ما هو الناسخ والمنسوخ وما معنى النسخ وتعريفه في أصول الفقه؟
الناسخ والمنسوخ مصطلحان أصوليان يدوران حول رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. وقد تعددت تعريفات النسخ عند الأصوليين؛ فعرّفه الباقلاني بأنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، وعرّفه الغزالي بأنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم مع تراخيه عنه، وعرّفه البيضاوي بأنه بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ عنه. والخلاف بين هذه التعريفات يرجع إلى اختلافهم في كون النسخ رفعاً للحكم أم بياناً لانتهاء أمده.
- •
ما الفرق بين القول بأن النسخ رفع للحكم وبين القول بأنه بيان لانتهاء أمده، وكيف أثّر هذا الخلاف في تعريفات الأصوليين؟
- •
عرّف الباقلاني وابن الحاجب والسبكي النسخ بأنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، مع اشتراط أن يكون الحكم ثابتاً بخطاب شرعي لا بالبراءة الأصلية.
- •
عرّف الغزالي والآمدي النسخ بأنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، مع اشتراط التراخي الزمني لتمييزه عن البيان والاستثناء.
- •
عرّف البيضاوي النسخ بأنه بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ، وهو تعريف يشمل نسخ فعل الرسول والتلاوة دون الحكم.
- •
ناقش الأصوليون إشكالات جوهرية على كل تعريف، منها: رفع التكليف عن النائم والمجنون، وقِدَم كلام الله، ونسخ التلاوة المجردة، وعلاقة الإجماع بالنسخ.
- •
يفترق النسخ عن التخصيص في أن التخصيص يبين أن اللفظ لم يُرَد به إلا البعض، بينما النسخ يُخرج عن اللفظ ما أُريد به الدلالة عليه ابتداءً.
- 1
اختلف الأصوليون في تعريف الناسخ والمنسوخ؛ فعرّفه الباقلاني وابن الحاجب بأنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر.
- 2
الرفع في تعريف النسخ يعني زوال تعلق الخطاب بالمكلف، والمرفوع هو الحكم الثابت على المكلف لا ذات الخطاب القديم.
- 3
رفع البراءة الأصلية لا يُعدّ نسخاً لأن الحكم الشرعي المنسوخ يجب أن يكون ثابتاً بنص شرعي لا بمجرد الإباحة الأصلية.
- 4
رفع الحكم بالموت أو النوم أو الجنون ليس نسخاً بل سقوط تكليف، لأن النسخ يشترط وجود دليل شرعي متأخر لا عارض شخصي.
- 5
الدليل الشرعي الناسخ يشمل كلام الله وسنة الرسول قولاً وفعلاً وتقريراً، ويستوعب النسخ ببدل وبغير بدل.
- 6
قيد التراخي يُميّز النسخ عن الاستثناء والغاية المتصلة بالخطاب، ويراعي حق المكلفين الذين علموا المنسوخ قبل الناسخ.
- 7
حديث رُفع القلم لا يجعل رفع التكليف عن النائم والمجنون نسخاً، لأن العوارض ذاتها هي الرافعة والدليل مبيِّن لا رافع.
- 8
نسخ التلاوة يدخل في تعريف النسخ لأنه يترتب عليه أحكام شرعية، والاعتراض يضعف بنفي نسخ التلاوة أصلاً.
- 9
إشكال قِدَم كلام الله يُجاب عنه بأن المرفوع هو تعلق الحكم بالمكلف لا الخطاب القديم ذاته، وهذا التعلق حادث لا قديم.
- 10
عرّف الغزالي النسخ بأنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بخطاب متقدم مع التراخي، وآثر لفظ الخطاب ليشمل الفحوى والمفهوم.
- 11
قيد لولاه لكان ثابتاً يشترط استمرار المنسوخ لولا الناسخ، وقيد التراخي يُميّز النسخ عن البيان المتصل بالخطاب الأول.
- 12
النسخ يقوم على ركنين: الناسخ الرافع والمنسوخ المرفوع، والرافع الحقيقي هو الله تعالى والخطاب ناسخ بطريق التجوز.
- 13
فعل الرسول في قوة الخطاب فيدخل في تعريف الغزالي، والإجماع دليل على وجود الناسخ الشرعي لا أنه هو الناسخ.
- 14
النسخ كالكسر والفسخ يقطع حكماً كان سيدوم لولاه، وهذا يُبطل إشكال أن الثابت لا يُرفع والمعدوم لا حاجة لرفعه.
- 15
النسخ يُخرج ما كان مراداً بالخطاب ابتداءً، بينما التخصيص يبين أن اللفظ لم يُرَد به إلا البعض من الأصل.
- 16
عرّف البيضاوي النسخ بأنه بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ، وقيّده بالشرعي لإخراج البراءة الأصلية والحكم العقلي.
- 17
النسخ لا يكون بالعقل المجرد بل يشترط دليل شرعي، وإلا فُتح الباب لادعاء انتهاء الأحكام بدعوى تغير المصالح.
- 18
التراخي شرط في تعريف البيضاوي لأن الحكم يثبت بعد تمام الكلام، والنسخ يقطع تعلقاً كان سيستمر بأفعال المكلفين.
- 19
تعريف البيضاوي يشمل النسخ قبل التمكن من الفعل لأن المقصود انتهاء تعلق الحكم لا انتهاء وقت العمل به فحسب.
- 20
نسخ الخبر المجرد غير واقع أو نادر شاذ، والتعريف يُبنى على الكثرة الغالبة فلا يُعدّ هذا قادحاً في تعريف البيضاوي.
- 21
قول الراوي العدل لا يدخل في تعريف البيضاوي لأن البيان المقصود هو بيان الشارع لا الراوي، فيكون التعريف مانعاً.
- 22
الإجماع لا ينسخ بل يكون دليلاً على وجود الخطاب الشرعي الناسخ، والحكم الثابت بالإجماع مستند إلى الدليل السمعي لا إلى الإجماع ذاته.
ما هو الناسخ والمنسوخ وما تعريف النسخ عند الباقلاني وابن الحاجب؟
اختلف الأصوليون في تعريف الناسخ والمنسوخ بسبب خلافهم في كون النسخ رفعاً للحكم أم بياناً لانتهاء أمده. وقد عرّف القاضي أبو بكر الباقلاني النسخ، واختاره ابن الحاجب والسبكي والفتوحي، بأنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. وهذا التعريف يجعل النسخ مرتبطاً بإزالة حكم ثابت بخطاب شرعي سابق.
ما معنى الرفع والحكم في تعريف النسخ وما المقصود بتعلق الخطاب بالمكلف؟
المراد بالرفع في تعريف النسخ هو زوال ما يُظن من التعلق في المستقبل، وهو جنس يشمل كل إزالة حسية أو معنوية. والمراد بالحكم ما ثبت على المكلف بعد أن لم يكن ثابتاً، والمرفوع هو تعلق الحكم بالمكلف لا ذات الحكم. وقيد الحكم في التعريف يُخرج رفع غير الحكم، ويتناول ما ثبت بالأمر وما ثبت بالنهي.
لماذا لا يُعدّ رفع البراءة الأصلية نسخاً في أصول الفقه؟
قيّد الأصوليون الحكم في تعريف النسخ بكونه شرعياً لإخراج المباح بحكم الأصل وهو البراءة الأصلية. فإيجاب صوم رمضان مثلاً رفع الإباحة الأصلية وهي عدم الصوم، لكنه لم يرفع حكماً شرعياً ثابتاً بخطاب سابق. ومثل هذا الرفع لا يُعدّ نسخاً لأن البراءة الأصلية ليست حكماً شرعياً مستنداً إلى نص.
هل يُعدّ رفع الحكم بالموت أو الجنون أو النوم نسخاً في أصول الفقه؟
لا يُعدّ رفع الحكم الشرعي بالموت أو النوم أو الجنون أو النسيان نسخاً، لأن قيد الدليل الشرعي في تعريف النسخ يُخرج هذه الحالات. فالموت يُسقط التكليف لا ينسخه، والنوم والجنون والنسيان أعراض قائمة بالشخص وليست أدلة شرعية. والنسخ لا يكون إلا بدليل شرعي متأخر لا بعارض يطرأ على المكلف.
هل يشمل الناسخ والمنسوخ النسخ ببدل وبغير بدل وما مصادر الدليل الشرعي الناسخ؟
يشمل الدليل الشرعي في تعريف النسخ كلاً من النسخ ببدل والنسخ بغير بدل، لأن النسخ يقع بكليهما. والدليل الشرعي الناسخ شامل لكلام الله تبارك وتعالى، ولما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير. وهذا الشمول يجعل التعريف واسعاً يستوعب صور النسخ المختلفة.
ما أهمية قيد التراخي الزمني في تعريف الناسخ والمنسوخ وكيف يُميّزه عن الاستثناء؟
قيد التراخي الزمني في تعريف النسخ يُخرج رفع الحكم بدليل غير متأخر كالاستثناء والغاية، لأنها متصلة بالخطاب الأول لا متأخرة عنه. ولاتصالها كانت رفعاً للحكم من الأصل لا رفعاً له بعد ثبوته، فلا تُسمى نسخاً. ويلاحظ في هذا التعريف أن المعرِّف راعى حق البشر، إذ علموا المنسوخ أولاً ثم الناسخ ثانياً، أما عند الله فليس هناك رفع أصلاً لعلمه بأن الحكم سينسخ.
هل يُعدّ رفع التكليف عن النائم والصبي والمجنون بحديث رُفع القلم نسخاً للحكم الشرعي؟
لا يُعدّ رفع التكليف عن النائم والصبي والمجنون نسخاً، وإن استُدل بحديث رُفع القلم. والجواب أن شرط التكليف هو العقل، والنصوص الواردة في بيان رفع التكليف عن هؤلاء ليست رافعة بل مثبِتة لأن العوارض كالنوم والنسيان هي الرافعة لا الدليل نفسه. فالدليل بيّن أن تلك العوارض هي التي ترفع التكليف، وليس الدليل هو الرافع.
هل يشمل تعريف النسخ نسخ التلاوة المجردة دون الحكم وما الفرق بينهما؟
نوقش التعريف الأول للنسخ بأنه لا يشمل نسخ التلاوة فقط دون الحكم، إذ نسخ التلاوة يختلف عن نسخ الحكم من حيث بقاء الحكم في الأول وزواله في الثاني. والجواب أن نسخ التلاوة يترتب عليه أحكام منها نسخ حرمة القراءة على الجنب ومس سطوره على المحدث، فيدخل في التعريف. وعلى أننا ننفي نسخ التلاوة أصلاً فيضعف هذا الاعتراض.
كيف يُجاب عن إشكال قِدَم كلام الله في تعريف النسخ وما المقصود برفع الحكم؟
أُجيب عن إشكال قِدَم كلام الله بأن المراد بالحكم في تعريف النسخ ما ثبت على المكلف بعد أن لم يكن ثابتاً، وهذا ليس قديماً كي يمتنع انتفاؤه. والمراد برفع الحكم الشرعي انتفاء وجوب التكليف بالشيء لا رفع الخطاب القديم ذاته. وقال الغزالي وابن قدامة إن معنى النسخ قطع تعلق الخطاب بالمكلف، وكلام الله قديم لا يُرفع، وإنما الذي يُرفع هو الحكم المتعلق بأفعال المكلفين.
ما تعريف الغزالي للناسخ والمنسوخ وما معنى لفظ الخطاب في تعريفه؟
عرّف الغزالي النسخ بأنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه، واختاره الصيرفي وأبو إسحاق الشيرازي والآمدي. وآثر لفظ الخطاب على لفظ النص ليشمل اللفظ والفحوى والمفهوم إذ يجوز نسخ جميع ذلك. وقيد الخطاب المتقدم يُخرج إيجاب العبادة ابتداءً الذي يُزيل حكم براءة الذمة ولا يُسمى نسخاً.
ما معنى قيد لولاه لكان ثابتاً في تعريف الغزالي وكيف يُميّز النسخ عن البيان؟
قيد لولاه لكان ثابتاً يعني أن الناسخ لا يكون رافعاً إلا إذا كان المنسوخ سيبقى مستمراً لولا طروء الناسخ، فلو ورد أمر بعبادة مؤقتة ثم أمر بعبادة أخرى بعد انقضاء وقتها لم يكن الثاني نسخاً. وقيد التراخي يُميّز النسخ عن البيان، لأنه لو اتصل الخطاب الثاني بالأول كان بياناً وإتماماً لمدة العبادة لا نسخاً. فالنسخ يقطع حكماً كان سيستمر لولاه.
ما الفرق بين الرفع والارتفاع في مفهوم الناسخ والمنسوخ وما أركان النسخ؟
النسخ يتطلب ركنين: الناسخ وهو الرافع أي الفاعل، والمنسوخ وهو المرفوع أي المفعول. والرفع صفة الرافع وهو الخطاب، والارتفاع صفة المرفوع وهو الحكم، والرافع الحقيقي هو الله تعالى وإن سُمّي الخطاب ناسخاً فبطريق التجوز. وهذا على نحو فسخ العقد، فالفاسخ هو العاقد والمفسوخ هو العقد والفسخ صفة العاقد والانفساخ صفة العقد.
هل يشمل تعريف الغزالي للناسخ والمنسوخ النسخ بفعل الرسول وهل ينسخ الإجماع؟
نوقش تعريف الغزالي بأنه غير جامع لإخراجه النسخ بفعل الرسول الذي ليس خطاباً، وغير مانع لدخول نسخ الإجماع فيه مع أن الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ به. والجواب أن النسخ بفعل الرسول في قوة القول ومتضمن له فهو دليل على الخطاب الدال على الارتفاع. وأما الإجماع فإن الحكم الثابت به مستند إلى دليل سمعي وإجماعهم دليل على وجود الخطاب الناسخ لا أنه هو الناسخ.
كيف يُجاب عن إشكال أن الحكم الثابت لا يمكن رفعه وما تشبيه النسخ بالكسر والفسخ؟
أُجيب عن إشكال أن الحكم الثابت لا يمكن رفعه بأن النسخ رفع لحكم ثابت لولاه لبقي ثابتاً، فالرفع من المرفوع كالكسر من المكسور والفسخ في العقد. فكما أن كسر الآنية يقطع ما اقتضاه استحكام بنيتها من الدوام لولا الكسر، فكذلك النسخ يقطع الحكم الذي كان سيدوم لولا الناسخ. والفرق بين البيع المؤقت والبيع المطلق ثم الفسخ يوضح أن الفسخ قاطع للحكم الدائم لا مبيِّن لكونه قاصراً.
ما الفرق بين الناسخ والمنسوخ والتخصيص في أصول الفقه؟
يفترق النسخ عن التخصيص في أن التخصيص يبين أن اللفظ لم يُرَد به الدلالة إلا على البعض، بينما النسخ يُخرج عن اللفظ ما أُريد به الدلالة عليه ابتداءً. فالمنسوخ كان مراداً بالخطاب الأول ثم رُفع بالناسخ المتأخر، أما المخصَّص فلم يكن مراداً بالخطاب أصلاً. وهذا الفرق الجوهري يُبيّن أن النسخ قطع لحكم دائم لا بيان لكونه قاصراً من الأصل.
ما تعريف البيضاوي للناسخ والمنسوخ وما معنى بيان انتهاء الحكم الشرعي؟
عرّف البيضاوي النسخ بأنه بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ عنه. ولفظ البيان جنس يشمل كل بيان فأُضيف إلى الانتهاء لإخراج بيان الابتداء كبيان المجمل والعام. وتقييد البيان بكونه لحكم شرعي يُخرج بيان انتهاء الحكم العقلي وهو البراءة الأصلية، إذ شرعية الأحكام بعدها ليست نسخاً لها لعدم ثبوتها بنص شرعي.
هل يجوز النسخ بالعقل المجرد وما موقف الأصوليين من ادعاء انتهاء الحكم بالمصلحة؟
لا يجوز النسخ بالعقل المجرد، وتقييد البيان بكونه بطريق شرعي يُخرج انتهاء الحكم الشرعي بالعقل كانتهائه بموت المكلف أو قطع يده. وإلا لادّعى أقوام في العصور المختلفة أن مصلحة حكم بعينه قد انتهت أو مفسدته قد زالت فينتهي الحكم بذلك. والحكم الشرعي في تعريف البيضاوي شامل لما ثبت بالأمر والنهي وفعل الرسول والتلاوة دون الحكم.
لماذا يُشترط التراخي في تعريف البيضاوي للنسخ وما علاقته بتعلق الحكم بأفعال المكلفين؟
وصف المبيِّن بكونه متراخياً لبيان الواقع لأن ذلك حقيقة النسخ، إذ لو اتصل البيان بالمبيَّن كان تخصيصاً للعام لا نسخاً. فالحكم إنما يثبت ويتقرر بعد تمام الكلام، فلو قيل اقتلوا المشركين ثم عُقّب فوراً بلا تقتلوا أهل الذمة لم يكن هناك حكم ثابت ينتهي. وخلاصة المعنى أن الخطاب الأول له غاية في علم الله ينتهي الحكم عندها، والحصول والانتهاء راجعان إلى التعلق بأفعال المكلفين.
هل يشمل تعريف البيضاوي النسخ قبل التمكن من الفعل وما رأي جمهور العلماء في ذلك؟
نوقش تعريف البيضاوي بأنه لا يشمل النسخ قبل التمكن من الفعل لأن قوله بيان انتهاء حكم شرعي مُشعر بدخول وقت العمل به. وجمهور العلماء يقولون بأن النسخ قبل التمكن من الفعل جائز. والجواب أن المقصود بيان انتهاء تعلق الحكم، وانتهاء التعلق يصدق بدخول وقت العمل وبعدم دخوله، فيكون التعريف شاملاً للنسخ قبل التمكن من الفعل.
هل يرد النسخ على الخبر المجرد الذي لا يشتمل على حكم شرعي؟
نوقش تعريف البيضاوي بأنه لا يشمل نسخ الخبر المجرد عن الحكم الشرعي لأن قوله انتهاء حكم شرعي يُشعر بأن المنسوخ لا بد أن يكون حكماً. والجواب أن نسخ الخبر المجرد عن الحكم الشرعي غير واقع، وعلى فرض وقوعه فهو نادر شاذ لا اعتبار به. والتعريف إنما يكون للكثرة الغالبة لا للنادر الشاذ.
هل يدخل قول الراوي العدل في تعريف البيضاوي للنسخ وهل يُعدّ بياناً لانتهاء الحكم؟
لا يدخل قول الراوي العدل في تعريف البيضاوي للنسخ مطلقاً، لأن المراد ببيان انتهاء الحكم هو بيان الشارع لا بيان الراوي. وقول الراوي العدل غير صادر من الشارع الحكيم فيكون خارجاً عن التعريف، وبذلك يكون التعريف مانعاً. فالنسخ لا يثبت إلا بما صدر عن الشارع من قول أو فعل أو تقرير.
هل ينسخ الإجماع الحكم الشرعي وكيف يُجاب عن إشكال تعارض الإجماعين في تعريف البيضاوي؟
الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ به اتفاقاً، وإشكال تعارض الإجماعين في تعريف البيضاوي يُجاب عنه بأن الحكم الثاني ليس مستنداً إلى الإجماع بل إلى ما اعتمد عليه الإجماع من الأدلة. ويكون إجماعهم دليلاً على وجود الخطاب الشرعي الناسخ لا أن الإجماع نفسه هو الناسخ. فيكون هذا الإجماع فرداً من أفراد المعرَّف لا غريباً عنه.
الناسخ والمنسوخ مفهوم أصولي دقيق يعني رفع الحكم الشرعي أو بيان انتهائه بدليل شرعي متأخر مع اشتراط التراخي.
الناسخ والمنسوخ في أصول الفقه يدور حول إزالة حكم شرعي ثابت بدليل شرعي متأخر عنه زمناً. وقد اتفق الأصوليون على أن النسخ لا يكون إلا بدليل شرعي من قول أو فعل أو تقرير، وأن الموت والجنون والنوم ليست أسباباً للنسخ بل هي أعراض ترفع التكليف لا الحكم، وأن الاستثناء والغاية لا تُعدّ نسخاً لاتصالها بالخطاب الأول.
اختلف الأصوليون في تعريف النسخ بين ثلاثة مذاهب: فالباقلاني يراه رفعاً للحكم الشرعي، والغزالي يراه خطاباً دالاً على ارتفاع الحكم الثابت بخطاب متقدم، والبيضاوي يراه بياناً لانتهاء الحكم الشرعي. ويفترق النسخ عن التخصيص في أن التخصيص يبين أن اللفظ لم يُرَد به إلا البعض، بينما النسخ يُخرج ما أُريد به الدلالة عليه ابتداءً، كما يفترق عن الاستثناء والغاية بالتراخي الزمني.
أبرز ما تستفيد منه
- النسخ لا يقع إلا بدليل شرعي متأخر من قول أو فعل أو تقرير.
- البراءة الأصلية ليست حكماً شرعياً فرفعها لا يُعدّ نسخاً.
- التراخي الزمني شرط في النسخ لتمييزه عن الاستثناء والبيان.
- النسخ يفترق عن التخصيص في أن المنسوخ كان مراداً بالخطاب ابتداءً.
- الإجماع لا يَنسخ ولا يُنسخ به، وإنما يكون دليلاً على وجود الناسخ الشرعي.
اختلاف الأصوليين وعرض التعريف الأول للنسخ رفع الحكم الشرعي
اختلف الأصوليون في التعريف نظراً لاختلافهم في كَوْن النسخ رفعا للحكم، أو بيانا لانتهاء أَمَدِه [1].
التعريف الأول:
عَرَّفه القاضي أبو بكر الباقلاني، واختاره ابن الحاجب، والسبكي، والفتوحي، بأنه: "رَفْع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخِّر" [2].
شرح معنى الرفع والحكم وتعلق الخطاب بالمكلف في النسخ
شرح التعريف: المراد بالرفع زوال ما يُظَنُّ من التعلُّق في المستقبل، وهو جنس في التعريف يشمل كل إزالة حسيّة كانت، أو معنوية، وسواء أكانت إزالة لحكم، أم لغير حكم.
والمراد بالحكم: ما ثبت على المكلَّف بعد أن لم يكن ثابتا، ورفْعُ الحكم هو زوال تعلُّق الخطاب، المستفاد تأبيده من إطلاق لفظ الخطاب، فالمرفوع تعلُّق الحكم بالمكلف، لا ذات الحكم.
والحكم: قَيْد في التعريف خرج به رفع غير الحكم.
وجَعَلَ الرفْعَ للحكم ليتناول ما ثبت بالأمر، وما ثبت بالنهي.
قيد الحكم الشرعي واستبعاد البراءة الأصلية من مسمى النسخ
وقَيَّدَ الحكمَ بالشرعي: لإخراج المباح بحكم الأصل، وهو البراءة الأصلية؛ فإن رفْع البراءة الأصلية بدليل شرعي ليس بنسخ [3]، فإيجاب صوم رمضان رَفَع الإباحة، وهي عدم الصوم - التي هي البراءة الأصلية، فهو لم يرفع حكما شرعيا، بل رَفَع مباحا أصليا، ومثل ذلك لا يُعد نسخا.
قيد الدليل الشرعي واستبعاد الموت والنوم والجنون من أسباب النسخ
وقوله "بدليل شرعى": قَيْد ثانٍ لإخراج رفْع الحكم الشرعي بالموت، فلا يكون نسخا، بل سقوط تكليف.
وخرج به أيضاً رفْع الحكم الشرعي بالنوم، والغفلة، والجنون، والنسيان؛ فإن ذلك ليس بنسخ، لأن الأعراض ليست أدلة شرعية، بل هي أعراض قائمة بالشخص قد تزول، مثل النوم والنسيان، وقد تطول مثل الجنون والعته.
شمول الدليل الشرعي للنسخ بالبدل وبدونه ومصادره
وفي التعبير "بدليل شرعى" - وهو غير الحكم الشرعي - شمول للنسخ ببدل، وبغير بدل؛ وذلك لأن النسخ يقع بكليهما.
والدليل الشرعي: شامل لكلام الله تبارك وتعالى، وَلِمَا صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير.
قيد التراخي الزمني بين الناسخ والمنسوخ ومراعاة حق المكلفين
وقوله "متأخِّر": قَيْد يخرج به رفْع الحكم الشرعي بدليل شرعي غير متأخِّر، كالاستثناء والغاية؛ لأنها متصِلَة لا متأخرة، ولاتصالها كانت رفعا للحكم من الأصل، لا رفعا له بعد ثبوته؛ فلا يسمي نسخا.
ويلاحظ في هذا التعريف أن مُعَرِّفه راعي في النسخ حق البشر؛ لأن الرفع في حقيقته جاء لهم، حيث علموا المنسوخ أولاً، ثم الناسخ ثانياً، أما عند الله فليس هناك رفع أصلا لعلمه أن ذلك الحكم سينسخ.
الإشكال الأول على التعريف رفع الحكم عن النائم والصبي والمجنون
مناقشة هذا التعريف:
نوقش التعريف من وجوه:
أولاً: أن رفْع الحكم بالنوم والجنون إنما هو بدليل شرعي؛ وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
"رُفِعَ القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" [4].
ويجاب عن هذا: بأن شرط التكليف العقل، ويستوي في منع التكليف النائم والغافل، والنصوص الواردة في بيان رفع التكليف عن النائم والصبي والمجنون ليست رافعة، بل مثبِتة، وأن مثل النوم والنسيان هو الرافع، وليس الدليل نفسه هو الرافع، وإنما الدليل بَيَّن أن تلك العوارض هي التي ترفع التكليف عن أمثال هؤلاء [5].
الإشكال الثاني حول عدم شمول التعريف لنسخ التلاوة المجردة
ثانياً: أن هذا التعريف غير جامع؛ لأنه لا يشمل نسخ التلاوة فقط لبعض آيات القرآن الكريم، فنسخ التلاوة يختلف عن نسخ الحكم [6] من حيث زوال الحكم في النوع الثاني ( نسخ الحكم )، وبقاء الحكم في الأول ( نسخ التلاوة ).
ويجاب عن هذا: أن نسخ التلاوة - إذا قلنا به - يترتب عليه أحكام، منها: نسخ حرمة القراءة على الجنب، ومس سطوره على المحدث، ونحو ذلك، فنسخ التلاوة إذن يدخل في التعريف، وإذا عرفنا ذلك نعرف أن هذا الحد جامع [7]، وبذلك يضعف الاعتراض، على أننا ننفي نسخ التلاوة كما سيأتي.
الإشكال الثالث قدم كلام الله ورفع الحكم وتعلق الخطاب بالمكلف
ثالثاً: أن الحكم كلام الله تعالى، وكلام الله قديم، وما ثبت قِدَمُه امتنع عَدَمُه، فلا يُتصور رفْعه، ولا تأخره عن غيره، أو تأخر غيره عنه.
ويجاب عن هذا: أن المراد بالحكم في هذا التعريف ما ثبت على المكلَّف بعد أن لم يكن ثابتا، شأنه في ذلك شأن الوجوب المشروط بالعقل، فهو لم يكن ثابتا قبل العقل، ثم ثبت بعده، وهذا ليس بقديم كي يمتنع انتفاؤه وتأخره، والمراد برفع حكم شرعي: انتفاء وجوب التكليف بالشيء، فإذا ثبت تحريم شيء بعد أن كان واجبا فقد انتفى وجوبه، وهذا ما نعنيه بالرفع.
وقال الغزالي وابن قدامة رحمهما الله [8]: إن الاعتراض فاسد من حيث الأصل؛ وذلك أن معنى النسخ يراد به قطع تعلق الخطاب بالمكلف، وكلام الله تعالى قديم لا يُرْفَع، وإنما الذي يُرْفَع هو الحكم [9]، لا الخطاب نفسه، ثم إن الكلام القديم يتعلق بالقادر والعاقل، فإذا طرأ العجز والجنون زال التعلق، وإذا عادت القدرة وعاد العقل عاد التعلق بالمكلف، وكلام الله سبحانه وتعالى كلام قديم لا يتغيرّ، ولا يتبدّل.
التعريف الثاني للنسخ عند الغزالي وشرح لفظ الخطاب والحكم
التعريف الثاني: للإمام الغزالي، واختاره الصيرفي، وأبو إسحاق الشيرازي، والآمدي، وغيرهم أن النسخ هو: "الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدِّم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه" [10].
شرح التعريف:
آثر لفظ "الخطاب" على لفظ "النص" ليكون شاملا للفظ، و الفحوى، والمفهوم، فإنه يجوز نسخ جميع ذلك.
"الدال على ارتفاع الحكم" يتناول: الأمر، والنهي، والخبر، وجميع أنواع الحكم من: الندب، والكراهة، والإباحة، فجميع ذلك قد ينسخ.
"الخطاب المتقدم" قَيْد في التعريف يخرج إيجاب العبادة ابتداء، فإنه يزيل حكم الفعل ببراءة الذمة، ولا يُسمَّي نسخا؛ لأنه لم يُزِلْ حكمَ خطابٍ.
قيد لولاه لكان ثابتا ومعنى التراخي في تعريف الغزالي
قوله: "علي وجه لولاه لكان ثابتا" لأن حقيقة النسخ الرفع، وهو إنما يكون رافعا للمتقدِّم، بحيث لولا طروئه لبقي مستمرا فلو لم يكن هذا ثابتا لم يكن هذا رافعا، لأنه إذا ورد أمْر بعبادة مؤقتة، وأمْر بعبادة أخرى بعد مضي ذلك الوقت لا يكون الثاني نسخ؛ فإذا قال:
{وأتموا الصيام إلى الليل}،
ثم قال في الليل: (لا تصوموا) لا يكون ذلك نسخا؛ بل الرافع ما لا يرتفع الحكم لولاه.
"مع تراخيه عنه": لأنه لو اتصل لكان بيانا، وإتماما لمدة العبادة، لا نسخا [11].
الإشكال الأول على تعريف الغزالي والتمييز بين الرفع والارتفاع
ما يرد على هذا التعريف:
ورد على هذا التعريف إشكالات وانتقادات نوجزها فيما يلي:
أولا: أن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت هو الناسخ، والنسخ هو نفس الارتفاع فلا يكون الناسخ هو النسخ [12].
الجواب: وأجيب عن هذا الإشكال، بألا نُسَلِّم أن النسخ هو ارتفاع الحكم، بل النسخ نفس الرفع الذي يستلزم الارتفاع، والرفع هو الخطاب الدال على الارتفاع، وذلك لأن النسخ يتطلب ركنين: الأول الناسخ، والثاني المنسوخ، والناسخ هو الرافع، أي: الفاعل، والمنسوخ هو المرفوع، أي: الذي يقع عليه الفعل ( أي: المفعول ).
والرافع والمرفوع (أي: الفاعل، والمفعول) يستدعي رفعا وارتفاعا، أي: فعلا وانفعالا.
والرافع هو: الله تعالى على الحقيقة.
وإن سُمِّىي الخطاب ناسخا، فإنما هو بطريق التجوز.
والمرفوع هو: الحكم.
والرفع الذي هو الفعل صفة الرافع، هو: الخطاب.
والارتفاع الذي هو نفس الانفعال صفة المرفوع (أي: المفعول).
وذلك على نحو فَسْخ العقد، فإن الفاسخ هو العاقد، والمفسوخ هو العقد، والفَسْخ صفة العاقد، وهو قوله: "فسختُ"، والانفساخ صفة العقد، وهو انحلاله بعد انبرامه [13].
الإشكال الثاني على تعريف الغزالي حول فعل الرسول والإجماع وجوابه
الإشكال الثاني: أن هذا التعريف ليس بجامع ولا مانع، وبيان ذلك:
أما كونه غير جامع: فلأنه يخرج منه النسخ بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم فهو ليس بخطاب، ويخرج منه نسخ ما ثبت بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس فيه ارتفاع حكم ثبت بالخطاب.
وأما كونه غير مانع: فلأنه لو اختلفت الأمة في الواقعة على قولين، وأجمعوا بخطابهم على تسويغ الأخذ بكل واحد من القولين للمقلِّد، ثم أجمعوا بأقوالهم على أحد القولين فإن حكم خطاب الإجماع الثاني دال على ارتفاع حكم خطاب الإجماع الأول، وليس بنسخ إذ الإجماع لا يَنسخ، ولا يُنسخ به [14].
الجواب: أجيب عن ذلك بجوابين:
(أ) - أن النسخ بفعل الرسول [15] صلي الله عليه وسلم إنما هو في قوة القول، ومُتَضَمِّن له، فهو دليل على الخطاب الدال على ارتفاع الحكم، وليس الفعل نفسه هو الدال على الارتفاع.
(ب) - أن لنا في دفع الإجماع جوابين:
أولهما: أنه مهما اجتمعت الأمة على تسويغ الخلاف في حكم مسألة معينة، وكان إجماعهم قاطعا، فلا نُسلِّم تصور إجماعهم على مناقضة ما أجمعوا عليه أولاً ليصح ما قيل.
ثانيهما: لو سلَّمنا بصحة إجماعهم على مناقضة الإجماع الأول؛ فإن الحكم الثابت سواء كان وجوبا أو حرمة ليس مُسْتَنِدا إلى الإجماع الثاني، إنما هو مُسْتَنِد إلى دليل سمعي ثبت به الحكم الظني أولاً، وهو سندهم الموجِب لإجماعهم على ذلك الحكم، فيكون إجماعهم دليلا على وجود الخطاب الناسخ، وليس إجماعهم هو الذي نسخ [16].
الإشكال الثالث على تعريف الغزالي وتشبيه النسخ بالكسر في الآنية
الإشكال الثالث: أن المرفوع إما حكم ثابت، وإما ما لا ثبات له، والحكم الثابت لا يمكن رفعه، وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه، فدل على أن النسخ رفعُ مثل الحكم الثابت، لا رفع عينه [17]، أو بيان لمدة العبادة كما قال الفقهاء.
الجواب: أجيب بأن هذا الاعتراض فاسد؛ لأنا نقول بأن النسخ رفع لحكم ثابت لولاه لبقي ثابتا، فالرفع من المرفوع كالكسر من المكسور، والفسخ في العقد، إذ لو قال قائل: ما معنى كسر الآنية وإبطال شكلها من تربيع وتدوير، فإن الزائل بالكسر هو تدوير الإناء سواء أكان هذا التدوير موجوداً باعتبار نظر المشاهد له، أو معدوماً باعتبار أنه حال لا وجود له، والمعدوم لا حاجة إلى إزالته، والموجود لا سبيل إلى إزالته، فيقال: معناه أن استحكام شكل الآنية يقتضي بقاء صورتها دائما، لولا ما ورد عليه من السبب الكاسر، فالكاسر قطع ما اقتضاه استحكام بنية الآنية دائما لولا الكسر، فكذلك الفسخ يقطع العقد من حيث إن الذي ورد عليه لولاه لدام، فإن عقدَ البيع سببُُ للمِلْك مطلقا بشرط أن لا يطرأ قاطع، وليس طروء القاطع من الفسخِ مُبيِّنا لنا أن البيع في وقته انعقد مؤقتا محدودا إلى غاية الفسخ، فإنا نعقل أن يقول: بعتك هذه الدار سنة، ونعقل أن يقول: بعتك وملكتك أبدا، ثم يفسخ بعد انقضاء السنة، وندرك الفرق بين الصورتين، وأن الأولى وضعت لمِلْك قاصر بنفسه، والثانية وضعت لمِلْك مطلَق مؤبَّد إلى أن يُقْطع بقاطع، فإذا فسخ كان الفسخ قاطعا لحكمه الدائم بحكم العقد، لولا القاطع، لا بيانا لكونه في نفسه قاصرا.
استكمال الرد على الإشكال الثالث والفرق الأصولي بين النسخ والتخصيص
وبهذا يفارق النسخُ التخصيصَ: فإن التخصيص يبين أن اللفظ ما أريد به الدلالة إلا على البعض، والنسخ يخرج عن اللفظ ما أريد به الدلالة عليه [18].
وهذه الإجابة تبين لنا أن ذلك الاعتراض فاسد من حيث الأصل؛ لأن المقصود (برفع الحكم) رفع حكم ثابت لولا الناسخ لبقي هذا الحكم ثابتا.
ويمكن أن نقيس هذا الشيء المعنوي على شيء حسي مادي، فشبهه بالكسر من المكسور، والفسخ في العقود، فلو قال قائل: إن الكسر إما أن يرد على معدوم أو موجود؛ فالمعدوم لا حاجة إلى إعدامه، والموجود لا ينكسر، كان هذا القول غير صحيح، لأن معناه أن له من استحكام البنية ما يبقى لولا الكسر، وندرك التفرقة بين كسره وبين انكساره بنفسه لتناهي الخلل فيه، كما ندرك التفرقة بين فسخ الإجارة وبين زوال حكمها لانقضاء مدتها، وبهذا فارق التخصيصُ النسخَ، فإن التخصيص يدل على أنه أريد باللفظ البعض [19].
التعريف الثالث للنسخ عند البيضاوي وشرح مفهوم بيان الانتهاء
التعريف الثالث:
عرَّفه البيضاوي بأنه: "بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ عنه" [20].
شرح التعريف: قوله "بيان" جنس في التعريف يشمل كل بيان، فهو يصدُق ببيان الابتداء،كبيان المجمَل والعام، ويصدُق أيضاً ببيان الانتهاء.
وإضافة (بيان) إلى (الانتهاء): أخرجت بيان الابتداء، كبيان المجمل بالمبيَّن، والعام بالمخصص، والمطلَق بالمقيَّد.
وتقييد هذا البيان بكونه لحكم شرعي: مخرِجُُ لبيان انتهاء الحكم العقلي، وهو البراءة الأصلية؛ فإن شرعية الأحكام بعدها، ليست نسخا لها، لعدم ثبوتها بنص شرعي.
شمول الحكم الشرعي في تعريف البيضاوي ومنع النسخ بالعقل المجرد
والحكم الشرعي: شامل لما ثبت بالأمر، ولما ثبت بالنهي، وشامل لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وللتلاوة دون الحكم؛ إذ في نسخها بيان لانتهاء تحريم قراءتها على المُحْدِث.
وتقييد البيان بكونه بطريق شرعي، أي: بدليلٍ شرعىّي: قولٍ أو فعلٍ، يُخْرج انتهاء الحكم الشرعي بالعقل كانتهاء الحكم بموت المكلَّف، أو قطع يده مثلا، فلم يجب غسلها فليس ذلك نسخا، إذ النسخ لا يكون بالعقل رأسا، وإلا لادعي أقوام في العصور المختلفة أن مصلحة حكم بعينه قد انتهت، أو مفسدة حكم بعينه قد زالت، فينتهي الحكم بذلك أمرا ونهيا، وما كان الله ليذر المؤمنين على ذلك، وهو الذي شرع الأحكام وَفْق مصالح العباد، وحسبما أحاط بذلك علمه الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولم يُؤْتَ البشر إلا قليلا من العلم
{وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [21].
قيد التراخي في تعريف البيضاوي وتعلق الحكم بأفعال المكلفين
ووصف المبيِّن بكونه (متراخيا) لبيان الواقع؛ لأن ذلك حقيقة النسخ، إذ لو اتصل البيان بالمبيِّن نحو: (اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة)، أو (لا تقتلوا أهل الذمة)، عقب اقتلوا المشركين لم يكن هناك حكم ثابت ينتهي؛ لأن الحكم إنما يثبت ويتقرر بعد تمام الكلام، ومثل ذلك تخصيص للعام، لا نسخا [22]، وعلى ذلك فيتوقف حكم أول الكلام على آخره باعتبار أنه كلام واحد متصل.
وخلاصة المعنى أن الخطاب الأول له غاية في علم الله تعالى، ينتهي الحكم عندها لذاته، ثم يحصل بعده حكم آخر، لكن الحصول والانتهاء في الحقيقة راجعان إلى التعلق بأفعال المكلفين [23].
الاعتراض على تعريف البيضاوي في النسخ قبل التمكن من الفعل وجوابه
مناقشة هذا التعريف:
ويمكن أن يتوجه على هذا التعريف ما يخل بكونه جامعا مانعا، نوضحه فيما يلي:
أولاً: أن هذا التعريف لا يشمل النسخ قبل التمكن من الفعل، لعدم دخول وقت الفعل، وذلك لأن قوله: "بيان انتهاء حكم شرعي" مُشْعِر بأن الحكم الذي بُيِّنَ انتهاء أمده قد دخل وقت العمل به، فالفعل الذي لم يدخل وقت العمل به غير داخل في التعريف، فيكون غير جامع.
ومقتضي هذا أن النسخ لا يرد على الحكم الذي لم يتمكن المكلَّف من فعله، مع أن جمهور العلماء يقولون بأن النسخ قبل التمكن من الفعل جائز [24].
الجواب: يجاب عن هذا بأن المقصود من قول البيضاوي: "بيان انتهاء حكم شرعي" بيان انتهاء تعلُّق الحكم، وانتهاء التعلُّق يصدق بدخول وقت العمل بالحكم، وبعدم دخول وقت العمل بالحكم، فيكون التعريف شاملا لنسخ الحكم قبل التمكن من فعله.
الاعتراض الثاني على تعريف البيضاوي في نسخ الخبر المجرد وجوابه
ثانياً: أن هذا التعريف لا يشمل نسخ الخبر الذي لا يشتمل على حكم شرعي، فإن قوله: "انتهاء حكم شرعي" مُشْعِر بأن المنسوخ لا بد أن يكون حكما شرعيا، فيكون هذا الخبر خارجا عن التعريف، مع أن النسخ يَرِد عليه، فيكون التعريف غير جامع.
الجواب: يجاب عن هذا بأن نسخ الخبر المجرَّد عن الحكم الشرعي غير واقع، وعلى فرض وقوعه فهو نادر، والنادر شاذ لا اعتبار به، والتعريف إنما يكون للكثرة الغالبة [25].
الاعتراض الثالث على تعريف البيضاوي حول خبر الراوي العدل وجوابه
ثالثاً: أن هذا التعريف الذي هو بيان لانتهاء حكم شرعي بطريق شرعي، يصدق على قول الراوي الواحد العدل، إذا جاء متراخيا أنه ينسخ الحكم الشرعي، وهذا ليس من النسخ في شيء فالتعريف غير مانع [26].
والجواب: أن قول الراوي العدل لا يدخل في هذا التعريف مطلقا؛ لأن قول القاضي البيضاوي رحمه الله تعالى "بيان انتهاء الحكم" مراد به بيان الشارع انتهاء الحكم، وقول الراوي العدل غير صادر من الشارع الحكيم، فيكون غير داخل في التعريف؛ فيكون التعريف مانعا [27].
الاعتراض الرابع على تعريف البيضاوي في تعارض الإجماعين وحلّه
رابعاً: إذا اختلفت الأمة على قولين، فإن المكلَّف مخيَّر بينهما، ثم إذا أجمعوا على أحدهما فإنه يتعين الأخذ به، وحينئذ يصدق التعريف المذكور للنسخ على هذه الحالة، مع أن الإجماع لا يَنْسخ، ولا يُنْسَخ به اتفاقا [28]، فالتعريف غير مانع.
الجواب: يُجاب عن هذا بأن الحكم الثاني ليس مُسْتَنِدا إلى الإجماع، وإنما هو مُسْتَنِد إلى ما اعتمد عليه الإجماع من الأدلة، ويكون إجماعهم دليلا على وجود الخطاب الشرعي الناسخ، كما تقدم تقرير ذلك، فيكون فردا من أفراد المعرَّف لا غريبا عنه.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
من الذي عرّف النسخ بأنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر؟
القاضي أبو بكر الباقلاني
ما الذي يُخرجه قيد الحكم الشرعي في تعريف النسخ؟
البراءة الأصلية
لماذا لا يُعدّ رفع الحكم بالموت نسخاً؟
لأن الموت عارض لا دليل شرعي
ما الذي يُميّز النسخ عن الاستثناء والغاية في تعريف الباقلاني؟
اشتراط التراخي الزمني
لماذا آثر الغزالي لفظ الخطاب على لفظ النص في تعريفه للنسخ؟
ليشمل الفحوى والمفهوم
ما معنى قيد لولاه لكان ثابتاً في تعريف الغزالي للنسخ؟
أن المنسوخ كان سيستمر لولا الناسخ
ما الفرق الجوهري بين النسخ والتخصيص في أصول الفقه؟
التخصيص يبين أن اللفظ لم يُرَد به إلا البعض والنسخ يُخرج ما أُريد به الدلالة عليه
كيف عرّف البيضاوي النسخ؟
بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخٍ عنه
ما موقف الأصوليين من النسخ بالعقل المجرد؟
غير جائز لأن النسخ يشترط دليلاً شرعياً
ما الركنان الأساسيان للنسخ؟
الناسخ والمنسوخ
هل ينسخ الإجماع الحكم الشرعي؟
لا ينسخ ولا يُنسخ به اتفاقاً
ما الذي يُخرجه قيد التراخي في تعريف البيضاوي للنسخ؟
الاستثناء والغاية المتصلة بالخطاب
ما رأي جمهور العلماء في النسخ قبل التمكن من الفعل؟
جائز
من هو الرافع الحقيقي في النسخ وفق ما قرره الأصوليون؟
الله تعالى
ما الذي يُجيب به الأصوليون عن إشكال أن حديث رُفع القلم يجعل رفع التكليف عن النائم نسخاً؟
أن العوارض كالنوم هي الرافعة والدليل مبيِّن لا رافع
ما سبب اختلاف الأصوليين في تعريف النسخ؟
اختلفوا في كون النسخ رفعاً للحكم الشرعي أم بياناً لانتهاء أمده، وهذا الخلاف الجوهري أفضى إلى تعدد التعريفات.
ما المقصود بالمرفوع في تعريف النسخ عند الباقلاني؟
المرفوع هو تعلق الحكم بالمكلف لا ذات الحكم، أي زوال ما يُظن من التعلق في المستقبل.
لماذا لا يُعدّ إيجاب صوم رمضان نسخاً للإباحة الأصلية؟
لأن الإباحة الأصلية ليست حكماً شرعياً ثابتاً بنص، والنسخ يشترط رفع حكم شرعي لا مجرد إباحة أصلية.
ما الفرق بين سقوط التكليف بالموت والنسخ؟
الموت يُسقط التكليف لأنه عارض لا دليل شرعي، والنسخ يشترط وجود دليل شرعي متأخر يرفع الحكم.
ما مصادر الدليل الشرعي الناسخ؟
يشمل كلام الله تعالى وما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.
ما الفرق بين النسخ والبيان في اشتراط التراخي؟
النسخ يشترط التراخي الزمني بين الناسخ والمنسوخ، أما البيان فيكون متصلاً بالخطاب الأول فلا يُسمى نسخاً.
كيف يُجاب عن إشكال قِدَم كلام الله في تعريف النسخ؟
المرفوع هو تعلق الحكم بالمكلف لا الخطاب القديم ذاته، وهذا التعلق حادث يجوز انتفاؤه.
ما الذي يُخرجه قيد الخطاب المتقدم في تعريف الغزالي؟
يُخرج إيجاب العبادة ابتداءً الذي يُزيل حكم براءة الذمة، إذ لا يُسمى نسخاً لأنه لم يُزِل حكم خطاب سابق.
ما تشبيه الغزالي للنسخ في الرد على إشكال رفع الحكم الثابت؟
شبّهه بكسر الآنية وفسخ العقد، فكما أن الكسر يقطع ما اقتضاه استحكام البنية من الدوام لولاه، فكذلك النسخ يقطع الحكم الذي كان سيدوم لولا الناسخ.
لماذا لا يدخل قول الراوي العدل في تعريف البيضاوي للنسخ؟
لأن المراد ببيان انتهاء الحكم هو بيان الشارع لا بيان الراوي، وقول الراوي غير صادر من الشارع الحكيم.
ما الذي يُخرجه قيد بطريق شرعي في تعريف البيضاوي؟
يُخرج انتهاء الحكم الشرعي بالعقل المجرد كانتهائه بموت المكلف أو قطع يده، فالنسخ لا يكون بالعقل رأساً.
كيف يشمل تعريف البيضاوي نسخ فعل الرسول؟
الحكم الشرعي في تعريف البيضاوي شامل لما ثبت بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فيدخل نسخه في التعريف.
ما الجواب عن إشكال أن تعريف البيضاوي لا يشمل نسخ الخبر المجرد؟
نسخ الخبر المجرد غير واقع أو نادر شاذ، والتعريف يُبنى على الكثرة الغالبة لا على النادر الشاذ.
ما العلاقة بين الإجماع والنسخ عند الأصوليين؟
الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ به اتفاقاً، وإنما يكون الإجماع دليلاً على وجود الخطاب الشرعي الناسخ لا أنه هو الناسخ.
ما الفرق بين نسخ التلاوة ونسخ الحكم؟
نسخ الحكم يزول فيه الحكم الشرعي، أما نسخ التلاوة فيبقى فيه الحكم وتزول التلاوة، ويترتب على نسخ التلاوة أحكام كنسخ حرمة القراءة على الجنب.