اكتمل ✓
الفصل 10

ما معنى التفكر وكيف يُسهم في تزكية النفس وسلوك طريق الحقيقة؟

التفكر هو تلمُّس البصيرة لاستدراك البغية، وهو حركة النفس في المعقولات بحثًا عما يريده القلب. وهو ثلاثة أنواع: فكرة في عين التوحيد، وفكرة في لطائف الصنع، وفكرة في معاني الأعمال والأحوال. وكل نوع منها يُسهم في تزكية النفس وتقريبها من الله بطرق مختلفة.

12 دقيقة قراءة
  • هل تعلم أن التفكر في ذات الله قد يكون ورطة يحذر منها أهل الله ويعلمون طريق الخروج منها؟

  • التفكر في لغة العرب حركة النفس في المعقولات، وهو الباب الخامس في مسيرة تزكية النفس بعد اليقظة والتوبة والمحاسبة والإنابة.

  • أنواع التفكر الثلاثة هي: الفكرة في عين التوحيد، والفكرة في لطائف الصنع، والفكرة في معاني الأعمال والأحوال.

  • التفكر في لطائف الصنع كالماء الذي يسقي بذرة الحكمة في القلب، ويتحقق بحسن النظر في المنن والإجابة لدواعي الإشارات والخلاص من رق الشهوات.

  • التفكر في معاني الأعمال يكشف أسرار الصلاة والصيام والحج، ويُفضي إلى نسبة كل شيء لله وسلوك طريق الحقيقة.

  • اتهام المرسومات الشرعية يعني التعلق بالله لا بالعمل ذاته، وهو ما يميز السالك الحقيقي عمن تعلق بالظاهر كالخوارج.

تقسيم أنواع التفكر الثلاثة في بداية الباب

التفكُّر: تلمُّس البصيرة لاستدراك البغية

(1) فكرة في عين التوحيد.

هي اقتحام بحر الجحود.

لا ينجي منه إلا الاعتصام بضياء الكشف والتمسك بالعلم الظاهر.

يتخلص منها بثلاثة أشياء:

  1. بمعرفة عجز العقل.

  2. بالإياس عن الوقوف على الغاية.

  3. بالاعتصام بحبل الله.

(2) فكرة في لطائف الصــنــع.

هو ماء يسقي زرع الحكمة.

تُدرك بثلاثة أشياء:

  1. بحسن النظر في مبادئ المِنَن.

  2. بالإجابة لدواعي الإشارة.

  3. بالخلاص من رق إتيان الشهوات.

(3) فكرة في معاني الأعمال والأحوال.

هي تسهل سلوك طريق الحقيقة.

يوقف عليها بثلاثة أشياء:

  1. استصحاب العلم.

  2. اتهام المرسومات.

  3. معرفة مواقع الغير.

الانتقال من أبواب اليقظة إلى باب التفكر ومعناه العام

بعد أن بَيَّنَ باب اليقظة وباب التوبة وباب المحاسبة وباب الإنابة.. شرع في الباب الخامس من مائة باب.. يعني في الخطوة الخامسة من مائة خطوة (باب التَّفَكُّر).

«قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]، وقف عند كلمةٍ من كتاب اللّٰه؛ لأنه هو الحق الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ﴾ [فصلت: 42] كلمة اللّٰه سبحانه وتعالى التي سمح لنا أن نتلوها وأن نقرأها وأن نهتدي بهديها.. لم يفهم فقط ولا اقتنع ولا صَدَّقَ ولا آمن ووقف عند الإيمان فحسب بل عاش في قوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يعني علينا أن نتفكر، والفكر في لغة العرب حركة النفس في المعقولات، يعني أن الإنسان يتفكر بعقله، فالفكر له ارتباط بالعقل واللّٰه سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ كأنه يدعونا إلىٰ استعمال العقل، والتفكر لابد أن يكون له موضوع فقال:

«اعلم أن التفكر تَلَمُّس البصيرة لاستدراك البغية»: هذا هو التفكر المطلوب، هذه هي الحركة المطلوبة؛ النفس تدرك الأشياء عن طريق الحواس: السمع، البصر، الشم، الذوق، اللمس... ونحو ذلك- وتدرك الواقع المعيش الذي حولنا من خلالها، فمثلًا العين إذا أرادت أن ترىٰ ما علىٰ يمينها فإنها تتحرك لتنظر: إما أن تتحرك مع ثبات وجهي، وإما أن تتحرك مع حركته أيضًا حتىٰ ترىٰ مساحة أكبر؛ فيلتفت الإنسان عن يمينه حتىٰ يرىٰ فتنقل العين إلىٰ الدماغ هذا المشهد الذي عن اليمين أو هذا المشهد الذي عن اليسار، إذن العين هي منفذ من منافذ النفس المدركة حتىٰ تدرك، والقلب أيضًا له عين..

البصر والبصيرة وبغية القلب في طريق التفكر

قلوبُ العارفين لها عيون * ترىٰ مَا لا يراهُ الناظرون

فما عين القلب؟ البصيرة.

إذن عندنا بصر ينقل المحسوسات ويتعقل فيها، وعندنا بصيرة تنقل للقلب أيضًا بُغيته، فالقلب له بُغية كما أن النفس لها بغية، فإذا كانت النفس تريد إدراك المحسوس من حولها فتتعقله في عالم الأشياء وفي عالم الأشخاص وفي عالم الأحداث وفي عالم الأفكار، فإن القلب له بصيرة تدرك بُغيته؛ حيث تتلفت البصيرة هنا وهناك ولكنها تبحث عن شيء آخر، لا تبحث عن عالم الأشياء والأشخاص وهذه الماديات، لكنها تبحث عن شيء يريده القلب، فماذا تهوى قلوب الصالحين؟ تَلَمُّس البصيرة، وهذا التَلَمُّس فيه حركة وفيه بحث في أنوار.. أسرار.. حكم.. فُهُومات.. عوالم أخرى تجول فيها الفكرة.

«وهو ثلاثة أنواع:

  1. فكرةٌ في عين التوحيد»: البصيرة تبحث عن كُنْه التوحيد؛ فالسالك مشتاق إلىٰ اللّٰه، يريد أن يعرف كل شيء عن ربنا، لكنه لن يستطيع أن يصل إلىٰ شيء؛ لأن هذا التوحيد هو تفكر في ذات اللّٰه؛ فالرب رب والعبد عبد وهناك فارق بين المخلوق والخالق.

إذن هذا الفكر- الذي هو في عين التوحيد- يمثل ورطة نريد أن نخرج منها،

وهذا هو الحاصل، عندما يفكر، يفكر في عين التوحيد.

تجربة أهل الله في عين التوحيد وطمأنة السالك

أهل الله أتوا بهذا الكلام من التجربة ومن الاستنباط؛ انقطعوا عن العالم وربوا أنفسهم واختلوا بذكر ربهم، فإذ بنفوسهم تحدثهم، وقلوبهم تميل، وعين البصيرة تلتمس عين التوحيد.. فسجلوا ذلك في الكتب حتى يقولوا لك- في أثناء سلوكك وقد مررت بما مروا به من قبل- اطمئن عندما تحدث لك هذه الحالة سوف تخرج منها، سوف ترىٰ علاجها وهي لا تؤدي إلىٰ شيء..؛ لا تخف فهي قد حدثت لنا كلنا..؛ إذن هدف التسجيل هنا في الكتاب أنه يعلمنا ويطمئننا أن هذا الأمر عادي، ولكن كيف تخرج منه؟ فأول شيء أن القلب يميل ويهوىٰ ربه، ثم بعد ذلك يبدأ في التفكر والتلمس ويريد أن يجيب عن جميع الأسئلة ويطمئن، قال إبراهيم: ﴿وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: 260]، يبحث في عين التوحيد، ولكن ربنا نجّاه.

  1. «وفكرة في لطائف الصنع»:

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ * تَدُلُّ عَلَىٰ أَنَّهُ وَاحِدٌ

فينظر في كل شيء ويرىٰ اللّٰه وراءه، فيعلم علم اليقين أن هذا الإنسان لا يمكن أن يكون إلا بإله قد خلقه فسواه فأحسن مثواه- يعني من البداية إلىٰ النهاية.

يرىٰ اللّٰه الخالق ويرىٰ اللّٰه بقدرته وحكمته وعِزّته وعلمه وإرادته وكل صفاته برحمته وعفوه- وراء كل شيء.

التفكر في معاني الأعمال والأحوال وأسرار الصلاة

  1. «وفكرة في معاني الأعمال والأحوال»: فيجد نفسه وهو يصلي: الصلاة لها أسرار، وهو يصوم: الصيام له أسرار، وهو يحج: الحج له أسرار، وهو يذكر: الذكر له أسرار، كل سر مختلف عن الثاني، فيتفكر في تلك الأسرار وتنكشف له سرًّا بعد سر؛ فمثلًا وهو قائم يصلي يُشبه الملائكة فيرىٰ أن القيام إنما هو دليل علىٰ التوقير والتعظيم، وأنه بذلك يوقّر ربه ويعظمه ويشتد به ذلك الوقار وهذا التعظيم إلىٰ أن يخر للّٰه راكعًا، ثم يقوم للّٰه تعظيمًا فيخر ساجدًا، وهو ساجد يشعر أنه قد امتزج بالكون وامتزج الكون معه -لأن الكون كله يسجد للّٰه- في السجود، فيقول فيه: سبحان ربي الأعلىٰ، سبوح قدوس رب الملائكة والروح.. يعني تسبيـح، والكـون السـاجد هذا يسبح ربه علىٰ كل حال ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ﴾ [الإسراء: 44]، ﴿يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [الحج: 18]، والكل يسبح ربه وأنت أصبحت ممزوجا في الكون؛ فأنت لست وحدك الذي تسجد ولكن يسجد معك أيضا الجن والملائكة والكون من حولك، ولذلك فإن الكفار عندما يموتون ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29]، لكن المسلم عندما يموت تبكي عليه السماء وتبكي عليه الأرض.

إذن السماء تبكي وتسبح وتسجد... وأنت في هذا الكون متسق معه، هذا سر من أسرار الصلاة ويفتح اللّٰه علىٰ من يشاء بغير هذا، وهناك أشياء لا تستطيع أن تعبر عنها؛ تشعرها وليس لها في اللغة مقابل، ويتقلب العبد فيها.

إعادة ترتيب أنواع التفكر وبيان خطر عين التوحيد

سيأخذهم خطوة خطوة: فكرة في عين التوحيد، وفكرة في لطائف الصنع، وفكرة في معاني الأعمال والأحوال.

«فأما الفكرة في عين التوحيد فهي اقتحام بحر الجحود»: يعني بحر ليس له نهاية ومهلكة لا يُنجِي منه إلا الاعتصام بضياء الكشف: أي بالأنوار التي تنتج من الكشف وهي من عند اللّٰه ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، ﴿وَعَلَّمْنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًۭا﴾ [الكهف: 65] وهذا هو العلم اللدني.

الإمام الغزالي اختلىٰ في المنارة يفكر سنين طويلة ثم توصل إلىٰ أنه لا فائدة إلا بهداية اللّٰه، فألقىٰ اللّٰه في قلبه نورًا، وعلم أن الأمر واضح؛ اللّٰه تعالىٰ خلقني، وأمرني بالعبادة، فالأمر واضح لا يحتاج الأمر إلى كل هذه الدراسة والكتب والتشكيك والرد على التشكيك؛ فنحن نصنع المشكلة ونبحث بعد صناعتها علىٰ حلها، فالأمر يسير ولكن علىٰ من يسره اللّٰه عليه، حيث انكشفت له الحقيقة، وقذف النور في قلبه..؛ فيعلم أن الأمر كله بيد اللّٰه…؛ فعندما تتلمس بصيرتك هذه الأسئلة -حول: اللّٰه، الحياة، الموت، الأرزاق، العلاقات بين الخلق- فإذ بالنور يُبَين لك أن الأمر هين قريب، وأن العبد عبد، والرب رب، وأن هنـاك فـارق بين المخلوق والخالق، وأن اللّٰه سبحانه وتعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ﴾، فنفـىٰ عنـه المثليـة ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورىٰ: 11]، فأثبت له الاطلاع علىٰ كل حال، أو أثبت له هذا التنزيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ﴾ ونفىٰ أن يكون سبحانه وتعالى محجوبًا؛ فاللّٰه لا يحجبه شيء، إنما أنت المحجوب؛ فالحجاب للناظر وليس للمنظور.

التمسك بالعلم الظاهر كقارب نجاة من بحر الجحود

«والتمسك بالعلم الظاهر»: الذي هو التمسك بالعمل الظاهر، تجد ذلك في نظم (الجوهرة) لسيدنا الشيخ اللقاني وشرح الباجوري، و(الخريدة) لسيدنا الشيخ الدردير ت، تقرأ في الخريدة:

أقسامُ حكمِ العَقلِ لا مَحَالَهْ * هي الوجوبُ ثم الاستحالَهْ

ثـم الجـوازُ ثالـثُ الأقْسـامِ * فافهـمْ مُنِحـتَ لذةَ الإفهامِ

وهناك في الجوهرة:

وكل نصٍّ أوهم التشبيهَا * أوِّلْهُ أو فوِّض ورُمْ تنزيها

فهذا أمر سهل جدًا، أن تركب قارب العلم الظاهر حتىٰ تنجو من بحر الجحود، الذي هو البحث في عين التوحيد وهو البحث في كنه اللّٰه؟ ذات اللّٰه؟ كيف اللّٰه؟ متىٰ اللّٰه؟! سبحان اللّٰه!! هذا.. وإما بنور يُلْقَىٰ في القلب.

التفكر في لطائف الصنع كماء يسقي زرع الحكمة

«وأما التفكر في لطائف الصنع فهو ماء يسقي زرع الحكمة»: ﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ﴾ [البقرة: 269]، فالبذرة نضع عليها الماء، ولكنها تريد قبل ذلك تربة توضع فيها؛ فالحكمة بذرة نضعها في القلب ونسقيها بماء التفكر في لطائف الصنع فتنمو، ولطائف الصنع أن تعرف الأشياء بخصائصها ووظائفها وآثارها وفوائدها وأسبابها ومآلاتها ومقاماتها.

تنظر للإنسان وتقول: سبحان من سَوّاك! تنظر للطفل وتقول: لا إله إلا اللّٰه رب العزة يحفظه لا يستطيع أن يتكلم ولا يعمل.. سبحان من رَبَّاه! تنظر إلىٰ أصحاب العجز أو المرض أو الصحة أو القوة، أو تنظر إلىٰ الظَّلَمة والطُّغَاة، أو تنظر إلىٰ المظلومين والمقهورين، أو تنظر إلىٰ الأغنياء أو الفقراء- فتلاحظ فعل اللّٰه فيهم، وكيف أنه وفق هذا، وكيف أنه مَنَّ علىٰ هذا، وكيف أنه حرم هذا من أجل اختبار صبره وكيف أنه.. وهكذا، والتفكر لا ينتهي تفكر في عينيك، في أذنيك، في أنفك، كيف تشم، وفي لسانك كيف تتكلم ﴿مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذَّاريات: 23]، ثم تتفكر في السماء والأرض، في السحاب، وفي المطر.. أشياء لا نهائية ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: 18].

تجربة تعداد النعم في السجود وعجز العبد عن الإحصاء

كنا في أول الطلب نقول عندما نسجد: سبحان ربي الأعلىٰ علىٰ سحابك، سبحان ربي الأعلىٰ علىٰ مطرك، سبحان ربي الأعلىٰ علىٰ شجرك، سبحان ربي الأعلىٰ علىٰ أنهارك، سبحان ربي الأعلىٰ علىٰ بحارك، سبحان ربي الأعلىٰ علىٰ.....؛ فنستمر نصف ساعة ونحن سجود نريد أن نعَدِّدَ النعم فنجدها لا تنتهي..؛ فيشعر الإنسان بعجزه.

«وأما الفكرة في معاني الأعمال والأحوال فهي تسهل سلوك طريق الحقيقة»: فعندما تفكر في الأعمال وفي الأحوال يَسهُل عليك الفناء في اللّٰه؛ أي أنك تخرج عن حد الرسوم، فترىٰ كل شيء حولك زائلًا فانيًا ولا ترىٰ في هذا الكون إلا قدرة اللّٰه سبحانه وتعالى، وكل هذا إنما هو باللّٰه، وتعيش في هذا الجو الذي فيه أن كل الحركات والسكنات وما يحدث في الأكوان من حولنا إنما هو بقدر اللّٰه وفعل اللّٰه ولا فعل للمخلوق في شيء من ذلك، وهذه مرحلة وسط، لكنها تبين الحقيقة، تبين أن اللّٰه علىٰ كل شيء قدير، وتبين أنه ﴿فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16]، وتبين أنه خلقنا وما نعمل، وتبين أشياء كثيرة، ولكن هي مرحلة بعدها مرحلة أخرىٰ، وهي أن تعود لنفسك حتىٰ تُراعي الرسوم الشرعية التي أمرَك اللّٰه بها من صلاة وصيام.. ومن البُعد عن المعاصي والمَنهِيات.

الفناء عن الرسوم ونسبة الأفعال إلى الله في طريق الحقيقة

إذن الفكرة في معاني الأعمال والأحوال ستؤدي بك إلىٰ نِسبة كل شيء للّٰه، والنسبة هذه نِسبة حقيقية، وهو ما سيسهل عليك سلوك طريق الحقيقة الذي هو الفناء عما سوىٰ اللّٰه.

«وإنما يُتخَلَّص من الفكرة في عين التوحيد بثلاثة أشياء:

  1. بمعرفة عجز العقل»: فنحن لا نستطيع بعقلنا -وهو محدود- أن نستوعب غير المحدود.. فهناك عجز للعقل.. له حدود، يفهم، يطبق، يتدبر، يستنتج، لكنه لا يدرك كُنه الحقائق التي هي أكبر منه.

  2. «وبالإياس عن الوقوف على الغاية»: عندما تتيقن أنه لا يمكن التعرف علىٰ كنه اللّٰه سترجع إلىٰ نفسك.

  3. «وبالاعتصام بحبل التعظيم»: لو عرفت أن اللّٰه عظيم حق المعرفة ما بحثت البصيرة عن اللّٰه ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ﴾ [الزمر:67]، ولو كان هناك تعظيم كما ينبغي لعرفت الحقيقة منذ البداية، والذي عطَّل البصيرة عن إدراك ذلك هو أنها ما زالت صغيرة؛ ظنت أنها تعلقت بربنا الكريم، وهو الكريم ولكن ليس ككرم المخلوقين، ربنا خالق السماوات والأرض، فهو سبحانه وتعالى مفارق للأكوان..؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ﴾ [الشورىٰ: 11].

وسائل إدراك لطائف الصنع عبر المنن والإشارات وترك الشهوات

«وإنما تُدرَكُ لطائف الصنع بثلاثة أشياء:

  1. بحسن النظر في مبادي المنن»: دائمًا ترجع إلىٰ المنن التي مَنَّ عليك بها ربك وتحاول أن تتذكرها، منّ عليك بنعمة الإيجاد من العَدم، والإمداد من عُدْم، فأمدك بالحياة والسمع والبصر والكلام والقدرة والإرادة، وعلمك ما لم تكن تعلم ورزقك من الطيبات، ونجاك من ظلمة الكفر إلىٰ نور الإسلام والإيمان من غير حول منك ولا قوة... فلا حول ولا قوة إلا باللّٰه حقًا وصدقًا.

  2. «وبالإجابة لدواعي الإشارات»: كل مِنّة وراءها إشارة، حيث إن اللّٰه سبحانه وتعالى تجلىٰ في هذا الكون بأسمائه وصفاته؛ جعلك سميعًا بصيرًا حتىٰ تلتفت إلىٰ أنه إذا كنت أنت يا عاجز هكذا فما بالك بربك؟ فجعلك قادرًا وفي هذا إشارة إلىٰ قدرة اللّٰه الذي يقول للشيء ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117]، الذي بقبضته السماوات والأرض.

  3. «وبالخلاص من رق إتيان الشهوات»: عندما تُخلص في البعد عن الشهوات يحدث نور في القلب، ولذلك قال أهل اللّٰه: إن قلة الكلام وقلة الطعام وقلة المنام وقلة الأنام. يساعدونك علىٰ ترك الشهوات؛ فمثلًا كلما تصوم كثيرًا تجد النور في القلب، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغْضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» ، الصوم يضيق موارد الشيطان في الدم ومساره ومجراه «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَىٰ الدَّمِ» تضيق عليه بالصوم يعني تخنقه وهو يدعوك إلىٰ الشهوات.

أثر ترك الشهوات في نور القلب والانتقال لمراتب الأعمال والأحوال

بهذه الأشياء تتمكن دائمًا من رؤية لطائف الصنع، والبصيرة تنقل هذا إلىٰ قلبك فيزداد نورًا ويقينًا.

وإنما يوقف بالفكرة على مراتب الأعمال والأحوال بثلاثة أشياء:

  1. «باستصحاب العلم»: تَعَلَّمْ دائمًا، واحذر أن يتحول العلم إلىٰ حجاب؛ إذا اغتررت به، فهو يوصلك إلىٰ ربك إذا أخلصت فيه. إذن لابد كلما تعلمت شيئًا أن تجعله للّٰه حتىٰ يكون نورًا ولا يكون حجابًا، فالعلم يكون حجابًا بينك وبين ربك - إذا ما كان هذا العلم يؤدي بك إلىٰ الغرور والتفاخر والتعاظم والنظر إلىٰ النفس بأنك أصبحت شيئًا مختلفًا عمن حولك، لكن إذا جعلته للّٰه فإن فيه معرفة.

اتهام المرسومات والتعلق بالله لا بالعمل مع مثال النبي

  1. «واتهام المرسومات»: المرسومات نوعان: أشياء شرعية مثل الصلاة والزكاة والصيام وهذه لابد من القيام بها، لكنها تحتاج إلىٰ التعلق بالله لا بها.

يا سائلي عن رسول اللّٰه كيف سها * والسهـو مـن كـل قلب غافل لاه

قــد غــاب عـن كـل شـيء سـره فسها * عما سوى اللّٰه فالتعظيـم للّٰه

يعني سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم وهو واقف يصلي -من شدة تعلقه بربه- حُجِبَ بينه وبين حركات الصلاة فظن الاثنين أربعة؛ هذا لم يحدث لأنه منشغل بالتفكر في الدنيا وأمورها مثلنا، لكن لأنه منشغل بالتفكر في اللّٰه قد غاب عن كل شيء سِرُّه..؛ فالسر درجة من درجات ترقي القلب.

فاتهام المرسومات الشرعية بأن تتعلق باللّٰه الذي من أجله تفعل ولا تتعلق بالفعل؛ لا تنظر إلىٰ أنك تصلي ولا أنك صائم، ولكن انظر أنك تفعل هذا للّٰه وبأمر اللّٰه لأجل أن يرضىٰ عنك، وانظر -من ناحية أخرىٰ- أنه هو الذي أقامك في الصلاة وفي الصيام، ليس ذلك من حولك وقوتك وإرادتك ورغبتك إنما هو من اللّٰه، فاللّٰه الذي خلق الصلاة وخلقك وخلق الصلاة لك، فإذا نظرت هكذا كأنك اتهمت المرسومات.

المرسومات الدنيوية والخوارج مثال التعلق بالظاهر دون الرب

وهناك مرسومات أخرىٰ التي هي العالم حولنا.. مرسومات دنيوية سهل التخلص منها، لكن الذي ليس سهلًا الصلاة والصيام وسائر العبادات، ولذلك فإن كثيرًا من الناس ممن لا يفقهون.. والذين وصفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة ي فقال: «يَخْرُجُ مِنْهُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ» وهم الخوارج صفاتهم هكذا.. تعلقوا بالرسوم ونسوا الرب سبحانه وتعالى.

معرفة مواقع الغير والغيرة لله وخاتمة مراتب الأعمال والأحوال

  1. «وبمعرفة مواقع الغِيَر»: يعني الغيرة للّٰه مثل سيدنا إبراهيم غار للّٰه من الأصنام فحطمها، وكان رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم لا يغضب إلا إذا اِنتُهِكَت حرمات اللّٰه، فإنه حينئذ يغضب الغضبة لا تكون لنفسه ، ومنهم الذي جذبه جذبة شديدة أثرت في عنقه، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللّٰهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً -قَالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَىٰ صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ- ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللّٰهِ الَّذِي عِنْدَكَ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ .

ومنهم من أسمعه كلامًا غليظًا وهو صابر وقد يبتسم ويحلم، أما إذا رأىٰ أن حرمات اللّٰه قد انتهكت فإنه يثور ويغضب ويتمعر وجهه الشريف حُمرة.

إذا وفيت هذه الثلاثة فإنك تكون قد أدركت مراتب الأعمال والأحوال؛ حيث إن الغضب حالة، والرضا حالة، والتوكل حالة، والتسليم حالة...؛ أو بمعرفة مواقع الغَير منك بأن الناس كلهم لا حول ولا قوة بهم، وأن الحول والقوة إنما هي للّٰه.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما التعريف الصحيح للتفكر في لغة العرب؟

حركة النفس في المعقولات

ما الترتيب الصحيح لباب التفكر في مسيرة السلوك؟

الباب الخامس

بماذا شبّه المؤلف التفكر في لطائف الصنع؟

ماء يسقي زرع الحكمة

ما الشيء الأول الذي يُتخلص به من الفكرة في عين التوحيد؟

معرفة عجز العقل

ما الذي يُساعد على الخلاص من رق الشهوات لإدراك لطائف الصنع؟

قلة الكلام والطعام والمنام

ما الخطر الذي يتحول إليه العلم إذا أفضى إلى الغرور والتفاخر؟

يصبح حجابًا بين العبد وربه

ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم للخوارج في الحديث المتفق عليه؟

يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ويمرقون من الإسلام

ما الذي يُشعر به تعداد النعم في السجود؟

عجز العبد عن إحصاء نعم الله

ما الذي يُفضي إليه التفكر في معاني الأعمال والأحوال؟

نسبة كل شيء لله والفناء عما سواه

ما الذي يُشير إليه قوله تعالى ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في سياق الآية؟

الدعوة إلى استعمال العقل

ما الذي يُميز سهو النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة عن سهو غيره؟

كان بسبب انشغاله بالتفكر في الله لا في الدنيا

ما الذي توصل إليه الإمام الغزالي بعد سنوات من الاختلاء والتفكر؟

أنه لا فائدة إلا بهداية الله وأن الأمر يسير على من يسّره الله

ما معنى الإجابة لدواعي الإشارات في إدراك لطائف الصنع؟

رؤية كل نعمة إشارة إلى صفة من صفات الله

ما الذي يُشعر به المصلي في السجود وفق التفكر في معاني الأعمال؟

أنه امتزج بالكون الساجد لله

ما تعريف التفكر عند أهل السلوك؟

التفكر هو تلمُّس البصيرة لاستدراك البغية، أي حركة عين القلب بحثًا عن الأنوار والأسرار والحِكَم التي يريدها القلب.

ما الفرق بين البصر والبصيرة؟

البصر منفذ النفس المدركة ينقل المحسوسات من العالم الخارجي، أما البصيرة فهي عين القلب تنقل إليه بُغيته من أنوار وأسرار لا تُدرك بالحواس.

لماذا تُعدّ الفكرة في عين التوحيد اقتحامًا لبحر الجحود؟

لأن العقل المحدود لا يستطيع إدراك كُنه الله غير المحدود، فيقع السالك في حيرة لا نهاية لها كبحر مهلك لا ساحل له.

ما العلم اللدني وكيف يُنجي من بحر الجحود؟

العلم اللدني هو النور الذي يُلقيه الله في قلب العبد بتقواه، يُبيّن له أن الأمر هين وأن الله ليس كمثله شيء وأن الحجاب للناظر لا للمنظور.

ما الأشياء الثلاثة التي تُدرك بها لطائف الصنع؟

حسن النظر في مبادئ المنن، والإجابة لدواعي الإشارات برؤية كل نعمة دالة على صفة من صفات الله، والخلاص من رق الشهوات.

كيف يُنوِّر الصوم القلب ويُعين على إدراك لطائف الصنع؟

الصوم يُضيّق موارد الشيطان في الدم ومجراه فيُخنقه، ويُحدث نورًا في القلب يُعين على البعد عن الشهوات ورؤية آيات الله في الكون.

ما الأشياء الثلاثة التي يُوقف بها على مراتب الأعمال والأحوال؟

استصحاب العلم مع الإخلاص لله، واتهام المرسومات بالتعلق بالله لا بالعمل، ومعرفة مواقع الغِيَر بالغيرة لله لا للنفس.

ما خطر العلم الذي يتحول إلى حجاب؟

إذا أفضى العلم إلى الغرور والتفاخر والتعاظم والنظر إلى النفس بأنها مختلفة عن الآخرين صار حجابًا بين العبد وربه بدلًا من أن يكون نورًا.

ما معنى اتهام المرسومات الشرعية؟

يعني التعلق بالله الذي من أجله تُؤدى العبادة لا بالعبادة ذاتها، وأن ترى أن الله هو الذي أقامك في الصلاة والصيام لا من حولك وقوتك.

لماذا كان الخوارج مثالًا سلبيًا على التعلق بالمرسومات؟

لأنهم تعلقوا بالرسوم الظاهرة كقراءة القرآن دون أن يتجاوز تراقيهم، ونسوا الرب سبحانه فمرقوا من الإسلام مروق السهم من الرمية.

ما الذي يُفضي إليه التفكر في معاني الأعمال والأحوال في نهاية المطاف؟

يُفضي إلى نسبة كل شيء لله ورؤية كل شيء حوله زائلًا فانيًا، وهو ما يُسهّل سلوك طريق الحقيقة والفناء عما سوى الله.

ما الذي يُميز الغيرة لله عن الغضب للنفس؟

الغيرة لله تكون عند انتهاك حرمات الله كما كان النبي يغضب حينئذ غضبة ليست لنفسه، أما الغضب للنفس فهو ما كان يصبر عليه ويحلم.

ما سر القيام في الصلاة وفق التفكر في معاني الأعمال؟

القيام دليل على التوقير والتعظيم لله، وهو يُشبه قيام الملائكة تعظيمًا لربهم، ويتصاعد هذا التعظيم حتى يخر العبد راكعًا ثم ساجدًا.

ما الذي يشعر به المصلي في السجود من اتصال بالكون؟

يشعر أنه امتزج بالكون لأن الكون كله يسجد لله ويسبحه، فهو ليس وحده الساجد بل يسجد معه الجن والملائكة وكل ما في السماوات والأرض.

ما الإياس عن الوقوف على الغاية وكيف يُعين على تزكية النفس؟

هو اليقين بأنه لا يمكن التعرف على كنه الله، فإذا تيقن السالك بذلك رجع إلى نفسه وتوقف عن الخوض في ما لا طاقة له به، فتستقر نفسه وتتزكى.

ما الذي يُبيّنه التفكر في معاني الأعمال عن علاقة العبد بأفعاله؟

يُبيّن أن كل الحركات والسكنات وما يحدث في الأكوان إنما هو بقدر الله وفعله، وأن الله خلقنا وما نعمل، وأنه فعّال لما يريد.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!