اكتمل ✓
الفصل 15

ما حقيقة باب السماع في طريق السلوك وما درجاته من سماع العامة إلى سماع خاصة الخاصة؟

باب السماع هو آخر خطوة في البدايات وهو حقيقة الانتباه، ينقسم إلى ثلاث درجات: سماع العامة وهو الانزجار عن المعاصي والعمل بالوعد والوعيد وبلوغ مشاهدة المنة، وسماع الخاصة وهو شهود المقصود في كل رمز والوقوف على الغاية في كل حس والخلاص من التلذذ بالتفرق، وسماع خاصة الخاصة وهو غسل العلل عن الكشف والوصول إلى الأبد من الأزل ورد النهايات إلى الأول. والسماع نعمة ينبغي ألا تشغل صاحبها عن الله الذي هو المقصود الأصلي.

12 دقيقة قراءة
  • هل السماع الروحي نعمة أم خطر على السالك، وكيف يتعامل معه أهل الله؟

  • باب السماع هو آخر خطوة في كتاب البدايات وهو حقيقة الانتباه الذي يبدأ بالذكر الكثير.

  • درجات السماع ثلاث: سماع العامة القائم على الوعد والوعيد، وسماع الخاصة القائم على شهود المقصود في كل رمز، وسماع خاصة الخاصة الذي تزول فيه الحجب كلها.

  • طريق السلوك مقيد بالكتاب والسنة، ولا حركة ولا سكنة إلا بدليل، والمسلك الصحيح يجمع بين الظاهر والباطن دون إهمال أحدهما.

  • يجوز الاستدلال بالقرآن خارج سياقه كما فعل النبي والأئمة الأربعة، لأن القرآن مأدبة الله التي لا تنقضي عجائبها.

  • الفرق بين الأولياء والأدعياء أن الأولياء يستفيدون من الواردات في طريقهم إلى الله ولا يقفون عندها، بينما الأدعياء ينشغلون بالفروع عن الأصل.

تقسيم مراتب السماع إلى عامة وخاصة وخاصة الخاصة

السَّــمَــاع حقيقة الانتباه

وهو على ثلاث درجات:

(1) سماع العامة:

وهو على ثلاثة أشياء:

  1. إجابة زجر الوعيد من الورع دَعًّا.

  2. وإجابة دعوة الوعد جهدًا.

  3. وبلوغ مشاهدة المنّة استبصارًا.

(2) سماع الخاصة:

وهو على ثلاثة أشياء:

  1. شهود المقصود في كل رمز.

  2. الوقوف على الغاية في كل حس.

  3. الخلاص من التلذذ بالتفرق.

(3) سماع خاصة الخاصة:

وهو على ثلاثة أشياء:

  1. سماع يغسل العلل من الكشف.

  2. ويصل الأبد إلى الأزل.

  3. وَيَرُدّ النهايات إلى الأول.

بين يدي السَّمَاع

اليقظة ومعرفة حقيقة الدنيا وبداية طريق البدايات

البدايات: أولها باب اليقظة بأن يعلم الإنسان حقيقة الدنيا، وأنها إلىٰ زوال، ويعلم الإنسان بأنه لا حول ولا قوة إلا باللّٰه، ويعلم الإنسان أنه لا يكون في كون اللّٰه إلا ما أراد، ويعلم الإنسان بأنه يبقىٰ وجه ربنا سبحانه وتعالى ذو الجلال والإكرام بعد تحقق الفناء، فإذا تيقظ الإنسان وعرف هذه الحقائق فإنه يكون مُتهيئًا للدخول في التوبة بأن ينخلع عن المعصية، ثم ينخلع عن السوىٰ -يعني ما سوىٰ اللّٰه- وينظف قلبه حيث لا يرىٰ في الكون إلا اللّٰه، ثم بعد ذلك يحاسب نفسه فيشعر بمنة اللّٰه عليه، ويشعر بأنه مُقَصِّر فيدخل في باب الإنابة ويطبق مقتضىٰ التوبة؛ فالتوبة نظر والإنابة عمل، ويخلع نفسه من دائرة سخط اللّٰه ويدخل في دائرة رضوانه سبحانه وتعالى، ويعمل بمقتضىٰ الوعد والوعيد ثم بمقتضىٰ الشهود، وكذلك يبدأ في التفكر في آلاء اللّٰه ولطائف صُنعِه ثم التذكر، فالتفكر نظر، والتذكر عمل، كالتوبة والإنابة،؛ فإنه يتفكر بمعنىٰ أنه يريد المطلوب، ويتذكر بمعنىٰ أنه يصل إليه، والتذكر رفع الحجاب، والحجاب إنما يحجبك أنت لا يحجب اللّٰه؛ لأن اللّٰه ليس بمحجوب،، أنت المحجوب عن اللّٰه بتلك الحُجُب التي تزول بالذكر وبالتدبر وبالتفكر وبالعبادة وبالاستمرار عليها، كل ذلك يوصلك إلىٰ رفع الحجب حتىٰ تصل إلىٰ التذكر.

مراتب النفوس والحجب والوصول إلى مقام الإحسان

قال أهل اللّٰه: بينك وبين اللّٰه سبعون ألف حجاب، والنفوس سبعة: النفس الأمارة، والنفس اللوَّامة، والنفس المُلْهَمة، والنفس الراضية، والنفس المَرْضية، والنفس المطمئنة، والنفس الكاملة، وفي كل مرحلة من هذه المراحل السبع تسقط الحجب إن أذن اللّٰه لك أن تنتقل من نفس إلىٰ نفس وتترقىٰ من درجة إلىٰ أعلىٰ، حتىٰ تسقط الحجب كلها فتعبد اللّٰه كأنك تراه كما أوصىٰ سيد الخلق في مرتبة الإحسان بأن قال:

«أنْ تَعْبُدَ اللّٰهَ كأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإِنَّهُ يَرَاكَ»

ودائمًا يرشدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم أننا إذا لم نُحَصِّل الشيء بقلوبنا فلنحصله أولا بظواهرنا فينعكس الظاهر علىٰ الباطن ويساعده إلىٰ أن يَمُن اللّٰه علينا به فنصل إليه فقال:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا»

وقال:

«تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أخِيكَ لَكَ صَدَقَة»

فإذا لم تستطع أن تعفو بقلبك وأن تصفح عن أخيك فتبسم في وجهه؛ فبالتبسم تحصل علىٰ العفو في قلبك فترىٰ أن هذا أمر سهل بعد أن كان صعبًا.

أهمية الظاهر في العبادة مع كون المقصود هو القلب والخشوع

فدائمًا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم يرشدنا أيضًا إلىٰ المحافظة علىٰ الظاهر، فالبطّالون الكذابون المنافقون الذين يقولون إنما الأمر أمر القلب،! هؤلاء بطّالون لأنهم لا يعلمون سُنَّة رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم، فالتمسك بالظاهر واجب ولكن ليس هو المراد إنما المراد القلب، فإذا صليت فقد سقط عنك التكليف في الصلاة وسقطت عنك هذه الصلاة فلا نطالبك بها مرة ثانية، لكن ليس المقصِد الركوع والسجود، إنما المقصِد الخشوع والتذكر والتدبر في الصلاة، فماذا يكون إذا صليت بلا خشوع؟ فقدت مراد اللّٰه فيك، أنقول له: لا تُصَلِّ أم نقول له استمر في الصلاة حتىٰ تصل إلىٰ الخشوع فيها؟ بل يستمر في الصلاة إلىٰ الخشوع؛ لأنه مطالب بها سواء خشع أولم يخشع، أما الخشوع فشيء آخر، هو الحضور.

الاعتصام بحبل الله ثم بالله والفرار إليه مع رياضة النفس

بعد ذلك تكلم لنا عن الاعتصام، والاعتصام إما أن يكون الاعتصام بظاهر الشرع وإما أن يكون الاعتصام باللّٰه ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 103]، ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ﴾ [الحج: 78]، ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ ۖ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [الحج: 78]، الاعتصام بحبل اللّٰه يكون أولًا، ثم بعد ذلك يترقىٰ الإنسان فيعتصم باللّٰه، ثم أمرنا أن نفر إليه

﴿فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ﴾ [الذاريات: 50]

فالفرار إلىٰ اللّٰه المسارعة في الخير، ثم بعد ذلك تكلم عن الرياضة وأننا نحاول أن نُقَدِّم إليه سبحانه وتعالى ما نُقَدِّم وقلوبنا وجلة وخائفة علىٰ حد الخوف منه؛ لأن الإنسان ينبغي أن يوازن بين الخوف وبين الرجاء.

السماع كآخر خطوة في البدايات وكونه نعمة لا تشغل عن الله

ثم قال رضي الله عنه في الخطوة العاشرة والأخيرة من كتاب البدايات:

الإنسان إذا أكثر من الذكر بدأ في الدخول في السماع؛ فهي آخر خطوة في أول باب من أبواب المسير إلىٰ اللّٰه (البدايات).

والسماع ينبغي ألا يلفتنا عن مقصودنا فمقصودنا كلنا هو اللّٰه، اللّٰه مقصود الكل.

السماع نعمة، منحة، مِنّة من اللّٰه، والنِعَم ينبغي أن نقابلها بالشكر ولا نقابلها بالانشغال بها عن اللّٰه، نعمة الصحة ونعمة المال والجاه والسلطان والعلم والقوة، كل هذه نِعَم يرزق اللّٰه بها الكافر والمؤمن، فإذا ما رزق بها اللّٰه المؤمن فإنه ينبغي عليه ألا يشتغل بها عن اللّٰه؛ فإن اللّٰه هو المقصود، كذلك نعمة الالتزام فهي من عند اللّٰه، كذلك ما فُتِحَ علىٰ أهل اللّٰه في طريقهم إليه من الأسرار وتفجُّر الأنوار فإنه أيضًا ينبغي ألا يشغلك عن اللّٰه، وهو أمر دقيق يساعدك عليه المرشد إلى اللّٰه بـأن يجعلك تتعدى هذا ولا تلتفت إليه ولا تقف عنده، إنما تستفيد منه.

حقيقة باب السماع والواردات وخطر الالتفات إليها عن الأصل

فباب السماع هو أن ذاكر اللّٰه يبدأ يسمع إما بأذنه وإما بقلبه، وهذا ما يُسَمى عندهم بالواردات، ترد إليه.

إذن لابد علينا ألا نقف عندها وإلا فقد تركنا الأصل، وانشغلنا بالفرع فننشغل، وملتفت لا يصل إلى اللّٰه.

ثاني شيء بعد سماعي لابد أن أستفيد منه في طريقي إلى اللّٰه، حيث إن المؤمن كَيِّس فطن، ذكي يحتال ويأخذ ويقتحم، ولكن للّٰه سبحانه وتعالى وليس للدنيا،.؛ حتى يتقدم في طريق اللّٰه سبحانه وتعالى.

وهذا هو الفرق بين الأدعياء وبين الأولياء.

الابتلاء بالأعداء والأدعياء وضرورة تقييد الطريق بالوحي

نحن الآن ابتُلينا في طريق اللّٰه بطائفتين: الأعداء والأدعياء،

الأعداء يُنكرون الطريق إلى اللّٰه، ويقولون أنهم لم يروا شيئًا، وتقرر عند العقلاء أن فَقدَ الوجدان لا يلزم منه فقد الوجود؛ أنت لم تذهب إلى مكة فهذا ليس دليلًا على عدم وجودها، هذا لا يقول به العقلاء.

وفي الوقت نفسه فإن من جاء وسلك الطريق ثم تشعبت به الطرق وذهب يمينًا ويسارًا وانشغل باللافتات عن اللّٰه، فهذه مصيبة أيضًا، وهو لن يصل كذلك.

فمُنكِر الطريق الذي لا يريد السير لا يصل، والذي سار فَضَلَّ وذهب لا يصل، فكلاهما اشترك في عدم الوصول، فتنبه، فنحن بين الأعداء والأدعياء، ينبغي علينا أن نُحَرِّر أنفسنا من هؤلاء ومن هؤلاء، نحن نريد اللّٰه ونريد تنفيذ أوامره لأنفسنا.

قال اللّٰه ﻷ:

﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ﴾ [الأنفال: 23]

فطريقنا هذا مُقَيَّد بالكتاب والسُنّة، لا حركة ولا سكنة ولا كلمة ولا ذهاب ولا مجيء إلا وله دليل، ولكن أنت الذي لا تريد أن تفهم. كان الشيخ صالح الجعفري رحمه الله يقول: أغلقوا على أنفسهم! أغلق على نفسه الباب ويقول: ماذا بالخارج؟! فماذا نفعل مع هؤلاء.

جواز الاستدلال بالقرآن خارج السياق وكونه مائدة لا تنقضي عجائبها

وهل يجوز الاستدلال في القرآن مطلقًا عن السياق؟ قالوا: نعم، الشافعي فعل ذلك وأبو حنيفة ومالك والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام الباقِلاني. على مر العصور من لدن الصحابة وإلى يومنا هذا وأهل السنة والجماعة يستدلون بالقرآن مطلقا عن السياق، حتى سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فمن أين أخذوها!!

وكلهـم من رســـول اللّٰه ملتمسٌ * غرفًا من البحر أو رشفا من الدِّيَمِ

وواقـفـون لـديــه عنــد حَـدِّهـم * من نقطة العلم أو من شكلة الحكم

فهــو الــذي تَـمَّ معنـاه وصورتـه * ثـم اصطفـاه حبيبـا بارئ النَّسَـمِ

مُنــزَّه عــن شريــكٍ في محـاسنـه * فجوهر الحُسـن فيـه غيـر مُنفصـمِ

فـاقَ النبييـنَ في ِخلـقٍ وفي خُلـقٍ * ولـم يُـدانــوه في علــم ولا كــرمِ

كالزهـر في تـرفٍ والبدر في شرفٍ * والبحـر في كـرمٍ والدهـر في همـم

عليه الصلاة والسلام، كل شخص يؤخذ من قوله ويُرَدّ إلا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم. فقيّدوا طريقهم حتى يرضى عنه اللّٰه، وحتى يقبله اللّٰه بالكتاب والسُنّة، قال الفضيل بن عياض: لا يقبل اللّٰه العمل إلا بالإخلاص والصواب؛ الإخلاص: أن يكون للّٰه، والصواب: أن يكون على سنُّة رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم.

أمثلة نبوية وفقهية على الاستدلال بالآيات خارج سياقها

يروي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللّٰهِ صلى الله عليه وآله وسلم طرَقَهُ وفاطمةَ بنتَ النبيِّ؛ ليلةً فقال:

«ألا تُصلِّيانِ؟»

فقلتُ: يا رسولَ اللّٰه أنفُسنا بيدِ اللّٰه، فإِذا شاءَ أن يَبْعَثنا بَعَثَنا. فانصرَف حينَ قلتُ ذلك ولم يَرجِعْ إليَّ شيئًا، ثمَّ سمعتُهُ وهوَ مُوَلٍّ يضرِبُ فخذَهُ وهوَ يقول:

﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ أَكْثَرَ شَىْءٍۢ جَدَلًۭا﴾ [الكهف: 54]

استدل بالآية في خارج سياقها، سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا هذا، ولذلك استدل العلماء على القياس بقوله تعالى:

﴿فَٱعْتَبِرُوا۟ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ﴾ [الحشر: 2]

بينما هذه الآية جاءت في قضايا أن المسلمين سيهزمون أعداءهم.

﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]

هذه الآية معناها لا تقتلوا أنفسكم أم جاءت في الإنفاق؟ جاءت في الإنفاق، قال تعالىٰ:

﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]

استدل بها أهل السُنّة على خلق أفعال العباد؛ رغم أنها جاءت مع سيدنا إبراهيم في الأصنام وهكذا، فيجوز الاستدلال في خارج السياق لأنه كلام ربنا، ولكن هو

﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ﴾ [الزمر: 67].

التحذير من حصر القرآن في السياق وبيان أنه مأدبة لا تنقضي

الذين يريدون تقييد الكتاب بالسياق يريدون أن يجعلوا القرآن محصورًا تنتهي عجائبه!

«إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدَبَةُ اللّٰهِ فَاقْبَلوا مِنْ مَأْدَبَتِهِ ما اسْتَطَعْتُمْ، إِنّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلُ اللّٰهِ، وَالنُّورُ الْمُبينُ، وَالشِّفاءُ النّافِعُ، عِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ، بِهِ وَنَجاةٌ لِمَنْ تَبِعَهُ، لا يَزيغُ فَيُسْتَعْتَبُ، وَلا يَعْوَجُّ فَيَقومُ، وَلا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ، وَلا يَخْلَقُ مِنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ»

هذا هو الفرق بين العلماء وبين الجهلاء

﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ﴾ [الأنفال: 23]

وتنطبق على كل شيء من ضمنها هذه؛ لأنه كلام رب العالمين وليس من عند بشر، كلام متين

﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ﴾ [فصلت: 42]

ولذلك استدلوا بكل شيء فيه ما دام ليس مخالفًا للأصول: أن اللّٰه واحد وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب وهناك يوم آخر سنعود فيه إلى ربنا للحساب والثواب والعقاب، وأنه أمرَنا بعبادته وبعمارة الدنيا... إلى آخره، هذه الأصول لا أحد يخالفها. ممنــوع.

الرد على شبهة التثليث وذكر صفات الله وسورة الإخلاص

قال أحدهم: إن القرآن يدعو إلى التثليث؛ لأن اللّٰه تعالىٰ -انظر أنطقه اللّٰه فاعترف أنه كلام اللّٰه- يقول: ﴿بسم اللّٰه الرحمن الرحيم﴾.

فماذا تقول له؟! ستضحك وكفى!!!!

أفبعد أن قال:

﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ﴾ [الإخلاص: 1-4].

هناك ست عشرة صفة في آخر سورة الحشر، وقبل ذلك وبعد ذلك من الأسـمـاء والصفات العـدد الكثير!! فهل هذا سماع؟!!! من أين أتى هذا السماع؟

﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾

لو علم اللّٰه خيرًا في أبي لهب لأسمعه كلام رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم، هو سمعه بأذنه، لكنه لم ير رسول اللّٰه. لم يكن ضريرًا! هو رأى فيه يتيم أبي طالب، رأى جسمًا كان قد تربَّىٰ عند أبي طالب، لو كان رأى فيه النبوة لآمن، ولكن توعده اللّٰه وأنزل فيه قرآنًا نتلوه إلى يوم الدين في المحاريب، سورة (المسد)، وذكر اسمه، لم يذكر اسم النمرود ولا اسم فرعون مصر، وذكر اسم أبي لهب، يعني تشديد في الوعيد تشريفًا لرسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم.

قصة أبي لهب وتخفيف العذاب لفرحه بالمولد ومعنى السماع كانتباه

ومع ذلك يخفف اللّٰه عنه العذاب لأنه فرح بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع بمولده فأعتق ثويبة . أفلما سررنا نحن بمقدمه الشريف، ألا يفرح بنا ربنا!!

هذه هي: أغلقوا على أنفسهم؛ ليس هناك أنوار؛

﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: 23]

لكانوا سمعوا الكلام وفهموه، «نكتة السماع حقيقة الانتباه»، يحدث له انتباه، يقول: ربنا على شيء قدير، لا يكون في كونه إلا ما أراد، نسلم ونرضى،؛ لما أصابني بالمنن فمن فضله؛ وإذا أصابني بالمحن يريد أن يرقيني، فيبدأ يرى الأشياء على حقيقتها، انْتَبَهَ، أي بدأ يفهم، أو بدأ يسمع.

تفصيل سماع العامة بين زجر الوعيد ودعوة الوعد ومشاهدة المنة

«وهو علىٰ ثلاث درجات: الدرجة الأولىٰ: سماع العامة: وهو ثلاثة أشياء:

  1. إجابة زجر الوعيد دَعًّا»: إذا خطرت له المعاصي يسمع تقبيحًا لها، فيحصل له نفرة؛ اتضح له أن المعصية مغلفة بالشهوة وأصلها القبح فيدفعها وينزجر.

  2. «وإجابة دعوة الوعد جهدًا»: يحب الصلاة وقيام الليل والذكر وجهاد النفس... إلخ، ويبدأ هذا الحب يسيطر عليه ويشعر به وأنه يعمل أشياء طيبة، وكلما يصلي، كلما يصوم، حتى لو تصدق بكل ما في جيبه فاضطر أن يسير على قدميه ولم يجد ما يركب به، ورغم إنه يعيش في الجهد وفي المشقة إلا أنه يشعر بلذة ويحب المشقة، يحدث له انكشاف حقيقة، الانتباه؛ حيث إنه بدأ ينتبه لمعانٍ لم يكن منتبهًا إليها من قبل.

  3. «وبلوغ مشاهدة المنة استبصارًا»: ويبدأ يرى الحقيقة، وأن كل ما نزل به فهو خير ونعمة والدنيا قد خرجت من قلبه؛ فله في كل محنة منحة.

سماع الخاصة وشهود المقصود في كل رمز والغاية في كل حس

«والدرجة الثانية: سماع الخاصة ثلاثة أشياء:

  1. شهود المقصود في كل رمز»: يسمع عصفورة يقول: ربنا أسمعني العصفورة لكي يقول لي كن رقيقًا مع الخلق ولا تكن عنيفًا، كن رحيمًا ولا تكن قاسيًا، وهكذا، يسمع كل شيء، يجعلها كرسائل مبعوثة إليه من ربه. سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا أن نتأمل في الكائنات، وافهموا،

«جَعَلَ اللّٰهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّىٰ تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ»

يعني يريد سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم أن يعلمنا من كل شيء، ويريد أن نتفاعل مع الكون كله؛ فكل شيء يوصل إلى اللّٰه سبحانه وتعالى.

  1. والوقوف على الغاية في كل حس: يجب أن يسأل الإنسان نفسه في كل شيء يمر به: ما المقصد؟ وما الغاية التي يريدها اللّٰه أن نعيها في هذا الأمر؟ ويبدأ يتدرب أن يرى اللّٰه سبحانه وتعالى في كل شيء.

وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيةٌ * تَدُلُّ عَلَىٰ أَنَّهُ وَاحِدٌ

الخلاص من التلذذ بالتفرق وسماع خاصة الخاصة واكتمال الدائرة

  1. والخلاص من التلذذ بالتفرق: يشعر بأنه مجتمع مع اللّٰه وأنه لا يغيب عنه، ويبدأ يتخلص الإنسان يتلذذ بأنه يكون مع نفسه ولا أحد مطلع عليه، فتذهب هذه الحالة عنه ويحل محلها أنه مع اللّٰه دائمًا، وهذا أحلى من أن تكون مع نفسك لا أحد يراك من البشر، لكن بعد ما تخلصت من الرعونات وتلذذت بالمجهودات يأتي لك شعور بأن اللّٰه معي أحلى؛ الآخر مستحٍ من اللّٰه فنسيه، أما هذا فهو متذكره دائمًا لأنه حبيبه، ومراد المحبوب مطلوب.

«سماع خاصة الخاصة:

  1. سماع يغسل العلل عن الكشف»: هم في الحضرة الإلهية فيزول عنهم كل حجاب؛ لا صلاة ولا صيام، ليس معنى هذا أنهم يتركون هذه الأشياء، ولكن لا صلاة ولا صيام تكون حجابًا، فسيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم قال:

«يَا عَائِشَةُ أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»

يفعل فعل العبد الرباني، اللّٰه يتجلى فيه للكائنات، وهذا إذا رأيته تذكرت اللّٰه.

  1. «ويصل الأبد إلى الأزل»: كل شيء استوى عنده وعرف، تمت الدائرة؛ فهو قد سار فيها إلى أن وصل للبداية فأصبح شخصًا عاديًا! يتألم ويتأوه فيشرب الدواء لأن اللّٰه أشعره بما يستوجب أخذ هذا فنزولًا على إرادة اللّٰه فيه يأخذ الدواء، لا من أجل اعتقاده أن فيه الشفاء بل من أجل تنفيذ مراد اللّٰه.

لماذا أصابني بما أصابني، لكي أتألم، وأتداوى، وأوصل ما معي من رزق الصيدلي إليه، أما الشفاء، فبيد اللّٰه وحده، إرادة ربانية، وأرزاق مسوقة، وأنا موافق ومتلذذ، ولا أتبرم من هذا الأمر، ترى هذا الشخص تجده شخصًا عاديًا من العوام وهو من أهل اللّٰه الكبار؛ فالذي أمر بأخذ الدواء هو اللّٰه، والذي بيده الشفاء هو اللّٰه.

تراه أنت من العوام، وهو من أهل اللّٰه الكبار.

  1. «ويرُدُّ النهايات إلى الأول»: يعني اكتملت الدائرة، وصل إلى النقطة التي منها بدأ، وهذا الذي قاله أبو اليزيد البسطامي: «خُضنا بحرًا وقف الأنبياء على شاطئه» قالوا: أتقول أنك أعلى من الأنبياء؟! قال لهم: أنتم لم تنتبهوا فالأنبياء ذهبوا وجاءوا، أما العوام فلا ذهبوا ولا جاءوا فهم مثل الأنبياء في الوقوف على الشاطئ، وهذا خاض قليلًا في بحر وقف الأنبياء على ساحله بعد الذهاب والعودة.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما التعريف الجامع لباب السماع في طريق السلوك؟

حقيقة الانتباه

كم عدد درجات السماع في طريق السلوك؟

ثلاث درجات

ما أول خطوة في كتاب البدايات في طريق السلوك إلى الله؟

باب اليقظة

ما الفرق بين التوبة والإنابة في طريق السلوك؟

التوبة نظر والإنابة عمل

كم عدد النفوس التي ذكرها أهل الله في مراتب السلوك؟

سبع نفوس

ما مقام الإحسان الذي يصل إليه السالك بعد سقوط الحجب؟

أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك

ما الضابط الذي يحمي السالك من الضلال في طريقه إلى الله؟

تقييد الطريق بالكتاب والسنة

ما شرطا قبول العمل عند الله كما ذكر الفضيل بن عياض؟

الإخلاص والصواب

ما موقف أهل السنة والجماعة من الاستدلال بالقرآن خارج سياقه؟

جائز وقد فعله النبي والأئمة الأربعة

بماذا وصف الحديث النبوي القرآن الكريم في قوله: «إن هذا القرآن مأدبة الله»؟

حبل الله والنور المبين والشفاء النافع لا تنقضي عجائبه

لماذا خُفف عذاب أبي لهب رغم كفره وعداوته للنبي؟

لأنه فرح بمولد النبي وأعتق جاريته ثويبة

ما أول مراتب سماع العامة؟

إجابة زجر الوعيد دعاً

ما الذي يميز سماع خاصة الخاصة عن سائر درجات السماع؟

زوال الحجب كلها ووصل الأبد إلى الأزل واكتمال الدائرة

ما معنى قول أبي يزيد البسطامي: «خضنا بحراً وقف الأنبياء على شاطئه»؟

أن الأنبياء ذهبوا وجاءوا والعوام لم يذهبوا ولم يجيئوا فكلاهما على الشاطئ

ما الحجاب الذي يحجب الإنسان عن الله وكيف يُرفع؟

الحجاب من الإنسان نفسه ويُرفع بالذكر والتدبر والعبادة

ما هي الخطوة العاشرة والأخيرة في كتاب البدايات؟

باب السماع، يدخله الإنسان إذا أكثر من الذكر، وهو آخر خطوة في أول باب من أبواب المسير إلى الله.

ما النفس الأولى والأخيرة في مراتب النفوس السبع؟

النفس الأولى هي النفس الأمارة، والأخيرة هي النفس الكاملة.

ما معنى الإنابة وكيف تختلف عن التوبة؟

التوبة نظر وهي الانخلاع عن المعصية، والإنابة عمل وهي تطبيق مقتضى التوبة بالدخول في دائرة رضوان الله.

ما المقصود بالتذكر في طريق السلوك؟

التذكر هو رفع الحجاب، والحجاب يحجب الإنسان عن الله لا الله عن الإنسان، ويُرفع بالذكر والتدبر والعبادة.

ما الفرق بين الاعتصام بحبل الله والاعتصام بالله؟

الاعتصام بحبل الله هو التمسك بظاهر الشرع وهو الأول، ثم يترقى السالك فيعتصم بالله مباشرة وهو أعلى مرتبة.

ما الواردات في اصطلاح أهل السلوك؟

الواردات هي ما يَرِد على الذاكر إما بأذنه وإما بقلبه في باب السماع، وهي نعمة ينبغي الاستفادة منها دون الوقوف عندها.

ما الطائفتان اللتان يُبتلى بهما السالك في طريقه إلى الله؟

الأعداء الذين ينكرون الطريق إلى الله، والأدعياء الذين سلكوا ثم ضلوا وانشغلوا باللافتات عن الله.

ما شرط الإخلاص وشرط الصواب في قبول العمل؟

الإخلاص أن يكون العمل لله وحده، والصواب أن يكون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بأي آية استدل النبي صلى الله عليه وسلم خارج سياقها رداً على علي رضي الله عنه؟

استدل بقوله تعالى ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾ من سورة الكهف، وهي نزلت في سياق آخر.

على ماذا استدل أهل السنة بقوله تعالى ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾؟

استدلوا بها على خلق أفعال العباد رغم أنها نزلت في قصة إبراهيم مع الأصنام.

ما اسم الجارية التي أعتقها أبو لهب فرحاً بمولد النبي؟

ثويبة، وقد أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، وبسبب هذا العتق خُفف عن أبي لهب العذاب.

ما المقصود بقوله: «في كل محنة منحة» في سياق سماع العامة؟

هو بلوغ مشاهدة المنة استبصاراً، وهو أن يرى السالك أن كل ما نزل به من مصائب هو خير ونعمة من الله.

كيف يرى صاحب سماع الخاصة الكائنات من حوله؟

يراها رسائل مبعوثة إليه من ربه، فيسمع عصفورة فيفهم منها الرفق بالخلق، ويرى في كل شيء آية تدل على الله.

ما معنى الخلاص من التلذذ بالتفرق في سماع الخاصة؟

أن يتخلص السالك من التلذذ بالخلوة مع نفسه بعيداً عن الناس، ويحل محله شعور أحلى وهو أن الله معه دائماً.

ما معنى «يصل الأبد إلى الأزل» في سماع خاصة الخاصة؟

تكتمل الدائرة عند السالك وتستوي عنده الأشياء، فيصبح شخصاً عادياً في ظاهره وهو من أهل الله الكبار في باطنه.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!