كيف أتوب إلى الله من جميع الذنوب وهل يقبل الله التوبة من الذنب المتكرر أكثر من مرة؟
نعم، يقبل الله التوبة من جميع الذنوب في أي وقت وأكثر من مرة، واليأس من رحمته كفر. التوبة الصادقة تقوم على ثلاثة أسرار: تمييز الثقة بالله من الغرور، ونسيان الذنب بعد تعظيمه، والتوبة من التوبة ذاتها لاتهام النفس في إخلاصها. وعلامة قبول التوبة أن يجد العبد نفسه منتظمًا في الصلاة والذكر وفعل الخير بعد أن كان ذلك عسيرًا عليه.
- •
هل تعلم أن الفرق بين الثقة بالله والغرور في التوبة خط رفيع قد يقع فيه كثير من التائبين دون أن يشعروا؟
- •
اليأس من رحمة الله والقنوط من مغفرته كفر، ولذلك يُعدّ نسيان الذنب بعد التوبة منه ركنًا من أركان سرائر حقيقة التوبة.
- •
تجديد التوبة واجب يومي مستمر لأن قوله تعالى ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا﴾ يتلى كل يوم ويشمل كل مؤمن.
- •
ربما يكون الذنب الذي أوقعك فيه الله خيرًا لك من طاعة أورثت كبرًا، لأن الانكسار والذل لله يرفع الدرجات يوم القيامة.
- •
علامات قبول التوبة تظهر في انتظام العبد في الصلاة والذكر والصيام وفعل الخير بعد أن كانت هذه الأمور عسيرة عليه.
- •
قصص السلف الصالح كعمر بن الخطاب والرجل الذي استغفر عشرين سنة تكشف عمق فهمهم لأسرار التوبة وتجديدها.
- 1
أول أسرار التوبة تمييز الثقة بالله الممدوحة من الغرور المذموم، فالله متفضل بقبول التوبة ولا حق لأحد عليه.
- 2
نسيان الذنب بعد التوبة ركن من أسرارها لأنه يدفع اليأس من رحمة الله الذي هو كفر، ويحفظ بياض صفحة التائب.
- 3
التوبة من الذنب المتكرر تستلزم التوبة من التوبة ذاتها باتهام النفس في إخلاصها، والله يقبل التوبة مهما تكررت.
- 4
تجديد التوبة واجب يومي مستند إلى قوله تعالى ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا﴾ التي تتلى كل يوم وتشمل كل مؤمن.
- 5
اللطيفة الأولى في التوبة: فهم حكمة الله في عدم العصمة من الذنب، إذ ربما أراد به كسر النفس وإبعادها عن الكبر.
- 6
الذنب الماضي يمكن أن يتحول إلى حسنة بالانكسار والذل لله، لأن الله يبدل السيئات حسنات لمن فهم مراده وتاب.
- 7
الله يخلي العبد والذنب ليعرف عزته وستره وحلمه، والخوف من الفضيحة بعد التوبة يزول بمعرفة أن الله ستر العبد كرمًا.
- 8
قصص السلف الصالح كعمر بن الخطاب تؤكد أن الله لا يفضح عبده بأول معصية، وأن ستره ورحمته أوسع مما يُتصور.
- 9
علامات قبول التوبة انتظام العبد في العبادة بعد أن كانت عسيرة، وهي دليل على رضا الله وكرمه في قبول المعذرة.
- 10
فهم مراد الله من الابتلاء بالذنب يجعل المؤمن خاضعًا راضيًا مشتاقًا للتوبة، عارفًا أن الله لا يظلم أحدًا.
- 11
اللطيفة الثانية: التائب البصير الصادق يسير بين مشاهدة منة الله وتطلب عيب نفسه، راضيًا عن ربه حتى في الابتلاء.
- 12
اللطيفة الثالثة: مشاهدة الحكم الرباني تُوجب الرضا في الطاعة والمعصية، مع الحفاظ على الفرق الجوهري بين الحسنة والسيئة.
- 13
درجات السالكين ثلاث مُمثَّلة بالبحر والدائرة: عوام على الشاطئ، وخواص ذهبوا ورجعوا، وخواص الخواص تاهوا في البحر.
- 14
توبة العوام من استكثار الطاعة والتفاخر بها، لأن الكبر الناتج عن رؤية العمل أشد خطرًا من كثير من الذنوب.
- 15
استكثار الطاعة يؤدي إلى ثلاث مهلكات: جحود الستر والإمهال، ورؤية الحق على الله، والاستغناء الذي هو عين الجبروت.
- 16
التوثب على الله بالجبروت منازعة له في كبريائه وعزته، والقلب الساجد لله حقًا هو محل تجليات الله على الإنسان.
- 17
توبة الأوساط من استقلال المعصية والاستهانة بها، لأن ذلك جرأة على الله ونواهيه تؤدي إلى الاسترسال في الذنب.
- 18
الاستهانة بالذنب جرأة على الله تقطع ما بين العبد وربه، والخواص يبادرون بالتوبة فور الوقوع في الذنب.
- 19
لا سقوط للتكاليف في الشريعة مهما علا المقام، وتوبة الخواص تكون من تضييع الوقت لأنه كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
- 20
حال النبي صلى الله عليه وسلم من نوم العين وسهر القلب وديمومة العبادة دليل قاطع على أن التكاليف لا تسقط عن أحد.
- 21
كمال مقام التوبة أن يتوب العبد من رؤية توبته ذاتها، ثم من الجبر، متوكلًا على الله بالتسليم والرضا المحض.
كيف أتوب إلى الله من جميع الذنوب وما الفرق بين الثقة بالله والغرور في التوبة؟
التوبة الصادقة تستلزم التمييز بين الثقة بالله والغرور به؛ فالثقة بالله ممدوحة وهي أن تؤمن بأنه التواب الرحيم وأنه قبل توبتك بتوفيقه إياك لها. أما الغرور فهو أن ترى على الله حقًا في القبول، وهذا كبر فوق كبر. الله سبحانه متفضل بتوبته من كل جهة وليس عليه واجب، فينبغي أن تكون متذللًا خاضعًا راجيًا لا مدّعيًا حقًا.
هل يقبل الله التوبة من جميع الذنوب وما حكم اليأس من رحمة الله بعد كثرة الذنوب؟
نعم، يقبل الله التوبة من جميع الذنوب، واليأس من رحمة الله والقنوط من مغفرته كفر. ولذلك يُعدّ نسيان الذنب بعد التوبة منه ركنًا من أركان سرائر حقيقة التوبة، لأن استمرار رؤية الصحيفة سوداء قد يؤدي بالنفس إلى اليأس المحذور. نسيان الذنب يحافظ على بياض الصفحة ويُبقي الثقة المحمودة بالله لا الغرور من النفس.
كيفية التوبة من الذنب المتكرر وهل الله يقبل التوبة أكثر من مرة حتى مع العودة إلى الذنب؟
نعم، يقبل الله التوبة من الذنب المتكرر أكثر من مرة، والتوبة من التوبة ذاتها مطلوبة باتهام النفس في إخلاصها. فيقول التائب: يا رب أستغفرك من استغفاري غير المخلص، لأن اللسان قد يستغفر دون حضور القلب. وقد استغفر أحد الصالحين عشرين سنة من قوله الحمد لله لأنه نسي مصائب المسلمين، فكيف بنا نحن؟
هل الله يقبل التوبة أكثر من مرة وما الدليل القرآني على وجوب تجديد التوبة دائمًا؟
الدليل القرآني على تجديد التوبة قوله تعالى ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾، وهذه الآية متجددة تتلى كل يوم فيجب على كل مؤمن أن يجدد توبته. فمن قال تبت بالأمس يُقال له: الآية تتلى اليوم فجدد توبتك. وهذا يدل على أن الله يقبل التوبة أكثر من مرة ولا حد لقبولها.
كيف التوبة من الذنب وما الحكمة في أن الله لم يعصم العبد منه؟
من لطائف أسرار التوبة أن يتأمل العبد لماذا لم يعصمه الله من الذنب، فيدرك أن الله أراد بذلك كسر نفسه وإبعاده عن الكبر الذي قد يتولد من الطاعة. فرب معصية أورثت ذلًا وانكسارًا خير من طاعة أورثت كبرًا، لأن لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء. فالتوبة من الذنب تبدأ بفهم مراد الله من الابتلاء به.
كيفية التوبة من الذنب وكيف تتحول السيئة إلى حسنة بالانكسار لله؟
الذنب في ذاته سيئة لا يستحسن من أي جهة، لكن إذا وقع في الماضي وأورث انكسارًا وذلًا لله فإن الله يبدل السيئات حسنات كما قال تعالى ﴿يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾. فالمؤمن لا يعترض على ربه بل يرضى ويسلم ويجعل الذنب يتحول إلى حسنة بالذل والانكسار. أما من لم يفهم مراد الله فقد يستدرجه الله من حيث لا يعلم.
هل يقبل الله التوبة من جميع الذنوب وما معنى أن الله يخلي العبد والذنب لعزته وستره وحلمه؟
الله يخلي العبد والذنب لأحد معنيين: إما ليعرف العبد عزة الله في قضائه وأنه فعّال لما يريد، وإما لبره في ستره إذ لم يطلع على معصيته أحدًا. فالخوف من الفضيحة بعد التوبة في غير محله لأن الله ستر العبد وكان من الممكن أن يفضحه فضيحة عظيمة. وفي ذلك أيضًا حلم الله في إمهال راكب الذنب مرة واثنين وثلاثة.
ما قصص السلف الصالح في فهم ستر الله وعدم فضح العبد بأول معصية؟
من أبرز قصص السلف الصالح في هذا الباب ما رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جيء إليه بسارق فقالت أمه: هذه أول سرقة فاعف عنه، فقال: كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. وكذلك حين جيء إليه برجل زنى فقال: والله ما زنيت قبل هذا، فقال عمر: كذبت إن الله لا يفضح عبده بأول معصية. فالخوف من الفضيحة بعد التوبة يزول بمعرفة كرم الله وستره.
هل تمحى الذنوب من الصحيفة بعد التوبة وما علامات قبول التوبة من الكبائر؟
علامات قبول التوبة تظهر في توفيق الله للعبد في العبادة؛ فيجد نفسه منتظمًا في الصلاة والقراءة والذكر والصيام وفعل الخير بعد أن كانت هذه الأمور عسيرة عليه. وكرم الله يتجلى في قبول المعذرة وتوفيق العبد للطاعة بعد الذنب. أما معرفة عزة الله وستره وحلمه وعفوه فهي نفسها منة ثانية تدل على القبول.
كيفية التوبة من الذنب بالرضا عن الله وفهم مراده من الابتلاء؟
من شروط التوبة من الذنب أن يفهم المؤمن مراد الله من الابتلاء به، فيكون مخبتًا لله خاضعًا راضيًا بقضائه مشتاقًا للتوبة. فرب ذنب يورث ندمًا خير من طاعة تورث كبرًا. وعندما يستر الله على العبد يعرف حنانه ومنته، ويعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴿ولا يظلم ربك أحدًا﴾.
كيفية التوبة من الذنب بنظر البصير الصادق بين مشاهدة المنة وتطلب عيب النفس؟
اللطيفة الثانية في أسرار التوبة أن يعلم التائب أن العمل إنما هو من عند الله، فيسير بين مشاهدة المنة وتطلب عيب النفس والعمل. والمعصية في ذاتها لا يمكن أن تكون خيرًا وينبغي المباعدة منها، لكن إذا وقعت في الماضي فينظر التائب إلى ما وراءها من حكمة الله في كتابتها عليه. فيرضى عن ربه حتى في هذا الحال ويشرع في التوبة التي يفرح بها الله.
كيفية التوبة من الذنب بمشاهدة الحكم الرباني مع الحفاظ على الفرق بين الحسنة والسيئة؟
اللطيفة الثالثة أن مشاهدة الحكم الرباني تجعل العبد يعلم أن الطاعة بالتوفيق والمعصية بالابتلاء، وأنه في كليهما يجب عليه الرضا عن ربه. لكن هذا لا يعني أن السيئة كالحسنة، فالسيئة يعاقب عليها والحسنة يثيب عليها، ولا يقول بالتسوية بينهما إلا أهل الفسق والضلال. فالبصير صادق لأنه التزم بمراد الله وشرعه ولم يستحل المعصية.
ما مثل درجات السالكين في التوبة وكيف فهم السلف الصالح مراتب القرب من الله؟
ضرب العلماء مثلًا لدرجات السالكين برجل وقف على شاطئ البحر ولم يركبه، ورجل خاض البحر ووصل الشاطئ الآخر ولم يرجع، ورجل ذهب ورجع. فالعوام على الشاطئ لم يبدأوا، والخواص ذهبوا ورجعوا، وخواص الخواص تاهوا في البحر. وشبّهوا الأمر بالدائرة التي لا تعرف بدايتها من نهايتها، وحال الأنبياء على الكمال وحال الوسط على النقصان.
كيف أتوب إلى الله من جميع الذنوب وما خطر التفاخر بالعبادة واستكثار الطاعة على القلب؟
توبة العوام تكون من استكثار الطاعة والتفاخر بها، لأن من يرى نفسه كثير العبادة ويستحسن عمله يقع في الكبر. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: لن يدخل أحدًا عمله الجنة، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة. فإذا كان هذا شأن سيد الكائنات فكيف بنا نحن؟ فعلى العبد أن يستقل طاعته في جنب الله.
كيف أتوب إلى الله من جميع الذنوب وما الأشياء الثلاثة التي يدعو إليها استكثار الطاعة؟
استكثار الطاعة يدعو إلى ثلاث مهلكات: جحود نعمة الستر والإمهال، ورؤية الحق على الله، والاستغناء الذي هو عين الجبروت. فمن يقول كلما دعوت الله استجاب لي فأنا عنده شيء كبير يجحد منة الستر ولا يشعر بها. ولو قارن الله له ما منحه من نعم مع ما يفعل لصارت النعم أكثر بكثير مما قدم ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾.
ما معنى التوثب على الله بالجبروت وكيف يكون القلب ساجدًا لله حقًا؟
التوثب على الله بالجبروت هو منازعته فيما ليس للعبد، لأن الكبرياء رداء الله والعزة إزاره، فمن نازعه واحدًا منهما ألقاه في النار كما في الحديث القدسي. والقلب الساجد لله هو الذي لا يقوم أبدًا بعد سجوده، وأهل الله يقولون إذا سجد قلبك لربك لا يقوم أبدًا. والقلب لطيفة من خمس لطائف جعلها الله في الإنسان: القلب والروح والسر والخفي والأخفى.
كيفية التوبة من الذنب المتكرر وما خطر استقلال المعصية والاستهانة بها على الخواص؟
توبة الأوساط من الخواص تكون من استقلال المعصية، وهو أن يظن أحدهم أن المعصية بسيطة لأن الله هو الذي كتبها عليه. وهذا خطأ لأن استقلال المعصية والاستهانة بها هو عين الجرأة على الله ونواهيه. فلابد في بداية التوبة من الذنب المتكرر أن تستعظم المعصية أولًا ثم تنساها، وأن توازن بين الخوف والرجاء حتى لا تتجرأ على المعصية.
كيفية التوبة من الذنب المتكرر وكيف يبادر الخواص بالعودة إلى الله بعد الوقوع في الذنب؟
استقلال المعصية والاستهانة بها هو عين الجرأة على الله ونواهيه، ومن فعل ذلك فقد بارز الله وتعرض لسخطه. وأساسه الرضا عن النفس والهوى والشيطان، فلا يزال كذلك حتى يقطع ما بينه وبين ربه وهو لا يدري. أما الخواص الصادقون فإنهم إذا وقعوا في الذنب بادروا بالعودة إلى ربهم تائبين دون تأخير.
هل الله يقبل التوبة أكثر من مرة وهل يسقط التكليف عن أحد مهما بلغ مقامه؟
لا يوجد في الشريعة ما يسمى سقوط التكاليف، فلو سقطت لكان الأولى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان كلما ترقى مع ربه ازداد عبادة. وتوبة خواص الخواص تكون من تضييع الوقت، لأن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. وتجديد التوبة واجب على كل مرتبة ولا يدّعي أحد أنه بلغ مقامًا رُفعت عنه فيه التكاليف.
كيف كان حال قلب النبي صلى الله عليه وسلم في النوم واليقظة وما دلالة ذلك على ثبات التكاليف؟
كان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه، وكان سهوه في الصلاة بسبب انشغال قلبه بالله عن حركاتها. ومع ذلك لم يوقف صلاة ولا صيامًا ولا قيام ليل ولا زكاة، بل كان يخزن لأهله تموين سنة فيأتيه الفقراء فيعطيهم حتى لا ينقضي الشهر إلا وينتهي ما ادخره. فهذا يدل على أن التكاليف ثابتة ولا تسقط عن أحد.
هل الله يقبل التوبة أكثر من مرة وكيف يكتمل مقام التوبة بالتوبة من رؤية التوبة ذاتها؟
لا يتم مقام التوبة إلا بالانتهاء إلى التوبة مما دون الحق سبحانه، بأن يتعلق القلب بالله وحده طلبًا ورجاءً وخوفًا. ثم يتوب من رؤية تلك التوبة لأنه قد يظن أنه هو الذي عملها، فيتوب من هذا المعنى لأن الله هو الذي خلقها فيه. ثم يتوب من الجبر متوكلًا على الله بالتسليم والرضا المحض، وهذا أول الدرجات سيرًا بعد اليقظة.
التوبة الحقيقية تقوم على أسرار ولطائف عميقة، وتجديدها واجب يومي لا ينقطع، واليأس من رحمة الله كفر.
علامات قبول التوبة تتجلى في انتظام العبد في العبادة بعد أن كانت عسيرة عليه، وهي دليل على رضا الله وقبوله. التوبة من الذنب لا تكتمل إلا بثلاثة أسرار: تمييز الثقة بالله من الغرور، ونسيان الذنب بعد تعظيمه حتى لا يقع العبد في اليأس من رحمة الله الذي هو كفر، والتوبة من التوبة ذاتها باتهام النفس في إخلاصها.
تجديد التوبة واجب متجدد يومًا بيوم لأن قوله تعالى ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا﴾ يتلى كل يوم ويشمل كل مؤمن. وللتوبة درجات بحسب مراتب السالكين: فتوبة العوام من استكثار الطاعة والغرور بها، وتوبة الأوساط من استقلال المعصية والاستهانة بها، وتوبة الخواص من تضييع الوقت ثم من رؤية التوبة ذاتها. وقصص السلف الصالح كعمر بن الخطاب تكشف أن الله لا يفضح عبده بأول معصية، وأن ستره ورحمته أوسع مما يتصور كثير من الناس.
أبرز ما تستفيد منه
- اليأس من رحمة الله كفر، ونسيان الذنب بعد التوبة منه ركن من أركان سرائر التوبة.
- تجديد التوبة واجب يومي لأن الآية القرآنية تتلى كل يوم وتشمل كل مؤمن.
- علامة قبول التوبة انتظام العبد في الصلاة والذكر وفعل الخير بعد أن كان ذلك عسيرًا.
- ربما يكون الذنب الذي أورث انكسارًا خيرًا من طاعة أورثت كبرًا في القلب.
- الله لا يفضح عبده بأول معصية، وستره ورحمته أوسع من كل تصور.
تمييز الثقة بالله عن الغرة والغرور في مقام التوبة
ثم يتكلم عن السرائر لهذه الحقائق، وهي المرتبة الأعلىٰ التي هي أعمق من قضية استعظام الجناية واتهام النفس وطلب إعذار الخلق، حيث يخطو بنا المصنف رحمه اللّٰه تعالىٰ خطوة أخرىٰ في التوبة وفي تعميقها في النفس المؤمنة، فيقول:
سرائر حقيقة التوبة ثلاثة أشياء:
«تمييز الثقة من الغِرَّة»: يعني هل أنت واثق أو أنك مغرور؟ هناك فرق بين أن تكون واثقًا باللّٰه وبين أن تكون مجترئًا مغرورًا في نفسك علىٰ اللّٰه، الثقة باللّٰه ممدوحة مطلوبة، فأنا أثق في اللّٰه أنه هو التواب الرحيم، وأنه هو العفو الغفور، وأنه قابل التوب سبحانه وتعالى، وأنني بتوبتي وقد وفقني إليها فإنه قد قبلها مني؛ ثقةً في اللّٰه وليس غرورًا بالنفس، لكن الغرور أن تقول: هو لابد أن يقبلها مني..! فهذا كبر فوق كبر، جاء ليتوب فتكبر!
فينبغي أن تلتفت إلىٰ هذا المعنىٰ الدقيق الذي قد يغفل عنه كثيرٌ من الناس فيظن نفسه واثقًا في اللّٰه؛ وإذ به يرىٰ الحق علىٰ اللّٰه، واللّٰه ليس عليه واجب ولا حق، أنت الذي عليك الواجب وعليك الحق، واللّٰه سبحانه وتعالى متفضل بتوبته من كل جهة، اللّٰه سبحانه وتعالى هو صاحب الإفضال والإنعام، وأنت مجرد مخلوق يفعل اللّٰه فيك ما يشاء فلا حول ولا قوة إلا باللّٰه، وهذا يلفتنا إلىٰ أننا ينبغي علينا ترك شهوات أنفسنا والقضاء عليها؛ ينبغي أن تكون واثقًا في اللّٰه، بأن تكون متذَلِلًا له، خاضعًا له راجيًا في وجهه الكريم، طامعًا في ثوابه وفي قبول توبته، لا أن ترىٰ حقًا عليه سبحانه وتعالى أن يغفر لك.
سر نسيان الجناية بعد تعظيمها ودفع اليأس والقنوط
«ونسيان الجناية»: من سرائر الحقائق أنك عظمت الجناية في أول التوبة، وأما في آخر التوبة فتنسىٰ الذنب.. هل تكون بذلك تضحك علىٰ نفسك! لا..؛ إنها معونة؛ فهذا يؤدي في النفس إلىٰ أن الإنسان يحافظ علىٰ بياض صفحته، يؤدي إلىٰ الثقة المحمودة بالنفس؛ حيث لا يريدك أن ترىٰ صحيفتك سوداء بعد توبتك وفيك نور الإيمان، وبركة التوبة ثقة في اللّٰه لا غرورًا من نفسك؛ فانتبه هنا؛ لأن النفس تيأس، وإذا رأت أنها أذنبت وأكثرت من الذنوب قد تصل إلىٰ درجة اليأس من روح اللّٰه والقنوط، واليأس من روح اللّٰه والقنوط من رحمته كفر؛ فقد يؤدي هذا إلىٰ المحذور؛ ولذلك نسيان الذنب رُكن من أركان سرائر حقيقة التوبة، هذا يساعدك علىٰ أنك لا تعود إليه أبدًا.
معنى التوبة من التوبة واتهام النفس في الإخلاص
- «والتوبة من التوبة أبدًا»: من حقائق التوبة اتهام النفس فيها، فتسأل نفسك: هل توبتي هذه صادقة؟ فأتوب إلىٰ اللّٰه من التوبة غير الصادقة.
متىٰ تكون التوبة غير صادقة؟ تكون كذلك إذا رجعنا إلىٰ الذنب.. ولكن كلنا يفعل ذلك!
إذن التوبة فيها شيء -ولكن من غير وسواس- يا رب أستغفرك من استغفاري غير المخلص بالأمس؛ أنا قلت بسرعة: أستغفر اللّٰه، أستغفر اللّٰه، أستغفر اللّٰه، أستغفر اللّٰه.. بلساني ولم يكن قلبي حاضرًا، أستغفرك اللهم يا رب من عدم حضور قلبي في هذا الاستغفار.. أتوب إلىٰ اللّٰه من توبتي لتقصيري فيها؛ وأتوب من توبتي فإن ربي هو من تاب علي لأتوب؛ وهو التواب الرحيم.
أحد الصالحين استغفر اللّٰه عشرين سنة علىٰ قوله: الحمد للّٰه! و«الحمد للّٰه» ذِكْر والذِّكْر من قبيل الطاعة، أيستغفر من الطاعة؟! لا، استغفر من عدم الإخلاص، قالوا له: احترقت بيوت الناس ولم يحترق بيتك، فقال: «الحمد للّٰه» ونسي مصائب المسلمين، قال: الحمد للّٰه الذي نجاني من الحريق الذي أحرق بيوت المسلمين، فتنبه من غفلته فاستغفر اللّٰه عشرين سنة من قوله: الحمد للّٰه، فكيف نستغفر اللّٰه نحن؟! إلىٰ يوم القيامة.
عموم أمر التوبة في القرآن وضرورة تجديدها دائمًا
من أين أتي الشيخ بهذا الكلام؟ من الكتاب أو السنة؛ فطريقنا هذا مُقَيَّد بالكتاب والسُنَّة؛ عرفه من عرفه وجهله من جهله.
قال الشيخ رحمه الله: لأن التائب داخل في الجميع من قوله تعالىٰ:
﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]
ربنا يقول: ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا﴾ فكلنا داخلون في الخطاب، وهو متجدد دائمًا، فإذا قال أحدهم: أنا تبت بالأمس، نقول له: إن الآية تتلىٰ كل يوم فيجب عليك أن تجدد توبتك.
عرفنا حقيقة التوبة وعرفنا أسرار هذه الحقائق، ثم يتكلم الآن عن «لطائف هذه الأسرار» -واللطيفة أرق من السر وأعلىٰ- فهو يأخذنا خطوة خطوة، ولذلك المربي لا يأخذ الناس مرة واحدة، ولكن درجة درجة، وكان رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم يحب في الكلام أن يُثَلِّثَه؛ يعني يقوله ثلاثة.
اللطيفة الأولى: حكمة عدم العصمة من الذنب وكسر النفس
«اللطيفة الأولىٰ: النظر إلىٰ الجناية والقضية فيعرف مراد الله تعالىٰ فيها إذ خلاه وإتيانها»، فينظر مـا الحكمة في أن اللّٰه لـم يعصمه مـن الذنـب؟ فيفكــر ويُقهَـر تحت سلطان اللّٰه -فهو سبحانه وتعالى لا يقضي أمرًا إلا ويكون له حكمة- فيشعر المؤمن حينئذ أن اللّٰه كسَرَ نفسَه، فهو يذكر ويتلو ويقوم الليل وبدأ يغترّ، فأوقعه اللّٰه في الذنب، وهذا الذنب سيكون خيرًا علىٰ صاحبه من كثير من عبادته؛ لأنه سيدفعه إلىٰ توبة نصوح وإلىٰ ذل وانكسار للّٰه خير من الكبر الذي قد يتولد من الطاعة، فهو لابد أن يعلم أن ربنا كريم وأنه لما خلاه مع هذا الذنب كسر نفسه، وإن كسر النفس هذا له درجته يوم القيامة خير من افتخاره وتعاليه بالطاعة؛ «وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ» [1]؛ فَرُبَّ [2] معصية أورثت ذلًا خير من طاعة أورثت كِبْرًا.
تحويل أثر المعصية إلى انكسار نافع وسيئات مبدلة حسنات
المعصية أسوأ من الطاعة والطاعة خير من المعصية، لكن الطاعة لابد أن تولد انكسارًا فإن ولّدت كبرًا فعدم وجودها أفضل، والمعصية كريهة ولابد أن نتوب منها لكن إذا تبنا منها فولدت عندنا انكسارًا وذلًا للّٰه فيا مرحبًا بها، ليس حلاوة المعصية لكن حلاوة الذِلة والانكسار للّٰه بدلًا من الكِبر والطغيان.
إذن الإنسان الذي فعل ذنبًا ينبغي عليه أن يكون واعيًا ولا يعترض علىٰ ربه ويقول: يا رب لِمَ أوقعتني في هذا الذنب؟! ولكن عليه أن يرضىٰ ويسلم ويجعل هذا الذنب يتحول إلىٰ حســنة ﴿يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَٰتٍۢ ۗ﴾ [الفرقان: 70]، هي سيئة -لا أحد يختلف فيها أنها سيئة- لكن بالذل والانكسار الذي تولد عنها يصيرها المؤمن إلىٰ حسنة، فمن الذي حكم بالمعصية عليه؟ ربنا، وربنا لا يصدر منه إلا الخير سبحانه وتعالى حتىٰ ما كتب علينا من معاصي إن فهمت مراده، فإن حرمك من هذا الفهم يا ويلك ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ [القلم:44-45] يدخل في المعصية لا يخلُص منها.. لكن الأول دخل في المعصية ففهم مراد اللّٰه أنه أراد بذلك أن يكسر نفسه بدلًا من التكبر.
معاني تخلي الله بين العبد والذنب: العزة والستر والحلم والعدل
«فإن الله سبحانه وتعالى إنما يُخلي العبد والذنب لأحد معنيين..
أحدهما: أن يعرف عِزته في قضائه»: يقول: أنا أعمل هذا الذنب!! أنا!! نعم أنت عملته أيها العبد الضعيف، فيستشعر بأن اللّٰه ﴿فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16]، وأنه سبحانه وتعالى له العِزّة والجبروت.
«وبِرَّهُ في ستره»: لم يُطلِع علىٰ معصيتك أحدًا غيره فسترك -وهذه مزية- فعليك أن تستحي ولا تفعله مرة أخرىٰ وتكون فرحًا بربك أنه سترك، فكان من الممكن أن يفضحك فضيحة عظيمة يتحدث بها الخلق من حولك لكنه سترك، فتشعر بعزته وتشعر بمِنَّتِه.
«وحِلمه في إمهال راكبه»: عملت الذنب أكثر من مرة وكان حليمًا معك، وكان من الممكن أن يخسف بك الأرض، ولكنه سبحانه أمهلك مرة واثنين وثلاثة.
إذن فقد عرفت أنه هو الستير الحليم وأنه هو العزيز الحكيم؛ سيدنا عمر رضي الله عنه كان بصيرًا ملهمًا، قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
إلهام عمر بن الخطاب وستر الله لعبده وعدم فضحه بأول معصية
«لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ» [3] وفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَنْ بَعْض أَصْحَاب اِبْن عُيَيْنَةَ «مُحَدَّثُونَ يَعْنِي مُفَهَّمُونَ»، أمر رضي الله عنه بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه. فقال: كذبت إن اللّٰه لا يؤاخذ عبده في أول مرة [4]، وحُمِلَ إِلَىٰ عُمَرَ رضي الله عنه رَجُلٌ زَنَىٰ، فَقَالَ: وَاللّٰهِ مَا زَنَيْتُ قَبْلَ هَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ إِنَّ اللّٰهَ لَا يَفْضَحُ عَبْدَهُ بِأَوَّلِ مَعْصِيَةٍ [5].
الحقائق منكشفة أمامه، فهو يعلم من يعبد ويعلم كرمه وسعته وستره.
إذن عندما يصدر الذنب منك وتُستَر، فانتبه! فكان من الممكن علىٰ أقل سبب أن تفضح فضيحة شديدة.
كرم الله في قبول المعذرة وتوفيق العبد للطاعة بعد الذنب
«وكرمه في قبول المعذرة منه»: وفقك للتوبة وقَبِلَ عُذرك وعفي عنك، ويتضح ذلك من توفيقه إياك في العبادة؛ فتجد نفسك انتظمت في الصلاة.. انتظمت في القراءة.. انتظمت في الذكر.. انتظمت في فعل الخير.. انتظمت في الصيام.. كان ذلك كله صعبًا عليك ثم أصبح أمرًا سهلًا وبدأت الأمور تنتظم معك، تعرف أنه قد رضي اللّٰه عنك وقَبِلَ توبتك.
«وفضله في معرفته»: فقد بدأت تعرف ربك، وهذه نفسها مِنَّة ثانية أنك تعرف عزته وتعرف ستره وتعرف حلمه وتعرف عفوه.
«والثاني: ليقيم على العبد حُجَّة عدله»: لكي تأتي يوم القيامة ويحاسبك: عملت ذنب كذا وكذا؟ وتقول: نعم عملته، فيعاقبه إن أراد علىٰ ذنبه بحجته.
أثر فهم مراد الله من الذنب في الخضوع والرضا وعدم الظلم
بعدما يعرف المؤمن الذي يريد التوبة مراد اللّٰه، من أنه قد اُبتلي بهذا؛ فَرُبَّ ذنب يورث ندمًا يكون خيرًا من طاعة تورث كبرًا، فيكون مخبتًا للّٰه خاضعًا له سبحانه وتعالى راضيًا بقضائه مشتاقًا للتوبة وللسعي إلىٰ الانخلاع منها والسلوك في طريق اللّٰه سبحانه وتعالى ويعرف مراد اللّٰه، عندما يستر عليه يعرف حنانه ومَنّه سبحانه وتعالى، ويعرف مراد اللّٰه من أنه قد أقام الحُجَّة عليه إذا مـا أراد عقـابـه؛ فـإن اللّٰه سبحانه وتعالى لا يظلـم مثقـال ذرة ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا﴾ [الكهف: 49].
اللطيفة الثانية: نظر البصير الصادق بين المنة وعيب النفس
«اللطيفة الثانية: أن يعلم أن نظر البصير الصادق في سيئاته لَـمْ يُبْقِ له حسـنة بحال، لأنه يسير بين مشاهدة المنة وتطلب عيب النفس والعمل» يعني: أن التائب إلىٰ اللّٰه من لطائف أسراره أن يعلم أن العمل إنما هو من عند اللّٰه، ويرضىٰ بقضاء اللّٰه فيه حتىٰ يبدأ صفحة جديدة مع اللّٰه؛ فإنه قد يرىٰ في المعصية أنها وما دامت قد قُدِّرت عليه أنها خير!
وهنا مسألة دقيقة.. المعصية في ذاتها لا يمكن أن تكون خيرًا، فالمعصية نهىٰ عنها ربنا، والمعصية لابد عليك أن تباعد بينك وبينها بُعدَ ما بين المشرق والمغرب -هذا فيما سيكون من الأيام التالية.. أنت لم تفعل المعصية بعد- فالمعصية هذه من القاذورات وهي مصيبة وبلوىٰ، وليس فيها شيء يستحسن من أي جهة كانت وينبغي علينا أن ننخلع منها وأن نتركها، ولكن إذا وقعنا فيها وقُضي الأمر -نتكلم هنا علىٰ المعصية التي حدثت في الماضي وليست المعصية التي نهيت عن فعلها في المستقبل- إذا نظرنا إلىٰ هذه المعصية التي هي في الماضي ولِمَ كتبها اللّٰه عليّ؟ كتبها من أجل أن أتوب؛ إذن لا أقف عند قذارتها وقبحها- وهي قذرة وقبيحة في الحقيقة- إنما أنظر شيئًا وراء ذلك، وهو من لطائف الأسرار، أن التائب يرضىٰ عن ربه حتىٰ في هذا الوقت وهذا الحال؛ ابتلاني لأتوب فيجب عَلَيَّ التوبة، والتوبة يفرح بها ربنا سبحانه وتعالى، وهذه حسنة سأفعلها الآن بعد تلك المصيبة التي وقعت فيها والتي اُبتليت بها، فأشرع فيما يفرح الرب سبحانه وتعالى وهو التوبة، فإن اللّٰه يفرح بتوبة التائب إليه.
اللطيفة الثالثة: مشاهدة حكم الله مع بقاء الفرق بين الحسنة والسيئة
إذن البصير الصادق- لماذا هو بصير؟ لأنه يفكر ويرجع كل شيء إلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى.
ولماذا هو صادق؟ لأنه لم يستحلّ المعصية ولم يستمرئها ولم يقل عن نفسه: أنه قد جُبر عليها، ولا شيء فيها، أو أنها تستوي في الحُسن والقبح مع الطاعة وأنه لا بأس من المعصية كما أنه لا بـأس من الطاعة، واللّٰه ﴿فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16].. لم يقل هذا وإلا ما كان صادقًا مع ربه ولا كان صادقًا مع نفسه، فهو «بصير» لأنه قد أدرك وفهم شيئًا دقيقًا يُشكل مثله علىٰ كثير من الناس، و«صادق» لأنه التزم بمراد اللّٰه وشرعه سبحانه وتعالى.
«واللطيفة الثالثة: أن مشاهدة العبد الحُكْمَ لـم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلىٰ معنىٰ الحُكْم»: عندما ينظر إلىٰ الحُكمِ الرباني والحكمة الربانية؛ فإنه يعلم أن الكل من عند اللّٰه، وأن الطاعة بالتوفيق، وأن المعصية بالابتلاء، وأنه في كليهما يجب عليه الرضا عن ربه، وأنه قد أمره اللّٰه عندما يبتلىٰ بالمعصية أن يتوب، وعندما يفعل الحسنة أن يشكر، وعندما يشكر فإنما هذا توفيق آخر من ربنا يحتاج إلىٰ شكر مكرر ودائم.
دائمًا وهو يتأمل ويقول إن المعصية قبيحة ولكن اللّٰه سبحانه وتعالى كتبها عليه؛ إذن لابد من حكمة في كتب هذه المعصية عليه، وهو أنه أراد أن يقيم الحُجة عليّ وأراد أيضًا أن أتوب فيفرح بي، فتتحول بذلك -بعد السمو بالتفكر في حكم الحاكم- إلىٰ أمر حسن رغم أنها سيئة، وهذا لا يعني أن السيئة كالحسنة والحسنة كالسيئة فلا يقول بهذا إلا أهل الفسق والضلال؛ فالسيئة سيئة والحسنة حسنة، السيئة يعاقب عليها ربنا، والحسنة يثيب عليها ربنا ولكنه غفار.
تشبيه مراتب السالكين بالبحر والدائرة ودرجات العوام والخواص
الناس ثلاث درجات: عوام وخواص وخواص الخواص، ضربوا لهم مثلًا برجل جاء البحر فوقف علىٰ شاطئه، ورجل آخر خاض في البحر حتىٰ وصل الشاطئ الآخر المقابل، ورجلٌ ثالث ذهب ورجع، فإذا أتيت أنت الشاطئ وجدت رجلين يقفان علىٰ الشاطئ -والبون [6] بينهما عظيم- فأحدهما لم يركب البحر والآخر ذهب ورجع، وهناك ثالث لا تراه ٍلأنه ذهب وما رجع، ولذلك قال أبو يزيد البسطامي [7] -وكان فيه جذبة-: خضنا بحرًا وقف علىٰ شاطئه الأنبياء. فظنوا أنه يتعالىٰ علىٰ الأنبياء! وهو كان رجلًا مجذوبًا يقول أشياء ظاهرها غير مقبول وحقيقتها لطيفة لا شيء فيها، «خضنا بحرًا وقف الأنبياء بشاطئه» قالوا: أي بعد ما ذهبوا ورجعوا، يعني هو ذهب وتاه في البحار يتمتع بها ويشاهد هنا وهناك، لكن الأنبياء -لكمال حالهم مع اللّٰه- ذهبوا ورجعوا، وهناك من لم يذهب ولم يعد وهم العوام.
وشبّهوا الأمر بالدائرة، فالدائرة لا تعرف بدايتها من نهايتها؛ فلو بدأنا من نقطة وجعلناها أسفل الصفحة فإنه كلما سرت كلما علوت، إلىٰ أن تصل إلىٰ نقطة النهاية فلو واصلت المسير نزلت، سبحان اللّٰه! تنزل وأنت مستمر في السير إلىٰ أن تصل إلىٰ نقطة النهاية، فإذا نزلت إلىٰ نقطة النهاية كانت هي عينها نقطة البداية، مثل الواقفين علىٰ الشاطئ، هذا علىٰ نقطة البداية لم يبدأ، وهذا علىٰ نقطة النهاية قد انتهىٰ، فأصبح هناك ثلاثة أشخاص: شخص لم يبدأ، وشخص فوق، وشخص في النهاية؛ فحال الأنبياء علىٰ الكمال، وحال الوسط علىٰ النقصان، وحال البداية علىٰ البداية، يعني لا فيه نقصان ولا كمال فإنه لم يَسِر بعد، ولذلك فإن كثيرًا من الناس يقارنون بين حال الأنبياء- وهو حال الكمال- وبين حال هذا الذي في الوسط، ويقولون: لم يكن الأنبياء هكذا، ويظنون أنفسهم -وهم لم يسيروا في الطريق إلىٰ اللّٰه تعالىٰ- أنهم كالأنبياء، فيدخل الكبر في قلوبهم والعياذ باللّٰه، ودخول الكِبر في القلب لا دواء له؛ فقد قال رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم:
خطر الكبر والتفاخر بالعبادة واستكثار الطاعة على القلب
«وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ» [8] حب الخردل أخف البذور، فالستة آلاف منه تساوي جرامًا!
إذن فكثير من الناس يتفاخر بعبادته، ويظن أنه عندما يفعل رسومًا قد فعلها سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم -وهي قطعًا من الخير- أنه قد سبق بها فينظر إلىٰ عمله ويستحسنه، ويرىٰ نفسه وأن له حولًا وقوة، وهو لا حول ولا قوة به ولا له.
توبة العامة لاستكثار الطاعة: العوام إذا قيل لأحدهم: تَيَقَّظْ. قال: كيف أتيقظ؟! يقال له: اعرف حقيقة الدنيا وأنها إلىٰ زوال، فأدرِك الأمر قبل الفوت وقبل الموت، فبدأ يتيقظ، قال: ثم ماذا أفعل؟ يقال له: تب إلىٰ اللّٰه، قال: ممَ أتوب؟! يقال له: تب من استكثارك لطاعتك، فأنت راضٍ عن نفسك تقول: أنا طوال النهار أصلي وأصوم وأسبح.. وتعدد لنفسك ومبسوط، ولكن المطلوب أن تستقل كل ذلك في جنب اللّٰه، واعلم أنه كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ». قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللّٰهِ؟ قَالَ: «لاَ، وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللّٰهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ» [9] صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإذا كان هذا شـأن سيد الكائنـات وسيد الخلق أجمعين.. فما بالنا نحن!
توبة العوام من استكثار الطاعة وخطورة جحود النعم والاعتماد على العمل
لو قارن اللّٰه لك ما منحك من نِعَمٍ ومِنَنٍ مع ما تفعل لصارت النعم والمنن أكثر بكثير مما قد قدمت ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: 18]، ويتبقىٰ معك الحساب، «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» [10].. فَبِمَ تدخل الجنة؟! بمحض الفضل، فعليك ألا تستكثر الطاعة.
إذن توبة العوام يعني الذين لم يبدأوا في الطريق إنما هي لاستكثار الطاعة، أي يجب عليك أن تتوب من استكثار الطاعات، وهذا شيء صعب جدًا، وأحيانًا يستمر سنوات لكي تخرج هذا من قلبك، وهناك أناس غارقون في استكثار طاعاتها ورؤيتها والفخر والاعتزاز بها، ويقول: أنا تقي.. أنا ما فعلت ذنبًا طول عمري، وفرحان..! ليس الفرح والانشراح الرباني، ولكنه فرحان من غروره بنفسه ومن رؤيته لحوله وقوته، فإنه يدعو إلىٰ ثلاثة أشياء:
ثلاث مهلكات يسببها استكثار الطاعة: جحود الستر والحق على الله والاستغناء
استكثار الطاعة هذا يجعلك تقع في ثلاث مهلكات:
-
إلى جحود نعمة الستر والإمهال: فيقول أحدهم: كلما أدعو اللّٰه يستجيب لي. إذن أنا عند اللّٰه شيء كبير جدًا، فهذا يهلكه هلاكًا لأنه غير شاعر بمِنَّة الستر في البلاوي التي يفعلها، ولا شاعر بمنة الإمهال أن اللّٰه لم يخسف به الأرض حتىٰ لمقولته هذه، ليس بصيرًا وصادقًا فالبصير الصادق هو العارف.. عارف باللّٰه فلا يأمن مكره.. عارف باللّٰه فيعظم منته.. عارف باللّٰه فلا يجحد فضله.
-
ورؤية الحق علىٰ الله تعالىٰ: فتجده يخاطب ربه قائلًا: أنا صليت لِمَ لا تستجيب دعائي؟! ظن أن له حقًا علىٰ اللّٰه، واللّٰه ليس عليه حق بل هو سبحانه متفضل من كل جانب.
-
والاستغناء الذي هو عين الجبروت والتوثُّب علىٰ الله تعالىٰ: فهو يظن أنه ليس فقيرًا إلىٰ اللّٰه، قلبه غير ساجد للّٰه، أهل اللّٰه يقولون: إذا سجد قلبك لربك لا يقوم أبدًا، يسجد وينتهي الأمر -فاللهم أسْجِدْ قلوبنا إليك- فكل الكائنات ساجدة له سبحانه وتعالى. فالقلب محل اللطيفة -كالعقل محله المخ- القلب الجسم الصنوبري الذي يَطَّلِع عليه الأطباء عندما يفتحونه ويجدون فيه شرايين وأوردة ودمًا، هذا المحل للقلب الذي هو لطيفة من لطائف الإنسان التي جعلها ربنا خمس لطائف: القلب والروح والسر والخفي والأخفىٰ، فالقلب هذا لطيفة من لطائف مظهر وإظهار تجليات اللّٰه سبحانه وتعالى علىٰ الإنسان.. محل للترقي في معرفة اللّٰه.
التوثب على الله ومنازعته في الكبرياء والعزة وخطر الجبروت
والتوثب علىٰ اللّٰه بالمنازعة فيما ليس لك..أنت تدخل في دائرة الجبروت، والجبروت ليس لك.. الجبروت إنما هو للّٰه؛ وفي الحديث القدسي: «قَالَ اللّٰهُ ﻷ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعِزَّةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أُلْقِيهِ فِي النَّارِ» [11].
افهم، استيقظ، تب، ارجع، لا تَفْتَرِ علىٰ اللّٰه تعالىٰ.. كأنه يصرخ فيك ويحجزك عن النار.
وتوبة الأوساط: وهم الخاصة الذين ذهبوا إلىٰ الشاطئ الآخر ولم يرجعوا.
من استقلال المعصية: فقد يقول أحدهم: إن اللّٰه سبحانه وتعالى كتب عليّ هذه المعصية.. فماذا أفعل؟! قد يحصل للخاصة هذا الخاطر فيحدث له استهانة بالمعصية؛ يعني يظن أن هذه المعصية بسيطة فاللّٰه سبحانه وتعالى هو الذي كتبها عليّ ولا دخل لي، وهذا الأمر يحتاج إلىٰ توبة، ولكن لابد في بداية التوبة أن تستعظم المعصية ثم تنساها حتىٰ تستطيع أن تكمل طريقك، لكن في البداية لابد أن تستعظمها، فالخاصة تحصل لهم أحوال لأنهم ملتفتون لرحمة اللّٰه والرجاء في وجهه والإيمان بقدره..؛ فيستقلون المعصية؛ يقولون: ربنا الذي كتبها عليّ ماذا أفعل؟! نقول له: لا تجعل قلبك يتراخىٰ إلىٰ هذا الحد، نعم أنت تطمع في وجه اللّٰه وفي كرمه وفي عفوه ومغفرته، ولكن وازن الأمور.. وازن بين الخوف والرجاء حتىٰ لا تتجرأ علىٰ المعصية باستقلالها، لأنك لو استقللت المعصية تجد نفسك تشتهيها وتستهين بها وفي هذا عدوان علىٰ شرع اللّٰه؛ قال: «وهو عين الجرأة والمبارزة ومحض التزيين بالحمية والاسترسال للقطيعة».
توبة الأوساط من استقلال المعصية وخطر الاستهانة بالذنوب
توبة الأوساط من استقلال المعصية، واستقلال المعصية والاستهانة بها هو عين الجرأة على اللّٰه ونواهيه، ومن فعل ذلك فقد بارز اللّٰه وتعرض لسخطه، لأنه يجهر بما نهىٰ اللّٰه عنه ولا يستعظمه ظنًا منه أن هذا أمر هين في صفة عفو اللّٰه سبحانه وتعالى في حين أنه محض التزين من النفس والهوىٰ والشيطان، وأساسه الرضا عن النفس، فلا يزال كذلك حتىٰ يقطع ما بينه وبين ربه وهو لا يدري، فالخواص يلتفتون إلىٰ هذا المعنىٰ ويتوبون منه وإذا وقع أحدهم في الذنب فإنه يبادر بالعودة إلى ربه تائبًا.
توبة الخواص من تضييع الوقت ودوام التكاليف مع علو المقام
«وتوبة الخواص من تضييع الوقت»: أي خواص الخواص، وهم من ذهبوا إلىٰ الشاطئ الآخر ورجعوا مرة ثانية؛ فلا يدعي أحد أنه قد وصل لرتبة قد رفعت عنه التكاليف فيها.
عن عائشة قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّٰهِ إِذَا صَلَّىٰ قَامَ حَتَّىٰ تَفَطَّرَ رِجْلاَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللّٰهِ أَتَصْنَعُ هذَا، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» [12].
لا شيء عندنا في الشريعة يسمىٰ سقوط التكاليف، فلو سقطت لكان الأولىٰ بذلك المثل الأعلىٰ والأسوة العليا صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان الأمر علىٰ غير ذلك، وكان كلما ترقىٰ مع ربه صلى الله عليه وآله وسلم ازداد عبادة له حتى تعلق قلبه به في سهوه وفي إدراكه، وفي نومه وفي يقظته... وفي كل شيء، فكانت تنام عيناه ولا ينام قلبه كما ورد في الحديث الصحيح أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم:
حال قلب النبي في النوم واليقظة وإنفاقه وثبات التكاليف
«تَنَامُ عَيْنِي وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي» [13]، وكان سهوه صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة بناءً على أن قلبه قد انشغل باللّٰه فانشغل عن حركات الصلاة، فلا يدري كم صلىٰ لانشغال قلبه به سبحانه وتعالى، ولم يوقف لا صلاة ولا صيامًا ولا قيام ليل ولا زكاة، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يخزن لأهله تموين سنة [14]، فيأتي الفقير فيعطي له، ويأتيه آخر فيعطي له وهكذا..؛ فلا ينقضي الشهر إلا وينتهي ما ادخره صلى الله عليه وآله وسلم للسنة، ويظلون طوال السنة بلا شيء؛ لأن قلبه صلى الله عليه وآله وسلم كان معلقًا باللّٰه، كان يُطَمْئِنُ الناس حوله أما هو صلى الله عليه وآله وسلم فقد وصل إلىٰ الغاية الكبرىٰ، فعرفنا من ذلك أن توبة الخواص إنما تكون من تضييع الأوقات، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
كمال مقام التوبة: من تضييع الوقت إلى التوبة من رؤية التوبة
فإنه -أي تضييع الوقت- «يدعو إلىٰ درك النقيصة، ويطفئ نور المراقبة، ويكدر عين الصحبة.
ولا يتم مقام التوبة إلا بالانتهاء إلىٰ التوبة مما دون الحق سبحانه وتعالى»؛ يعني تتوب من الخلق، يعني قلبك لا يتعلق إلا باللّٰه.. طلبًا ورجاءً وخوفًا.. وكل شأنك؛ وهذا يسير علىٰ من يسره اللّٰه عليه، وعسير علىٰ من لم ييسره اللّٰه عليه ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ * ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة:45-46].
ثم من رؤية تلك التوبة، ثم التوبة من رؤية تلك العلة: يعني تتوب من الخلق وتذهب إلىٰ الحق بكليتك ثم تتوب من أنك تبت! فأنت تظن أن هذه التوبة أنت الذي عملتها؛ فتتوب من هذا المعنىٰ؛ فاللّٰه هو الذي خلقها فيك، ثم بعد ذلك تتوب من أن اللّٰه هو الذي خلقها فيك، حذراً أن يكون معناها أن هناك جبر فتتوب من الجبر، متوكلًا علىٰ اللّٰه حق توكله بالتسليم والرضا المحض.
هذا معنىٰ التوبة وهو أول الدرجات سيرًا بعد اليقظة ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ [الجمعة: 4]، أحدهم يفتح عليه في ثلاثة أيام آخر يفتح عليه في ثلاثين سنة، والرضا والتسليم مع الكل، والكل من المسلمين المحكوم لهم بالنجاة يوم القيامة، وإنما من عَبَدَ ربه طمعًا في دنيا يحصلها أو في آخرة يريدها- ليس كمن عبد ربه حبّا فيه سبحانه وتعالى!
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الفرق بين الثقة بالله والغرور في مقام التوبة؟
الثقة أن تؤمن بأنه التواب الرحيم متذللًا له، والغرور أن ترى على الله حقًا في القبول
لماذا يُعدّ نسيان الذنب بعد التوبة منه ركنًا من أركان سرائر التوبة؟
لأنه يدفع النفس عن اليأس من رحمة الله الذي هو كفر
ما حكم اليأس من رحمة الله والقنوط من مغفرته؟
كفر
ما الدليل القرآني الذي استند إليه الشيخ على وجوب تجديد التوبة دائمًا؟
﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾
ما الحكمة من أن الله لم يعصم العبد من الذنب وفق اللطيفة الأولى؟
ليكسر نفسه ويبعده عن الكبر الذي قد يتولد من الطاعة
ما الذي قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جيء إليه برجل زنى وادّعى أنه لم يزنِ قبل ذلك؟
كذبت إن الله لا يفضح عبده بأول معصية
ما علامات قبول التوبة التي ذكرها المصنف؟
انتظام العبد في الصلاة والذكر والصيام وفعل الخير بعد أن كانت عسيرة عليه
ما توبة العوام وفق درجات السالكين؟
التوبة من استكثار الطاعة والتفاخر بها
ما توبة الأوساط من الخواص؟
التوبة من استقلال المعصية والاستهانة بها
ما توبة خواص الخواص؟
التوبة من تضييع الوقت ثم من رؤية التوبة ذاتها
ما الثلاث مهلكات التي يسببها استكثار الطاعة؟
جحود نعمة الستر، ورؤية الحق على الله، والاستغناء الذي هو عين الجبروت
ما الحديث القدسي الذي يبين خطر منازعة الله في الكبرياء والعزة؟
الكبرياء ردائي والعزة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في النار
ما المعنيان اللذان يخلي الله بهما العبد والذنب؟
ليعرف عزته في قضائه وبره في ستره وحلمه في إمهاله، أو ليقيم عليه حجة عدله
ما الذي استغفر منه أحد الصالحين عشرين سنة؟
من قوله الحمد لله لأنه نسي مصائب المسلمين وفرح بنجاة نفسه فقط
ما دلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناي ولا ينام قلبي على مسألة التكاليف؟
أن التكاليف ثابتة ولا تسقط عن أحد مهما علا مقامه
ما سرائر حقيقة التوبة الثلاثة؟
تمييز الثقة بالله من الغرور، ونسيان الجناية بعد تعظيمها، والتوبة من التوبة أبدًا باتهام النفس في إخلاصها.
لماذا يُعدّ اليأس من رحمة الله كفرًا؟
لأن القنوط من رحمة الله يعني تكذيب صفاته سبحانه كالتواب والرحيم والغفور، وقد نهى الله عنه صراحة.
ما معنى التوبة من التوبة؟
هو اتهام النفس في إخلاص توبتها، فيستغفر العبد من استغفاره غير المخلص ومن عدم حضور قلبه فيه.
ما الآية القرآنية الدالة على وجوب تجديد التوبة؟
قوله تعالى ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [النور: 31]، وهي متجددة تتلى كل يوم.
ما اللطيفة الأولى من لطائف أسرار التوبة؟
النظر إلى الجناية ومعرفة مراد الله فيها، إذ ربما أراد بها كسر نفس العبد وإبعاده عن الكبر الذي قد يتولد من الطاعة.
كيف تتحول السيئة إلى حسنة؟
بالذل والانكسار لله الذي يتولد عن التوبة منها، فيبدل الله السيئات حسنات لمن فهم مراده وتاب صادقًا.
ما المعاني الأربعة التي يعرفها العبد من تخلي الله بينه وبين الذنب؟
عزة الله في قضائه، وبره في ستره، وحلمه في إمهال راكب الذنب، وكرمه في قبول المعذرة وتوفيق العبد للطاعة.
ما قول عمر بن الخطاب حين جيء إليه بسارق وقالت أمه إنها أول سرقة؟
قال: كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة، مستدلًا بعلمه بكرم الله وستره.
ما اللطيفة الثانية من لطائف أسرار التوبة؟
أن يعلم التائب أن العمل من عند الله، فيسير بين مشاهدة المنة وتطلب عيب النفس والعمل، راضيًا عن ربه حتى في الابتلاء.
ما اللطيفة الثالثة من لطائف أسرار التوبة؟
مشاهدة الحكم الرباني التي تجعل العبد يعلم أن الطاعة بالتوفيق والمعصية بالابتلاء، مع الحفاظ على الفرق الجوهري بين الحسنة والسيئة.
ما درجات السالكين الثلاث في مثل البحر؟
العوام وقفوا على الشاطئ ولم يركبوا، والخواص ذهبوا ورجعوا، وخواص الخواص ذهبوا وتاهوا في البحر ولم يرجعوا.
ما توبة العوام وما الخطر الذي يقعون فيه؟
توبة العوام من استكثار الطاعة والتفاخر بها، وخطرهم الوقوع في ثلاث مهلكات: جحود الستر، ورؤية الحق على الله، والاستغناء.
لماذا يُعدّ استقلال المعصية جرأة على الله؟
لأن الاستهانة بما نهى الله عنه مبارزة له وتعرض لسخطه، وأساسه الرضا عن النفس والهوى والشيطان.
ما توبة خواص الخواص وما الدليل على ثبات التكاليف؟
توبتهم من تضييع الوقت ثم من رؤية التوبة ذاتها. والدليل على ثبات التكاليف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تسقط عنه صلاة ولا صيام ولا قيام ليل رغم علو مقامه.
كيف يكتمل مقام التوبة في أعلى درجاته؟
بالتوبة مما دون الحق سبحانه، ثم من رؤية التوبة ذاتها، ثم من الجبر، متوكلًا على الله بالتسليم والرضا المحض.