اكتمل ✓
الفصل 18

هل يجوز نسخ الحكم الشرعي قبل التمكن من الفعل وما حالات الاتفاق والخلاف بين الأصوليين؟

يجوز نسخ الحكم الشرعي قبل التمكن من الفعل عند الأشاعرة وأكثر الشافعية وعامة أهل الحديث، استناداً إلى قصة إبراهيم عليه السلام مع ذبح ولده وقصة الإسراء والمعراج. أما بعد التمكن من الفعل فلا خلاف بين الأصوليين في جواز النسخ. ومحل النزاع هو النسخ قبل دخول الوقت أو بعد دخوله قبل أن يمضي زمن يسع المكلف فعل ما كُلِّف به.

13 دقيقة قراءة
  • هل يجوز أن يُنسخ حكم شرعي قبل أن يتمكن المكلف من تنفيذه أصلاً؟ هذا هو محل النزاع الدقيق بين الأصوليين.

  • محل الخلاف محدد بثلاث حالات: النسخ قبل دخول الوقت، وبعد دخوله قبل مضي زمن يسع الفعل، والفعل المأمور به على الفور بلا وقت معين.

  • اتفق الأصوليون على جواز النسخ بعد التمكن من الفعل وبعد خروج الوقت، وإنما الخلاف في ما قبل التمكن فحسب.

  • استدل القائلون بالجواز بقصة إبراهيم عليه السلام وذبح ولده، وبقصة الإسراء والمعراج ونسخ الخمسين صلاة، وبدليل عقلي يتعلق بالمصلحة.

  • استدل المانعون من جمهور المعتزلة باستحالة اجتماع الأمر والنهي في وقت واحد، وبمبدأ الحسن والقبح العقليين، وبانتفاء الفائدة من التكليف.

  • الراجح جواز النسخ قبل التمكن لثبوت الأدلة الشرعية الصحيحة من الكتاب والسنة، وللرد المقنع على اعتراضات المانعين.

تعريف محل النزاع وتقسيم حالات الفعل الزمنية الأولى

تحرير محل النزاع:ـ الفعل الذي يتعلق به حكم، إما أن يكون لم يدخل وقته، أو دخل، أو خرج، وإذا دخل وقته فإما أن يكون قد مضي وقت يسع المكلِّف فعل ما كُلِّف به، أو لم يَمْضِ، فهو بهذا ثلاث حالات:

الحالة الأولى: هي إذا لم يدخل وقته، فهذه محل خلاف بين الأصوليين، هل يجوز نسخ الفعل أو لا يجوز، وفي حكمها حالتان:

  • وهي إذا دخل وقته ولم يمض وقت يسع المكلف فعل ما كُلِّف به، سواء أشرع في الفعل أم لا.

ب– ليس له وقت معين، ولكن أمر به على الفور .

الحالة الثانية والاتفاق على جواز النسخ بعد التمكن

الحالة الثانية: وهي إذا دخل وقته، ومضي زمن يسع المكلف فعل ما كُلِّف به، فيفهم من عبارة بعض الأصوليين، كابن الحاجب والبيضاوي، أن هذا يجري الخلاف فيه أيضاً .

ولكن ليس هذا صحيحاً، فالخلاف يجري قبل دخول الوقت، أي: قبل التمكن من الفعل. أما بعده وبعد التمكن من الامتثال فلا خلاف في جواز النسخ.

وقد صرح بهذا الآمدي أثناء الاستدلال فقال: الخلاف إنما هو فيما قبل التمكن لا بعده . وصرح بهذا أيضاً ابن الهمام في التحرير، فقال: الاتفاق على جواز النسخ بعد التمكن من الفعل، بمعنى ما يسع الفعل من الوقت المعين له .

وصرح بهذا أيضاً إمام الحرمين في البرهان، فقال: والغرض من هذه المسألة أنه إذا فرض ورود أمر بشيء، فهل يجوز أن ينسخ قبل أن يمضي من وقت اتصال الأمر زمن يتسع لفعل المأمور ، ومعني هذا أنه إذا مضي زمن يتسع لفعل المأمور. فهو خارج عن المسألة فيجوز نسخه.

الحالة الثالثة بعد خروج الوقت وفائدة الخلاف في القضاء

الحالة الثالثة : وهي إذا خرج وقت الفعل، فقد صرَّح ابن الحاجب بأن هذا يمتنع نسخه ، وصرح الآمدي بجواز نسخه، فقال: إن هذا موضوع اتفاق بين الأصوليين القائلين بالنسخ.

فائدة الخلاف:

وفائدة الخلاف في أنه لا يطالب بالقضاء، إن قلنا: إن وجوب الأداء يستلزم وجوب القضاء، أو كان القضاء مصرَّحاً به عند الأداء.

والراجح ما قاله الآمدي أنه يجوز نسخه؛ لجواز النسخ من الله عز وجل لفائدة يعلمها هو .

تفصيل حالات الاتفاق والخلاف وتحديد محل النزاع بدقة

وحاصل ما تقدم بعد بيان الراجح: أن هناك حالات محل خلاف، وحالات محل اتفاق؛ أما الحالات محل الاتفاق فهي:ـ

نسخ الفعل بعد دخول وقته، وبعد أن يمضي من الزمن ما يسع الفعل، ولم يفعل المكلف.

نسخ الفعل بعد خروج وقته، ولم يفعل المكلف.

أما الحالات محل الخلاف فهي:ـ

نسخ الفعل قبل دخول وقته.

نسخ الفعل بعد دخول وقته، وقبل أن يمضي من الزمن ما يسع الفعل، سواء شرع في الفعل أم لم يشرع.

نسخ الفعل الذي ليس له وقت معين، ولكن أمر به على الفور.

فخلاصة الكلام أن محل النزاع قبل دخول الوقت، أو بعد دخوله ولكن قبل أن يمضي زمن يسع المكلف فعل ما كلف به، أي: قبل التمكن من الفعل.

المذهبان الرئيسان في جواز نسخ الحكم قبل التمكن

وقد اختلف العلماء في جواز النسخ للحكم قبل التمكن من الفعل على مذهبين:ـ المذهب الأول: وهم الأشاعرة، وأكثر الشافعية، وأكثر الفقهاء، وعامة أهل الحديث، وهؤلاء يرون أنه لا يشترط التمكن من الفعل، بل يجوز النسخ قبل التمكن من الفعل.

المذهب الثاني: وهم جمهور المعتزلة، والصيرفي، والكرخي، والجصاص، والماتريدي، والدبوسي، وابن بَرْهان، وبعض الحنابلة، وهؤلاء يرون أنه لا يجوز نسخ الحكم قبل التمكن من الفعل .

الاستدلال بقصة إبراهيم وذبح ابنه على ثبوت الأمر بالذبح

الأدلة:

استدل القائلون بالجواز بعدة أدلة:ـ الدليل الأول:

أن الله سبحانه وتعالى أمر سيدنا إبراهيم عليه السلام بذبح ولده مناماً، ثم نسخ ذلك بذبح الفداء، قبل التمكن من الذبح، أي: قبل وقوع الفعل.

أما إنه كان مأمور بالذبح فقد استدلوا عليه بثلاث آيات:ـ

الآية الأولى: قوله تعالى حكاية عن ولده:

{يا أبت افعل ما تؤمر}

بعد أن قال له

{يا بني إني أري في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى}

فدل ذلك على أن هذه الرؤيا أمر من الله تعالى له بالذبح، فأقدم إبراهيم عليه السلام على الذبح، واستجاب إسماعيل عليه السلام، ولو لم يكن مأمورا لما أقدم عليه، ولما خَوَّفَ ولدَه ورَوَّعَه.

الآية الثانية: قوله تعالى في شأن الذبح:

{إن هذا لهو البلاء المبين}

فلو لم يكن الذبح مأمورا به بل كان المأمور به مقدماته: من أخذ الولد إلى الصحراء، واستصحاب المدية والحبل، لما كان هناك بلاء مبين، فإن المقدمات سهل على النفس فعلها ما دامت النتيجة مأمونة.

دلالة الفداء وسبق النسخ قبل التمكن في قصة الذبح

الآية الثالثة: قوله تعالى:

{وفديناه بذبح عظيم} ، والخامس: أنه ذبح امتثالاً فالتأم الجرح واندمل بدليل الآية، والسادس: أنه إنما أخبر أنه يؤمر به في المستقبل، فإن لفظه لفظ الاستقبال، لا لفظ الماضي. وقد أجاب ابن قدامة عن هذا إجمالاً ثم تفصيلاً، وخلاصته أنه لو صح شيء من ذلك لم يحتج إلى فداء، ولم يكن بلاء مبيناً في حقه. انظر روضة الناظر ص 39،40، المستصفى 1/115.}

فإن الفداء هو البدل، والذي يصلح أن يكون الفداء بدلاً عنه هو الذبح، فلو كان غير مأمور بالذبح لما احتيج إلى الفداء .

وإما أنه نسخ قبل أن يتمكن من الذبح، فلأنه لو نسخ بعد التمكن من الفعل ولم يفعل لكان ذلك تقصيراً من إبراهيم عليه السلام في تنفيذ ما طلب منه، والتقصير ليس من شأن الأنبياء، فإن المعروف عنهم المبادرة إلى الفعل، ولو كان شاقاً، بل ولو كان وجوبه موسَّعا عليهم .

ومما يدل أيضاً على أنه نسخ قبل التمكن: أنه لم يذبح، ولو لم ينسخ لذبح امتثالاً لأمر الله تعالى، لأنه نبي فهو معصوم من المعاصي .

وبهذا يتبين ضعف اعتراض الآمدي بأنه نسخ بعد التمكن، لا قبله .

الاعتراض على حجية المنام والجواب عن رؤيا الأنبياء

وقد اعترض المانعون على هذا الدليل باعتراضات وهي:ـ

الأول: أن ذلك إنما وقع لسيدنا إبراهيم عليه السلام مناماً، والمنام لا تثبت به الأوامر والنواهي.

وأجيب عن ذلك: أن منام الأنبياء فيما يتعلق بالأوامر والنواهي وحي معمول به، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن وحيه كان ستة أشهر بالمنام، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:

"الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة"

فكانت نسبة الأشهر الستة إلى مدة نبوته عليه الصلاة والسلام، وهي ثلاث وعشرين سنة، كيف وإنه لو كان خيالاً لا وحياً لما جاز لإبراهيم عليه السلام العزم على الذبح المحرم بمنام لا أصل له، ولما سماه الله تعالى بلاء مبيناً، ولما احتاج إلى الفداء.

الاعتراض بالعزم على الذبح والجواب بدلالة النص القرآني

الاعتراض الثاني: سلمنا أنه كان مأمورا بالذبح، ولكن لا نسلم أنه كان مأموراً بالذبح حقيقة، بل العزم على الذبح، امتحاناً له بالصبر على العزم.

وعلي هذا يكون إبراهيم عليه السلام قد أدَّي ما وجب عليه، فلا نسخ.

وأجيب عن ذلك بأن حمل الأمر على العزم على خلاف الظاهر من قوله تعالى:

{إني أري في المنام أني أذبحك}

فلو كان مأموراً بالعزم على الذبح، كما هو مقتضى العمل، لما سماه الله بلاء مبيناً. وإذا كان الواجب هو العزم كما ادعيتم إذا فلا احتياج إلى الفداء لكون المأمور به وقع، ولما قال الذبيح:

{ستجدني إن شاء الله من الصابرين}

فإن ذلك مما لا ضرر عليه فيه.

الاعتراض بوقوع الذبح مع التئام الجسد والرد بركنية الفداء

الاعتراض الثالث: سلمنا أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة إلا أنه قد مُنِعَ منه، فإنه روي أنه كان كلما قطع جزءاً عاد ملتحماً إلى آخر الذبح، ولهذا قال سبحانه وتعالى:

{قد صدقت الرؤيا}

وإذا كان ما أمر به من الذبح قد وقع، فالفداء لا يكون نسخاً.

ويجاب عن ذلك بوجهين:

الأول: أنه لو حصل هذا لما احتيج إلى الفداء؛ لأن الفداء بدل، والبدل إنما يحتاج إليه عند عدم الإتيان بالمبدَل منه، لكن الله تعالى قال في شأن ذلك:

{وفديناه بذبح عظيم}

فعُلِمَ من ذلك أن المبدَل منه لم يحصل.

الوجه الثاني: أنه لو حصل ما تقولون به من أنه كلما قطع جزءا عاد ملتحماً إلى آخر الذبح لنقل هذا بطريق التواتر؛ لأن مثله مما تتوافر الدواعي على نقله، وحيث لم ينقله سوي بعض الخصوم دل هذا على ضعفه.

الاعتراض بتعذر الذبح والتكليف بما لا يطاق والجواب عنه

الاعتراض الرابع: سلمنا أن الأمر بنفس الذبح حقيقة، لكن الله تعالى قد قَلَب عنق الذبيح حديداً أو نحاساً، فلم يقطع، وعليه فيكون التكليف بالذبح قد انقطع لتعذره لا بطريق النسخ، فتكون الآية ليست محل النزاع.

ويجاب عن هذا: بأن هذه رواية لا أصل لها، وهي من وضع الوضاعين، إذ لم يكن لها دليل، فلو وقع ذلك لاشتهر واستفاض لتوافر الدواعي على نقله؛ لأن هذا من الأمور الغريبة والنفوس مُولَعَة بنقل الغريب عادة، وأيضاً إذا كان الوجوب متعذِّراً فعله فلا معنى للفداء.

وأيضاً، فإن ذلك لا يصح حتى على أصل الخصوم؛ لأنهم لا يرون التكليف بما لا يطاق، وهذا تكليف بما لا يطاق .

الاستدلال بقصة الإسراء على النسخ قبل دخول وقت الفعل

الدليل الثاني:

التمسُّك بقصة الإسراء، وهو ما صح بالرواية أن الله تعالى فرض على نبيه صلى الله عليه وسلم خمسين صلاة ليلة الإسراء والمعراج، فأشار عليه سيدنا موسي بالرجوع، وقال له:

أمتك ضعفاء، لا يطيقون ذلك، فاسْتَنْقِصِ الله يُنْقِصْكَ

وأنه صلى الله عليه وسلم قبل ما أشار به عليه، وسأل الله ذلك فنسخ الخمسين إلى أن بقي خمس صلوات، وذلك نسخ لحكم الفعل قبل دخول وقته .

وإنكار المعتزلة نسخ الخمسين بعد وجوبها مردود بصحة النقل في الصحيحين وغيرهما، مع عدم إحالة العقل له فإنكاره بدعة وضلالة.

وإن اعترض بأن ذلك يوجب النسخ قبل التمكن من العلم والاعتقاد، وهو باطل لأنه يجعل الخطاب الأول خاليا من الفائدة التي يصح أن تقصد منه، وهي العزم على الامتثال أو الامتثال بالفعل، وذلك عبث، والعبث مع الشارع محال.

يجاب عن ذلك: بأن النبي صلى الله عليه وسلم فرد من أفراد الأمة، وقد علم بالخطاب الأول قبل أن ينسخ فتمكن من العلم والاعتقاد، وهو الأصل، والأمة تبع له. فالنسخ بعد ذلك ليس نسخاً قبل العلم، بل هو نسخ بعده .

الدليل العقلي على جواز النسخ قبل التمكن ومثال زيد

الدليل الثالث دليل عقلي: وهو:

النسخ قبل التمكن من الفعل رفع لتكليف قد ثبت على المكلف، فكان نسخاً، ولا يترتب على ذلك بداء، ولا محال؛ لأن المصلحة التي جاز لأجلها النسخ بعد التمكن من الفعل، وبعد دخول الوقت يصح اعتبارها قبل التمكن من الفعل وقبل دخول الوقت، للقطع بأن تبديل حكم بحكم ورفع شرع بشرع كان فيهما .

يوضح ذلك ما قاله الآمدي:

أنه يجوز أن يأمر الله تعالى زيداً بفعل في الغد، ويمنعه منه مانع عائق له عنه قبل الغد، فيكون مأمورا بالفعل في الغد بشرط انتفاء المانع، وإذا جاز الأمر بشرط انتفاء المانع مع تعقيبه بالمنع، جاز الأمر بالفعل بشرط انتفاء الناسخ مع تعقيبه بالنسخ، إذ الفعل لا يفرق بين الحالتين، وهو إلزام مُلْزِم.

مناقشة الاعتراض على مثال زيد والتكليف بشرط زوال المانع

ثم قال: فإن قيل لا نسلم أنه يجوز أن يأمر زيدا في الغد، ويمنعه منه قبل الغد، لأنه لا يخلو إما أن يأمره مطلقاً، ويريد منه الفعل، أو بشرط زوال المانع.

فإن كان الأول فمنعه منه بعد ذلك يكون تكليفاً بما لا يطاق، وهو محال، وإن كان الثاني، فالأمر بالشرط مما لا يجوز وقوعه من العالم بعواقب الأمور.

وقد رد الآمدي على هذه الاعتراضات فقال ما ملخصه: إن الأمر بشرط انتفاء المانع، والتكليف بما لا يطاق، والأمر بشرط زوال المنع من العالم بعواقب الأمور، كل هذه قضايا وإن كانت لا تجوز عندكم، فهي جائزة عندنا، ولا مانع عقلي من وقوعها .

دليل المانعين الأول واجتماع الأمر والنهي والجواب بالابتلاء

دليل المانعين:

استدل القائلون بعدم جواز نسخ الفعل قبل التمكن وهم جمهور المعتزلة ومن معهم:ـ

بأن النسخ قبل التمكن يترتب على فرض وقوعه محال، وكل ما يترتب على فرض وقوعه محال، فهو محال، وقد ذكروا وجوهاً كثير للإحالة العقلية، نذكر منها وجهين :

الأول: أنه لو جاز أن يرد الأمر بشىء في وقت، ثم يرد النهي عنه في ذلك الوقت، لكان الشخص الواحد بالفعل الواحد في الوقت الواحد، مأموراً به، منهياً عنه، وهو محال، لما فيه من طلب الجمع بين الضدين، والجمع بين الضدين محال.

وأجيب عن ذلك: بأنه إنما يكون محالاً، إذا كان المقصود من الأمر حصول الفعل أما إذا كان المقصود هو الابتلاء والاختبار، أي: ابتلاء المأمور، واختباره وامتحانه، دون حصول الفعل فإنه يجوز، فإن السيد يقول لعبده: اذهب غداً إلى موضع كذا راجلاً، وهو لا يريد الفعل، بل يريد امتحانه، مع علمه بأن غداً سيرفع عنه ذلك .

ثم عزيمة القلب قد تعتبر قربة بلا فعل، ولا يكون العمل وحده هو المقصود، وأعظم الطاعات، وهو الإيمان من أعمال القلب الذي هو رئيس الأعضاء .

دليل المانعين الثاني بالحسن والقبح العقليين والرد عليه

الثاني: أنه إذا نهي المكلف عن الفعل الذي أُمر به قبل دخول وقته، فالأمر والنهي قد تواردا على شيء واحد من جهة واحدة في وقت واحد، وهو محال، وذلك لأن الفعل في نفسه في ذلك الوقت إما أن يكون حسناً أو قبيحاً، وعند ذلك فلا يخلو لله تعالى عند الأمر بالفعل، إما أن يكون عالماً بما هو عليه الفعل من الحسن والقبح، وكذلك في حالة النهي أو لا يكون عالماً به أصلاً.

فإن كان الأول: فإن كان الفعل حسناً فقد نهي عن الحسن مع علمه به، وإن كان قبيحاً فقد أمر بالقبيح مع علمه وهو قبيح.

وإن كان الثاني فيلزمه منه الجهل في حق الله تعالى- كيف وإن ظهر له في حالة النهي، ما لم يكن قد ظهر في حالة الأمر، فهو عين البداء، والبداء على الله محال.

وأجيب عن ذلك: أما عن قولهم إما أن يكون الفعل حسناً أو قبيحاً فهو مبني على الحسن والقبح العقليين، وهذا أمر غير مُسَلَّم عندنا؛ لأنه مبني على قاعدة التحسين والتقبيح.

فإن قالوا: وإن لم يكن حسنا ولا قبيحاً، فلا يخلو من أن يكون مشتملاً على مصلحة أو مفسدة، فإن كان الأول فقد نهي عما فيه مصلحة، وإن كان الثاني فقد أمر بما فيه مفسدة، قلنا: وهذا أيضاً مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى وهو باطل عندنا، بل جاز أن يكون الأمر والنهي لا لمصلحة، ولا لمفسدة.

وإن سُلِّم عدم خُلُوه عن المصلحة والمفسدة، ولكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك الأمر بالمفسدة، والنهي عن المصلحة، بل جاز أن يقال: إنه مشتمل على المصلحة حالة الأمر، ومشتمل على المفسدة حالة النهي، ولا مفسدة حالة الأمر، ولا مصلحة حالة النهي، ولا يلزم من ذلك الجهل في حق الله تعالى، ولا البداء، لعلمه حالة الأمر بما الفعل مشتَمِلٌ عليه من المصلحة، وأنه سينسخه في ثاني الحال لما يلازمه من المفسدة المقتضية للنسخ حالة النسخ .

الدليل الثاني للمانعين وترجيح جواز النسخ قبل التمكن

الدليل الثاني: استدل المعتزلة على الامتناع ثانياً: بأنه لا فائدة في التكليف بالفعل قبل التمكن؛ لأن العمل هو المقصود من شرع الأحكام العملية، والفائدة هنا لم تتحقق لوقوع النسخ قبل التمكن من الفعل.

ويجاب عن ذلك: بأنه الفائدة منه الابتلاء للعزم على الفعل إذا حضر وقته وتهيأت أسبابه.

وبعد عرض أدلة الفريقين: نرى أن الراجح هو رأي الفريق الأول، القائل بجواز النسخ قبل التمكن من الفعل؛ لما ثبت من الأدلة الشرعية الصحيحة، من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، التي تدل على جواز نسخ الفعل قبل التمكن من امتثاله، والله تعالى أعلم.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الحالة التي اتفق الأصوليون على جواز النسخ فيها دون خلاف؟

نسخ الفعل بعد دخول وقته وبعد مضي زمن يسعه

من الذين يرون جواز النسخ قبل التمكن من الفعل؟

الأشاعرة وأكثر الشافعية وعامة أهل الحديث

ما الآية التي استُدل بها على أن رؤيا إبراهيم عليه السلام كانت أمراً إلهياً حقيقياً لا مجرد خيال؟

{يا أبت افعل ما تؤمر}

لماذا دلّت آية {وفديناه بذبح عظيم} على أن الذبح لم يقع؟

لأن الفداء بدل والبدل لا يُحتاج إليه إلا عند عدم الإتيان بالمبدَل منه

كم صلاة فُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج قبل النسخ؟

خمسون صلاة

ما فائدة الخلاف في مسألة نسخ الفعل بعد خروج وقته؟

سقوط القضاء عن المكلف عند القول بجواز النسخ

ما الجواب عن اعتراض المانعين بأن النسخ قبل التمكن يستلزم اجتماع الأمر والنهي؟

أن المقصود قد يكون الابتلاء والاختبار لا حصول الفعل

على أي قاعدة كلامية يُبنى دليل المانعين المتعلق بالحسن والقبح؟

قاعدة التحسين والتقبيح العقليين

ما الجواب عن اعتراض من قال إن منام الأنبياء لا تثبت به الأوامر والنواهي؟

أن منام الأنبياء في الأوامر والنواهي وحي معمول به

ما الدليل العقلي الذي ساقه الآمدي على جواز النسخ قبل التمكن؟

أن النسخ رفع لتكليف ثابت والمصلحة المجيزة له بعد التمكن تصح قبله

لماذا لم يصح اعتراض من قال إن الله قلب عنق الذبيح حديداً فتعذر الذبح؟

لأن هذه الرواية موضوعة لا أصل لها ولو وقع لاشتُهر

ما فائدة التكليف بالفعل قبل التمكن منه عند القائلين بالجواز؟

الابتلاء والعزم على الفعل إذا حضر وقته وتهيأت أسبابه

من الذي صرح بأن الخلاف في النسخ إنما هو فيما قبل التمكن لا بعده؟

الآمدي

ما الذي يدل على أن النسخ في قصة إبراهيم وقع قبل التمكن لا بعده من حيث عصمة الأنبياء؟

أن الأنبياء معصومون فلو بقي الأمر لذبح امتثالاً ولم يُقصِّر

ما المقصود بمحل النزاع في مسألة نسخ الفعل قبل التمكن؟

محل النزاع هو نسخ الفعل قبل دخول وقته، أو بعد دخوله قبل أن يمضي زمن يسع المكلف فعل ما كُلِّف به، أي قبل التمكن من الامتثال.

ما الحالات الثلاث للفعل المتعلق به حكم من حيث الزمن؟

الحالة الأولى: لم يدخل وقته. الحالة الثانية: دخل وقته ومضى زمن يسع الفعل. الحالة الثالثة: خرج وقت الفعل.

هل يجوز نسخ الفعل بعد خروج وقته؟

صرح الآمدي بجواز نسخه وأنه موضع اتفاق بين الأصوليين القائلين بالنسخ، وفائدته سقوط القضاء عن المكلف.

من هم القائلون بجواز النسخ قبل التمكن من الفعل؟

الأشاعرة وأكثر الشافعية وأكثر الفقهاء وعامة أهل الحديث.

من هم القائلون بعدم جواز النسخ قبل التمكن من الفعل؟

جمهور المعتزلة والصيرفي والكرخي والجصاص والماتريدي والدبوسي وابن برهان وبعض الحنابلة.

ما دلالة قوله تعالى {إن هذا لهو البلاء المبين} في قصة الذبح؟

تدل على أن المأمور به كان الذبح حقيقةً لا مقدماته فحسب، إذ لو كان المأمور به المقدمات لما كان هناك بلاء مبين لسهولة فعلها مع أمان النتيجة.

لماذا يدل الفداء في قصة إبراهيم على أن الذبح لم يقع؟

لأن الفداء بدل، والبدل لا يُحتاج إليه إلا عند عدم الإتيان بالمبدَل منه، فدل قوله {وفديناه بذبح عظيم} على أن الذبح لم يحصل.

ما حكم منام الأنبياء فيما يتعلق بالأوامر والنواهي؟

منام الأنبياء في الأوامر والنواهي وحي معمول به، وقد روي أن وحي النبي صلى الله عليه وسلم كان ستة أشهر بالمنام.

ما الجواب عن اعتراض أن إبراهيم كان مأموراً بالعزم على الذبح لا بالذبح نفسه؟

حمل الأمر على العزم خلاف الظاهر، ولو كان المأمور به العزم لما احتيج إلى الفداء ولما سُمي بلاءً مبيناً.

كيف يُستدل بقصة الإسراء على جواز النسخ قبل دخول وقت الفعل؟

فُرضت خمسون صلاة ليلة الإسراء ثم نُسخت إلى خمس قبل دخول وقت أدائها، وهذا نسخ لحكم الفعل قبل دخول وقته.

ما الجواب عن اعتراض أن نسخ الخمسين صلاة يوجب النسخ قبل التمكن من العلم؟

النبي صلى الله عليه وسلم علم بالخطاب الأول قبل نسخه فتمكن من العلم والاعتقاد، والأمة تبع له، فالنسخ وقع بعد العلم لا قبله.

ما مثال زيد الذي ساقه الآمدي في الدليل العقلي؟

يجوز أن يأمر الله زيداً بفعل في الغد ويمنعه منه مانع قبل الغد، فيكون مأموراً بشرط انتفاء المانع، وكذلك يجوز الأمر بشرط انتفاء الناسخ مع تعقيبه بالنسخ.

ما الجواب عن دليل المانعين بانتفاء فائدة التكليف قبل التمكن؟

الفائدة هي الابتلاء والعزم على الفعل إذا حضر وقته وتهيأت أسبابه، وعزيمة القلب قربة معتبرة بلا فعل.

لماذا لا يصح اعتراض تعذر الذبح بقلب عنق الذبيح حديداً حتى على أصل الخصوم؟

لأن الخصوم أنفسهم لا يرون التكليف بما لا يطاق، وجعل الذبح متعذراً ثم إلزام المكلف به هو بعينه تكليف بما لا يطاق.

ما الراجح في مسألة جواز النسخ قبل التمكن من الفعل؟

الراجح جواز النسخ قبل التمكن من الفعل، لما ثبت من الأدلة الشرعية الصحيحة من كتاب الله وسنة نبيه الدالة على ذلك.

ما الفرق بين الحالة محل الاتفاق والحالة محل الخلاف في مسألة النسخ؟

محل الاتفاق هو النسخ بعد مضي زمن يسع الفعل أو بعد خروج الوقت، ومحل الخلاف هو النسخ قبل مضي ذلك الزمن أي قبل التمكن من الامتثال.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!