اكتمل ✓
الفصل 6

ما هي شروط التوبة النصوح وكيفية التوبة الصادقة والإقلاع عن الذنوب؟

شروط التوبة النصوح ثلاثة: الندم على الذنب، والاعتذار لله بطلب المغفرة، والإقلاع عن الذنب نهائيًا. ولا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب واستحضاره، مع تعظيم الجناية واتهام النفس في صدق التوبة. وإن تعلق الذنب بحقوق العباد وجب رد المظالم إلى أهلها.

11 دقيقة قراءة
  • هل يكفي الاستغفار وحده للتوبة، أم أن التوبة النصوح تشترط أكثر من مجرد قول أستغفر الله؟

  • التوبة هي أول خطوة عملية في الطريق إلى الله بعد اليقظة، وغير التائب ظالم لنفسه ولمن حوله بنص القرآن الكريم.

  • شروط التوبة النصوح ثلاثة: الندم على الذنب، والاعتذار لله بطلب المغفرة، والإقلاع عن الذنب كليًا.

  • لا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب من ثلاثة جوانب: الانخلاع عن العصمة، والفرح بالذنب، والإصرار عليه.

  • حقائق التوبة ثلاث: تعظيم الجناية، واتهام النفس في صدق التوبة، وطلب إعذار الخليقة وترك الكبر.

  • الاستغفار من الذنوب يكتمل بنسيان الذنب بعد التوبة وفتح صفحة جديدة مع الله، ولو مئة مرة في اليوم.

مدخل إلى اليقظة القلبية وعلاقتها بحقيقة الدنيا

لا تصح إلا بعد معرفة الذنب

وهي أن تنظر فيه إلى:

  1. انخلاعك عن العصمة حين إتيان الذنب.

  2. فرحك عند الظفر به.

  3. قعودك على الإصرار عن تداركه مع يقينك بنظر الحق إليك.

شرائط التوبة:

  1. النــدم.2- الاعتذار.3- الإقـلاع.

حقائق التوبة:

  1. تعظيم الجناية.2- اتهام النفس في التوبة.3- طلب إعذار الخليقة.

سرائر حقيقة التوبة:

  1. تمييز الثقة من الغِرَّة.

  2. نسيان الجناية.

  3. التوبة من التوبة أبدًا.

لطائف أسرار التوبة:

  1. النظر إلى الجناية والقضية فيغرف مراد الله تعالى منها إذ خلاه وإتيانها.

  2. أن يعلم أن طلب نظر البصير الصادق سيئته لم يبق له حسنة بحال لأنه يسير بين مشاهدة الْـمِنَّة وتطلب عيب النفس والعمل.

  3. أن مشاهدة العبد الحكم لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم.

مراتب التوبة:

  1. توبة العوام (لاستكثار الطاعة).

  2. توبة الأوساط (من استقلال المعصية).

  3. توبة الخواص (من تضييع الوقت).

بين يدي التوبة..

اليقظة هي أن يلتفت الإنسان إلىٰ الحقيقة، والسعي إلىٰ الحقيقة يجعله متيقظًا، وحقيقة الدنيا أنها إلىٰ زوال لا تبقىٰ، فإذا عرف الإنسان ذلك عرف أن اللّٰه سبحانه وتعالى هو الباقي وحده، وإذا عرف أن اللّٰه هو الباقي، وأن المخلوق فانٍ في نفسه ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27] فإنه يعلم احتياجه إلىٰ ربه، وأن اللّٰه هو قيوم السماوات والأرض، وأن اللّٰه مخالف للحوادث وأن الرب رب والعبد عبد، وأن هناك فارقًا بين المخلوق والخالق، كل هذا يتضح من اليقظة، والذي يساعد علىٰ اليقظة ومعرفة الحقيقة: استحضار المِنَّة، واستحضار الجناية.. المِنَّة من ربنا، والجناية من أنفسنا وتقصيرنا.

إذا علم الإنسان أن الزمن عرض غير قارّ وأن ماضي الأيام لا يعود، حدثت عنده هِمة في معرفة الحقيقة، وأن الأزمان المتتالية التي تذهب وتجيء ينبغي أن تشغل بالخير لا بالشر.

التوبة كأول عمل بعد اليقظة ووجوبها بنص القرآن

إذا عرف الإنسان ذلك فإنه يبادر إلىٰ التوبة، فالتوبة أول خطوة عملية في الطريق إلىٰ اللّٰه، واليقظة أول خطوة فعلية يستطيع الإنسان أن يتحرك بموجبها؛ لأنه ما دام نائمًا فليس بمكلف، لابد أن يستيقظ فإذا استيقظ وانتبه فإنه يبادر بالعمل فما أول العمل؟ التوبة إلىٰ اللّٰه، فقال:

باب التوبة

قال الله تعالىٰ: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: 11]، إذن غير التائب ظالم؛ ظلم نفسه وظلم من حوله، وظلم كونه الذي يعيش فيه، فلابد من التوبة.

«فأسقط اسم الظلم عن التائب»، إذن فهو ليس بظالم بل هو مهتدٍ.

«والتوبة لا تصح إلا بعد معرفة الذنب»: فيجب أن تعلم مما تتوب.فلابد أن تستحضر الذنب وأن تراجع نفسك وتدرك تقصيرك وتحصر ذنبك.

معرفة الذنب من جهة الانخلاع عن العصمة والتعلق بعصمة الله

وبَيَّن لك معرفة الذنب فقال: «وهي: أن تنظر في الذنب إلىٰ ثلاثة أشياء»- من ثلاثة جوانب:

  1. «إلىٰ انخلاعك عن العصمة حين إتيانه»: عندما ارتكبت الذنب لم يكن هناك توفيق رباني لك بل أخرجك من دائرة العصمة إلىٰ دائرة الغواية؛ لأن اللّٰه لو عصمك ما أوقعك في هذا الذنب ولما استطعت أن تقع فيه، يقول رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم:

«لا يَزْنِي الزاني حينَ يزني وهوَ مؤمنٌ، ولا يَشربُ الخمرَ حينَ يشربُ وهو مؤمنٌ، ولا يَسرِقُ حينَ يسرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا يَنتَهِبُ نُهْبَةً يَرفعُ الناسُ إليه فيها أبصارَهم حينَ ينتَهِبُها وهو مؤمنٌ»

فالذي يرتكب الذنب يرتكبه في حالة هو خارج فيها عن دائرة العصمة، خـارج فيها عن دائرة الرحمة، خــارج فيهـا عن دائـرة نظـر اللّٰه -بمعنىٰ هدايته- فاللّٰه حنَّان منَّان هادٍ لنوره. دائرة إذا وقف الإنسان في ضيائها ونورها عُصِمَ، وإن خرج عنها غَوىَ، وهذا يؤدي إلىٰ معرفة أن الأمر كله بيد اللّٰه، ويؤدي إلىٰ الخبوت للّٰه، وأننا لا نأمن مكره سبحانه وتعالى فنخاف منه علىٰ كل حال، ونتبرأ من حولنا وقوتنا فلا حول ولا قوة إلا باللّٰه، لأنه لو أراد أن يدخلنا في عصمته حتىٰ لا نقع في الذنب لفعـل لكنـه لم يفعـل سبحـانـه ﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]، وكيف نحصِّل هذا؟

التسليم لله ونفي الحول والقوة كأصل في طريق التوبة

تعلم أنك لا تستطيع بحولك وقوتك تحقيق ذلك فيدوم خوف العبد من ربه أبدًا، وهذا أول تدريب للعبد مع ربه: لا ملجأ منك إلا إليك، التسليم، الرضا، التوكل علىٰ اللّٰه..

«إنْ لم يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي»

وفي النهاية يجمع ذلك كله قولك: لا حول ولا قوة إلا باللّٰه، يعني تنفي الحول والقوة عن كل شيء وعن كل شخص وفي كل حال، وتُثبِتها لرب العالمين وحده.

  1. « فرحك عند الظفر به»: عندما تظفر بالذنب تفرح، وأنت تعلم أنه ذنب، فانظر بم تفرح!! هذا يوقفك علىٰ حقيقة نفسك؛ يقول النبي ج:

أَلا ومَنْ كَانَ مِنْكُمْ تَسُوؤُهُ سَيِّئَتُهُ، وَتُسرُّهُ حَسَنَتُهُ فَهوَ مُؤْمِنٌ

؛ فالفـرح بالذنب أعظــم من الذنب.

الفرح بالذنب بين الجهل والاستهانة ودعاء الاستغفار الجامع

والذي يقع منه الذنب بين أمرين: إما أنه لا يعرف أن هذا ذنب، وإما أنه يستهين به، فإذا كان لا يعرف فهو جاهل، وإذا كان مستهينًا فهو فاجر، وكلها صفات نقص.. فنقول في دعائنا:

«الّلهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيْئَتِي وَجَهْلِي. وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي. وَمَا أَنَتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. الّلهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي. وَخَطَئِي وعَمْدِي. وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي. الّلهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ. وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ. وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. أَنَتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ. وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .

أول مراتب العودة والأوبة إلىٰ اللّٰه: ترك الذنب والانخلاع عنه، والتصميم علىٰ عدم العودة لمثله أبدًا؛ إذن أول شيء الاعتراف بالخطأ، أما إذا كنت لست معترفًا بالخطأ فستقول لنفسك: هل أنا فعلت ذنبًا؟! وهذا تسمعه من كثير من الناس ممن قست قلوبهم، فكلامه هذا ذنب، وفيه كِبر وهو لا يدري، فقد وصل إقراره بعدم الذنب إلىٰ الكذب الذي هو ذنب أكبر، هو كاذب؛ لأن الكذب هو مخالفة الواقع.

ترك الإصرار على الذنب وشروط التوبة الثلاثة

  1. وقعودك على الإصرار عن تداركه مع يقينك بنظر الحق إليك: إذن إذا نظرت هذا من نفسك فهنا تصمم علىٰ أن لا تصر عليه، وتتداركه بالتوبة ﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 114]، وتشعر في قلبك بأن الحق ينظر إليك فتستحي منه؛ فإن اللّٰه أولىٰ أن يُستحيىٰ منه.

إذن التوبة لا تصح إلا بعد معرفة الذنب، بأنك قد ارتكبته عند انخلاعك عن العصمة، وألا تفرح إن ظفرت به، ولا تصر عليه، واحمد اللّٰه أن وفقك اللّٰه إلىٰ معرفته هذه المعرفة؛ لأنه قد أذن لك بذلك أن تكون تائبًا؛ لأنه لو عَمّاهُ عليك فإنك لا تتوب توبة نصوحًا. كان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول:

«رَحِمَ اللّٰهُ مَنْ أَهْدَىٰ إِلَيَّ عُيُوبِي»

أي يقول لي: أنت فعلت (كذا) خطأ، حينئذ أبدأ في التوبة، فإذا لم ألتفت إلىٰ هذا فكيف أتوب؟! ومما أتوب؟! وكذلك بعد ما عرفته، لا يتأتىٰ لي الإصرار علىٰ تكراره مع معرفتي له، فأقعد عن الإصرار وأتخلىٰ عنه، وأتداركه ولا أقعد علىٰ الإصرار.

«وشرائط التوبة ثلاثة أشياء: الندم والاعتذار والإقلاع»:

تفصيل الندم والاعتذار والإقلاع والاستغفار من الاستغفار

كلمات بسيطة:

  1. «الندم»: لابد عليك أن تندم، فأول التوبة تبدأ في الندم وتشعر بأنك مخطئ.

  2. «والاعتذار»: تستغفر اللّٰه وتعتذر إليه، أي: تطلب المغفرة.

  3. «والإقلاع»: إذا استغفرت اللّٰه وأنت قائم علىٰ الذنب فهذا فيه استهانة وكذب، فلابد من الإقلاع حتىٰ تكون التوبة نصوحًا... لابد من الإقلاع حتىٰ تكون صادقًا مع اللّٰه... لابد من الإقلاع عن الذنب حتىٰ يُغفر لك.

أهل اللّٰه يوصون بكثرة الاستغفار- والمُكثر من الاستغفار يسرع في تلاوته: أستغفر اللّٰه... أستغفر اللّٰه.. أستغفر اللّٰه.. أستغفر اللّٰه.. أستغفر اللّٰه.. أستغفر اللّٰه، ثم يتنبه أن هذا الاستغفار صدر منه بلا تأمل ولا استحضار ذنب ولا اعتذار، وقد يكون غافلًا عن الإقلاع عما يستغفر عنه، فيستغفرون من الاستغفار!

انتبه..؛ وصل الأمر بهم أنهم قد استغفروا من الاستغفار -ولكن من غير وسوسة- إنما هذا من قوة ومن تأمل وتدبر؛ فقليل العمل علىٰ تأمل وتدبر خيرٌ من كثيره علىٰ استعجال وعدم تفكر، فتقول: أستغفر اللّٰه العظيم، وتستحضرها في قلبك وتعيش فيها، وتعلم أنك تتوب الآن من ذنب، وأنك تقلع من معصية وتنخلع عنها، وتعتذر للّٰه عما بدر منك.

نهاية التوبة بنسيان الذنب وفتح صفحة جديدة مع الله

وفي نهاية التوبة النسيان! فبعدما تتوب وتندم وتعتذر وتقلع عن الذنب؛ انس أنك فعلت ذنبا فتقول: الحمد للّٰه صفحتي بيضاء! هذا يساعدك علىٰ ترك الذنب، وتصبح حريصًا علىٰ ألا تسوّدها مرة أخرىٰ، فالرجوع من العمرة.. الرجوع من الحج.. الخروج من رمضان.. الخروج من صلاة الجماعة.. من صلاة الجمعة... من الصلوات الخمس؛ كل هذا مكفرات للذنوب، فقال العلماء:

الندم في بداية التوبة، ونسيان الذنب في نهايتها..؛ فلا تتشكك في رحمة اللّٰه تعالىٰ بل توقن في قلبك وتعزم وتصر علىٰ أنه قد غفر لك، وما دام قد غفر لك تبدأ صفحة جديدة.

كم مرة تفعل ذلك؟ نبدأ صفحة جديدة مع اللّٰه ولو مائة مرة في اليوم، سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم الذي غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ورفعه اللّٰه مقامًا عليًّا قال:

«إِنَّهُ لَيُغَان عَلىٰ قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللّٰهَ كلَّ يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ»

استغفاره من جنس آخر غير استغفارنا، لكنه يعلمنا الاستغفار الذي يتواءم ويتناسب مع طبيعتنا ورتبتنا؛ فالقلب له بابان: باب مفتوح علىٰ الخلق وباب مفتوح علىٰ الحق سبحانه وتعالى، الباب المفتوح علىٰ الحق تدخل منه الأنوار وتنكشف به الأسرار، والباب المفتوح علىٰ الخلق يتعامل به الإنسان مع الناس في مصالح الدنيا ومشاغلها، وسيد الخلق وإمام المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم أُمر بتبليغ الدعوة من ربه وأرسله اللّٰه رحمة للعالمين وللناس كافة، فهو مأمور أن يتعامل مع الناس.. فكانت الأنوار تدخل من شدة العبادة والتعلق باللّٰه فتُغلِق باب الخلق.. ريح من الأنوار يدخل فيغلق باب الخلق فلا يريد أن يرىٰ أحدًا، يريد أن يعتزل وهذا لا يجوز فهناك رسالة لابد أن يبلغها، فيستغفر اللّٰه سبحانه وتعالى لانغلاق باب الخلق عنده حتىٰ يفتح.

غين الأنوار والأغيار وسهو النبي وتعظيم الله

أما نحن فالأغيار هي التي تغلق باب الحق، وننسىٰ فنتلهىٰ بالأشياء والأشخاص والأحوال والأحداث وننشغل بكل شيء دون اللّٰه؛ فنستغفر أيضًا حتىٰ تدخل الأنوار.. ويُفتح باب الحق.

سيدنا أبو الحسن الشاذلي -واسمه عليّ- استشكل الحديث، فمعنىٰ «يُغان» أن تأتي علىٰ القلب سحابة أو شيء من هذا القبيل!! فرأىٰ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وقال له: يا مبارك غَين أنوار لا غَين أغيار..

غين أنوار حيث دخلت من باب الحق فأغلقت باب الخلق، ولكن لابد عليه صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغ رسالة ربه ويعامل الناس ويبيع ويشتري ويتزود ويحارب...

فالغَين نوعان: غَين أغيار؛ يغلق باب الحق، وغَين أنوار؛ يغلق باب الخلق، وفي كليهما نستغفر ربنا، لأن إغلاق أي منهما يُعْتَبَرُ نقصًا، ومن هذا سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمن اشتغاله بربه وشدة تعلق قلبه به صلى الله عليه وآله وسلم سها في الصلاة -وهذا في الظاهر- حتىٰ يعلمنا عندما نسهو في الصلاة ماذا نفعل، قالوا:

يا سائلي عن رسول اللّٰه كيف سها * والسهـو مـن كـل قلب غافل لاه

قــد غــاب عـن كـل شـيء سـره فسها * عما سوىٰ اللّٰه فالتعظيـم للّٰه

يعني سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الصلاة تعلق قلبه بربه حتىٰ نُسِّيَ عدد الركعات بأمر ربه وإرادته لنتعلم، ولكن نحن تتعلق قلوبنا بكل شيء سوىٰ اللّٰه، مع أنه أقرب إلينا من حبل الوريد.

رد المظالم وحقائق التوبة وتعظيم الجناية على النفس

إذا كان الذنب متعلقًا بحقوق العباد فلابد من رد المظالم إلىٰ أهلها؛ قطعة أرض، أموال... إلخ، وإذا اغتبت أحدًا فادعُ له بالخير، قل: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم احشرنا وإياه مع المصطفين الأخيار، اللهم.. وهكذا، بعد الغيبة مباشرة، ليسدد الحساب مباشرة، فإذا غلط لسانك في أحد فأثْنِ عليه خيرًا واذكره به خصوصًا في المجلس الذي اغتبته فيه وادعُ له؛ لعل اللّٰه أن يرحمنا ويرحمه.

«وحقائق التوبة ثلاثة أشياء»:

«تعظيم الجناية»: فإذا فعلت ذنبًا تشعر أن هناك مصيبة قد وقعت فيها، ففي هذه الحالة ليس هناك كبائر وصغائر، والكبائر والصغائر عند الفقهاء لها ضوابط ومصنفات ووردت بها أحاديث، فلا بأس بذلك، أما من حيث الغفران فيقول أهل اللّٰه: إن الكبائر -في الغفران- كاللَّمَمِ، فلا كبيرة إذا واجهك بفضله، ولا صغيرة إلا عاملك بعدله، يقول ابن المعتز:

خَلِّ الذُّنوب صغيرها وكبيرها ذاك التُّقىٰ

وَاصْنَع كماشٍ فوقَ أرض الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَىٰ

لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَىٰ

خطر صغائر الذنوب وحديث الكلمة التي تهوي بصاحبها

صغيرة وصغيرة وصغيرة تُكَوِّنُ جبلًا، الصغيرة قد تصدر في ظنك فتهوي بك سبعين خريفًا في جهنم، الصغيرة قد تصدر منك فتكون كبيرة لأنه أحاطتها أشياء عكرت الدنيا، يقول رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم:

«إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللّٰهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُ اللّٰهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللّٰهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» .

إذن لكي تندم وتعتذر وتقلع وتصمم وتصر علىٰ ألا تعود لمثلها أبدًا- لابد أن تعظم الجناية، ولا تقول قد ورد في الأحاديث أن النظر يكفره الوضوء، وأنا توضأت كثيرًا وصليت كثيرًا، فكأنك تَمُنّ علىٰ ربك بدلًا من أن تدرك منته عليك، فتكون معكوسًا..!

فلابد للإنسان في أول توبته -إن كانت توبة صادقة- أن يعظم الذنب ولا يستهين به ولا يستحقره.

اتهام النفس في التوبة وطلب إعذار الخليقة وترك الكبر

«واتهام النفس في التوبة»: تتوب وتقول: هل أنا صادق أم لا؟ وتتهم نفسك في التوبة إلىٰ أن يستقر قلبك علىٰ الصدق والعزم.

يعني يتوب ويعلم أنه في المشيئة؛ فإن شاء اللّٰه قَبِلَ توبته إن كانت صادقة، فيكون في تردد وفي خشية وفي وجل وفي خوف يدفعه لأن ينخلع بالكُلية عن الذنب، وأن يندم علىٰ فعله وأن يعزم علىٰ ألا يعود لمثلها أبدًا، وأن يبعد بنفسه عن الذنب هذا، ويستحقر هذا الذنب بمعنىٰ أنه يستقذره ويأباه ويندفع عنه، ولا يستهين به إنما يعظم الجناية ويتهم نفسه في التوبة.

«وطلب إعذار الخليقة»: لا شأن لك بذنوب غيرك، أترىٰ القذاة في عين أخيك وتترك جزع النخلة في عينك؟! لا تقل: أنا أفضل من الناس، فلان هذا أسوأ مني كثيرًا، وفلان يفعل كذا، لا تنظر إلا لمن هو أدون منك، لا شأن لك بخلق اللّٰه، هم معذورون، فالكبر الذي في قلبك يدخلك النار، والأشياء البسيطة التي فعلها هذا الذي تتعالىٰ عليه تكون من الصغائر يوم القيامة فتغفر له بالوضوء والصلاة ويدخل الجنة... هذه هي الحقيقة! فالقضية قضية القلوب، والقلب ما دام معوجًّا فلا فائدة فيه.

فاعذر عباد اللّٰه وظن فيهم خيرًا وظن في نفسك أنك أقلهم وأسوأهم، «وكن مهما قدموك ورا»، وإذا أثنىٰ عليك الناس فلا تغتر وقل: اللّٰه أعلم بالحال، معتقدًا في نفسك أنك أسوأ خلق اللّٰه، وأنك إما أن تكون منافقًا أو تكون مرائيًا.

فلا يحتقر الخلق ولا يتعالىٰ عليهم بتوبته بل يطلب العذر لهم، فإذا رأىٰ المبتلىٰ بالذنب فيقول: الحمد للّٰه الذي عافانا مما ابتلىٰ به كثيرًا من عباده، ولا يتكبر عليهم بتوبته ولا بأن اللّٰه هداه بأن يستقذر هذه الخبائث وهذا الذنب ويمن عليه باستعظام الجناية، فالكل من اللّٰه سبحانه وتعالى، ولذلك دائمًا التائب يطلب إعذار الخلق، فيقول: هو معذور فإن اللّٰه حكم عليه بهذا.

عسىٰ اللّٰه أن يفتح علينا فندخل حضرته لأن الحضرة القدسية ليست مكانًا ولكنها حال يصل إليه المؤمن عندما يخلص نيته للّٰه، عندما يسلك للّٰه غير ملتفت لأحد ويجعل اللّٰه مقصوده ويتبرأ من كل حول وقوة إلا حول اللّٰه وقوته.

إذن علينا بالسير، والطريق طويل، لكنه يسير علىٰ من يسره اللّٰه عليه.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما أول خطوة عملية في الطريق إلى الله بعد اليقظة؟

التوبة

كم عدد شرائط التوبة النصوح؟

ثلاثة

ما الشرط الثالث من شروط التوبة النصوح؟

الإقلاع عن الذنب

ماذا يحكم القرآن الكريم على من لم يتب؟

أنه ظالم

ما الذي يُعدّ أعظم من الذنب نفسه؟

الفرح بالذنب

ما حقائق التوبة الثلاث؟

تعظيم الجناية واتهام النفس وطلب إعذار الخليقة

ما الواجب عند الذنوب المتعلقة بحقوق العباد؟

رد المظالم إلى أهلها

كم مرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله في اليوم؟

مئة مرة

ما معنى غَين الأنوار في القلب؟

دخول الأنوار من باب الحق فيغلق باب الخلق

ما الذي يختم به التائب توبته وفق ما ذكره العلماء؟

نسيان الذنب وفتح صفحة جديدة

ما مراتب التوبة الثلاث؟

توبة العوام والأوساط والخواص

ما الذي يساعد على اليقظة ومعرفة الحقيقة وفق المحتوى؟

استحضار المنة من الله والجناية من النفس

ما الذي يُعدّ نقصًا في القلب يستوجب الاستغفار؟

إغلاق أي من بابَي الحق والخلق

لماذا لا ينبغي الاستهانة بصغائر الذنوب؟

لأنها تُكوّن جبلًا وقد تهوي بصاحبها في جهنم

ما معنى طلب إعذار الخليقة في حقائق التوبة؟

ألا يتعالى التائب على غيره بل يعذر عباد الله

ما أول شرط من شروط التوبة النصوح؟

الندم على الذنب، وهو أول ما تبدأ به التوبة.

لماذا لا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب؟

لأنه لابد أن يستحضر الإنسان ذنبه ويراجع نفسه ويدرك تقصيره حتى يتوب منه، فمن لا يعرف ذنبه لا يستطيع التوبة منه.

ما الفرق بين من يجهل أن فعله ذنب ومن يستهين به؟

الجاهل بأن فعله ذنب يُعدّ جاهلًا، أما من يعلم ويستهين فهو فاجر، وكلاهما صفة نقص.

ما معنى الانخلاع عن العصمة عند ارتكاب الذنب؟

يعني أن الإنسان حين يرتكب الذنب يكون خارجًا عن دائرة التوفيق الرباني، إذ لو عصمه الله ما وقع في الذنب.

ما خطر الاستغفار الغافل الذي يُقال بلا تأمل؟

الاستغفار بلا تأمل ولا استحضار للذنب ولا اعتذار قد يكون مع الغفلة عن الإقلاع، لذا أهل الله يستغفرون من هذا الاستغفار الغافل.

ما الواجب إذا اغتبت شخصًا؟

تدعو له بالخير وتثني عليه خيرًا خصوصًا في المجلس الذي اغتبته فيه، لتسديد الحساب مباشرة.

ما معنى اتهام النفس في التوبة؟

أن يتساءل التائب: هل أنا صادق في توبتي؟ فيبقى في خشية ووجل يدفعه للانخلاع الكامل عن الذنب والعزم على عدم العودة إليه.

ما الفرق بين الكبائر والصغائر من حيث الغفران عند أهل الله؟

يقول أهل الله: لا كبيرة إذا واجهك الله بفضله، ولا صغيرة إلا عاملك بعدله، فالأمر كله متعلق بفضل الله ورحمته.

ما الذي يساعد التائب على ترك الذنب نهائيًا بعد التوبة؟

نسيان الذنب بعد التوبة وقول: الحمد لله صفحتي بيضاء، مما يجعله حريصًا على ألا يعود لتسويدها.

ما توبة الخواص وبم تختلف عن توبة العوام؟

توبة الخواص هي التوبة من تضييع الوقت، أما توبة العوام فهي التوبة لاستكثار الطاعة.

ما الذي يُفسد التوبة ويجعل التائب يتعالى على الخلق؟

الكبر الذي في القلب يُفسد التوبة، فلا ينبغي للتائب أن يتعالى على غيره بتوبته أو بأن الله هداه.

ما معنى لا حول ولا قوة إلا بالله في سياق التوبة؟

تعني نفي الحول والقوة عن كل شيء وعن كل شخص وفي كل حال، وإثباتها لرب العالمين وحده، وهو أساس التسليم لله في طريق التوبة.

ما الذي يُكفّر الذنوب من العبادات اليومية؟

الرجوع من العمرة والحج والخروج من رمضان وصلاة الجماعة والجمعة والصلوات الخمس كلها مكفرات للذنوب.

ما الحضرة القدسية التي يصل إليها المؤمن؟

هي ليست مكانًا بل حال يصل إليه المؤمن عندما يخلص نيته لله ويجعله مقصوده ويتبرأ من كل حول وقوة إلا حول الله وقوته.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!