ما هي أقسام نسخ السنة بالسنة وما حكم نسخ المتواتر بخبر الآحاد عند الأصوليين؟
نسخ السنة بالسنة ينقسم إلى أربعة أقسام: نسخ المتواترة بالمتواترة، ونسخ الآحاد بالآحاد، ونسخ الآحاد بالمتواتر، وهذه الثلاثة لا خلاف فيها. أما القسم الرابع وهو نسخ المتواتر بالآحاد فهو محل خلاف، إذ يرى جمهور الأصوليين أن الجواز العقلي متفق عليه، لكن الوقوع الشرعي لم يثبت، في حين يرى داود وأهل الظاهر أنه وقع فعلاً.
- •
هل يجوز أن ينسخ خبر الآحاد الضعيف حكماً ثابتاً بالسنة المتواترة القطعية؟
- •
نسخ السنة بالسنة أربعة أقسام، ثلاثة منها متفق على جوازها، والرابع وهو نسخ المتواتر بالآحاد محل خلاف واسع بين الأصوليين.
- •
اختلف الأصوليون في تحرير محل الخلاف: فالجمهور يرى أن الجواز العقلي متفق عليه وأن الخلاف في الوقوع الشرعي فقط، بينما أطلق بعضهم كابن الحاجب والبيضاوي عدم الجواز.
- •
ضعّف الإسنوي الدليل المستند إلى أن القاطع لا يُرفع بالظني من وجهين: أن المتواتر مقطوع من حيث الابتداء لا الدوام، وأن تخصيص العام المتواتر بالآحاد جائز عند الجمهور.
- •
استدل داود وأهل الظاهر بآيات قرآنية وأحاديث كقصة تحويل القبلة لأهل قباء، فأجاب الجمهور بأن تلك الأمثلة إما تخصيص لا نسخ أو أن خبر الآحاد فيها اقترن بقرائن ترقيه إلى مرتبة المتواتر.
- •
الرأي الراجح هو رأي الجمهور لا لضعف حجتيهم الأولى والثانية بل لأن هذا النوع من النسخ لم يقع في الشرع فعلاً.
- 1
نسخ السنة بالسنة أربعة أقسام، ثلاثة منها متفق على جوازها، والرابع وهو نسخ المتواتر بالآحاد محل خلاف.
- 2
جمهور الأصوليين يرى أن الخلاف في نسخ المتواتر بالآحاد يتعلق بالجواز السمعي فقط، بينما أطلق بعضهم عدم الجواز عقلاً وسمعاً.
- 3
الإسنوي يوفق بين الفريقين بحمل كلام المانعين على عدم الوقوع لا على إنكار الجواز العقلي، مؤكداً أن الجواز العقلي ليس محل خلاف حقيقي.
- 4
الإسنوي يضعف دليل المنع بوجهين: قطعية المتواتر من حيث الابتداء لا الدوام، والتعادل بين العام المتواتر والخاص الآحادي في مسألة التخصيص.
- 5
جمهور الأصوليين يرى عدم وقوع نسخ المتواتر بالآحاد شرعاً، بينما يثبت داود وأهل الظاهر وقوعه ويسوّون بين المتواتر والآحاد في النسخ.
- 6
الجمهور يستدل على عدم وقوع نسخ المتواتر بالآحاد بقول عمر وإجماع الصحابة وبتتبع الأدلة الشرعية التي لم يثبت فيها هذا النوع من النسخ.
- 7
أهل الظاهر يقيسون النسخ على التخصيص ويوجبون تقديم المتأخر، والجمهور يرد بأن النسخ إبطال لا بيان وأن التفاوت بين المتواتر والآحاد يمنع الترجيح.
- 8
أهل الظاهر يستدلون بثلاث آيات قرآنية يرون أنها نُسخت بأحاديث آحاد في تحريم السباع والنكاح ونفي الوصية للوارث.
- 9
الجمهور يجيب عن الآيات الثلاث بأن الأمثلة المستدل بها إما تخصيص لا نسخ أو أن الخبر فيها بلغ قوة المتواتر بالإجماع.
- 10
أهل الظاهر يستدلون بتحول أهل قباء عن بيت المقدس بخبر واحد، والجمهور يجيب بأن الخبر اقترن بقرائن ترقيه إلى مرتبة المتواتر.
- 11
الجمهور يرد على دليل إرسال الولاة بالتفريق بين نسخ الآحاد ونسخ المتواتر، والرأي الراجح عدم وقوع نسخ المتواتر بالآحاد لعدم ثبوته في الشرع.
ما هي أقسام نسخ السنة بالسنة وأيها محل خلاف بين العلماء؟
نسخ السنة بالسنة ينقسم إلى أربعة أقسام: نسخ المتواترة بالمتواترة، ونسخ خبر الآحاد بالآحاد، ونسخ خبر الآحاد بالمتواتر، وهذه الثلاثة لا خلاف فيها بين القائلين بجواز النسخ. أما القسم الرابع وهو نسخ الخبر المتواتر بالآحاد فهو محل خلاف بين الأصوليين.
ما محل الخلاف بين الأصوليين في نسخ المتواتر بالآحاد: هل هو في الجواز العقلي أم الجواز السمعي؟
اختلف الأصوليون في تحرير محل الخلاف في مسألة نسخ المتواتر بالآحاد. فجمهورهم كالرازي والآمدي يرى أن محل الخلاف هو الجواز السمعي أي الوقوع شرعاً، أما الجواز العقلي فمتفق عليه. وبعض الأصوليين كابن الحاجب والبيضاوي والكمال بن الهمام أطلق عدم الجواز مما يُفهم منه أن الخلاف جارٍ في الجواز العقلي والسمعي معاً.
كيف حاول الإسنوي التوفيق بين الفريقين المختلفين في نسخ المتواتر بالآحاد؟
يرى الإسنوي أن من جعل الجواز العقلي محل خلاف ليس له ما يعضده إلا نقل ابن برهان عن قوم قالوا باستحالته عقلاً. ويرى أن المعروف عن البيضاوي وابن الحاجب أنهم مع الجمهور، فيُحمل كلامهم على أننا لا نحكم بالنسخ عند تعارض المتواتر بالآحاد بل نعمل بالمتواتر دائماً لقوته ولا نعمل بالآحاد لضعفه، وعلى هذا يرجع كلامهم إلى أنه لم يقع نسخ المتواتر بالآحاد لا إلى إنكار الجواز العقلي.
ما الوجهان اللذان ضعّف بهما الإسنوي دليل المانعين من نسخ المتواتر بالآحاد؟
ضعّف الإسنوي دليل المانعين القائل بأن القاطع لا يُرفع بالظني من وجهين: الأول ما قاله ابن برهان من أن الحكم في المتواتر مقطوع به من حيث الابتداء لا من حيث الدوام، والنسخ يرد على الدوام لا على الابتداء. الثاني أن العلماء أجازوا إخراج بعض أفراد العام المتواتر بخبر الآحاد، لأن العام ظني الدلالة قطعي الثبوت والخاص قطعي الدلالة ظني الثبوت فبينهما تعادل وتكافؤ، وهذا يجري في نسخ المتواتر بالآحاد فلا ينهض الدليل على إثبات المنع.
ما موقف داود وأهل الظاهر من وقوع نسخ المتواتر بالآحاد وما قول ابن حزم في ذلك؟
يرى داود وأهل الظاهر وهي رواية عن أحمد أن نسخ المتواتر بالآحاد قد وقع فعلاً، في حين يرى جمهور الأصوليين عدم الوقوع مع الاتفاق على الجواز العقلي. وقد صرّح ابن حزم في إحكامه بأن السنة المنقولة بالتواتر والسنة المنقولة بأخبار الآحاد سواء، كل ذلك ينسخ بعضه بعضاً وينسخ الآيات من القرآن وتنسخه الآيات.
ما الأدلة التي استند إليها الجمهور على عدم وقوع نسخ المتواتر بالآحاد شرعاً؟
استدل الجمهور بدليلين: الأول قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه 'ما ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة'، إذ لم يعمل بخبر الواحد على القرآن وما ثبت تواتراً وكان ذلك مشتهراً بين الصحابة دون إنكار فكان إجماعاً. الثاني تتبع الأدلة الشرعية فلم يوجد فيها متواتر نسخه خبر آحاد، وهذا يدل على عدم الوقوع. وقد ضعّف الرازي الاستدلال بحديث عمر بأنه لا يدل على إجماع الصحابة على رد جميع أخبار الآحاد في نسخ المتواتر.
ما الأدلة العقلية التي استند إليها داود وأهل الظاهر على وقوع نسخ المتواتر بالآحاد وكيف رد الجمهور عليها؟
استدل أهل الظاهر بوجهين عقليين: الأول أنه جاز تخصيص المتواتر بالآحاد فجاز نسخه به والجامع رفع الضرر المظنون، فرد الجمهور بأن هذا قياس مع الفارق لأن التخصيص بيان وجمع بين الدليلين أما النسخ فهو إبطال ورفع. الثاني أن خبر الواحد دليل شرعي فإذا عارض حكم المتواتر وجب تقديم المتأخر قياساً على سائر الأدلة، فرد الجمهور بأن المتواتر مقطوع في متنه والآحاد ليس كذلك فهذا التفاوت مانع من ترجيح خبر الواحد.
ما الآيات القرآنية الثلاث التي استدل بها أهل الظاهر على نسخ المتواتر بالآحاد؟
استدل أهل الظاهر بثلاث آيات: الأولى قوله تعالى {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً} وقالوا إنها منسوخة بحديث النهي عن أكل ذي ناب من السباع. الثانية قوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وقالوا إنها منسوخة بحديث النهي عن نكاح المرأة على عمتها أو خالتها. الثالثة قوله تعالى {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} في الوصية للوالدين وقالوا إنها منسوخة بحديث 'لا وصية لوارث'، وإذا ثبت نسخ القرآن بخبر الواحد وجب جواز نسخ المتواتر بالآحاد.
كيف أجاب الجمهور عن استدلال أهل الظاهر بالآيات الثلاث في مسألة نسخ المتواتر بالآحاد؟
أجاب الجمهور عن الآية الأولى بوجهين: أن الآية لا حصر فيها للمحرمات بالنسبة للمستقبل لأن الفعل في 'لا أجد' حقيقة في المضارع، وأن الحديث رفع الإباحة الأصلية لا حكماً شرعياً فيكون تخصيصاً لا نسخاً. وعن الآية الثانية بأن الحديث مخصِّص لا ناسخ لتلقي الأمة له بالقبول. وعن الآية الثالثة بأن الإجماع يجوز أن يصدر عن خبر ثم يضعف نقله استغناء بالإجماع عنه فيصير الحديث في قوة المتواتر، وبذلك لا يكون نسخاً بآحاد مجردة.
كيف استدل أهل الظاهر بقصة تحويل القبلة لأهل قباء على وقوع نسخ المتواتر بالآحاد وما جواب الجمهور؟
استدل أهل الظاهر بأن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتاً بالسنة المتواترة لأهل قباء مدة ستة عشر شهراً، ثم نُسخ بخبر واحد أخبرهم بتحول القبلة إلى البيت الحرام فتحولوا في صلاتهم. وأجاب الجمهور بأن محل النزاع هو نسخ المتواتر بخبر الواحد المجرد من القرائن، ولا يُسلَّم أن الخبر في هذه الحالة كان مجرداً، إذ يحتمل أن يكون قد انضم إليه قرائن تفيد العلم كقرب أهل قباء من مسجد الرسول وسماعهم ضجة الخلق، مما ينزّل خبر الآحاد منزلة المتواتر.
ما الدليل الثاني لأهل الظاهر من السنة على وقوع نسخ المتواتر بالآحاد وما الرأي الراجح في المسألة؟
استدل أهل الظاهر ثانياً بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفذ الولاة إلى أطراف البلاد لتبليغ الناسخ والمنسوخ، ولولا قبول خبر الواحد في ذلك لما كان قبوله واجباً. وأجاب الجمهور بأن هذا يجوز فيما يجوز فيه خبر الواحد كنسخ الآحاد، أما نسخ المتواتر بالآحاد فمن ادعاه فعليه البيان. والرأي الراجح هو رأي الجمهور لا لضعف حجتيهم الأولى والثانية بل لأن هذا النوع من النسخ لم يقع في الشرع فعلاً وما أتى به الخصم فيه وهن وضعف.
نسخ المتواتر بالآحاد جائز عقلاً عند جمهور الأصوليين لكنه لم يقع شرعاً، وهو الرأي الراجح.
نسخ السنة بالسنة ينقسم إلى أربعة أقسام، أشكلها نسخ الخبر المتواتر بخبر الآحاد. وقد اتفق جمهور الأصوليين على أن الجواز العقلي لهذا النوع أمر مسلَّم به، إذ لا مانع عقلي من أن يرفع الشارع حكماً قطعي الثبوت بدليل ظني، غير أن الوقوع الشرعي الفعلي لم يثبت بتتبع الأدلة.
ضعّف الإسنوي الدليل القائل بأن القاطع لا يُرفع بالظني من وجهين: أن المتواتر مقطوع من حيث الابتداء لا الدوام، وأن تخصيص العام المتواتر بالآحاد جائز إجماعاً مما يدل على التعادل بين قطعي الثبوت ظني الدلالة وظني الثبوت قطعي الدلالة. وقد أجاب الجمهور عن أدلة داود وأهل الظاهر بأن أمثلتهم إما تخصيص لا نسخ، أو أن خبر الآحاد فيها اقترن بقرائن ترقيه إلى مرتبة المتواتر كقصة تحويل القبلة لأهل قباء.
أبرز ما تستفيد منه
- نسخ السنة بالسنة أربعة أقسام، ثلاثة منها متفق على جوازها.
- الجواز العقلي لنسخ المتواتر بالآحاد متفق عليه عند جمهور الأصوليين.
- الخلاف الحقيقي في الوقوع الشرعي لا في الجواز العقلي.
- الرأي الراجح أن نسخ المتواتر بالآحاد لم يقع فعلاً في الشريعة.
تقسيم نسخ السنة بالسنة وبيان موضع الخلاف العام
الأول:- نسخ السنة المتواتر بالمتواترة. الثاني:- نسخ خبر الآحاد بالآحاد. الثالث:- نسخ خبر الآحاد بالمتواتر.
ولا خلاف فيه بين القائلين بجواز النسخ. الرابع:- نسخ الخبر المتواتر بالآحاد. وهو محل خلاف.
تحرير محل الخلاف بين الجواز العقلي والجواز السمعي في النسخ
تحرير محل الخلاف:
اختلف الأصوليون في تحرير محل الخلاف في هذه المسألة. فجمهورهم يرى أن محل الخلاف هو: الجواز السمعي، أي: الوقوع شرعاً. أما الجواز العقلي فقدر متفق عليه، ومن هؤلاء الإمام الرازي، والآمدي، أي: أن نسخ المتواتر بالآحاد يجوز عقلاً لا سمعاً [1].
وبعض الأصوليين أطلق عدم الجواز، مما يفهم منه أن الخلاف جارٍ في الجواز العقلي والسمعي، ومن هؤلاء ابن الحاجب، والبيضاوي، والكمال بن الهمام [2]. بمعنى أن من الأصوليين من يقول: نسخ المتواتر بالآحاد غير جائز عقلاً، وبالتالي سمعاً، ومنهم من يقول بجوازه عقلاً، لا سمعاً.
رأي الإسنوي ومحاولة التوفيق في مسألة نسخ المتواتر بالآحاد
رأي الإسنوي في التوفيق بين الفريقين:
يقول الإسنوي:
"إن مَن جعل الجواز العقلي محل خلاف، ليس له ما يعضده، إلا ما نقله ابن برهان في الوجيز من قوله: وقال قوم: نسخ المتواتر بالآحاد مستحيل من جهة العقل."
ثم قال الإسنوي: فإما أن يكون هؤلاء اطلعوا على هذا القول، واختاروه مذهبا لهم، وفيه بُعد؛ لأن المعروف عن هؤلاء مثل البيضاوي، وابن الحاجب، أنهم مع الجمهور، ولا يشذون عنهم إلا قليلاً، فلم يبق إلا أن يحمل كلامهم على أننا لا نحكم بالنسخ عند تعارض المتواتر بالآحاد، بل نعمل بالمتواتر دائماً وإن تقدم؛ لقوته، ولا نعمل بالآحاد وإن تأخر؛ لضعفه.
وعلى هذا ترجع عبارتهم إلى أنه لم يقع نسخ المتواتر بالآحاد، ويكون الجواز العقلي ليس محل خلاف".
تضعيف دليل المنع وإثبات الجواز العقلي لنسخ المتواتر بخبر الآحاد
والذي حمل الإسنوي على هذا التوفيق: أن الدليل الذي استدلوا به على عدم الجواز ضعيف؛ لأنهم استدلوا بأن المتواتر قاطع، والآحاد ظني، والقاطع لا يرفع بالظني. ولقد ضَعَّف الإسنوي هذا الدليل من وجهين:
الأول:– ما قاله ابن بَرهان أن الحكم في المتواتر مقطوع به من حيث الابتداء، لا من حيث الدوام، والنسخ يرد على الثاني لا على الأول. الثاني: أن العلماء نصوا على أن العام إذا عُمل به، ثم أخرج منه بعض أفراده بعد العمل يكون ذلك نسخاً لا تخصيصا، مع هذا أجازوا إخراج بعض أفراد العام بالآحاد، مع أن العام قد يكون قرآناً فيكون متواتراً.
وقالوا في توضيح ذلك: إن العام ظني الدلالة قطعي الثبوت، والخاص قطعي الدلالة ظني الثبوت، فبينهما تعادل وتكافؤ، ولا شك أن هذا يجري في نسخ المتواتر بالآحاد، فلا ينهض الدليل على إثبات المنع [3].
اتفاق على الجواز العقلي وخلاف في الوقوع بين الجمهور والظاهرية
ومما تقدم يعلم أن الجواز العقلي قدر متفق عليه، وأن الخلاف في الوقوع الشرعي أي: الجواز السمعي، فجمهور الأصوليين يرى عدم الوقوع. ويرى داود وأهل الظاهر أنه وقع [4]، وهي رواية عن أحمد.
قال ابن حزم في إحكامه:
"وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر، والسنة المنقولة بأخبار الآحاد، كل ذلك ينسخ بعضه بعضاً، وينسخ الآيات من القرآن، وتنسخه الآيات من القرآن" [5].
أدلة الجمهور على الجواز العقلي دون الوقوع في نسخ المتواتر بالآحاد
الأدلة:
أدلة الجواز عقلا دون الوقوع: استدل الجمهور بدليلين، علاوة على ما تقدم من الدليل الأول، الذي ضعفه الإسنوي وغيره. الدليل الأول: ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:
"ما ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة" [6].
ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أنه لم يعمل بخبر الواحد الصادر من هذه المرأة، ولم يحكم به على القرآن، وما ثبت من السنة تواتراً؛ لأنه لا يدري أصادقة هي أم كاذبة، وكان ذلك مشتهر بين الصحابة، ولم ينكر عليه منكر، فكان ذلك إجماعاً [7].
ولقد ضعف الإمام الرازي هذا الاستدلال فقال: هب أن هذا الحديث دل على أنهم ما قبلوا ذلك الخبر في نسخ المتواتر، فكيف يدل على إجماعهم على أنهم ما قبلوا خبراً من أخبار الآحاد في نسخ المتواتر [8]. الدليل الثاني: - بتتبع الأدلة الشرعية، فما وُجد منه متواتر نسخه خبر آحاد، وهذا يدل على عدم الوقوع.
أدلة داود وأهل الظاهر العقلية على وقوع نسخ المتواتر بخبر الآحاد
أدلة القائلين بالوقوع: أما داود وأهل الظاهر فقد استدلوا على الوقوع الشرعي بالمعنى والنقل. أما المعنى فمن وجهين:- الوجه الأول:- أنه جاز تخصيص المتواتر بالآحاد، فجاز نسخه به، والجامع رفع الضرر المظنون.
وردَّ الجمهور على ذلك: بأن هذا قياس مع الفارق، فالتخصيص بيان وجمع بين الدليلين، أما النسخ فهو إبطال ورفع [9]. الوجه الثاني:- أن خبر الواحد دليل من أدلة الشرع، فإذا صار معارضاً لحكم المتواتر، وجب تقديم المتأخر قياساً على سائر الأدلة.
ورد الجمهور على ذلك بأن المتواتر مقطوع في متنه، والآحاد ليس كذلك، فلم لا يجوز أن يكون هذا التفاوت مانعاً من ترجيح خبر الواحد [10].
استدلال القائلين بالوقوع بآيات القرآن على نسخها بخبر الآحاد
أما دليلهم من حيث النقل فمن الكتاب والسنة:- أما الكتاب فمن وجوه ثلاثة:- 1. قوله تعالى:
{قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً على طعام يطعمه} [11]
منسوخ بما روي من الآحاد: أن النبي صلى الله عليه وسلم
"نهي عن أكل ذي ناب من السباع" [12].
- قوله تعالى:
{وأحل لكم ما وراء ذلكم} [13]
منسوخ بما روي بالآحاد "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح المرأة على عمتها، والمرأة على خالتها" [14].
- قوله تعالى:
{كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف} [15]
منسوخ بما روي بالآحاد من قوله صلى الله عليه وسلم:
"لا وصية لوارث" [16]، وإذا ثبت نسخ القرآن بخبر الواحد، وجب جواز نسخ الخبر المتواتر بخبر الآحاد، إذ لا فرق بينهما [17].
جواب الجمهور عن الآيات الثلاث والتفريق بين النسخ والتخصيص والإجماع
وأجاب الجمهور عن الاستدلال بهذه الآيات الثلاث:- أما الأولى فأجابوا عن الاستدلال بها بوجهين:- الأول:- لا نسلم أن الآية فيها حصر للمحرمات بالنسبة للماضي والحال والاستقبال؛ بل نقول: إن أقصى ما تدل عليه الآية أن المحرمات إلى وقت نزولها إنما هي: الدم المسفوح، والميتة، ولحم الخنزير، وليس في ذلك ما يمنع من أنه قد يحرم في المستقبل أشياء أخرى.
وإنما قلنا: إن الآية لا حصر فيها بالنسبة للمستقبل؛ لأن الفعل في قوله {لا أجد} حقيقة في المضارع أي الحال، فيجعل الكلام عليه؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة. الثاني:- سلمنا حصر المحرمات في المذكور في الآية، لكن لا نسلم أن ذلك نسخ؛ لأن الحديثَ رَفَعَ الإباحة الأصلية التي أكدتها الآية، ورَفْعُ الإباحة الأصلية ليس نسخاً، لأنها ليست حكما شرعياً، والنسخ لا يكون إلا للحكم الشرعي.
وإذا كان النسخ متعذرا هنا لعدم وجود حقيقته، كان الكلام من قبيل التخصيص، وتخصيص المتواتر بالآحاد جائز عند الجمهور [18]. أما الآية الثانية: وهي قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} فقد خصصت بالحديث "لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها"، لتلقي الأمة هذا الحديث بالقبول، فالحديث مخصِّص، لا ناسخ.
أما الآية الثالثة: وهي قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك} الآية فيجوز أن يصدر الإجماع عن خبر، وهو هنا الحديث:
"لا وصية لوارث"
ثم لا ينقل ذلك الخبر أصلاً استغناء بالإجماع عنه، وإذا جاز ذلك فالأولى أن يجوز أن يصدر إجماعهم عن خبر، ثم يضعف نقله استغناء بالإجماع عنه، فيصير هذا الحديث في قوة المتواتر.
وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يكون هذا الخبر مقطوعاً به عندهم، ثم يضعف نقله لإجماعهم على العمل بموجبه [19].
الاستدلال بقصة تحويل القبلة لأهل قباء وجواب الجمهور عنها
أما دليلهم على الوقوع الشرعي من السنة فمن وجهين:- الأول:- أن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتاً بالسنة المتواترة لأهل قباء وغيرهم؛ لأنهم مكثوا يصلون مدة من الزمن تقرب من ستة عشر شهراً، ولكنه نسخ بالنسبة لأهل قباء بخبر الواحد، فقد روي الطبراني عن أم نويلة بنت مسلم قالت:
"صلينا الظهر والعصر في مسجد بني حارثة، واستقبلنا مسجد إيلياء، أي: بيت المقدس، فصلينا ركعتين، ثم جاءنا من يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدثني رجل من بني حارثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أولئك رجال آمنوا بالغيب" [20].
فهذا الحديث يفيد أن أهل قباء تحولوا في صلاتهم عن بيت المقدس إلى البيت الحرام، بناء على قول من أخبرهم بأن القبلة تحولت، وعلى هذا يكون خبر الواحد قد نسخ التواتر [21].
وأجاب الجمهور عن ذلك: بأن محل النزاع هو وقوع نسخ المتواتر بخبر الواحد المجرَّد من القرائن المفيدة للعلم، ولا نسلم أن خبر الواحد في هذه الحالة كان مجرَّداً من القرائن، لاحتمال أن يكون قد انضم إليه ما يفيد العلم، كقربهم من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وسماعهم لضجة الخلق في ذلك، كل ذلك يُنَزِّل خبر الآحاد منزلة المتواتر [22].
إرسال الولاة لتبليغ الأحكام وحدود قبول خبر الواحد في النسخ
الثاني:- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفذ أحد الولاة من أطراف البلاد لتبليغ الناسخ والمنسوخ، ولولا قبول خبر الواحد في ذلك لما كان قبوله واجباً.
وأجاب الجمهور عن ذلك: بأن هذا يجوز فيما يجوز فيه خبر الواحد، كنسخ خبر الآحاد، أما ما لا يجوز فيه فلا، كمحل النزاع وهو نسخ المتواتر بالآحاد، ومن ادعى ذلك فعليه البيان [23].
الرأي الراجح: والذي تميل النفس إليه هو رأي الجمهور ليس من جهة حجتيهما الأولى والثانية، فقد علمنا ما فيهما من ضعف، ولكن من جهة حجتهم الثالثة، أقصد أن هذا النوع من النسخ لم يقع في الشرع، وما أتي به الخصم لهذا النوع، علمنا ما فيه من وهن وضعف.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
كم عدد أقسام نسخ السنة بالسنة؟
أربعة أقسام
أي أقسام نسخ السنة بالسنة هو محل خلاف بين الأصوليين؟
نسخ المتواتر بالآحاد
ما موقف جمهور الأصوليين من الجواز العقلي لنسخ المتواتر بالآحاد؟
يرون جوازه عقلاً مع عدم وقوعه شرعاً
من الذي حاول التوفيق بين الفريقين في مسألة نسخ المتواتر بالآحاد؟
الإسنوي
ما الدليل الذي استند إليه المانعون من نسخ المتواتر بالآحاد والذي ضعّفه الإسنوي؟
أن القاطع لا يُرفع بالظني
ما الوجه الأول الذي ضعّف به الإسنوي دليل المانعين من نسخ المتواتر بالآحاد؟
أن المتواتر مقطوع به من حيث الابتداء لا الدوام
من العلماء الذين يرون وقوع نسخ المتواتر بالآحاد؟
داود وأهل الظاهر
ما قول ابن حزم في مسألة نسخ السنة المتواترة بالآحاد؟
يسوّي بين المتواتر والآحاد في النسخ
ما الفرق بين التخصيص والنسخ الذي استند إليه الجمهور في رد أدلة أهل الظاهر؟
التخصيص بيان وجمع بين الدليلين أما النسخ فهو إبطال ورفع
كيف أجاب الجمهور عن استدلال أهل الظاهر بقصة تحويل القبلة لأهل قباء؟
قالوا إن الخبر اقترن بقرائن ترقيه إلى مرتبة المتواتر
ما الآية القرآنية التي استدل بها أهل الظاهر وقال الجمهور إن الحديث المعارض لها مخصِّص لا ناسخ لتلقي الأمة له بالقبول؟
{وأحل لكم ما وراء ذلكم}
ما الرأي الراجح في مسألة نسخ المتواتر بالآحاد وما مستنده؟
رأي الجمهور لعدم وقوع هذا النوع من النسخ في الشرع
ما موقف الإمام الغزالي من نسخ المتواتر بالآحاد؟
يجيزه عقلاً ويجيز وقوعه في زمن النبي دون ما بعده
ما الدليل الثاني للجمهور على عدم وقوع نسخ المتواتر بالآحاد؟
تتبع الأدلة الشرعية فلم يوجد فيها هذا النوع من النسخ
ما القسم الرابع من أقسام نسخ السنة بالسنة؟
نسخ الخبر المتواتر بخبر الآحاد، وهو القسم الوحيد المحل للخلاف بين الأصوليين.
ما الفرق بين الجواز العقلي والجواز السمعي في مسألة نسخ المتواتر بالآحاد؟
الجواز العقلي يعني إمكانية وقوع النسخ من حيث العقل وهو متفق عليه، أما الجواز السمعي فيعني وقوعه فعلاً في الشريعة وهو محل الخلاف.
من الأصوليون الذين أطلقوا عدم جواز نسخ المتواتر بالآحاد مما يوهم أن الخلاف في الجواز العقلي؟
ابن الحاجب والبيضاوي والكمال بن الهمام، وإن كان الإسنوي يرى أن كلامهم يُحمل على عدم الوقوع لا على إنكار الجواز العقلي.
ما معنى قول الإسنوي في التوفيق: نعمل بالمتواتر دائماً وإن تقدم ولا نعمل بالآحاد وإن تأخر؟
يعني أنه عند تعارض المتواتر مع الآحاد لا نحكم بالنسخ بل نقدم المتواتر لقوته ونطرح الآحاد لضعفه، فيرجع الأمر إلى عدم الوقوع لا إلى إنكار الجواز العقلي.
ما معنى قول الأصوليين: العام ظني الدلالة قطعي الثبوت والخاص قطعي الدلالة ظني الثبوت؟
يعني أن النص العام ثابت بيقين لكن دلالته على الأفراد ظنية، والنص الخاص دلالته قاطعة لكن ثبوته ظني، فبينهما تعادل يجيز تخصيص العام بالخاص.
ما الحديث الذي استدل به الجمهور من قول عمر بن الخطاب على عدم نسخ المتواتر بالآحاد؟
قوله رضي الله عنه: 'ما ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة'، إذ لم يعمل بخبر الواحد على ما ثبت بالقرآن والتواتر.
كيف ضعّف الرازي الاستدلال بحديث عمر على إجماع الصحابة؟
قال الرازي: هب أن هذا الحديث دل على أنهم ما قبلوا ذلك الخبر بعينه في نسخ المتواتر، فكيف يدل على إجماعهم على رد جميع أخبار الآحاد في نسخ المتواتر؟
ما الجامع الذي ذكره أهل الظاهر بين التخصيص والنسخ في استدلالهم؟
قالوا إن الجامع بينهما هو رفع الضرر المظنون، فكما جاز تخصيص المتواتر بالآحاد جاز نسخه به.
لماذا رد الجمهور قياس النسخ على التخصيص بأنه قياس مع الفارق؟
لأن التخصيص بيان وجمع بين الدليلين وإعمال لهما معاً، أما النسخ فهو إبطال للحكم الأول ورفع له كلياً، وهذا فارق جوهري يمنع القياس.
ما مدة صلاة أهل قباء إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة؟
مكثوا يصلون إلى بيت المقدس مدة تقرب من ستة عشر شهراً، وكان ذلك ثابتاً بالسنة المتواترة.
ما القرائن التي ذكرها الجمهور لتنزيل خبر الآحاد في قصة تحويل القبلة منزلة المتواتر؟
قرب أهل قباء من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وسماعهم ضجة الخلق عند تحول القبلة، مما يجعل الخبر محفوفاً بقرائن تفيد العلم.
كيف أجاب الجمهور عن استدلال أهل الظاهر بإرسال النبي الولاة لتبليغ الناسخ والمنسوخ؟
قالوا إن هذا يجوز فيما يجوز فيه خبر الواحد أصلاً كنسخ الآحاد بالآحاد، أما نسخ المتواتر بالآحاد فمن ادعى أن الولاة بلّغوه فعليه البيان.
ما الآية التي قال الجمهور إن الحديث المعارض لها رفع الإباحة الأصلية لا حكماً شرعياً فكان تخصيصاً لا نسخاً؟
قوله تعالى {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طعام يطعمه}، إذ قال الجمهور إن حديث النهي عن ذي ناب من السباع رفع إباحة أصلية لا حكماً شرعياً مقرراً.
كيف أجاب الجمهور عن آية الوصية للوالدين وحديث 'لا وصية لوارث'؟
قالوا يجوز أن يكون الإجماع صدر عن هذا الخبر ثم ضعف نقله استغناء بالإجماع عنه، فيصير الحديث في قوة المتواتر ولا يكون نسخاً بآحاد مجردة.
ما مستند الرأي الراجح في عدم وقوع نسخ المتواتر بالآحاد؟
الحجة الثالثة للجمهور وهي أن هذا النوع من النسخ لم يقع في الشرع فعلاً بالتتبع والاستقراء، وما أتى به الخصم من أمثلة تبين فيه الوهن والضعف.