اكتمل ✓
الفصل 11

ما هو باب التذكر في منازل السائرين وكيف يُسهم في تزكية النفس وبلوغ مقام الاستبصار؟

باب التذكر هو السادس من أبواب قسم البدايات في منازل السائرين، ويقوم على ثلاثة أبنية: الانتفاع بالعظة، والاستبصار بالعبرة، والظفر بثمرة الفكرة. التذكر فوق التفكر لأنه رفع للحجاب وجني الثمرة بعد البحث والطلب. وتزكية النفس تتحقق بشدة الافتقار، والعمى عن عيب الواعظ، وتذكر الوعد والوعيد، مع قصر الأمل والتأمل في القرآن وقلة الخلطة.

10 دقائق قراءة
  • كيف يمكن لمن يسمع المواعظ دون أثر أن يُغيّر حاله ويصل إلى التذكر الحقيقي؟

  • باب التذكر هو السادس في قسم البدايات بمنازل السائرين، ويأتي بعد اليقظة والتوبة والمحاسبة والإنابة والتفكر.

  • أبنية التذكر ثلاثة: الانتفاع بالعظة بشدة الافتقار والعمى عن عيب الواعظ وتذكر الوعد والوعيد.

  • الاستبصار بالعبرة يستلزم حياة العقل بالتحسين والتقبيح الشرعي، ومعرفة الأيام، والسلامة من الأغراض.

  • ثمرة الفكرة تُجتنى بقصر الأمل والتأمل في القرآن وقلة الخلطة والطعام والمنام والكلام والتمني.

  • نماذج المهاجرين والأنصار تُجسّد معنى جعل الدنيا في الأيدي لا في القلوب، وهو جوهر تزكية النفس.

تقسيم أبنية التذكر إلى ثلاثة أصول كبرى

أبنية التذكر ثلاثة

(1) الانتفاع بالعظة:

ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء:

  1. بشدة الافتقار.

  2. بالعمى عن عيب الواعظ.

  3. تَذَكر الوعد والوعيد.

(2) الاستبصار بالعبرة:

تستبصر العبرة بثلاثة أشياء:

  1. حياة العقل.

  2. معرفة الأيام.

  3. السلامة من الأغراض.

(3) الظفر بثمرة الفكر:

تجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء:

  1. قِصَر الأمل.

  2. التأمل في القرآن.

  3. قلة الخلطة والتمني والتعلق والشبع والمنام.

بين يدي التذكُّر

موقع باب التذكر ضمن قسم البدايات ومنازل السائرين

فبعد أَنْ ذَكَرَ بِقِسْمِ البدايات: باب اليقظة، باب التوبة، باب المحاسبة، باب الإنابة، باب التفكر، يذكر هنا السادس من الأبواب العشرة التي تمثل قسم البدايات، وقسم البدايات واحدٌ من عشرة وكل باب واحدٌ من مائة، وهناك مائة خطوة مقسمة إلىٰ عشر مراحل أو طبقات أو أقسام، وكل واحدة من العشرة فيها عشرة أبواب أو خطوات، فنحن الآن في الطبقة الأولىٰ وفي الخطوة السادسة.

تيقظ الإنسان من غفلته وعرف حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال، وأنها لم تبق لأحد من قبل، وهذه هي حقيقة اليقظة.

تيقظ وعرف أنه لا حول ولا قوة إلا باللّٰه، وأنه لا حول ولا قوة به، ولا يستطيع أن يُحدِثَ في الكون إلا ما أراد اللّٰه وبإذن اللّٰه..؛ فإنه لا يكون في كونه إلا ما أراد.

حقيقة اليقظة ومعرفة العبد لعجزه ولا حول له

تيقظ فعرف أنه عبد مُكَلّف يجب عليه أن يأتمر بأمر ربه سبحانه وتعالى فيقف عند أوامره ويفعلها، وعند نواهيه فينتهي عنها، وعند حدوده فلا يتعداها.

تيقظ فعرف أن هناك يومًا آخر نعود فيه إلىٰ اللّٰه وليست المسألة دنيا فقط والحساب يكون فيها وينتهي الأمر، وأنه كما نشأنا من تراب نعود إلىٰ تراب، ليس الأمر كذلك ولكن هناك يوم آخر للحساب، للثواب، للعقاب، يحقق فيه ربنا سبحانه وتعالى وعده بالجنة ووعيده بالنار. جعلنا اللّٰه تعالىٰ من أهل الجنة وأبعدنا عن النار آمين.

تيقظ فعرف حقيقة الأمر. فإن حقيقة الأمرِ مع اللّٰه سبحانه وتعالى: التسليم والرضا بما قد كتبه اللّٰه لك أو عليك. وحقيقة الأمر مع العباد: الرحمة.

حقيقة الأمر مع النفس والشرع ووجوب المبادرة بالتوبة

وحقيقة الأمر مع النفس: الهِمة للعمل الصالح وللتصديق الصحيح.

حقيقة الأمر مع الشرع: أن يكون عندك سمع وطاعة ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].

عندما يعرف الإنسان حقيقة الأمر فإنه يجب عليه أن يبادر بالتوبة.

يتوب من المعاصي حتى يدخل دائرة التكليف.

يتوب من السوىٰ -كل ما سوىٰ اللّٰه- حتىٰ يصل إلىٰ التوكل الصادق علىٰ اللّٰه. ويرجع عما هو عليه: يتوب من تقصيره في حقوق اللّٰه، ويتوب من هضمه حقوق الناس. ويهيئ نفسه للحياة الجديدة مع اللّٰه، ويترك ما قد مضىٰ وكان.

باب المحاسبة ثم الإنابة كتنفيذ لعهد التوبة

فإذا هو فعل ذلك فعليه أن يحاسب نفسه وأن يتذكر خطاياه، وأن يَعُدَّ نعمة اللّٰه حتىٰ يعجز عن عدها فيخضع له سبحانه وتعالى - وهو باب المحاسبة.

فإذا فعل ذلك فلابد عليه من تنفيذ ذلك العهد الذي عاهده مع اللّٰه في التوبة، فالتوبة عهد، والإنابة عمل وتنفيذ للعهد، فليبدأ في تنفيذ عهده؛ فينخلع من دائرة المعصية إلىٰ دائرة الطاعة، ومن دائرة الظلمات إلىٰ دائرة النور، ومن دائرة التعلق بالسوىٰ -سوىٰ اللّٰه- إلىٰ أن يكون قلبه ليس فيه إلا اللّٰه.

مقام التفكر بالبصيرة وعلاقته بالتذكر ورفع الحجاب

بعد الإنابة يأتي دور التفكر ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]، وقلنا في التفكر: إن البصيرة ترىٰ كما يرىٰ البصر، ولكن البصيرة من عيون القلب والبصر من عيون الجوارح، البصر ينظر ويتلفت ويطلب مراده حتىٰ يراه، والبصيرة أيضًا تطلب مرادها حتىٰ تراه، فالبصيرة تحاول أن تفعل شيئًا للّٰه تصل به إليه.

والتذكر هو الوصول للشيء، يعني: كالعلاقة بين الإنابة والتوبة، فالتوبة نظر والإنابة عمل، كذلك التفكر فهو عبارة عن بحث، لكن التذكر جني الثمرة.

إذن التذكُّر بعد التفكُّر.. وبعد؛ فلا شـيء يفيد إلا باليقظة لأنــه لا تكليف علىٰ غافل.

التذكر فوق التفكر وبدء شرح الانتفاع بالموعظة

بَـابُ التَّذَكّر

«قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: 13]»: التذكر فوق التفكر فالشيخ لم يكتبها اعتباطًا، ولكنه فاهم أن التذكر فوق التفكر، ولذلك ذكر باب التذكر بعد باب التفكر، فالتفكر بحث وطلب، والتذكر رفع للحجاب أي تنفيذ لما حَصّلته من طلب.

«وأبنية التذكر ثلاثة أشياء: العناصر والمكونات:

  1. «الانتفاع بالعظة»: فعندما تُلْقَىٰ تؤثر في القلوب، والغافل لا تؤثر فيه العظة حتىٰ يتيقظ.

الموعظة تفعل بأهلها فعل السحر، يقول رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا» . كان الصحابة -لأنهم متيقظون، وكلما تيقظت كلما كنت أقرب إلىٰ اللّٰه- يسمعون الموعظة فربما يموت أحدهم من شدة شوقه لربه، يريد أن يخرج من جسمه، يريد أن يخرج من هذا الكون من شدة اشتياقه للقاء ربه، هؤلاء جاهدوا في سبيل الله، هؤلاء الذين لما سمعوا أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم قد مات قالوا: نريد أن نموت علىٰ ما مات عليه، فكانت الموعظة إذا جاءتهم أثرت فيهم.

تهيئة النفس للموعظة والاستبصار بالعبرة في الحوادث

فحتىٰ تجني الثمرة ويُرفع الحجاب لابد أن تهيئ نفسك للاستفادة بالموعظة بحيث أن تنزل الموعظة عليك فإذ بها تثيرك للّٰه وتدفعك إلىٰ الأمام وتُغَير حالك.

  1. والاستبصار للعبرة: لابد أن يكون عندك طلب لتُبصر العبرة، فالعِبرة وراء كل شيء.

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ * تَدُلُّ عَلَىٰ أَنَّهُ وَاحِدٌ

فمثلًا، إذا شتمك أحد تعلم أن اللّٰه قد سلطه عليك لاختبارك أنت، فتقول: سبحانك تبت إليك، فأنت لا تراه ولا تسمعه فلا ترىٰ إلا قدر اللّٰه ومن ورائه حكمته، ويحيط بذلك كله لطفه سبحانه وتعالى، لو أن الناس فهمت ذلك لفازوا بسعادة الدارين، لكن الناس نسيت اللّٰه ونسيت حوله وقوته وتعتمد علىٰ حولها هي وقوتها، وعندما يشتمه أحد يعتبرها إهانة ولابد أن يردها مضاعفة، ولو تأنَّىٰ، وكان رده بالمثل أو لو صبر فهو خير له، قال تعالىٰ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّٰبِرِينَ ‎* وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ﴾ [النحل: 126-127]، يأخذ بيدك إلىٰ الإحسان رويدًا رويدًا، شيئًا فشيئًا.

فهم الامتحان الالهي في الاساءة وباب الظفر بثمرة الفكرة

لكن الحقيقة أن هذا الرجل لم يسبك ولم يشتمك ولا فعل شيئًا، ولكن اللّٰه يمتحنك وأنت ترسب في الامتحان كل مرة! فإذا سئل كم مرة رسبت؟ يقول: ولا مرة وهو يفشل مع اللّٰه كل يوم..! يعطون في الكليات سنتين أو ثلاثة فرصة إعادة ثم يفصلونك، لكن ربنا يعطيك كم فرصة! مفتوحة إلى الغرغرة.. انظر إلىٰ سعة رحمة اللّٰه الواسع.

  1. «والظفر بثمرة الفكرة»: الثمرة هي رفع الحجاب.

«وإنما ينتفع بالموعظة بعد حصول ثلاثة أشياء:

  1. بشدة الافتقار»: لابد أن تشعر أنك محتاج إلى الموعظة.

شدة الافتقار والعمى عن عيب الواعظ وتذكر الوعد والوعيد

  1. «وبالعمىٰ عن عيب الواعظ»: يقول سيدنا علي رضي الله عنه: «لا يضرك من يقول..؛ اسمع ما يقال»..؛ فاللّٰه سبحانه وتعالى يُجري علىٰ لسانه ما أراد أن يبلغه للناس، انتفع بما يقال حيث هو الذي وصل إليك أنت، لا يضرك بعد ذلك من القائل أهو فاسق.. طيب.. شرير.. مخطئ.. مصيب.. فكل ذلك على نفسه، لكن الموعظة نفسها تَدَبَّرْها ولا يمنعك عيب الواعظ وتقول: إنه يخطئ في النحو.. إنه يخطئ في القرآن.. لا يعلم شيئًا في الحديث.. إنه جاهل، اسمع ماذا يقول! يقول لك: اتق اللّٰه. تمسك بها وطبقها ولا يضرك ممن خرجت، ولا تنظر إلى شخص الواعظ وحاله أبدًا.

  2. «وتذكُّر الوعد والوعيد»: لابد أن تتذكر وَعْد اللّٰه بالجنة، فيدفعك إلى الرجاء في اللّٰه، وتكون في حالة رجاء، ولكن هذا الرجاء لا تستهين معه بالمعصية فتقول ربنا غفور رحيم وتنغمس فيما يغضبه.. هناك وعيد، والوعيد ينشئ الرهبة، والرهبة تنشئ خوفًا، ولكن لا تخف حتىٰ تيأس من رحمته! لأنه رحيم وواسع، واحذر أن تقول إنه قد غضب عليّ فلا فائدة.. كذلك لا تعكسها معتمدًا علىٰ سعة عفو اللّٰه تعالىٰ ورحمته.. كن بين الرجاء والخوف وهذه هي الحكمة ﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ﴾ [البقرة:269].

حياة العقل بالتحسين والتقبيح الشرعي وتمييز الحسن والقبيح

«وإنما تستبصر العبرة بثلاثة أشياء:

  1. بحياة العقل»: عقل تعرف به الحسن والقبيح، فالحسن ما حسَّنه اللّٰه، والقبيح ما قبَّحه اللّٰه. الحسن: الواجبات كالصلاة والصوم والحج.. إلخ، والمندوبات والمباح كل هذا حسن؛ لأن اللّٰه سبحانه وتعالى حسَّنه وهذا هو حياة العقل، فحياة العقل تتم بالتحسين والتقبيح، ولكن ليس من ذاته إنما من الشرع.

السرقة، الزنا، الربا، كلها أمور قبيحة من القاذورات والعاقل خصيم نفسه، فإذا وهبك اللّٰه تعالىٰ عقلية فارقة تفرق بين الحسن والقبيح، بين الحق والباطل تجد أن بصيرتك قد أنارت، وهذا هو المقياس الذي ستسير عليه.

معرفة الأيام وتعظيم الوقت ثم السلامة من الأغراض

  1. «ومعرفة الأيام»: الالتفات إلىٰ أن اليوم الذي يذهب لا يأتي مرة أخرىٰ، الالتفات إلىٰ أننا نريد أن نعمر أوقاتنا ونعمر أيامنا بكل ما يقربنا إلىٰ اللّٰه تعالىٰ، ومعرفة أيام اللّٰه وشأنه فيك وفي الآفاق؛ فتجعلك عاقلًامدركًا لزمانك ووقتك فتقوم بحق وقتك وواجبه.

الإمام الشافعي يقول: صاحبت الصوفية فتعلمت منهم كلمتين: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ولا تحزن على شيء فاتك.

  1. «والسلامة من الأغراض»: التخلية والتحلية؛ تُخَلِّي قلبك من القبيح، وتحليه بالصحيح، تخرج من قلبك التعلق بالدنيا، وتملأه بالتعلق باللّٰه وصفات اللّٰه من جمال وجلال، فتتخلق بالجمال وتتعلق بالجلال، كن رحيمًا عفوًا، ولا تكن منتقمًا أو متكبرًا أو جبارًا، ولكن تعلق بصفات اللّٰه تعالىٰ المنتقم المتكبر الجبار، وادع ربك أن ينتقم لدينه وينصر أولياءه، ويرد كيد أعدائه في نحورهم، ويجعل ثأرنا علىٰ من ظلمنا ويجعل الدائرة عليهم ويشفي صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم.

قصر الأمل بين العمل للآخرة وعمارة الدنيا بلا تعلق

«وإنما تجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء:

بِقِصَرِ الأمل»: الإنسان يخطط الخطة لسنوات طويلة، وهو لا يدري أنه يموت غدا..؛ « واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا» ، فهذه الليلة قم بالليل.. هذه آخر فرصة، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا يعني الذي ضاع منك اليوم تحصله غدًا، وإذا ضاع غدًا تحصله بعد غد، وهذا ليس معناه أن نترك الدنيا ولكن معناه أن لا نتعلق بها، اجعلوها في أيديكم ولا تجعلوها في قلوبكم، هناك فرق كبير، كن قويًا ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]، «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَىٰ اللّٰهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَىٰ مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللّٰهِ وَلاَ تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللّٰهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ. فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» ، اجعل الدنيا كلها في يديك ولكن لا تفرح بالموجود ولا تحزن علىٰ المفقود، يمكن أن تتركها في لحظة للّٰه من غير تأويل ولا تردد، وأنت في نيتك أنك تبدأ في تحصيلها مرة أخرىٰ للّٰه أيضًا.

نماذج المهاجرين والأنصار في ترك التعلق بالدنيا وتحقيق القوة

انظر إلىٰ من خرجوا مهاجرين ينصرون اللّٰه ورسوله.. خرجـوا مـن أموالهـم وديـارهم فماذا كان في شأنهم؟ مدحهم اللّٰه ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ [الحشر: 8]، هؤلاء هم الصادقون حقًا.. لماذا؟ تدبر.. وهؤلاء الأنصار ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةًۭ مِّمَّآ أُوتُوا۟ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌۭ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]، وصلوا إلى هذا المدح والمديح والمدحة من رب العالمين؛ لأنهم جعلوا الدنيا في أيديهم، لكنهم لم يجعلوها أبدًا في قلوبهم، فإذا تعلقت القلوب بالدنيا أذلتها، فلابد أن تخرج الدنيا من قلوب الناس لا من أيديهم.

نحن الآن نريد أن نُحَصِّل الدنيا كلها، ونحصل ما استطعنا من قوة، تعميرًا لا تدميرًا، نريد أن نأتي بها ولكن في أيدينا وليس في قلوبنا ﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]، العراق لم يكن لديه أسلحة دمار شامل فغزوها، كوريا كان عندها (القنبلة الذَّرية) فلم يغزوها، نريد أن نقول لهم: ارتدعوا فابقوا مكانكم! ولكن لا نستعملها مثلهم كما استعملوها في (هيروشيما وناجازاكي) ، القوة حين تكون تحت يد المسلمين لردع المعتدين فهذا شأن آخر.

وسائل عملية لقصر الأمل والتأمل في القرآن وقلة الخلطة

كيف نصل إلىٰ قصر الأمل؟ اجلس بعد العشاء ثلاث دقائق وأغمض عينيك وتخيَّل نفسك في القبر وأنك مت، ولا تزد علىٰ هذه الدقائق؛ فاللّٰه سبحانه وتعالى يريدك أن تعمر الدنيا ويريدك أن تعبده.. إنما هذا دواء تأخذ منه الجرعة المناسبة حتىٰ تتزن معك الأمور.

  1. «والتأمل في القرآن»: كلما تتأمل فيه كلما خرجت بمعنى جديد، كلما تدبرت فيه كلما تجد معانٍ راقية وحكم رائقة وتتأسس به وينفتح معك، ولا يوجد كتاب هكذا أبدًا! يجعلك ترفع الحجاب وهذا يجعل هناك صلة بينك وبين اللّٰه.

  2. وقلة الخلطة والتمني والتعلق والشبع والمنام: قلة الأنام، وقلة الطعام، وقلة المنام، وقلة الكلام، تُوصِّلُكَ إلىٰ السلام وتُخرج من قلبك الحطام. قلة الأنام يعني: الناس؛ لا تخالط إلا الصحبة الطيبة، يقول رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمَرْءُ عَلَىٰ دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» ﴿وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، يعني اختاروا الصحبة لأن البيئة تؤثر في الإنسان، ويروي لنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا. فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَىٰ رَاهِبٍ. فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا. فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لاَ. فَقَتَلَهُ. فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً. ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ. فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَىٰ أَرْضِ كَذَا وَكَذَا. فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللّٰهَ فَاعْبُدِ اللّٰهَ مَعَهُمْ..» إلىٰ آخر الحديث.. يؤخذ منه أن باب التوبة مفتوح حتىٰ بعدما قتل مائة، وأنه لابد أن يُغَير البيئة أي: الصحبة، فالصحبة عليها درجة كبيرة.

أَلْقَاهُ فِي الْيَمِّ مَكْتُوفًا وَقَالَ لَهُ * إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَبْتَلَّ بِالْمَاءِ

هذا تكليف بما لا يطاق! فلابد من الصحبة الحسنة الطيبة؛ لأن الله أمر بها قال «مع» ولم يقل «من» الصادقين ﴿وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، يعني: كن صادقًا واحرص علىٰ صحبة الصادقين...؛ تُقَلِّل الكلام وتُقِّلِل الطعام وتُقَلِل المنام فيخرج من قلبك الحطام ويتجلىٰ فيه السّلام سبحانه وتعالى، سلام في النفس، والسلام من أسماء اللّٰه، وقلة التمني والتعلق؛ لأنك تتمنىٰ الحطام وتتعلق بما سوىٰ اللّٰه... نحن نريد اللّٰه فقط.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كم عدد أبواب قسم البدايات في منازل السائرين؟

عشرة أبواب

ما الباب الذي يسبق التذكر مباشرة في منازل السائرين؟

التفكر

ما الشرط الثاني للانتفاع بالموعظة وفق أبنية التذكر؟

العمى عن عيب الواعظ

ما الذي يُنشئه تذكر الوعيد في نفس العبد؟

الرهبة والخوف

ما المقصود بحياة العقل في الاستبصار بالعبرة؟

التمييز بين الحسن والقبيح وفق الشرع

ما قول الإمام الشافعي عن الوقت الذي استشهد به في باب معرفة الأيام؟

الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك

ما الفرق بين التوبة والإنابة في منازل السائرين؟

التوبة نظر وعهد والإنابة عمل وتنفيذ

ما الوسيلة العملية التي ذُكرت لتحقيق قصر الأمل؟

الجلوس بعد العشاء ثلاث دقائق وتخيّل النفس في القبر

ما الدرس المستفاد من حديث قاتل المئة نفس في سياق تزكية النفس؟

أن باب التوبة مفتوح وأن تغيير البيئة والصحبة ضروري

ما معنى السلامة من الأغراض في الاستبصار بالعبرة؟

التخلية بإخراج التعلق بالدنيا والتحلية بالتعلق بالله

ما الآية التي استُشهد بها على مدح الأنصار لإيثارهم على أنفسهم؟

﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

ما الحكمة من قلة الخلطة في تزكية النفس؟

اختيار الصحبة الصالحة لأن البيئة تؤثر في الإنسان

ما الذي يُميّز التذكر عن التفكر في منازل السائرين؟

التذكر رفع للحجاب وجني الثمرة بينما التفكر بحث وطلب

ما الحال التي وصفها القرآن بأنها خير كثير في سياق الرجاء والخوف؟

الحكمة بالتوازن بين الرجاء والخوف

ما هي أبنية التذكر الثلاثة في منازل السائرين؟

الانتفاع بالعظة، والاستبصار بالعبرة، والظفر بثمرة الفكرة.

ما الشروط الثلاثة للانتفاع بالموعظة؟

شدة الافتقار، والعمى عن عيب الواعظ، وتذكر الوعد والوعيد.

ما الشروط الثلاثة للاستبصار بالعبرة؟

حياة العقل، ومعرفة الأيام، والسلامة من الأغراض.

ما الشروط الثلاثة لاجتناء ثمرة الفكرة؟

قصر الأمل، والتأمل في القرآن، وقلة الخلطة والتمني والتعلق والشبع والمنام.

ما حقيقة الأمر مع الله ومع العباد ومع النفس؟

مع الله: التسليم والرضا. مع العباد: الرحمة. مع النفس: الهمة للعمل الصالح والتصديق الصحيح.

ما الفرق بين التفكر والتذكر في سلوك منازل السائرين؟

التفكر بحث وطلب بالبصيرة، والتذكر رفع للحجاب وجني الثمرة، وهو أعلى مرتبة.

ما معنى العمى عن عيب الواعظ؟

ألا يمنعك خطأ الواعظ أو فسقه من الانتفاع بما يقول، فالموعظة تُتدبّر بصرف النظر عن حال قائلها.

ما الحكمة من تذكر الوعد والوعيد معاً؟

تذكر الوعد يُنشئ الرجاء وتذكر الوعيد يُنشئ الخوف، والحكمة أن يكون العبد بينهما دون إفراط.

ما معنى التخلية والتحلية في السلامة من الأغراض؟

التخلية إخراج التعلق بالدنيا من القلب، والتحلية ملؤه بالتعلق بالله وصفاته من جمال وجلال.

ما الدرس الذي يُؤخذ من قصة قاتل المئة نفس؟

باب التوبة مفتوح مهما عظمت الذنوب، ولا بد من تغيير البيئة والصحبة لإتمام التوبة.

ما معنى جعل الدنيا في الأيدي لا في القلوب؟

السعي لتحصيل الدنيا والقوة دون التعلق بها قلبياً، بحيث يستطيع تركها لله في أي لحظة دون تردد.

لماذا مُدح المهاجرون بأنهم الصادقون في القرآن الكريم؟

لأنهم خرجوا من ديارهم وأموالهم ابتغاء فضل الله ونصرة رسوله، فجعلوا الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم.

ما الوسيلة العملية لتحقيق قصر الأمل يومياً؟

الجلوس بعد صلاة العشاء ثلاث دقائق وتخيّل النفس في القبر كجرعة دواء للتوازن الروحي.

ما أثر التأمل في القرآن على تزكية النفس؟

كلما تأمل العبد في القرآن خرج بمعنى جديد وارتفع الحجاب وتأسست صلة حقيقية بينه وبين الله.

ما الآية التي استُشهد بها على وجوب اختيار الصحبة الصالحة؟

﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، وقال الله «مع» لا «من» الصادقين أي كن صادقاً واحرص على صحبتهم.

ما الترتيب الكامل لأبواب قسم البدايات في منازل السائرين؟

اليقظة، التوبة، المحاسبة، الإنابة، التفكر، التذكر، وتتبعها أبواب أخرى حتى تكتمل العشرة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!