اكتمل ✓
الفصل 5

كيف نشأ الإفتاء في الإسلام وكيف تطورت الفتوى من عهد الصحابة إلى استقرار المذاهب الفقهية؟

نشأ الإفتاء في الإسلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يفتي بالوحي، ثم تولى الصحابة الكرام هذه المهمة وبلغ عددهم المفتون منهم مائة ونيفاً وثلاثين صحابياً. انتشر الفقه بعدهم عبر مدارس التابعين في الأمصار الكبرى كالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ومصر. ثم استقرت المذاهب الفقهية الثمانية التي باتت مدارس علمية يتربى فيها فقهاء الإسلام إلى يومنا هذا.

11 دقيقة قراءة
  • كيف بدأ الإفتاء في الإسلام ومن كان أول المفتين وما مصدر فتاواهم؟

  • رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول من تولى الإفتاء بالوحي، وفتاواه واجبة الاتباع كالقرآن الكريم.

  • بلغ عدد الصحابة الذين حُفظت عنهم الفتوى مائة ونيفاً وثلاثين، وكان المكثرون منهم سبعة في مقدمتهم عمر وعلي وابن مسعود وعائشة.

  • انتشر الفقه في الأمصار عبر أربع مدارس صحابية: أصحاب ابن مسعود في العراق، وأصحاب زيد وابن عمر في المدينة، وأصحاب ابن عباس في مكة.

  • تعاقبت طبقات المفتين في كل مصر من الأمصار الكبرى كالبصرة والكوفة والشام ومصر والأندلس واليمن وبغداد، وأسهم كل جيل في بناء الفقه الإسلامي.

  • استقرت في نهاية المطاف ثمانية مذاهب فقهية تمثل مدارس علمية متكاملة لا يزال فقهاء الإسلام يتربون فيها ويفتون من خلالها.

الله المفتي على الحقيقة وبداية الإفتاء برسول الله

الله سبحانه وتعالى هو الذي يفتي الناس على الحقيقة، وأول من قام بوظيفة الإفتاء بالتبليغ عن رب العالمين في الإسلام هو رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ثم صحابته الكرام، ثم العلماء من التابعين، فمن بعدهم إلى يومنا هذا.

ولقد قام ابن القيم برصد تاريخي للإفتاء بداية من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حتى بدايات عصر الأئمة المجتهدين أصحاب المذاهب، ونظرا لما في ذلك الرصد من أهمية ينبغي أن يطالعها قارئ هذا الكتاب، قمت بنقل هذا الرصد بنصفه رغم طوله، يقول ابن القيم -رحمه الله-:

«وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده؛ فكان يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ فكانت فتاويه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب، وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب، وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلا، وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول: ﴿فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .

ثم قام بالفتوى بعده برك الإسلام وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن، أولئك أصحابه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ألين الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأحسنها بيانا، وأصدقها إيمانا، وأعمها نصيحة، وأقربها إلى الله وسيلة، وكانوا بين مكثر منها ومقل ومتوسط.

والذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مائة ونيف وثلاثون نفسًا، ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. وقال أبو محمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم قال: وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في عشرين كتابا وأبو بكر محمد المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث.

قال أبو محمد: والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل؛ فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير جدا، ويضاف إليهم: طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان.

والباقون منهم مقلون في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان، والزيادة اليسيرة على ذلك يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصي والبحث» .

انتشار الفقه عن مدارس الصحابة الأربعة في الأمصار

والدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب عبد الله بن عباس؛ فعلم الناس عامته عن أصحاب هؤلاء الأربعة؛ فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس، وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود.

قال ابن جرير: وقد قيل: إن ابن عمر وجماعة ممن عاش بعده بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانوا يفتون بمذاهب زيد بن ثابت وما كانوا أخذوا عنه، مما لم يكونوا حفظوا فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا. وقال ابن وهب: حدثني موسى بن علي اللخمي عن أبيه أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد المال فليأتني.

وأما عائشة فكانت مقدمة في العلم والفرائض والأحكام والحلال والحرام، وكان من الآخذين عنها - الذين لا يكادون يتجاوزون قولها، المتفقهين بها - القاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها، وعروة بن الزبير ابن أختها أسماء. قال مسروق: لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يسألونها عن الفرائض. وقال عروة بن الزبير: ما جالست أحدا قط كان أعلم بقضاء ولا بحديث بالجاهلية ولا أروى للشعر ولا أعلم بفريضة ولا طب من عائشة.

مكانة سعيد بن المسيب والفقهاء الكبار في المدينة

ثم صارت الفتوى في أصحاب هؤلاء كسعيد بن المسيب راوية عمر وحامل علمه، قال جعفر بن ربيعة: قلت لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة ؟ قال: أما أفقههم فقها وأعلمهم بقضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضايا أبي بكر وقضايا عمر وقضايا عثمان وأعلمهم بما مضى عليه الناس فسعيد بن المسيب؛ وأما أغزرهم حديثا فعروة بن الزبير، ولا تشاء أن تفجر من عبيد الله بحرا إلا فجرته قال عراك: وأفقههم عندي ابن شهاب؛ لأنه جمع علمهم إلى علمه.

وقال الزهري: كنت أطلب العلم من ثلاثة: سعيد بن المسيب وكان أفقه الناس، وعروة بن الزبير وكان بحرا لا تكدره الدلاء، وكنت لا تشاء أن تجد عند عبيد الله طريقة من علم لا تجدها عند غيره إلا وجدت. وقال الأعمش: فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة، وقبيصة، وعبد الملك. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة - عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص: صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي؛ فكان فقيه أهل مكة عطاء بن أبي رباح، وفقيه أهل اليمن طاوس، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه أهل الكوفة إبراهيم، وفقيه أهل البصرة الحسن، وفقيه أهل الشام مكحول، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني، إلا المدينة فإن الله خصها بقرشي، فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع.

وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: مررت بعبد الله بن عمر، فسلمت عليه ومضيت، قال: فالتفت إلى أصحابه فقال: لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لسره، فرفع يديه جدا وأشار بيده إلى السماء. وكان سعيد بن المسيب صهر أبي هريرة، زوجه أبو هريرة ابنته، وكان إذا رآه قال: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، ولهذا أكثر عنه من الرواية.

المفتون من التابعين في المدينة والفقهاء السبعة

المفتون في المدينة:

كان المفتون بالمدينة من التابعين: ابن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهؤلاء هم الفقهاء، وقد نظمهم القائل فقال:

إذا قيل من في العلم سبعة أبحر

روايتهم ليست عن العلم خارجه

فقل هم عبيد الله عروة قاسم

سعيد أبو بكر سليمان خارجه

وكان من أهل الفتوى أبان بن عثمان، وسالم، ونافع وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعلي بن الحسين. وبعد هؤلاء أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابناه محمد وعبد الله، وعبد الله بن عمر بن عثمان وابنه محمد، وعبد الله والحسين ابنا محمد بن الحنفية، وجعفر بن محمد بن علي، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، ومحمد بن المنكدر، ومحمد بن شهاب الزهري، وجمع محمد بن نوح فتاويه في ثلاثة أسفار ضخمة على أبواب الفقه، وخلق سوى هؤلاء.

المفتون في مكة من عطاء إلى الإمام الشافعي

المفتون بمكة:

وكان المفتون بمكة عطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان، ومجاهد بن جبر، وعبيد بن عمير، وعمرو بن دينار، وعبد الله بن أبي مليكة، وعبد الرحمن بن سابط، وعكرمة. ثم بعدهم أبو الزبير المكي، وعبد الله بن خالد بن أسيد، وعبد الله بن طاوس. ثم بعدهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وسفيان بن عيينة، وكان أكثر فتواهم في المناسك، وكان يتوقف في الطلاق. وبعدهم مسلم بن خالد الزنجي، وسعيد بن سالم القداح. وبعدهما الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ثم عبد الله بن الزبير الحميدي، وإبراهيم بن محمد الشافعي ابن عم محمد، وموسى بن أبي الجارود، وغيرهم.

المفتون في البصرة وطبقاتهم العلمية

المفتون بالبصرة:

كان من المفتين بالبصرة عمرو بن سلمة الجرمي، وأبو مريم الحنفي، وكعب بن سور، والحسن البصري، وأدرك خمس مائة من الصحابة، وقد جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة أسفار ضخمة قال أبو محمد بن حزم: وأبو الشعثاء جابر بن زيد، ومحمد بن سيرين، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، ومسلم بن يسار، وأبو العالية، وحميد بن عبد الرحمن، ومطرف بن عبد الله الشخير، وزرارة بن أبي أوفى، وأبو بردة بن أبي موسى. ثم بعدهم أيوب السختياني، وسليمان التيمي، وعبد الله بن عوف، ويونس بن عبيد، والقاسم بن ربيعة، وخالد بن أبي عمران، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، وقتادة، وحفص بن سليمان، وإياس بن معاوية القاضي. وبعدهم سوار القاضي، وأبو بكر العتكي، وعثمان بن سليمان البتي، وطلحة بن إياس القاضي، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وأشعث بن جابر بن زيد. ثم بعد هؤلاء عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن داود الحرشي، وإسماعيل بن علية، وبشر بن المفضل، ومعاذ بن معاذ العنبري، ومعمر بن راشد، والضحاك بن مخلد، ومحمد بن عبد الله الأنصاري.

المفتون في الكوفة من أصحاب ابن مسعود إلى أبي حنيفة

المفتون بالكوفة:

وكان من المفتين بالكوفة علقمة بن قيس النخعي، والأسود بن يزيد النخعي وهو عم علقمة، وعمرو بن شرحبيل الهمداني، ومسروق بن الأجدع الهمداني، وعبيدة السلماني، وشريح بن الحارث القاضي، وسليمان بن ربيعة الباهلي، وزيد بن صوحان، وسويد بن غفلة، والحارث بن قيس الجعفي، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وعبد الله بن عتبة بن مسعود القاضي، وخيثمة بن عبد الرحمن، وسلمة بن صهيب، ومالك بن عامر، وعبد الله بن سخبرة، وزر بن حبيش، وخلاس بن عمرو، وعمرو بن ميمون الأودي، وهمام بن الحارث، والحارث بن سويد، ويزيد بن معاوية النخعي، والربيع بن خثيم وعتبة بن فرقد، وصلة بن زفر، وشريك بن حنبل، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وعبيد بن نضلة وهؤلاء أصحاب علي وابن مسعود.

وأكابر التابعين كانوا يفتون في الدين، ويستفتيهم الناس، وأكابر الصحابة حاضرون يجوزون لهم ذلك، وأكثرهم أخذ عن عمر وعائشة وعلي، ولقي عمرو بن ميمون الأودي معاذ بن جبل، وصحبه، وأخذ عنه، وأوصاه معاذ عند موته أن يلحق بابن مسعود فيصحبه ويطلب العلم عنده، ففعل ذلك.

ويضاف إلى هؤلاء أبو عبيدة وعبد الرحمن ابنا عبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأخذ عن مائة وعشرين من الصحابة، وميسرة، وزاذان، والضحاك. ثم بعدهم إبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، وسعيد بن جبير، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وأبو بكر بن أبي موسى، ومحارب بن دثار، والحكم بن عتيبة، وجبلة بن سحيم وصحب ابن عمر.

ثم بعدهم حماد بن أبي سليمان وسليمان بن المعتمر، وسليمان الأعمش، ومسعر بن كدام. ثم بعدهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شبرمة، وسعيد بن أشوع، وشريك القاضي، والقاسم بن معن، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، والحسن بن صالح بن حي. ثم بعدهم حفص بن غياث، ووكيع بن الجراح، وأصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف القاضي، وزفر بن الهذيل، وحماد بن أبي حنيفة، والحسن بن زياد اللؤلؤي القاضي، ومحمد بن الحسن قاضي الرقة، وعافية القاضي، وأسد بن عمرو، ونوح بن دراج القاضي، وأصحاب سفيان الثوري كالأشجعي والمعافى بن عمران، وصاحبي الحسن بن حي الزولي، ويحيى بن آدم.

المفتون في الشام وظهور مدرسة الأوزاعي

المفتون بالشام:

وكان من المفتين بالشام أبو إدريس الخولاني، وشرحبيل بن السمط، وعبد الله بن أبي زكريا الخزاعي، وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وحبان بن أمية، وسليمان بن حبيب المحاربي، والحارث بن عمير الزبيدي، وخالد بن معدان، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وجبير بن نفير ثم كان بعدهم عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حيوة، وكان عبد الملك بن مروان يعد في المفتين قبل أن يلي ما ولي، وحدير بن كريب. ثم كان بعدهم يحيى بن حمزة القاضي، وأبو عامر عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وإسماعيل بن أبي المهاجر، وسليمان بن موسى الأموي، وسعيد بن عبد العزيز، ثم مخلد بن الحسين، والوليد بن مسلم، والعباس بن يزيد صاحب الأوزاعي، وشعيب بن إسحاق صاحب أبي حنيفة، وأبو إسحاق الفزاري صاحب ابن المبارك. فصل.

المفتون في مصر وتطور الإفتاء إلى مدرستي مالك والشافعي

المفتون بمصر:

في المفتين من أهل مصر: يزيد بن أبي حبيب، وبكير بن عبد الله بن الأشج، وبعدهما عمرو بن الحارث. وقال ابن وهب: لو عاش لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا معه إلى مالك ولا إلى غيره - والليث بن سعد، وعبيد الله بن أبي جعفر.

وبعدهم أصحاب مالك كعبد الله بن وهب، وعثمان بن كنانة، وأشهب، وابن القاسم على غلبة تقليده لمالك إلا في الأقل، ثم أصحاب الشافعي كالمزني والبويطي وابن عبد الحكم، ثم غلب عليهم تقليد مالك وتقليد الشافعي، إلا قوما قليلا لهم اختيارات كمحمد بن علي بن يوسف، وأبي جعفر الطحاوي.

المفتون في القيروان والأندلس ومكانتهم في الفقه

المفتون بقيروان:

وكان بالقيروان سحنون بن سعيد، وله كثير من الاختيار، وسعيد بن محمد الحداد.

المفتون بالأندلس:

وكان بالأندلس ممن له شيء من الاختيار يحيى بن يحيى، وعبد الملك بن حبيب، وبقي بن مخلد، وقاسم بن محمد صاحب الوثائق، تحفظ لهم فتاو يسيرة، وكذلك مسلمة بن عبد العزيز القاضي، ومنذر بن سعيد، قال أبو محمد بن حزم: وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحق الاعتداد به في الاختلاف مسعود بن سليمان، ويوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر فصل.

المفتون في اليمن وبغداد ومركزية بغداد العلمية

المفتون باليمن:

وكان باليمن مطرف بن مازن قاضي صنعاء، وعبد الرزاق بن همام، وهشام بن يوسف، ومحمد بن ثور، وسماك بن الفضل.

المفتون ببغداد:

وكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير، ولما بناها المنصور أقدم إليها من الأئمة والفقهاء والمحدثين بشرا كثيرا، فكان من أعيان المفتين بها أبو عبيد القاسم بن سلام، وكان جبلا نفخ فيه الروح علما وجلالة ونبلا وأدبا، وكان منهم أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي وكان قد جالس الشافعي وأخذ عنه، وكان أحمد يعظمه ويقول: هو في سلاح الثوري . اهـ

استقرار المذاهب الفقهية وخاتمة عن أصالة الإفتاء

ثم بعد ذلك استقرت مذاهب الفقه الثمانية في الأمة الإسلامية، منها الأربعة السنية (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي)، ومنها الشيعي (الإمامي، والزيدي)، ومنها الإباضي، وكذلك الظاهري.

وسارت تلك المذاهب مدارس فقهية لها أصولها وقواعدها يتربى فيها فقهاء الإسلام، ويخرجون للاجتهاد ومقارنة الأدلة من خلال، فقلما تجد فقيهًا برز اسمه بعد استقرار المذاهب، وإلا أنك تستطيع أن ترده إلى مذهبه الذي نشأ فيه بسهولة، كالنووي الشافعي مثلاً، وابن تيمية الحنبلي.

وكان أئمة هذه المذاهب في كل عصر وكبار علمائها هم الذين يفتون الناس في أمور دينهم، وهم الذين يتولون المشيخات العلمية والفقهية إلى يومنا هذا.

كانت هذه لمحة عن نشأة الفتوى في الإسلام، مما يبين أن تاريخ الإفتاء في الأمة الإسلامية قديم وأصيل، وله أصوله وقواعده وتطوره الملاحظ فيما مر.

ونكون قد بينا مبادئ الإفتاء ومفاهيمه الأساسية في ذلك الفصل، ونعرض فيما يلي عناصر الإفتاء.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كم بلغ عدد الصحابة الذين حُفظت عنهم الفتوى؟

مائة ونيف وثلاثون صحابياً

من هم المكثرون من الصحابة في الفتوى؟

عمر وعلي وابن مسعود وعائشة وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر

عن أصحاب أي الصحابة أخذ أهل العراق علمهم؟

أصحاب عبد الله بن مسعود

من وصفه الزهري بأنه كان أفقه الناس؟

سعيد بن المسيب

كم سفراً جُمعت فيه فتاوى الحسن البصري؟

سبعة أسفار

من هو إمام الشام في الفقه الذي كان له مذهب مستقل؟

أبو عامر الأوزاعي

ماذا قال ابن وهب عن عمرو بن الحارث المصري؟

لو عاش لما احتاجوا إلى مالك ولا غيره

كم مذهباً فقهياً استقر في الأمة الإسلامية؟

ثمانية مذاهب

من أوصى عمرو بن ميمون الأودي عند موته بأن يلحق بابن مسعود؟

معاذ بن جبل

من كان فقيه أهل مكة بعد وفاة العبادلة الثلاثة؟

عطاء بن أبي رباح

من كان يُعدّ في المفتين بالشام قبل أن يتولى الخلافة؟

عبد الملك بن مروان

من جمع فتاوى عبد الله بن عباس في عشرين كتاباً؟

أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب

من أبرز مفتي القيروان الذي كان له كثير من الاختيار الفقهي؟

سحنون بن سعيد

من هو المفتي على الحقيقة في الإسلام؟

الله سبحانه وتعالى هو المفتي على الحقيقة، وأول من قام بوظيفة الإفتاء بالتبليغ عن رب العالمين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ما مصدر فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم؟

كانت فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم مستمدة من الوحي المبين، وهي في وجوب الاتباع ثانية الكتاب، وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلاً.

من هم الفقهاء السبعة المكثرون في الفتوى من الصحابة؟

هم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر.

ما الذي قاله عمر بن الخطاب عن زيد بن ثابت في خطبة الجابية؟

قال عمر: من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد المال فليأتني.

من كان من الآخذين عن عائشة أم المؤمنين في الفقه؟

كان من أبرز الآخذين عنها القاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها، وعروة بن الزبير ابن أختها أسماء، وكانا لا يكادان يتجاوزان قولها.

لماذا قيل إن ابن شهاب الزهري أفقه فقهاء المدينة؟

قال عراك بن مالك إن الزهري أفقههم لأنه جمع علم غيره إلى علمه، فضم علم سعيد بن المسيب وعروة وعبيد الله إلى علمه الخاص.

ما العلاقة بين سعيد بن المسيب وأبي هريرة؟

كان سعيد بن المسيب صهر أبي هريرة، إذ زوجه أبو هريرة ابنته، وكان أبو هريرة إذا رآه قال: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة.

من هو فقيه أهل اليمامة بعد وفاة العبادلة؟

كان فقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير، وذلك بعد أن صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي عقب وفاة العبادلة الثلاثة.

من هو أبو عبيد القاسم بن سلام وما مكانته؟

أبو عبيد القاسم بن سلام من أبرز مفتي بغداد، وُصف بأنه جبل نُفخ فيه الروح علماً وجلالة ونبلاً وأدباً.

ما المذاهب الفقهية الأربعة السنية التي استقرت في الأمة؟

المذاهب الأربعة السنية هي: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، وهي مدارس فقهية لها أصولها وقواعدها.

من هو أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي وما صلته بالإمام أحمد؟

أبو ثور هو صاحب الشافعي الذي جالسه وأخذ عنه، وكان الإمام أحمد يعظمه ويقول: هو في سلاح الثوري.

كيف وصف عروة بن الزبير مكانة عائشة العلمية؟

قال عروة: ما جالست أحداً قط كان أعلم بقضاء ولا بحديث بالجاهلية ولا أروى للشعر ولا أعلم بفريضة ولا طب من عائشة.

من هو فقيه أهل البصرة الذي أدرك خمسمائة من الصحابة؟

هو الحسن البصري الذي أدرك خمسمائة من الصحابة، وجُمعت فتاواه في سبعة أسفار ضخمة.

ما الذي يميز النووي وابن تيمية في سياق المذاهب الفقهية؟

يُضرب بهما المثل على أن كل فقيه برز بعد استقرار المذاهب يمكن رده إلى مذهبه بسهولة، فالنووي شافعي وابن تيمية حنبلي.

من هو عبد الرحمن بن أبي ليلى وما تميزه في الرواية؟

عبد الرحمن بن أبي ليلى من مفتي الكوفة، وتميز بأنه أخذ عن مائة وعشرين من الصحابة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!