قاعدة اليقين لا يزول بالشك وثوابت الدين القطعية

القاعدة الرابعة: اليقين لا يُزَالُ بالشك:

واليقين في الاصطلاح: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الثابت عن دليل، أما الشك فهو التردد بين النقيضين، بلا ترجيح لأحدهما على الآخر، ودليل هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أَخَرَجَ منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (أخرجه مسلم)، وهوية الإسلام وأصوله من الأمور اليقينية فلاشك فيها، فعدد صلوات اليوم والليلة هي خمس، وعدد ركعات كل صلاة أمر متفق عليه، ومقدار الزكاة محدد ومعلوم، والصيام الواجب في شهر رمضان أمر ثابت، والحج إلى بيت الله الحرام في مكة وغير ذلك من ثوابت الدين أمور يقينية لم يشذ عنها عاقل عبر العصور، أما الخلاف في المسائل الفرعية فهو سعة ورحمة تؤكد عالمية الإسلام وشموليته.

قاعدة الأمور بمقاصدها والتغير والإصلاح والتجديد

القاعدة الخامسة: الأمور بمقاصدها:

والأصل في هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» (صحيح البخاري)، ويندرج تحت هذه القاعدة قضية كبيرة ومحورية في بناء الحضارة وهي قضية التغيّر والتغيير، فالفرق بينهما هو القصد والإرادة التي يلزم منهما وضع الخطة والتنفيذ.حيث إن التغيّر يحدث تلقائياً بتبدل الزمان وتغير الناس بالحياة والموت، وجريان الأحداث وتشابكها، أما التغيير فهو ينظر إلى الواقع ويرى فيه شيئاً لابد أن يتبدل، وهنا يظهر القصد والإرادة لذلك التبديل، ويسعى الإنسان لوضع خطة مناسبة ويقوم بتنفيذها حتى يتم مراده أو بعض مراده من هذا التغيير. وتحت عنوان التغيير يقع المصطلحان (الإصلاح والتجديد)، وهما ليسا ضدين لا يجتمعان، ولا يفرح أحدنا بل ينبغي ألا يصنف نفسه مع الإصلاح في مقابلة التجديد أو مع التجديد في مقابلة الإصلاح، أو أن نصنف الناس بأن هذا مصلح وهذا مجدد. لأن التغيير المنشود يحتاج إلى الإصلاح والتجديد معاً. وفي بعض الأحيان تختلف النسبة فنحتاج إلى الإصلاح بنسبة أكبر من التجديد أو العكس، أو نكون على حد سواء في الاحتياج إليهما معاً وبنسبة متساوية.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما أصل قاعدة الضرر يزال من السنة النبوية؟

لا ضرر ولا ضرار

ما الشرط الأساسي لإباحة المحظورات عند الضرورة وفق القواعد الفقهية؟

أن تقدر الضرورة بقدرها ولا تتجاوزها

ما الآية القرآنية التي استند إليها العلماء في تأصيل قاعدة العادة محكمة؟

خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين

ما تعريف الشك في اصطلاح القواعد الفقهية؟

التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما

ما الحديث النبوي الذي يمثل أصل قاعدة الأمور بمقاصدها؟

إنما الأعمال بالنيات

كم عدد القواعد الفقهية الكلية التي يدور عليها معظم أحكام الشريعة الإسلامية؟

خمس قواعد

ما الفرق بين التغيّر والتغيير في سياق بناء الحضارة الإسلامية؟

التغيّر يحدث تلقائياً أما التغيير فيستلزم القصد والخطة

ما العلاقة بين الإصلاح والتجديد في بناء الحضارة الإسلامية؟

هما متكاملان ويحتاج التغيير إليهما معاً

ما الدليل النبوي الذي ساقه العلماء على قاعدة اليقين لا يزول بالشك؟

حديث النهي عن الخروج من المسجد بالشك في الحدث حتى يتيقن

ما الذي يمثل محور الحضارة الإسلامية وفق الفكر الإسلامي؟

النص بشقيه القرآن والسنة

ما الحكم الفقهي عند تعارض مفسدتين وفق قاعدة الضرر يزال؟

يُروعى أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما

ما القواعد الفقهية الكلية الخمس في الفكر الإسلامي؟

هي: الضرر يزال، والعادة محكمة، والمشقة تجلب التيسير، واليقين لا يزول بالشك، والأمور بمقاصدها.

ما معنى قاعدة المشقة تجلب التيسير؟

تعني أن الشريعة الإسلامية تيسر الأحكام وترفع الحرج عند وجود المشقة، استناداً لقوله تعالى: (يُرِيدُ الله بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ).

ما تعريف اليقين في الاصطلاح الفقهي؟

اليقين هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الثابت عن دليل، ويختلف عن الشك الذي هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح.

ما أمثلة ثوابت الدين اليقينية التي لا يزيلها الشك؟

عدد الصلوات الخمس وركعات كل صلاة، ومقدار الزكاة، وصيام شهر رمضان، والحج إلى بيت الله الحرام.

ما الآية القرآنية الدالة على قاعدة المشقة تجلب التيسير؟

قوله تعالى: (يُرِيدُ الله بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ) وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).

ما معنى قاعدة العادة محكمة؟

تعني أن العرف والعادة السائدة لها اعتبار في الشريعة الإسلامية، وأصلها قوله تعالى: (خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ).

ما الفرق بين الإصلاح والتجديد في بناء الحضارة؟

هما ليسا ضدين بل متكاملان، إذ يحتاج التغيير المنشود إليهما معاً بنسب متفاوتة حسب طبيعة الواقع المراد تغييره.

ما القاعدة الفرعية المتعلقة بالضرورة في الفقه الإسلامي؟

ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، فلا يأكل من الميتة عند المخمصة إلا بقدر سد الرمق.

لماذا يُقدَّم درء المفاسد على جلب المصالح في الفقه الإسلامي؟

لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه».

كيف تعامل المسلمون مع الشعوب المختلفة وفق قاعدة العادة محكمة؟

انفتح المسلمون على الشعوب المختلفة فتعايشوا معها واندمجوا بها دون أن يفقدوا هويتهم، كما تجلى في نماذج مكة والحبشة والمدينة.

ما دور القواعد الكلية في تكوين عقل المسلم؟

تجعله يعرف كيف يفكر وبم يفكر وما القواعد الضابطة له، وكيف ينظم علاقته مع ربه والكون والإنسان ونفسه.

ما الحديث النبوي الدال على أهمية الرفق في قاعدة المشقة تجلب التيسير؟

قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» أخرجه مسلم.

ما الخلاف الفقهي الذي تسمح به قاعدة اليقين لا يزول بالشك؟

تسمح بالخلاف في المسائل الفرعية الاجتهادية، وهو سعة ورحمة تؤكد عالمية الإسلام وشموليته، دون المساس بالثوابت اليقينية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!