اكتمل ✓

كيف يكون العلم أداة لبناء الحضارة الإسلامية وما حدود حرية البحث العلمي في الإسلام؟

العلم هو الأداة الأولى لبناء الحضارة الإسلامية، وهو رؤية كلية تنبثق عنها إجراءات منهجية. الإسلام لا يضع قيداً على البحث العلمي في الكون والوحي، غير أن استعمال المعلومات يجب أن يخضع للسقف الأخلاقي المستمد من مهمة الإنسان في العبادة والعمارة والتزكية. الفصل بين حرية البحث وتقييد الاستعمال هو الضمان الوحيد لتحقيق العمارة لا التدمير.

كيف يكون العلم أداة لبناء الحضارة الإسلامية وما حدود حرية البحث العلمي في الإسلام؟
كيف يكون العلم أداة لبناء الحضارة الإسلامية وما حدود حرية البحث العلمي في الإسلام؟
4 دقائق قراءة
  • كيف يمكن للعلم أن يكون أداةً حضاريةً لا مجرد معلومات، وما الفرق بين الرؤية الكلية والإجراءات المنهجية في بناء الحضارة الإسلامية؟

  • العلم هو الأداة الأولى لتحويل مفهوم الحضارة إلى واقع معيش، وهو رؤية كلية تنبثق عنها إجراءات تتمثل في منهج البحث العلمي بأركانه الثلاثة: المصادر والطرق والباحث.

  • الإسلام لا يضع قيداً على البحث العلمي في الكون أو الوحي، مستنداً إلى أول ما نزل من القرآن الكريم، مع التأكيد على انعدام التعارض بين قراءة الكون وقراءة الوحي.

  • استعمال المعلومات يخضع لسقف أخلاقي مستمد من مهمة الإنسان في العبادة والعمارة والتزكية، وهذا الفصل بين حرية البحث وتقييد الاستعمال هو الضمان الوحيد للعمارة.

  • عقلية الخرافة تتجلى في مناهج مرفوضة خمسة: الانتحار المؤدي إلى التكفير، والانبهار بالآخر، والاجترار الماضوي، والانحسار الانعزالي، والاغترار بقلة البضاعة الشرعية.

  • البحث في علم ما يختلف جوهرياً عن الكلام عنه، إذ يستلزم الأول استكمال العملية التعليمية بعناصرها الخمسة من طالب وأستاذ وكتاب ومنهج وجو علمي.

العلم كرؤية كلية وأداة أولى من أدوات بناء الحضارة

من أدوات بناء الحضارة: العلم

يحتاج الإنسان إلى مجموعة من الأدوات لتحويل ما حواه فكره من مفهوم محور حضارته وقواعدها وغاياتها والكامن وراءها من عقائد وإدراكات إلى واقع عملي معيش، وأولى هذه الأدوات العلم، وهو في ظني رؤية كلية تنبثق عنها إجراءات، وهذه الرؤية الكلية هي النموذج المعرفي المتمثل في محور الحضارة، والقواعد والمقاصد، والعقائد والإدراكات، أما الإجراءات فهي منهج البحث العلمي الذي يتكون من ثلاثة عناصر رئيسة بيَّنها الإمام الرازي في تعريفه «أصول الفقه» بأنه: (معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد) فتكلم عن مصادر البحث الفقهي، ثم تكلم عن كيفية البحث وطرقه، ثم تكلم عن شروط الباحث، وهي الأركان الثلاثة بحالها التي اتخذت فيما بعد منهجا علميا كما قرره (روجر بيكون)، والمتمثل في: المصادر والطرق والباحث.

موقف الإسلام من البحث العلمي وحرية النظر في الكون والوحي

والعلم كأداة يجب أن يستخدم في ظل حقيقتين واضحتين، هما: موقف الدين من العلم، والفرق بين العقلية العلمية ومنهاجها الرصين وعقلية الخرافة بمناهجها المختلفة.

أما الحقيقة الأولى، فلا نقول إن الإسلام دين العلم فحسب، بل نرى موقفه من البحث العلمي، حيث أرى، أنه لا حرج ولا قيد مطلقا على البحث العلمي، فليبحث من شاء فيما شاء وليحاول أن يدرك حقيقة العالم كما شاء، ويكشف عن خلق الله في كونه كما يريد، وفي ذلك ضمانة للإبداع، وهذا مؤسس على أن الله قد أنزل أول ما أنزل:

(اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) [العلق:1-4]

وذكر أن القراءة الأولى في الوجود والثانية في الوحي، وأنهما قد صدرا عن الله، الأولى من عالم الخلق، والثانية من عالم الأمر:

(أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ) [الأعراف:54]

وعلى هذا فلا نهاية لإدراك الكون، حيث إنه يمثل الحقيقة، لأنه من عند الله، ولا نهاية لإدراك الوحي فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:

(لا تنتهي عجائبه، ولا يَخلق من كثرة الرد) «رواه الترمذي والدارمي»

وأيضاً لا تعارض بينهما، حيث إن كلاً من عند الله، وهذا التأسيس يتأكد في قوله تعالى على صفة الإطلاق:

(هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) [الزمر:9].

السقف الأخلاقي لاستعمال العلم والتمييز بين حرية البحث والتطبيق

إلا أن استعمال المعلومات يجب أن يكون تحت السقف الأخلاقي للتطبيق المأخوذ من مهمة الإنسان في الدنيا: العبادة، والعمارة، والتزكية، هذا السقف الذي يمنع من استعمال ما يوصلنا إليه مما يخالف الأوامر والنواهي الربانية أو يكر على المقاصد الكلية بالبطلان فنكون بذلك من أهل التعمير، لا من أهل التدمير، وهذا السقف للاستعمال ذو أهمية قصوى، إذ هو الضمان الوحيد لتلك العمارة، وعلى ذلك فإن الفصل بين حرية البحث للوصول إلى صحيح المعرفة، وتقييد الاستعمال للوصول إلى العمارة أمر قد اختلط على كثير من الناس مع وضوحه وتأكده.

الحقيقة الثانية: التخلص من عقلية الخرافة وسماتها العامة

أما الحقيقة الثانية فتتمثل في التخلص من عقلية الخرافة، وهي العقلية التي لا تفرق بين المجالات المختلفة، ولا تقيم الدليل المناسب لإثبات القضية محل النظر، ولا تتبع منهجاً واضحاً محدداً من قبل في التعامل مع الحقائق، ولا تعتمد مصادر للمعرفة، وهذه العقلية لها مناهج متعددة تختلف جميعها عن المنهج العلمي الذى أقره الرازي في تعريفه، وهذه المناهج المختلفة تدعو إلى الانتحار أو الانبهار أو الاجترار أو الانحسار أو الاغترار، وكلها مناهج مرفوضة، فمنهج الانتحار هو الذي يؤدي إلى التكفير المؤدي في نهاية الطريق إلى التدمير، ومنهج الانبهار بالآخر مآله غالبا التعدي على مصادر الشرع من كل غير متخصص، فيقع بين الإفراط والتفريط حتى يخرج علينا من ينكر الإجماع، أو يخرج عن مقتضيات اللغة، أو عن هوية الإسلام أو يحول الإسلام إلى لاهوت التحرر أو لاهوت العولمة وهذا أيضاً منهج مرفوض، ومنهج الانحسار الانعزالي الذي يؤدي إلى الفرار من الواقع الذي يشبه الفرار يوم الزحف منهج مرفوض أيضا، باعتبار أن مخالطة الناس والصبر عليهم خير عند الله من العزلة.

منهج الاجترار في التعامل مع التراث وآثاره على صورة الدين

أما منهج الاجترار فإنه يتمثل في التمسك بمسائل التراث تمسكا يحاكي صورتها دون الوقوف عند مناهج التراث والتجريد أمامها حتى يمكن تطويرها إن احتاجت إلى تطوير أو الاستفادة بها حتى على حالها إن كانت تصلح لذلك، فهو منهج ماضوي إن صح التعبير يريد بإصرار أن نتغاضى عن واقعنا، وأن نستمر في واقع قد تغيرت عليه الحياة، حتى رأينا كثيرا من الناس يخرجون من دين الله أفواجا لظنهم أن هذا هو دين الله، وأن دين الله بذلك من طبيعته ألا يصلح لزماننا هذا، وهو وهم خاطئ ومخطئ، خاطئ لأنه مخالف للحق، ومخطئ لأنه مخالف للواقع.

منهج الاغترار والتفريق بين البحث في العلم والكلام عنه

أما منهج الاغترار فنراه عند كثير من خارج الدراسات الدينية الأكاديمية، الذين أقحموا أنفسهم في مجال الكلام في الشرع الشريف تشهيا لإصلاح الدين بزعمهم تارة أو للإدلاء بآرائهم التي يرونها مهمة تارة أخرى، وقد نراه أيضا عند الدارسين للدراسات الشرعية في مراحلها الأولى، مع ظن لا يتناسب مع ظن العلماء الراسخين في العلم، حيث يعتقدون أن لهم الحق في تجديد الدين غافلين عن قلة بضاعتهم الشرعية من ناحية، والمسافات الشاسعة بينهم وبين إدراك الواقع من ناحية أخرى، وهنا يجدر بنا أن ننبه على فارق مهم بين البحث (في) علم ما وبين الكلام (عن) ذات العلم، والفرق بين (في) و(عن) أن (في) تستلزم استكمال العملية التعليمية بعناصرها الخمسة، الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي، وهي عملية تهتم بالمعرفة وبالقيم وبتربية الملكات، وتحتاج لكي يبرز نتاجها في الواقع إلى التفرغ والتخصص والأدوات وطول الزمان، بالإضافة إلى الاستعدادات الفطرية من الذكاء باعتباره قوة ربط المعلومات، والحرص على تلقي العلم الذي يمكن أن نسميه الهمة، وبذل الجهد المستمر.

العلاقة الجوهرية بين العلم والدين وأثرها في بناء الحضارة

إن معرفة العلاقة الجوهرية بين العلم والدين، ومعرفة الفرق الشاسع بين العقلية العلمية وعقلية الخرافة.. حقيقتان فارقتان في تلقي العلم وبناء الحضارة.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الأركان الثلاثة لمنهج البحث العلمي كما بيّنها الإمام الرازي في تعريفه لأصول الفقه؟

المصادر وطرق البحث وشروط الباحث

ما أول ما نزل من القرآن الكريم الذي يؤسس لحرية البحث العلمي في الإسلام؟

سورة العلق

ما السقف الأخلاقي الذي يحكم استعمال المعلومات في الإسلام؟

العبادة والعمارة والتزكية

أيٌّ من المناهج التالية يؤدي إلى التكفير والتدمير وفق تصنيف مناهج الخرافة؟

منهج الانتحار

ما الوصف الدقيق لمنهج الاجترار في التعامل مع التراث الإسلامي؟

التمسك بصورة التراث دون الوقوف عند مناهجه وتجريده

ما العناصر الخمسة للعملية التعليمية الكاملة التي يستلزمها البحث في علم ما؟

الطالب والأستاذ والكتاب والمنهج والجو العلمي

ما الفرق الجوهري بين قراءة الكون وقراءة الوحي في الإسلام؟

كلتاهما من عند الله ولا تعارض بينهما

ما الخطر الرئيسي لمنهج الانبهار بالآخر على الفكر الإسلامي؟

التعدي على مصادر الشرع والخروج عن هوية الإسلام

لماذا وصف النص منهج الانحسار الانعزالي بأنه يشبه الفرار يوم الزحف؟

لأن مخالطة الناس والصبر عليهم خير من العزلة

ما الاستعدادات الفطرية التي ذكرها النص كشرط لإنتاج العلم؟

الذكاء باعتباره قوة ربط المعلومات والهمة وبذل الجهد المستمر

ما تعريف العلم بوصفه أداةً لبناء الحضارة الإسلامية؟

العلم رؤية كلية تنبثق عنها إجراءات، وهذه الرؤية تتمثل في النموذج المعرفي المتمثل في محور الحضارة وقواعدها ومقاصدها وعقائدها، أما الإجراءات فهي منهج البحث العلمي بأركانه الثلاثة.

من الذي بيّن أركان منهج البحث العلمي الثلاثة في تعريفه لأصول الفقه؟

الإمام الرازي، الذي عرّف أصول الفقه بأنه معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، وهي الأركان ذاتها التي أقرّها المنهج العلمي الحديث.

ما الدليل القرآني على أن الإسلام يكفل حرية البحث العلمي؟

أول ما نزل من القرآن الكريم سورة العلق التي تأمر بالقراءة في الوجود والوحي معاً، مما يؤسس لحرية البحث في الكون وفي الوحي دون قيد.

ما المقصود بالقراءتين اللتين أشار إليهما القرآن الكريم؟

القراءة الأولى في الوجود والكون وهي من عالم الخلق، والقراءة الثانية في الوحي وهي من عالم الأمر، وكلتاهما صادرتان عن الله ولا تعارض بينهما.

ما الفرق بين حرية البحث العلمي وتقييد استعمال المعلومات في الإسلام؟

البحث العلمي حر مطلق بلا قيد، أما استعمال المعلومات فمقيّد بالسقف الأخلاقي المستمد من مهمة الإنسان في العبادة والعمارة والتزكية، لمنع ما يخالف الأوامر والنواهي الربانية.

ما السمات العامة لعقلية الخرافة؟

لا تفرق بين المجالات المختلفة، ولا تقيم الدليل المناسب لإثبات القضية، ولا تتبع منهجاً واضحاً، ولا تعتمد مصادر للمعرفة.

ما المناهج الخمسة المرفوضة التي تندرج تحت عقلية الخرافة؟

الانتحار والانبهار والاجترار والانحسار والاغترار، وكلها تختلف عن المنهج العلمي الرصين وتؤدي إلى الإفراط أو التفريط.

إلى ماذا يفضي منهج الانبهار بالآخر في الغالب؟

يفضي إلى التعدي على مصادر الشرع من كل غير متخصص، فيقع بين الإفراط والتفريط حتى يخرج من ينكر الإجماع أو يخرج عن مقتضيات اللغة أو عن هوية الإسلام.

ما الخطر الذي يترتب على منهج الاجترار الماضوي؟

يؤدي إلى خروج كثير من الناس من دين الله لظنهم أن هذا هو دين الله وأنه لا يصلح لهذا الزمان، وهو وهم خاطئ لأنه مخالف للحق ومخالف للواقع.

ما الفرق بين البحث في علم ما والكلام عن ذات العلم؟

البحث في علم ما يستلزم استكمال العملية التعليمية بعناصرها الخمسة ويحتاج إلى تفرغ وتخصص وأدوات وطول زمان، أما الكلام عن العلم فلا يستلزم شيئاً من ذلك.

ما العناصر الخمسة للعملية التعليمية الكاملة؟

الطالب والأستاذ والكتاب والمنهج والجو العلمي، وهي عملية تهتم بالمعرفة والقيم وتربية الملكات.

ما الاستعداد الفطري الأول الذي ذكره النص كشرط لإنتاج العلم؟

الذكاء باعتباره قوة ربط المعلومات، يليه الهمة وهي الحرص على تلقي العلم، ثم بذل الجهد المستمر.

لماذا يُعدّ السقف الأخلاقي لاستعمال العلم ذا أهمية قصوى؟

لأنه الضمان الوحيد لتحقيق العمارة ومنع التدمير، إذ يمنع استعمال ما يوصلنا إليه العلم مما يخالف الأوامر والنواهي الربانية أو يكر على المقاصد الكلية بالبطلان.

ما الحقيقتان الفارقتان اللتان تُعدّان أساساً لتلقي العلم وبناء الحضارة؟

معرفة العلاقة الجوهرية بين العلم والدين، ومعرفة الفرق الشاسع بين العقلية العلمية الرصينة وعقلية الخرافة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!