اكتمل ✓
الفصل 16

ما هي منازل السائرين من اليقظة إلى محاسبة النفس وكيف يسير السالك في طريق العبودية؟

منازل السائرين مائة خطوة تبدأ باليقظة من الغفلة وإدراك حقيقة الدنيا، ثم التوبة والمحاسبة والإنابة والتفكر والاعتصام والفرار إلى الله. محاسبة النفس ركن أساسي في هذا الطريق إذ يبدأ الإنسان بمحاسبة نفسه قبل أن يُعيِّر غيره. الطريق كله مقيد بالكتاب والسنة ويقوم على الذكر والتربية والديمومة في العمل الصالح.

12 دقيقة قراءة
  • كيف تبدأ رحلة السلوك إلى الله وما المنازل التي لا يمكن تجاوزها في طريق العبودية؟

  • منازل السائرين مائة خطوة موزعة على عشرة أقسام، تبدأ باليقظة من الغفلة وإدراك فناء الدنيا.

  • محاسبة النفس فريضة على كل سالك، والنبي حذّر من رؤية القذاة في عين الأخ مع نسيان الجذع في العين.

  • التوبة عن السوى تعني إخراج الدنيا من القلب حتى يستوي عند الإنسان العطاء والمنع فيبلغ الرضا والتسليم.

  • الذكر هو عماد الطريق، وأهل الله حددوا أسماء أصولاً سبعة تُلخص الأسماء الحسنى يلهج بها السالك حتى يلين قلبه.

  • الديمومة في العمل الصالح ولو قلّ هي أحب الأعمال إلى الله، ومن انقطع فلا ييأس بل يبدأ من جديد.

دوام طريق العبودية واقتداء السالك بسيدنا محمد

أخذنا نسير في منازل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين، فهذا هو طريق اللّٰه يبدأ بالعبادة وينتهي بالاستعانة، وطريق اللّٰه سبحانه وتعالى مع مُدة الحياة؛ فليس له بداية ونهاية في هذه الحياة الدنيا بحيث أن الإنسان يصل إلى مرتبة لا تكليف بعدها! بل إنه يعبد ربه حتى يأتيه اليقين، واليقين هو الموت، فطريق اللّٰه سبحانه وتعالى في بدايته وفي نهايته على مُدة حياة الإنسان؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علّمَنا -وهو أسوتنا الحسنة- أنه يعبد ربه سبحانه وتعالى مُدة حياته، فكان كلما رقّاه ربه في مدارج العبودية وعلاّه وفتح عليه فإنه يزداد عبادةً وقياما إلى أن تتورم قدماه ويقول:

«يَا عَائِشَةُ أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»

غفر اللّٰه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وليس له ذنب على الحقيقة- وإنما قربات الأبرار سيئات المقربين- لا قبل النبوة ولا بعدها لأنه كان صلى الله عليه وآله وسلم معصومًا وكان مختارًا من ربه وكان من المصطَفَين الأخيار، بل هو سيدهم وسيد الأنبياء والمرسلين، تعجز الكلمات عن وصف حقيقته فلا يعلم كُنه حقيقته صلى الله عليه وآله وسلم إلا من خلقه، يقول البوصيري في بردته:

دَعْ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَىٰ فِي نَبِيِّهِمُ * وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ

وَانْسُبْ إِلَىٰ ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِن شَرَفٍ * وَانْسُب إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِن عِظَمِ

فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللّٰهِ لَيْسَ لَهُ * حَدٌّ فَيُعْرِبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ

يعني: قل ما شئت وامدح ما شئت؛ فإنك لا تصل عشر معشار ما عليه قدره العظيم صلى الله عليه وآله وسلم.

تقسيم منازل السائرين وبداية منزلة اليقظة

قسَّم الطريق في منازل السائرين إلى عشرة أقسام، وقَسَّمَ كل قسم إلى عشرة أبواب وجعل هذا الطريق في مائة خطوة وقد تكلمنا على عشر منها:

أول الطريق هو أن تتيقظ وأن تعلمَ حقيقة الدنيا، وأنها إلى فناء، إذا لم تعلم هذا، وأن هذه الدنيا فانية، وأنها كما أنها حادثة لها بداية فإن لها نهاية، إذا لم تعلم هذا فأنت نائم، وإذا لم تعلم أنه لا حول ولا قوة إلا باللّٰه، وأنه لا يكون في هذا الكون إلا ما أراد اللّٰه فأنت ما زلت في غفلتك وغفوتك، والنائم لا يُخاطَب لأنك لو خاطبته لا يسمع فلا يستجيب ولا يتحرك حيث إنه غافل، هناك حجاب بينك وبينه وهو النوم؛ إذن فلابد أولًا من اليقظة حتى تسمع وتعلم أن كل الذي حولنا هذا إنما هو من إخراج ربنا؛ فهو

﴿ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ [الأعلى: 2-3]

وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، إذا عرفت ذلك عرفت أنه لا حول ولا قوة إلا به، إذا عرفت ذلك فإنك لا تسأل البشر بل تسأل ربك، إذا عرفت ذلك تعلم أن اللّٰه قد خلق السبب والمسبَّب معًا، وما هي إلا أشياء يُقَدِّرها ربنا ويجريها سبحانه وتعالى، هذا هو أساس المسألة، اليقظة أول شيء.

منزلة التوبة من الذنب والتوبة عن السوى والدنيا

ثم بعد ذلك تأتي التوبة؛ فلابد عليك من أن تنخلع من ذنوبك ومن دائرة المعصية إلى دائرة الطاعة، ومن دائرة الكسل إلى دائرة الهمة، وأن تتوب إلى اللّٰه تعالى إلى أن تصل وتترقى في التوبة إلى درجة التوبة من السوى، أي: ما سوى اللّٰه، فإذا تُبتَ عن المعصية والتزمت بالطاعة فهذه أمور سهلة، ولكن المطلوب الأكبر أن تتخلص من الدنيا وتخرجها من قلبك وتطلقها ثلاثة باتة لا رجعة فيها أو تلاعنها حتى تَحرُم عليك أبدًا فتخرج من قلبك، وكان من دعاء الصالحين «اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا».

كيف التوبة عن السوى؟ التوبة عن السوى تأتي إذا لم تفرح بالموجود ولا تحزن على المفقود، فيستوي عندك العطاء والمنع، فبهذا نصل إلى مرتبة التخلص من السوى، فتصل إلى درجة الرضا والتسليم، فإذا رضيت بقدر اللّٰه وأمره، وسلَّمتَ له سبحانه وتعالى وتركت له الأمر يختار لك،؛ فإنك قد تظن شيئًا لك في الدنيا أنه خيرٌ وهو من قبيل الشر، ويُرَتِّب اللّٰه لك شيئًا آخر يخرجك به من ظلمات الدنيا إلى نور الآخرة، ومن ضيقها إلى سَعَة اللّٰه،؛ فاللّٰه هو الواسع لكن أكثر الناس لا يعلمون، كما قيل في الأثر: «لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع»، فالرضا والتسليم ينتُج من التوبة عن السوى.

منزلة المحاسبة وترك تعيير الناس بالذنوب

وبعد قضية التوبة أتت المحاسبة «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا» ، يقول رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم:

«يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ القَذَاةَ في عَيْنِ أَخِيهِ، ويَنْسَىٰ الجِذْعَ في عَيْنِهِ» !

فلابد على الإنسان أن يبدأ بنفسه في المحاسبة ويُدينها. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر التغيير يقول:

«وابْدَأْ بمنْ تَعُولُ»

ابدأ بمن عندك المسئولية عليهم، لكن كثيرًا من الناس يرى القذاة في عين أخيه ويدَع جذع النخلة في عينه! وهذه مصيبة كبرى وبَلية سيحاسب عليها الإنسان في الدنيا والآخرة، ويقول رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم:

«مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّىٰ يَعْمَلَهُ»

هو أمرنا بالستر فقال:

«وَيْلَكَ يَا هَزَّالُ لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ»

فإذا تكبر الإنسان على أخيه بذنب ارتكبه فإن اللّٰه لا يميته حتى يرتكبه؛ فاللهم سَلِّمْ سَلِّمْ، فإذا رأيت هذا في الناس فقل الحمد للّٰه -بينك وبين نفسك وليس في وجه أخيك- الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من عباده، فإن كثيرًا من عباده قد ابتلي حتى إنه لا يستطيع أن يعود إلى اللّٰه

﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ﴾ [الأنفال: 24].

منزلة الإنابة وتعريف التقوى وترك صغائر الذنوب

فالمحاسبة تساعد علىٰ الإنابة وهي الخطوة الرابعة، والإنابة تطبيق للتوبة، فإذا كانت التوبة نظر فالإنابة عمل، وإذا كانت التوبة علم فالإنابة فعل

﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ﴾ [الروم: 31]

والتقوىٰ: الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل، والتقوىٰ في الواقع: أن تُخلي الذنوب كبيرها وصغيرها،

خَلِّ الذُّنوب صغيرها وكبيرها ذاك التُّقىٰ

وَاصْنَع كماشٍ فوقَ أرض الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَىٰ

لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَىٰ

فالإنسان يستهين بصغيرة وصغيرة وصغيرةٍ، وهو لا يشعر، و«إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللّٰهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُهُ اللّٰهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللّٰهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» .

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا﴾ [البقرة: 143]

يعني عالية المقام.

التفكر والتذكر والاعتصام والفرار حتى حال السماع

وبعد الإنابة يأتي التّفَكُّر ومعه التّذَكُّر، والفرق بينهما أن التفكر هو التشوف إلى المطلوب، والتذكر هو رفع الحجاب عنه والوصول إليه، كالفرق بين التوبة والإنابة، فهذا عمل وهذا علم.

ثم بعد ذلك تكلم عن الاعتصام وقال إنه اعتصامٌ باللّٰه، والاعتصامُ بحبل اللّٰه يبدأ أولاً بحبل اللّٰه ثم يترقى إلى الاعتصام باللّٰه.

ثم الفرار إلىٰ اللّٰه، والرياضة، حتى يدخل في حال السماع، سماع الوارد، ومعنىٰ سماع الوارد أنه قد وصل إلىٰ الباب.

فإذا فُتِحَ الباب -فاللهم افتح علينا فتوح العارفين بك- فهو وربه؛ يفتح اللّٰه عليه ما شاء بما شاء أنى شاء كيف شاء.

ولذلك فقد انتهى كلامنا عند هذا؛ فإن الإنسان إذا وصل إلى الباب وفُتِحَ له- لا يأخذ منا بل نأخذ منه.

دعوة عملية لبدء السير بالمنازل من اليقظة إلى السماع

فلابد علينا أن ننتفع بما قد استمعنا إليه وعلمناه ونبدأ فيه؛ فنوقظ أنفسنا من الغفلة وندرك حقيقة الدنيا، ونتوب، ونحاسب أنفسنا، فننيب إليه سبحانه وتعالى فلا ملجأ منه إلا إليه، ثم بعد ذلك نتفكر، ونتذكر، وعلينا بعد ذلك بالرياضة، وبالفرار، حتى نصل إلى السماع، فإن نحن فعلنا ذلك فنرجو اللّٰه أن ينفعنا بما سمعنا، وإن نحن لم نفعل فلا ينفعنا من بعد ذلك من شيء.

تقييد طريق السلوك بالكتاب والسنة والذكر والتربية

هذا الطريق مُقَيَّد بالكتاب والسُنّة، مُقَيَّد بالعلم والعمل ولا يصلح فيه التمني ولا الدعاوي والادعاء، بل هو محض ذكر وتربية وخلوة حتى لو كانت في الجلوة، ذكرٌ يبدأ فيه الإنسان بذكر اللّٰه ويُكثِر منه حتى يُعَد من الذاكرين اللّٰه كثيرًا والذاكرات، ويترقى فيه.

تقسيم الأسماء الحسنى إلى جمال وجلال وكمال

وأهل اللّٰه لهم سبعة أسماء أصول، قالوا: إنها تُلَخِّصُ الأسماء الحسنى الواردة في القرآن، والأسماء الحسنىٰ الواردة في القرآن حقيقتها هي تربية الإنسان؛ لأن منها ما هو للتَخلُّق كالرحمن الرحيم الرءوف العفو الغفور، ومنها ما هو للتَعَلُّق كالعظيم الجليل الجبار المتكبر، ومنها ما هو للكمال بعد الجمال والجلال كلفظ اللّٰه، فإن اللّٰه وحده لا شريك له هو الذي تتعلق به القلوب، وهو محل السؤال، وهو سبحانه وتعالى مقصود الكل.

عظمة لفظ الجلالة الله واتساق عبادة المسلم مع الكون

اللّٰه لفظة شريفة عجيبة تدل بكلها على الذات العَلِيَّة، اللّٰه هو الذات الواجب الوجود المُستَحِق لجميع المحامد

﴿ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ [الأعلىٰ: 2-3]

والذي يستحق منا العبادة والخضوع والسجود.

لا أحد يسجد في الأرض الآن لربه إلا المسلم، وهذا من علامات صِحَةِ هذا الدين، فنحن الذين أسلَمنا وجوهنا للّٰه وخضعنا وخشعنا واستجبنا وأدينا صلاتنا، وفيها كل ما تؤديه الملائكة من عبادة لربها، فالكون يذكر وأنت تذكر، والكون يسجد وأنت تسجد، فأنت متسق مع الكون لربك.

الأصول السبعة من الأسماء الحسنى ودورها في تليين القلب

قال أهل اللّٰه: إن أسماء اللّٰه الحسنى في القرآن وهي مائة وخمسون اسمًا أو تزيد قليلًا، منها ما هو للجمال، ومنها ما هو للجلال، ومنها ما هو للكمال، تتلخص في سبعة، وهي مستقاة من (لا إله إلا اللّٰه): (اللّٰه)، (هو)، (لا إله إلا هو)، (الحيّ القَيُّوم)، (الحق)، (القهار)، وأن هذه السبعة يلهج بها بادئ الطريق فتساعده كثيرًا على تخطي العقبات وعلى الاشتغال بالذكر؛ حتى يلين قلبه لذكر اللّٰه فيذكر حتى من غير لسانه؛ لأن هناك ذكر باللسان وذكر بالجنان وذكر بهما وهو أعلىٰ الذكر.

منهج أهل الله في تعليم الذكر وتغير أحوال الناس

فالإنسان إذا أراد أن يبدأ مع اللّٰه مستفيدًا بتجارب أولياء اللّٰه الدالين على اللّٰه الذين جعلوا الكتاب والسنة ديدنهم، وجعلوا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أسوتهم- فإنهم يرشدونه إلى طريق فيه ذكر كثير.

في القديم -قبل هذا العصر النَّكِد الذي نعيش فيه- وكان أهل اللّٰه يضعون أرقامًا لكل اسم، يقول لك اذكر «لا إله إلا اللّٰه» ألف مرة، أو ثلاثين ألف مرة اللّٰه، أو اذكر «اللّٰه» سبعين ألف مرة، وهكذا، لكن تغير الأمر من أكثر من مائة عام لما اشتدت الظلمات وتسارع الناس في الدنيا دون الآخرة، قالوا: كنا في القديم نسير في الشارع نجد ثلاثين وليًا، الآن نلتفت في المساجد فنجد ثلاثين شيطانًا.

فإنا للّٰه وإنا إليه راجعون، ولكن علينا أن نبدأ بأنفسنا فنعيبها.

نعيبُ زماننا والعيب فينا * وما لزمانِنا عَيب سِوانا

البدء بالنفس وطريقة إتمام مائة ألف ذكر لكل اسم

قال صلى الله عليه وآله وسلم:

«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ»

وتقول في نفسك: أنا القبيح؛ فيجب أن أبدأ بنفسي فأذكر اللّٰه؛ قالوا: اقرأ كل اسم مائة ألف مرة، كيف؟

فقالوا: لا تقرأ مائة ألف مرة واحدة، ولكن كل يوم تقرأ ما تيسر ألفين ثلاثة حتى تكمل المائة ألف، ثم تنتقل إلى الاسم الذي بعده. وهكذا، حتى تنتهي من السبعة، الأصول.

إضافة الشيخ عبد القادر الجيلاني للأسماء الستة وتقسيم الأصول والفروع

جاء الشيخ عبد القادر الجيلاني في القرن السادس الهجري، وأضاف لهم ستة: الواحد، العزيز، المهيمن، الودود، الوهاب، الباسط.

لماذا؟! قال: لأن حال الناس قد تغير حالهم ولم تعد السبعة تكفي. فصارت ثلاثة عشر اسمًا يذكر بها المريد السالك.

إذن أصبح عندنا ما يسمى: الأصول، وهي بمثابة العواميد والأساسات، وما يسمى: الفروع، وهي بمثابة البنيان.

مشروعية تحديد عدد الأذكار بأحاديث المائة مرة

هل يجوز هذا العدد؟

النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:

«مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللّٰهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فِى يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُمْسِي، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ»

«من قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللّٰهِ وَبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ. إِلاَّ أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» .

فأصبحت مفتوحة، لا حصر فيها.

جواز الذكر بأسماء الله الحسنى والاسم المفرد الله

هل يجوز أن يذكر بأسماء اللّٰه الحسنىٰ؟

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180].

هل يجوز أن نذكر بالاسم المفرد: اللّٰه؟

﴿قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91].

روىٰ مسلم عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّٰهِ صلى الله عليه وآله وسلم:

«لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَىٰ أَحَدٍ يَقُولُ: اللّٰهُ اللّٰهُ»

هكذا يقول رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم، إذن كان يقال في الأرض: اللّٰهُ اللّٰهُ.

التحذير من الصد عن الذكر والحث على الإكثار منه

هذا هو الكتاب والسنة؛ إذن علينا أن نفهم وأن نعي؛ لأن كثيرًا من الناس -والعياذ باللّٰه- يتمسحون بسنة رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم لا على طريقة السلف الصالح ويصدون الناس عن الذكر، والقرآن ثلاثة أرباعه يأمر بالذكر حتىٰ سُمِّيَ القرآن ذكرًا، ولكن ماذا نصنع في قلوب قد قست وأناس قد أغلقوا علىٰ أنفسهم طريقًا فتحه اللّٰه لهم؟!

الْهَجُوا بالذكر في كل مكان فإن الذكر هو بداية الطريق والعمل، ثم بعد ذلك إذا ما انتهينا من هذا ذكرنا بأسماء اللّٰه الحسنى الواردة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه الترمذي بتلك الرواية المشهورة التي نتلوها ويحفظها كثيرٌ منا.

اختيار الاسم المناسب للذكر وضبط العدد اليومي

ثم بعد ذلك نسير على اسم من الأسماء نجد فيه قلبنا، فكل واحد يجد قلبه في اسم من الأسماء يستمر عليه إما من الأصول أو الفروع أو الأسماء الحسنى، ولا يزيد عن خمسة آلاف في اليوم حتى يذكر متأنيًا.

ويدخل بعد ذلك في التربية فيضع نفسه وشهواته تحت قدمه، وكلما أمرته نفسه بشيء أبى وتأبى عليها ورفض وخالفها ويجتهد حتى يجهد نفسه، فإنه يجد لذة في قلبه لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها.

أهمية الديمومة في العمل الصالح وعدم اليأس من الانقطاع

وأساس كل ذلك الديمومة والدوام؛ «فكان عمل سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم ديمة» ، عَنْ عَائِشَةَ رضي اللّٰه عنها أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَىٰ اللّٰهِ؟ قَالَ:

«أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»

فإن انقطعت فلا تيأس، وابدأ مرة ثانية وثالثة وعاشرة ومائة إلى أن تصل إلى الديمومة.

مركزية النبي كوسيلة إلى الله والعيش معه بالمحبة

لا تيأس، استحضر رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم معك وعِش معه في هذه الدنيا؛ فإنه بابك إلىٰ اللّٰه، وانسدت كل الطرق إلىٰ اللّٰه إلا من قِبَلِه صلى الله عليه وآله وسلم، عِش معه بحب، عِش معه بتعظيم وإجلال؛ فإنه هو الواسطة التي ارتضاها اللّٰه سبحانه وتعالى أن تكون بينك وبينه، ليست واسطة عبادة إلا من قبيل الوحي، فاللّٰه لا يكلمك إلا عن طريق نبيه صلى الله عليه وآله وسلم

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ﴾ [الشُّورىٰ: 51]

ولكن من غير هذه الواسطة لا تكون، إنما هو وسيلتك إلىٰ ربك، وليست هناك وسيلة أخرىٰ إلىٰ اللّٰه

﴿وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]

فوسيلتنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم نَتّبِع سُنَّته ونسير على نهجه ونتعلم تعليمه ونفعل فعله،؛ فيرضىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى قطعًا من غير تردد ولا شك ولا رِيَبٍ.

عظمة سيدنا رسول الله ونعمة الانتساب لأمته

سيد الكائنات، أحلىٰ عباد اللّٰه، أجمل الخلق أجمعين خُلُقًا وخَلْقًا ظاهرًا وباطنًا، سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم كنز، وفقك اللّٰه من غير حول منك ولا قوة أن تكون من أتباعه، من غير بحث ولا مجهود، فكيف تُهدِر كل ذلك؟! اتق اللّٰه وعُد.

التربية والخلوة بإذن الشيخ وطلب الصحبة الصادقة

فإن انتهيت من التربية - وعلامتها: أن تضع نفسك تحت قدمك؛ فإنك تدخل الخلوة ولا تكون إلا بإذن الشيخ، فإذا فقدت الشيخ فليس هناك خلوة، وعليك بأن تصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم دائمًا وأبدًا حتى يوفقك اللّٰه سبحانه وتعالى للشيخ المرشد

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

فالمعية هنا تستوجب أن تكون مع مرشد يرشدك إلى اللّٰه، وفي صحبةٍ تدلك عليه سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تحنَّثَ الليالي ذوات العدد في غار حراء.

طلب هداية الرب عند فقد المربي وخاتمة بالصلاة والآيات

وإذا فقدت المرشد طلبت «هداية ربي عند فقد المربي» وهذا يتأتي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم لا أقل من ألف مرة حتى تعيش معه صلى الله عليه وآله وسلم لعله أن يكون مُرشِدَك، ومن كان رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم مُرشِده فقد وصل إلى الغاية العليا.

فاللهم يا ربنا صَلِّ على سيدنا محمد في الأولين وصَلِّ عليه في الآخرين وصَلِّ عليه في العالمين وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد للّٰه أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا

﴿سُبْحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [الصافات: 180-182].

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كم عدد المنازل التي قسّمها الهروي في منازل السائرين؟

مائة منزلة

ما أول منزلة في منازل السائرين؟

اليقظة

ما معنى التوبة عن السوى في منازل السائرين؟

إخراج الدنيا من القلب حتى يستوي العطاء والمنع

ما الحديث النبوي الذي يحذر من تعيير الأخ بذنبه؟

من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله

ما الفرق بين التفكر والتذكر في منازل السائرين؟

التفكر تشوف إلى المطلوب والتذكر رفع الحجاب عنه

ما عدد الأسماء الأصول التي تلخص الأسماء الحسنى عند أهل الله؟

سبعة

ما الأسماء الستة التي أضافها الشيخ عبد القادر الجيلاني للأصول السبعة؟

الواحد العزيز المهيمن الودود الوهاب الباسط

ما الحد اليومي الموصى به للذكر حتى يذكر الإنسان متأنياً؟

خمسة آلاف

ما أحب الأعمال إلى الله وفق الحديث النبوي الصحيح؟

أدومها وإن قلّ

ما الدليل القرآني على جواز الذكر بأسماء الله الحسنى؟

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

ما علامة انتهاء مرحلة التربية عند السالك؟

أن يضع نفسه وشهواته تحت قدمه

ما الذي يفعله السالك عند فقد الشيخ المرشد؟

يكثر من الصلاة على النبي لا أقل من ألف مرة يومياً

ما تعريف التقوى الوارد في المحتوى؟

الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل

ما الطريقة العملية لإتمام مائة ألف ذكر لكل اسم من الأصول؟

قراءة ألفين أو ثلاثة آلاف يومياً حتى يكتمل العدد

ما الذي يميز الذكر بالجنان عن الذكر باللسان؟

الذكر بالجنان هو أعلى مراتب الذكر

ما معنى اليقظة في منازل السائرين؟

اليقظة هي أن يعلم الإنسان حقيقة الدنيا وأنها فانية وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا لم يعلم ذلك فهو نائم غافل لا يُخاطَب.

ما الفرق بين التوبة والإنابة؟

التوبة علم ونظر، والإنابة عمل وفعل؛ فإذا كانت التوبة هي الإقرار بالرجوع إلى الله فالإنابة هي التطبيق الفعلي لذلك.

ما معنى قربات الأبرار سيئات المقربين؟

يعني أن ما يُعدّ حسنة عند الأبرار يُعدّ تقصيراً عند المقربين لعلو مقامهم وشدة قربهم من الله.

ما الأسماء السبعة الأصول المستقاة من لا إله إلا الله؟

هي: الله، هو، لا إله إلا هو، الحي القيوم، الحق، القهار، وهي تلخص الأسماء الحسنى وتساعد السالك على تخطي العقبات.

ما فضل قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة مرة في اليوم؟

كانت له عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي.

لماذا أضاف عبد القادر الجيلاني ستة أسماء للأصول السبعة؟

لأن حال الناس قد تغير ولم تعد السبعة تكفي، فأضاف: الواحد، العزيز، المهيمن، الودود، الوهاب، الباسط، فصارت ثلاثة عشر اسماً.

ما الدليل على جواز الذكر بالاسم المفرد الله؟

قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾، وحديث مسلم: «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله».

ما الأقسام الثلاثة للأسماء الحسنى؟

أسماء الجمال للتخلق كالرحمن الرحيم الغفور، وأسماء الجلال للتعلق كالعظيم الجبار، وأسماء الكمال كلفظ الجلالة الله.

ما شرط دخول الخلوة في طريق السلوك؟

الخلوة لا تكون إلا بإذن الشيخ المرشد، فإذا فقد الشيخ فليس هناك خلوة وعلى السالك الإكثار من الصلاة على النبي.

ما معنى حال السماع في منازل السائرين؟

سماع الوارد يعني أن السالك قد وصل إلى الباب، فإذا فُتح له فهو وربه يفتح الله عليه ما شاء بما شاء أنى شاء.

كيف يكون المسلم متسقاً مع الكون في عبادته؟

لأن الكون كله يذكر الله ويسجد له، فالمسلم حين يذكر ويسجد يكون منسجماً مع الكون في تسبيحه وخضوعه لله.

ما الدعاء المأثور عن الصالحين في شأن الدنيا؟

«اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا»، وهو يعبر عن التوبة عن السوى وإخراج الدنيا من القلب.

ما خطر الاستهانة بصغائر الذنوب؟

إن العبد قد يتكلم بكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في جهنم، والجبال من الحصى فلا تُحقَّر صغيرة.

ما الأثر المأثور في شأن الرضا بالقدر؟

«لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع»، ومعناه أن الله يرتب للعبد ما هو خير له وإن ظنه شراً.

ما الطريق إلى الله عند فقد الشيخ المرشد؟

يطلب السالك هداية ربه عند فقد المربي بالإكثار من الصلاة على النبي لا أقل من ألف مرة يومياً، ومن كان النبي مرشده فقد وصل إلى الغاية العليا.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!