ما هي منازل السائرين من اليقظة إلى محاسبة النفس وكيف يسير السالك في طريق العبودية؟
منازل السائرين مائة خطوة تبدأ باليقظة من الغفلة وإدراك حقيقة الدنيا، ثم التوبة والمحاسبة والإنابة والتفكر والاعتصام والفرار إلى الله. محاسبة النفس ركن أساسي في هذا الطريق إذ يبدأ الإنسان بمحاسبة نفسه قبل أن يُعيِّر غيره. الطريق كله مقيد بالكتاب والسنة ويقوم على الذكر والتربية والديمومة في العمل الصالح.
- •
كيف تبدأ رحلة السلوك إلى الله وما المنازل التي لا يمكن تجاوزها في طريق العبودية؟
- •
منازل السائرين مائة خطوة موزعة على عشرة أقسام، تبدأ باليقظة من الغفلة وإدراك فناء الدنيا.
- •
محاسبة النفس فريضة على كل سالك، والنبي حذّر من رؤية القذاة في عين الأخ مع نسيان الجذع في العين.
- •
التوبة عن السوى تعني إخراج الدنيا من القلب حتى يستوي عند الإنسان العطاء والمنع فيبلغ الرضا والتسليم.
- •
الذكر هو عماد الطريق، وأهل الله حددوا أسماء أصولاً سبعة تُلخص الأسماء الحسنى يلهج بها السالك حتى يلين قلبه.
- •
الديمومة في العمل الصالح ولو قلّ هي أحب الأعمال إلى الله، ومن انقطع فلا ييأس بل يبدأ من جديد.
- 1
طريق منازل السائرين دائم مع الحياة لا ينتهي بمرتبة، والنبي صلى الله عليه وسلم أسوة في دوام العبادة حتى الممات.
- 2
منازل السائرين مائة خطوة في عشرة أقسام، وأولها اليقظة التي تعني إدراك فناء الدنيا وأن لا حول إلا بالله.
- 3
التوبة تبدأ بترك الذنوب وترتقي إلى إخراج الدنيا من القلب، فيصل السالك إلى الرضا والتسليم بقدر الله.
- 4
محاسبة النفس تعني البدء بإدانة النفس لا تعيير الآخرين، وقد حذّرت الأحاديث النبوية من رؤية عيوب الناس مع إغفال عيوب النفس.
- 5
الإنابة تطبيق عملي للتوبة، والتقوى تشمل ترك الصغائر والكبائر، والاستهانة بصغيرة قد تودي بصاحبها.
- 6
التفكر والتذكر والاعتصام والفرار منازل متتالية تقود السالك إلى حال السماع وهو الوصول إلى باب الله.
- 7
الدعوة العملية للسير في منازل السائرين تبدأ باليقظة ومحاسبة النفس والتوبة وتنتهي بالسماع، وبدون العمل لا ينفع العلم.
- 8
طريق السلوك مقيد بالكتاب والسنة ويقوم على الذكر والتربية، ولا مكان فيه للتمني أو الادعاء بلا عمل.
- 9
الأسماء الحسنى تنقسم إلى جمال وجلال وكمال، وهي في حقيقتها تربية للإنسان وتعلق للقلب بالله.
- 10
لفظ الجلالة الله يدل على الذات العلية المستحقة للعبادة، والمسلم بسجوده يكون متسقاً مع الكون الذاكر الساجد.
- 11
الأصول السبعة من الأسماء الحسنى يلهج بها السالك فتلين قلبه وترتقي به من الذكر باللسان إلى الذكر بالجنان.
- 12
أولياء الله حددوا أعداداً للذكر بالأسماء الحسنى، وتغير حال الناس في هذا العصر يستوجب البدء بمحاسبة النفس لا لوم الزمان.
- 13
محاسبة النفس تدفع إلى الذكر، والطريقة العملية أن يذكر الإنسان كل يوم ألفين أو ثلاثة آلاف حتى يتم مائة ألف لكل اسم.
- 14
عبد القادر الجيلاني أضاف ستة أسماء للأصول السبعة فصارت ثلاثة عشر، وقسّم الأسماء إلى أصول كالأساسات وفروع كالبنيان.
- 15
الأحاديث النبوية تثبت مشروعية تحديد عدد الأذكار، وذكر لا إله إلا الله مائة مرة له فضل عظيم وحرز من الشيطان.
- 16
يجوز الذكر بأسماء الله الحسنى وبالاسم المفرد الله، والدليل آيات قرآنية وحديث مسلم عن استمرار ذكر الله في الأرض.
- 17
الصد عن الذكر آفة خطيرة والقرآن ثلاثة أرباعه أمر بالذكر، فالذكر هو بداية الطريق إلى الله ولا ينبغي التفريط فيه.
- 18
السالك يختار الاسم الذي يجد فيه قلبه ولا يتجاوز خمسة آلاف يومياً، والتربية تعني قهر الشهوات حتى يجد لذة القلب.
- 19
الديمومة في العمل الصالح أساس الطريق وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، ومن انقطع يبدأ من جديد ولا ييأس.
- 20
النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة المسلم إلى الله، والعيش معه بالمحبة واتباع سنته طريق مضمون لرضا الله.
- 21
الانتساب لأمة النبي صلى الله عليه وسلم نعمة عظيمة وهبها الله للمسلم دون جهد منه، فلا ينبغي إهدارها.
- 22
التربية تنتهي بوضع النفس تحت القدم، والخلوة لا تكون إلا بإذن الشيخ، وعند فقده تكثر الصلاة على النبي طلباً للمرشد.
- 23
عند فقد المرشد يُكثر السالك من الصلاة على النبي ألف مرة يومياً طلباً لهدايته، ومن أرشده النبي فقد بلغ الغاية.
ما معنى أن طريق الله في منازل السائرين لا نهاية له في الحياة الدنيا وكيف كان النبي قدوة في ذلك؟
طريق الله في منازل السائرين مستمر طوال حياة الإنسان دون أن يبلغ مرتبة لا تكليف بعدها، بل يعبد ربه حتى يأتيه اليقين وهو الموت. والنبي صلى الله عليه وسلم كان أسوة في ذلك إذ كان كلما رقّاه ربه ازداد عبادة وقياماً حتى تورمت قدماه وقال: «يا عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً». وقد عجزت الكلمات عن وصف حقيقته صلى الله عليه وسلم كما قال البوصيري في بردته.
ما هو تقسيم منازل السائرين وما أهمية منزلة اليقظة في بداية الطريق؟
قسّم الطريق في منازل السائرين إلى عشرة أقسام كل قسم عشرة أبواب فصارت مائة خطوة. أول هذه الخطوات اليقظة، وهي أن يعلم الإنسان حقيقة الدنيا وأنها فانية وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله. فإذا لم يعلم ذلك فهو نائم غافل لا يُخاطَب، ولا يبدأ السير الحقيقي إلا بعد هذه اليقظة.
ما هي منزلة التوبة في منازل السائرين وكيف تصل إلى التوبة عن السوى والرضا بقدر الله؟
التوبة في منازل السائرين تبدأ بالانخلاع من الذنوب والانتقال من دائرة المعصية إلى الطاعة، ثم ترتقي إلى التوبة عن السوى أي ما سوى الله بإخراج الدنيا من القلب. وعلامة التوبة عن السوى أن يستوي عند الإنسان العطاء والمنع فلا يفرح بالموجود ولا يحزن على المفقود. ومن بلغ ذلك وصل إلى درجة الرضا والتسليم لله في كل أمر.
ما هي منزلة محاسبة النفس وما الأحاديث الواردة في النهي عن تعيير الناس بذنوبهم؟
محاسبة النفس منزلة أساسية في الطريق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»، وحذّر من رؤية القذاة في عين الأخ مع نسيان الجذع في العين. ومن أحاديث محاسبة النفس أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: «من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله»، وأمر بالستر على المذنب. فالواجب أن يبدأ الإنسان بمحاسبة نفسه لا بتعيير غيره.
ما هي منزلة الإنابة وما تعريف التقوى وما خطر الاستهانة بصغائر الذنوب؟
الإنابة هي تطبيق التوبة عملياً، فإن كانت التوبة علماً فالإنابة فعل. والتقوى تعني الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل، وجوهرها ترك الذنوب كبيرها وصغيرها. والاستهانة بصغائر الذنوب خطر عظيم لأن العبد قد يتكلم بكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في جهنم.
ما الفرق بين التفكر والتذكر وما منازل الاعتصام والفرار حتى حال السماع؟
التفكر هو التشوف إلى المطلوب والتذكر هو رفع الحجاب عنه والوصول إليه، كالفرق بين التوبة والإنابة فهذا علم وذاك عمل. ثم يأتي الاعتصام بحبل الله ثم بالله، ثم الفرار إلى الله والرياضة حتى يدخل السالك في حال السماع أي سماع الوارد. وإذا وصل إلى الباب وفُتح له فهو وربه يفتح الله عليه ما شاء.
كيف يبدأ الإنسان عملياً بالسير في منازل السائرين من اليقظة إلى السماع؟
على الإنسان أن ينتفع بما علمه فيوقظ نفسه من الغفلة ويدرك حقيقة الدنيا، ثم يتوب ويحاسب نفسه وينيب إلى الله. بعد ذلك يتفكر ويتذكر ويمارس الرياضة والفرار حتى يصل إلى السماع. فإن فعل ذلك رجا الله أن ينفعه بما سمع، وإن لم يفعل لم ينفعه شيء.
بم يتقيد طريق السلوك في منازل السائرين وما دور الذكر والتربية فيه؟
طريق السلوك مقيد بالكتاب والسنة وبالعلم والعمل، ولا يصلح فيه التمني ولا الادعاء. وهو في جوهره ذكر وتربية وخلوة حتى لو كانت في الجلوة. ويبدأ الإنسان بذكر الله ويكثر منه حتى يُعدّ من الذاكرين الله كثيراً ويترقى فيه.
كيف تُقسَّم الأسماء الحسنى إلى جمال وجلال وكمال وما دورها في تربية الإنسان؟
الأسماء الحسنى الواردة في القرآن تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أسماء الجمال للتخلق كالرحمن الرحيم الغفور، وأسماء الجلال للتعلق كالعظيم الجبار المتكبر، وأسماء الكمال بعد الجمال والجلال كلفظ الجلالة الله. وحقيقة الأسماء الحسنى هي تربية الإنسان، ولفظ الجلالة الله هو الذي تتعلق به القلوب وهو مقصود الكل.
ما دلالة لفظ الجلالة الله وكيف يكون المسلم متسقاً مع الكون في عبادته؟
لفظ الجلالة الله لفظة شريفة تدل بكلها على الذات العلية الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد والعبادة والخضوع. والمسلم حين يسجد لربه يكون متسقاً مع الكون كله الذي يذكر ويسجد لله، فالكون يذكر وأنت تذكر والكون يسجد وأنت تسجد. ولا أحد يسجد في الأرض لربه إلا المسلم وهذا من علامات صحة هذا الدين.
ما هي الأصول السبعة من الأسماء الحسنى وكيف تساعد على تليين القلب وبلوغ الذكر بالجنان؟
أهل الله قالوا إن الأسماء الحسنى في القرآن وهي مائة وخمسون اسماً أو تزيد تتلخص في سبعة أصول مستقاة من لا إله إلا الله وهي: الله، هو، لا إله إلا هو، الحي القيوم، الحق، القهار. يلهج بها السالك فتساعده على تخطي العقبات حتى يلين قلبه للذكر فيذكر من غير لسانه. وأعلى الذكر ما جمع بين اللسان والجنان.
كيف كان أولياء الله يعلمون الذكر قديماً وكيف تغيرت أحوال الناس في هذا العصر؟
كان أولياء الله في القديم يضعون أرقاماً لكل اسم من الأسماء الحسنى كذكر لا إله إلا الله ألف مرة أو الله سبعين ألف مرة. لكن تغير الأمر منذ أكثر من مائة عام لما اشتدت الظلمات وتسارع الناس في الدنيا، حتى قالوا كنا نجد في الشارع ثلاثين ولياً والآن نجد في المساجد ثلاثين شيطاناً. والحل أن يبدأ كل إنسان بنفسه فيعيبها لا زمانه.
كيف يبدأ الإنسان بمحاسبة نفسه وما الطريقة العملية لإتمام مائة ألف ذكر لكل اسم من الأصول؟
يبدأ الإنسان بمحاسبة نفسه معترفاً بقبحه ومحتاجاً إلى الذكر. والطريقة العملية لإتمام مائة ألف ذكر لكل اسم أن يقرأ كل يوم ما تيسر ألفين أو ثلاثة آلاف حتى يكمل المائة ألف ثم ينتقل إلى الاسم الذي بعده. وهكذا حتى ينتهي من الأصول السبعة.
ما الأسماء الستة التي أضافها عبد القادر الجيلاني وما الفرق بين الأصول والفروع في الذكر؟
جاء الشيخ عبد القادر الجيلاني في القرن السادس الهجري وأضاف ستة أسماء للأصول السبعة وهي: الواحد، العزيز، المهيمن، الودود، الوهاب، الباسط. وقال إن حال الناس قد تغير ولم تعد السبعة تكفي فصارت ثلاثة عشر اسماً. وأصبح عندنا ما يسمى الأصول وهي بمثابة العواميد والأساسات، والفروع وهي بمثابة البنيان.
ما الأحاديث النبوية التي تدل على مشروعية تحديد عدد الأذكار وما فضل ذكر لا إله إلا الله مائة مرة؟
دلّت الأحاديث النبوية على مشروعية تحديد عدد الأذكار؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة مرة في يوم كانت له عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان. وقال أيضاً إن من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا من قال مثله أو زاد. فأصبح باب العدد مفتوحاً لا حصر فيه.
هل يجوز الذكر بأسماء الله الحسنى وبالاسم المفرد الله وما الدليل على ذلك؟
يجوز الذكر بأسماء الله الحسنى بدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. ويجوز الذكر بالاسم المفرد الله بدليل قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾، وبحديث مسلم عن أنس أن النبي قال: «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله». فكان يُقال في الأرض: الله الله.
ما خطر الصد عن الذكر وكيف يكون الذكر بداية الطريق إلى الله؟
كثير من الناس يتمسحون بسنة رسول الله على غير طريقة السلف الصالح ويصدون الناس عن الذكر، وهذا خطر عظيم لأن القرآن ثلاثة أرباعه يأمر بالذكر حتى سُمّي القرآن ذكراً. والذكر هو بداية الطريق والعمل، فعلى المسلم أن يلهج بالذكر في كل مكان ولا يلتفت إلى من يصده عنه.
كيف يختار السالك الاسم المناسب للذكر وما الحد اليومي الموصى به وما دور التربية في قهر الشهوات؟
يختار كل إنسان الاسم الذي يجد فيه قلبه سواء من الأصول أو الفروع أو الأسماء الحسنى، ولا يزيد عن خمسة آلاف في اليوم حتى يذكر متأنياً. ثم يدخل في التربية فيضع نفسه وشهواته تحت قدمه ويخالف نفسه ويجتهد في جهادها. فإنه يجد لذة في قلبه لو عرفها الملوك لقاتلوا عليها.
ما أهمية الديمومة في العمل الصالح وما الحديث الوارد في أحب الأعمال إلى الله وماذا يفعل من انقطع؟
الديمومة أساس كل عمل صالح، وقد كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم ديمة، وسُئل أي الأعمال أحب إلى الله فقال: «أدومها وإن قلّ». فالعمل القليل الدائم أحب إلى الله من الكثير المنقطع. ومن انقطع فلا ييأس بل يبدأ مرة ثانية وثالثة وعاشرة ومائة إلى أن يصل إلى الديمومة.
كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة إلى الله وكيف يعيش المسلم معه في هذه الدنيا؟
النبي صلى الله عليه وسلم هو الباب إلى الله وانسدت كل الطرق إلى الله إلا من قِبَله، وهو الواسطة التي ارتضاها الله بين العبد وربه. والمسلم يعيش معه بحب وتعظيم وإجلال ويتبع سنته ويسير على نهجه. فمن فعل ذلك رضي الله عنه قطعاً من غير تردد ولا شك.
ما عظمة الانتساب لأمة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف يستثمر المسلم هذه النعمة؟
النبي صلى الله عليه وسلم كنز وسيد الكائنات وأحلى عباد الله وأجمل الخلق خُلقاً وخَلقاً. وقد وفّق الله المسلم من غير حول منه ولا قوة أن يكون من أتباعه. فكيف يُهدر هذا الفضل العظيم؟ على المسلم أن يتقي الله ويعود إلى ربه مستثمراً هذه النعمة الكبرى.
ما علامة انتهاء التربية وما شروط دخول الخلوة وكيف يطلب السالك الصحبة الصادقة؟
علامة انتهاء التربية أن يضع الإنسان نفسه تحت قدمه، وعندها يدخل الخلوة لكنها لا تكون إلا بإذن الشيخ. فإذا فقد الشيخ فليس هناك خلوة، وعليه أن يصلي على النبي دائماً حتى يوفقه الله للشيخ المرشد. والمعية مع الصادقين تستوجب صحبة مرشد يرشد إلى الله.
ماذا يفعل من فقد المرشد وكيف تكون الصلاة على النبي طريقاً للهداية؟
من فقد المرشد طلب هداية ربه عند فقد المربي، وذلك يتأتى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا أقل من ألف مرة في اليوم حتى يعيش معه. ومن كان رسول الله مرشده فقد وصل إلى الغاية العليا. وتختم الرحلة بالحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
محاسبة النفس والسير في منازل السائرين طريق مقيد بالكتاب والسنة يبدأ باليقظة وينتهي بفتح الله على العبد.
محاسبة النفس ركن لا يُتجاوز في منازل السائرين؛ إذ لا يصح للسالك أن يرى القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه، بل يبدأ بنفسه فيدينها ويحاسبها. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من تعيير الأخ بذنب، وأمر بالستر والبدء بمن تحت المسؤولية.
مدارج السالكين في منازل السائرين تمر بعشر محطات موثقة: اليقظة، والتوبة، والمحاسبة، والإنابة، والتفكر، والتذكر، والاعتصام، والفرار، والرياضة، وحال السماع. وكل هذا مقيد بالذكر والتربية على الأسماء الحسنى السبعة الأصول، مع الديمومة في العمل الصالح ولو قلّ، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلةً إلى الله.
أبرز ما تستفيد منه
- محاسبة النفس تسبق محاسبة الآخرين وهي شرط السلوك الصحيح.
- منازل السائرين مائة خطوة تبدأ باليقظة وتنتهي بالسماع والفتح.
- الذكر بالأسماء الحسنى الأصول السبعة يلين القلب ويفتح طريق العبودية.
- أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، فلا ييأس من انقطع.
دوام طريق العبودية واقتداء السالك بسيدنا محمد
أخذنا نسير في منازل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين، فهذا هو طريق اللّٰه يبدأ بالعبادة وينتهي بالاستعانة، وطريق اللّٰه سبحانه وتعالى مع مُدة الحياة؛ فليس له بداية ونهاية في هذه الحياة الدنيا بحيث أن الإنسان يصل إلى مرتبة لا تكليف بعدها! بل إنه يعبد ربه حتى يأتيه اليقين، واليقين هو الموت، فطريق اللّٰه سبحانه وتعالى في بدايته وفي نهايته على مُدة حياة الإنسان؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علّمَنا -وهو أسوتنا الحسنة- أنه يعبد ربه سبحانه وتعالى مُدة حياته، فكان كلما رقّاه ربه في مدارج العبودية وعلاّه وفتح عليه فإنه يزداد عبادةً وقياما إلى أن تتورم قدماه ويقول:
«يَا عَائِشَةُ أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» [1]
غفر اللّٰه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وليس له ذنب على الحقيقة- وإنما قربات الأبرار سيئات المقربين- لا قبل النبوة ولا بعدها لأنه كان صلى الله عليه وآله وسلم معصومًا وكان مختارًا من ربه وكان من المصطَفَين الأخيار، بل هو سيدهم وسيد الأنبياء والمرسلين، تعجز الكلمات عن وصف حقيقته فلا يعلم كُنه حقيقته صلى الله عليه وآله وسلم إلا من خلقه، يقول البوصيري في بردته:
دَعْ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَىٰ فِي نَبِيِّهِمُ * وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ
وَانْسُبْ إِلَىٰ ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِن شَرَفٍ * وَانْسُب إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِن عِظَمِ
فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللّٰهِ لَيْسَ لَهُ * حَدٌّ فَيُعْرِبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ
يعني: قل ما شئت وامدح ما شئت؛ فإنك لا تصل عشر معشار ما عليه قدره العظيم صلى الله عليه وآله وسلم.
تقسيم منازل السائرين وبداية منزلة اليقظة
قسَّم الطريق في منازل السائرين إلى عشرة أقسام، وقَسَّمَ كل قسم إلى عشرة أبواب وجعل هذا الطريق في مائة خطوة وقد تكلمنا على عشر منها:
أول الطريق هو أن تتيقظ وأن تعلمَ حقيقة الدنيا، وأنها إلى فناء، إذا لم تعلم هذا، وأن هذه الدنيا فانية، وأنها كما أنها حادثة لها بداية فإن لها نهاية، إذا لم تعلم هذا فأنت نائم، وإذا لم تعلم أنه لا حول ولا قوة إلا باللّٰه، وأنه لا يكون في هذا الكون إلا ما أراد اللّٰه فأنت ما زلت في غفلتك وغفوتك، والنائم لا يُخاطَب لأنك لو خاطبته لا يسمع فلا يستجيب ولا يتحرك حيث إنه غافل، هناك حجاب بينك وبينه وهو النوم؛ إذن فلابد أولًا من اليقظة حتى تسمع وتعلم أن كل الذي حولنا هذا إنما هو من إخراج ربنا؛ فهو
﴿ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ [الأعلى: 2-3]
وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، إذا عرفت ذلك عرفت أنه لا حول ولا قوة إلا به، إذا عرفت ذلك فإنك لا تسأل البشر بل تسأل ربك، إذا عرفت ذلك تعلم أن اللّٰه قد خلق السبب والمسبَّب معًا، وما هي إلا أشياء يُقَدِّرها ربنا ويجريها سبحانه وتعالى، هذا هو أساس المسألة، اليقظة أول شيء.
منزلة التوبة من الذنب والتوبة عن السوى والدنيا
ثم بعد ذلك تأتي التوبة؛ فلابد عليك من أن تنخلع من ذنوبك ومن دائرة المعصية إلى دائرة الطاعة، ومن دائرة الكسل إلى دائرة الهمة، وأن تتوب إلى اللّٰه تعالى إلى أن تصل وتترقى في التوبة إلى درجة التوبة من السوى، أي: ما سوى اللّٰه، فإذا تُبتَ عن المعصية والتزمت بالطاعة فهذه أمور سهلة، ولكن المطلوب الأكبر أن تتخلص من الدنيا وتخرجها من قلبك وتطلقها ثلاثة باتة لا رجعة فيها أو تلاعنها حتى تَحرُم عليك أبدًا فتخرج من قلبك، وكان من دعاء الصالحين «اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا».
كيف التوبة عن السوى؟ التوبة عن السوى تأتي إذا لم تفرح بالموجود ولا تحزن على المفقود، فيستوي عندك العطاء والمنع، فبهذا نصل إلى مرتبة التخلص من السوى، فتصل إلى درجة الرضا والتسليم، فإذا رضيت بقدر اللّٰه وأمره، وسلَّمتَ له سبحانه وتعالى وتركت له الأمر يختار لك،؛ فإنك قد تظن شيئًا لك في الدنيا أنه خيرٌ وهو من قبيل الشر، ويُرَتِّب اللّٰه لك شيئًا آخر يخرجك به من ظلمات الدنيا إلى نور الآخرة، ومن ضيقها إلى سَعَة اللّٰه،؛ فاللّٰه هو الواسع لكن أكثر الناس لا يعلمون، كما قيل في الأثر: «لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع»، فالرضا والتسليم ينتُج من التوبة عن السوى.
منزلة المحاسبة وترك تعيير الناس بالذنوب
وبعد قضية التوبة أتت المحاسبة «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا» [2]، يقول رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم:
«يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ القَذَاةَ في عَيْنِ أَخِيهِ، ويَنْسَىٰ الجِذْعَ في عَيْنِهِ» [3]!
فلابد على الإنسان أن يبدأ بنفسه في المحاسبة ويُدينها. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر التغيير يقول:
«وابْدَأْ بمنْ تَعُولُ» [4]
ابدأ بمن عندك المسئولية عليهم، لكن كثيرًا من الناس يرى القذاة في عين أخيه ويدَع جذع النخلة في عينه! وهذه مصيبة كبرى وبَلية سيحاسب عليها الإنسان في الدنيا والآخرة، ويقول رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم:
«مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّىٰ يَعْمَلَهُ» [5]
هو أمرنا بالستر فقال:
«وَيْلَكَ يَا هَزَّالُ لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ» [6]
فإذا تكبر الإنسان على أخيه بذنب ارتكبه فإن اللّٰه لا يميته حتى يرتكبه؛ فاللهم سَلِّمْ سَلِّمْ، فإذا رأيت هذا في الناس فقل الحمد للّٰه -بينك وبين نفسك وليس في وجه أخيك- الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من عباده، فإن كثيرًا من عباده قد ابتلي حتى إنه لا يستطيع أن يعود إلى اللّٰه
﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾ [الأنفال: 24].
منزلة الإنابة وتعريف التقوى وترك صغائر الذنوب
فالمحاسبة تساعد علىٰ الإنابة وهي الخطوة الرابعة، والإنابة تطبيق للتوبة، فإذا كانت التوبة نظر فالإنابة عمل، وإذا كانت التوبة علم فالإنابة فعل
﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ﴾ [الروم: 31]
والتقوىٰ: الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل، والتقوىٰ في الواقع: أن تُخلي الذنوب كبيرها وصغيرها،
خَلِّ الذُّنوب صغيرها وكبيرها ذاك التُّقىٰ
وَاصْنَع كماشٍ فوقَ أرض الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَىٰ
لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَىٰ
فالإنسان يستهين بصغيرة وصغيرة وصغيرةٍ، وهو لا يشعر، و«إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللّٰهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُهُ اللّٰهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللّٰهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [7].
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا﴾ [البقرة: 143]
يعني عالية المقام.
التفكر والتذكر والاعتصام والفرار حتى حال السماع
وبعد الإنابة يأتي التّفَكُّر ومعه التّذَكُّر، والفرق بينهما أن التفكر هو التشوف إلى المطلوب، والتذكر هو رفع الحجاب عنه والوصول إليه، كالفرق بين التوبة والإنابة، فهذا عمل وهذا علم.
ثم بعد ذلك تكلم عن الاعتصام وقال إنه اعتصامٌ باللّٰه، والاعتصامُ بحبل اللّٰه يبدأ أولاً بحبل اللّٰه ثم يترقى إلى الاعتصام باللّٰه.
ثم الفرار إلىٰ اللّٰه، والرياضة، حتى يدخل في حال السماع، سماع الوارد، ومعنىٰ سماع الوارد أنه قد وصل إلىٰ الباب.
فإذا فُتِحَ الباب -فاللهم افتح علينا فتوح العارفين بك- فهو وربه؛ يفتح اللّٰه عليه ما شاء بما شاء أنى شاء كيف شاء.
ولذلك فقد انتهى كلامنا عند هذا؛ فإن الإنسان إذا وصل إلى الباب وفُتِحَ له- لا يأخذ منا بل نأخذ منه.
دعوة عملية لبدء السير بالمنازل من اليقظة إلى السماع
فلابد علينا أن ننتفع بما قد استمعنا إليه وعلمناه ونبدأ فيه؛ فنوقظ أنفسنا من الغفلة وندرك حقيقة الدنيا، ونتوب، ونحاسب أنفسنا، فننيب إليه سبحانه وتعالى فلا ملجأ منه إلا إليه، ثم بعد ذلك نتفكر، ونتذكر، وعلينا بعد ذلك بالرياضة، وبالفرار، حتى نصل إلى السماع، فإن نحن فعلنا ذلك فنرجو اللّٰه أن ينفعنا بما سمعنا، وإن نحن لم نفعل فلا ينفعنا من بعد ذلك من شيء.
تقييد طريق السلوك بالكتاب والسنة والذكر والتربية
هذا الطريق مُقَيَّد بالكتاب والسُنّة، مُقَيَّد بالعلم والعمل ولا يصلح فيه التمني ولا الدعاوي والادعاء، بل هو محض ذكر وتربية وخلوة حتى لو كانت في الجلوة، ذكرٌ يبدأ فيه الإنسان بذكر اللّٰه ويُكثِر منه حتى يُعَد من الذاكرين اللّٰه كثيرًا والذاكرات، ويترقى فيه.
تقسيم الأسماء الحسنى إلى جمال وجلال وكمال
وأهل اللّٰه لهم سبعة أسماء أصول، قالوا: إنها تُلَخِّصُ الأسماء الحسنى الواردة في القرآن، والأسماء الحسنىٰ الواردة في القرآن حقيقتها هي تربية الإنسان؛ لأن منها ما هو للتَخلُّق كالرحمن الرحيم الرءوف العفو الغفور، ومنها ما هو للتَعَلُّق كالعظيم الجليل الجبار المتكبر، ومنها ما هو للكمال بعد الجمال والجلال كلفظ اللّٰه، فإن اللّٰه وحده لا شريك له هو الذي تتعلق به القلوب، وهو محل السؤال، وهو سبحانه وتعالى مقصود الكل.
عظمة لفظ الجلالة الله واتساق عبادة المسلم مع الكون
اللّٰه لفظة شريفة عجيبة تدل بكلها على الذات العَلِيَّة، اللّٰه هو الذات الواجب الوجود المُستَحِق لجميع المحامد
﴿ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ [الأعلىٰ: 2-3]
والذي يستحق منا العبادة والخضوع والسجود.
لا أحد يسجد في الأرض الآن لربه إلا المسلم، وهذا من علامات صِحَةِ هذا الدين، فنحن الذين أسلَمنا وجوهنا للّٰه وخضعنا وخشعنا واستجبنا وأدينا صلاتنا، وفيها كل ما تؤديه الملائكة من عبادة لربها، فالكون يذكر وأنت تذكر، والكون يسجد وأنت تسجد، فأنت متسق مع الكون لربك.
الأصول السبعة من الأسماء الحسنى ودورها في تليين القلب
قال أهل اللّٰه: إن أسماء اللّٰه الحسنى في القرآن وهي مائة وخمسون اسمًا أو تزيد قليلًا، منها ما هو للجمال، ومنها ما هو للجلال، ومنها ما هو للكمال، تتلخص في سبعة، وهي مستقاة من (لا إله إلا اللّٰه): (اللّٰه)، (هو)، (لا إله إلا هو)، (الحيّ القَيُّوم)، (الحق)، (القهار)، وأن هذه السبعة يلهج بها بادئ الطريق فتساعده كثيرًا على تخطي العقبات وعلى الاشتغال بالذكر؛ حتى يلين قلبه لذكر اللّٰه فيذكر حتى من غير لسانه؛ لأن هناك ذكر باللسان وذكر بالجنان وذكر بهما وهو أعلىٰ الذكر.
منهج أهل الله في تعليم الذكر وتغير أحوال الناس
فالإنسان إذا أراد أن يبدأ مع اللّٰه مستفيدًا بتجارب أولياء اللّٰه الدالين على اللّٰه الذين جعلوا الكتاب والسنة ديدنهم، وجعلوا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أسوتهم- فإنهم يرشدونه إلى طريق فيه ذكر كثير.
في القديم -قبل هذا العصر النَّكِد الذي نعيش فيه- وكان أهل اللّٰه يضعون أرقامًا لكل اسم، يقول لك اذكر «لا إله إلا اللّٰه» ألف مرة، أو ثلاثين ألف مرة اللّٰه، أو اذكر «اللّٰه» سبعين ألف مرة، وهكذا، لكن تغير الأمر من أكثر من مائة عام لما اشتدت الظلمات وتسارع الناس في الدنيا دون الآخرة، قالوا: كنا في القديم نسير في الشارع نجد ثلاثين وليًا، الآن نلتفت في المساجد فنجد ثلاثين شيطانًا.
فإنا للّٰه وإنا إليه راجعون، ولكن علينا أن نبدأ بأنفسنا فنعيبها.
نعيبُ زماننا والعيب فينا * وما لزمانِنا عَيب سِوانا
البدء بالنفس وطريقة إتمام مائة ألف ذكر لكل اسم
قال صلى الله عليه وآله وسلم:
«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» [8]
وتقول في نفسك: أنا القبيح؛ فيجب أن أبدأ بنفسي فأذكر اللّٰه؛ قالوا: اقرأ كل اسم مائة ألف مرة، كيف؟
فقالوا: لا تقرأ مائة ألف مرة واحدة، ولكن كل يوم تقرأ ما تيسر ألفين ثلاثة حتى تكمل المائة ألف، ثم تنتقل إلى الاسم الذي بعده. وهكذا، حتى تنتهي من السبعة، الأصول.
إضافة الشيخ عبد القادر الجيلاني للأسماء الستة وتقسيم الأصول والفروع
جاء الشيخ عبد القادر الجيلاني في القرن السادس الهجري، وأضاف لهم ستة: الواحد، العزيز، المهيمن، الودود، الوهاب، الباسط.
لماذا؟! قال: لأن حال الناس قد تغير حالهم ولم تعد السبعة تكفي. فصارت ثلاثة عشر اسمًا يذكر بها المريد السالك.
إذن أصبح عندنا ما يسمى: الأصول، وهي بمثابة العواميد والأساسات، وما يسمى: الفروع، وهي بمثابة البنيان.
مشروعية تحديد عدد الأذكار بأحاديث المائة مرة
هل يجوز هذا العدد؟
النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللّٰهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فِى يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُمْسِي، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ» [9]
«من قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللّٰهِ وَبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ. إِلاَّ أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» [10].
فأصبحت مفتوحة، لا حصر فيها.
جواز الذكر بأسماء الله الحسنى والاسم المفرد الله
هل يجوز أن يذكر بأسماء اللّٰه الحسنىٰ؟
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180].
هل يجوز أن نذكر بالاسم المفرد: اللّٰه؟
﴿قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91].
روىٰ مسلم عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّٰهِ صلى الله عليه وآله وسلم:
«لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَىٰ أَحَدٍ يَقُولُ: اللّٰهُ اللّٰهُ» [11]
هكذا يقول رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم، إذن كان يقال في الأرض: اللّٰهُ اللّٰهُ.
التحذير من الصد عن الذكر والحث على الإكثار منه
هذا هو الكتاب والسنة؛ إذن علينا أن نفهم وأن نعي؛ لأن كثيرًا من الناس -والعياذ باللّٰه- يتمسحون بسنة رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم لا على طريقة السلف الصالح ويصدون الناس عن الذكر، والقرآن ثلاثة أرباعه يأمر بالذكر حتىٰ سُمِّيَ القرآن ذكرًا، ولكن ماذا نصنع في قلوب قد قست وأناس قد أغلقوا علىٰ أنفسهم طريقًا فتحه اللّٰه لهم؟!
الْهَجُوا بالذكر في كل مكان فإن الذكر هو بداية الطريق والعمل، ثم بعد ذلك إذا ما انتهينا من هذا ذكرنا بأسماء اللّٰه الحسنى الواردة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه الترمذي بتلك الرواية المشهورة التي نتلوها ويحفظها كثيرٌ منا.
اختيار الاسم المناسب للذكر وضبط العدد اليومي
ثم بعد ذلك نسير على اسم من الأسماء نجد فيه قلبنا، فكل واحد يجد قلبه في اسم من الأسماء يستمر عليه إما من الأصول أو الفروع أو الأسماء الحسنى، ولا يزيد عن خمسة آلاف في اليوم حتى يذكر متأنيًا.
ويدخل بعد ذلك في التربية فيضع نفسه وشهواته تحت قدمه، وكلما أمرته نفسه بشيء أبى وتأبى عليها ورفض وخالفها ويجتهد حتى يجهد نفسه، فإنه يجد لذة في قلبه لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها.
أهمية الديمومة في العمل الصالح وعدم اليأس من الانقطاع
وأساس كل ذلك الديمومة والدوام؛ «فكان عمل سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم ديمة» [12]، عَنْ عَائِشَةَ رضي اللّٰه عنها أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَىٰ اللّٰهِ؟ قَالَ:
«أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [13]
فإن انقطعت فلا تيأس، وابدأ مرة ثانية وثالثة وعاشرة ومائة إلى أن تصل إلى الديمومة.
مركزية النبي كوسيلة إلى الله والعيش معه بالمحبة
لا تيأس، استحضر رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم معك وعِش معه في هذه الدنيا؛ فإنه بابك إلىٰ اللّٰه، وانسدت كل الطرق إلىٰ اللّٰه إلا من قِبَلِه صلى الله عليه وآله وسلم، عِش معه بحب، عِش معه بتعظيم وإجلال؛ فإنه هو الواسطة التي ارتضاها اللّٰه سبحانه وتعالى أن تكون بينك وبينه، ليست واسطة عبادة إلا من قبيل الوحي، فاللّٰه لا يكلمك إلا عن طريق نبيه صلى الله عليه وآله وسلم
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ﴾ [الشُّورىٰ: 51]
ولكن من غير هذه الواسطة لا تكون، إنما هو وسيلتك إلىٰ ربك، وليست هناك وسيلة أخرىٰ إلىٰ اللّٰه
﴿وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]
فوسيلتنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم نَتّبِع سُنَّته ونسير على نهجه ونتعلم تعليمه ونفعل فعله،؛ فيرضىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى قطعًا من غير تردد ولا شك ولا رِيَبٍ.
عظمة سيدنا رسول الله ونعمة الانتساب لأمته
سيد الكائنات، أحلىٰ عباد اللّٰه، أجمل الخلق أجمعين خُلُقًا وخَلْقًا ظاهرًا وباطنًا، سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم كنز، وفقك اللّٰه من غير حول منك ولا قوة أن تكون من أتباعه، من غير بحث ولا مجهود، فكيف تُهدِر كل ذلك؟! اتق اللّٰه وعُد.
التربية والخلوة بإذن الشيخ وطلب الصحبة الصادقة
فإن انتهيت من التربية - وعلامتها: أن تضع نفسك تحت قدمك؛ فإنك تدخل الخلوة ولا تكون إلا بإذن الشيخ، فإذا فقدت الشيخ فليس هناك خلوة، وعليك بأن تصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم دائمًا وأبدًا حتى يوفقك اللّٰه سبحانه وتعالى للشيخ المرشد
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
فالمعية هنا تستوجب أن تكون مع مرشد يرشدك إلى اللّٰه، وفي صحبةٍ تدلك عليه سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تحنَّثَ الليالي ذوات العدد في غار حراء.
طلب هداية الرب عند فقد المربي وخاتمة بالصلاة والآيات
وإذا فقدت المرشد طلبت «هداية ربي عند فقد المربي» وهذا يتأتي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم لا أقل من ألف مرة حتى تعيش معه صلى الله عليه وآله وسلم لعله أن يكون مُرشِدَك، ومن كان رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم مُرشِده فقد وصل إلى الغاية العليا.
فاللهم يا ربنا صَلِّ على سيدنا محمد في الأولين وصَلِّ عليه في الآخرين وصَلِّ عليه في العالمين وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد للّٰه أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا
﴿سُبْحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [الصافات: 180-182].
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
كم عدد المنازل التي قسّمها الهروي في منازل السائرين؟
مائة منزلة
ما أول منزلة في منازل السائرين؟
اليقظة
ما معنى التوبة عن السوى في منازل السائرين؟
إخراج الدنيا من القلب حتى يستوي العطاء والمنع
ما الحديث النبوي الذي يحذر من تعيير الأخ بذنبه؟
من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله
ما الفرق بين التفكر والتذكر في منازل السائرين؟
التفكر تشوف إلى المطلوب والتذكر رفع الحجاب عنه
ما عدد الأسماء الأصول التي تلخص الأسماء الحسنى عند أهل الله؟
سبعة
ما الأسماء الستة التي أضافها الشيخ عبد القادر الجيلاني للأصول السبعة؟
الواحد العزيز المهيمن الودود الوهاب الباسط
ما الحد اليومي الموصى به للذكر حتى يذكر الإنسان متأنياً؟
خمسة آلاف
ما أحب الأعمال إلى الله وفق الحديث النبوي الصحيح؟
أدومها وإن قلّ
ما الدليل القرآني على جواز الذكر بأسماء الله الحسنى؟
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
ما علامة انتهاء مرحلة التربية عند السالك؟
أن يضع نفسه وشهواته تحت قدمه
ما الذي يفعله السالك عند فقد الشيخ المرشد؟
يكثر من الصلاة على النبي لا أقل من ألف مرة يومياً
ما تعريف التقوى الوارد في المحتوى؟
الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل
ما الطريقة العملية لإتمام مائة ألف ذكر لكل اسم من الأصول؟
قراءة ألفين أو ثلاثة آلاف يومياً حتى يكتمل العدد
ما الذي يميز الذكر بالجنان عن الذكر باللسان؟
الذكر بالجنان هو أعلى مراتب الذكر
ما معنى اليقظة في منازل السائرين؟
اليقظة هي أن يعلم الإنسان حقيقة الدنيا وأنها فانية وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا لم يعلم ذلك فهو نائم غافل لا يُخاطَب.
ما الفرق بين التوبة والإنابة؟
التوبة علم ونظر، والإنابة عمل وفعل؛ فإذا كانت التوبة هي الإقرار بالرجوع إلى الله فالإنابة هي التطبيق الفعلي لذلك.
ما معنى قربات الأبرار سيئات المقربين؟
يعني أن ما يُعدّ حسنة عند الأبرار يُعدّ تقصيراً عند المقربين لعلو مقامهم وشدة قربهم من الله.
ما الأسماء السبعة الأصول المستقاة من لا إله إلا الله؟
هي: الله، هو، لا إله إلا هو، الحي القيوم، الحق، القهار، وهي تلخص الأسماء الحسنى وتساعد السالك على تخطي العقبات.
ما فضل قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة مرة في اليوم؟
كانت له عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي.
لماذا أضاف عبد القادر الجيلاني ستة أسماء للأصول السبعة؟
لأن حال الناس قد تغير ولم تعد السبعة تكفي، فأضاف: الواحد، العزيز، المهيمن، الودود، الوهاب، الباسط، فصارت ثلاثة عشر اسماً.
ما الدليل على جواز الذكر بالاسم المفرد الله؟
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾، وحديث مسلم: «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله».
ما الأقسام الثلاثة للأسماء الحسنى؟
أسماء الجمال للتخلق كالرحمن الرحيم الغفور، وأسماء الجلال للتعلق كالعظيم الجبار، وأسماء الكمال كلفظ الجلالة الله.
ما شرط دخول الخلوة في طريق السلوك؟
الخلوة لا تكون إلا بإذن الشيخ المرشد، فإذا فقد الشيخ فليس هناك خلوة وعلى السالك الإكثار من الصلاة على النبي.
ما معنى حال السماع في منازل السائرين؟
سماع الوارد يعني أن السالك قد وصل إلى الباب، فإذا فُتح له فهو وربه يفتح الله عليه ما شاء بما شاء أنى شاء.
كيف يكون المسلم متسقاً مع الكون في عبادته؟
لأن الكون كله يذكر الله ويسجد له، فالمسلم حين يذكر ويسجد يكون منسجماً مع الكون في تسبيحه وخضوعه لله.
ما الدعاء المأثور عن الصالحين في شأن الدنيا؟
«اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا»، وهو يعبر عن التوبة عن السوى وإخراج الدنيا من القلب.
ما خطر الاستهانة بصغائر الذنوب؟
إن العبد قد يتكلم بكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في جهنم، والجبال من الحصى فلا تُحقَّر صغيرة.
ما الأثر المأثور في شأن الرضا بالقدر؟
«لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع»، ومعناه أن الله يرتب للعبد ما هو خير له وإن ظنه شراً.
ما الطريق إلى الله عند فقد الشيخ المرشد؟
يطلب السالك هداية ربه عند فقد المربي بالإكثار من الصلاة على النبي لا أقل من ألف مرة يومياً، ومن كان النبي مرشده فقد وصل إلى الغاية العليا.