ما هي شروط المفتي وما حكم الإفتاء بغير علم أو تخصص؟
شروط المفتي تنقسم إلى شروط سلبية لا يُشترط توافرها كالذكورية والبصر، وشروط إيجابية يجب توافرها كالإسلام والعقل والبلوغ والعلم والتخصص والعدالة والاجتهاد وجودة القريحة والفطانة. والإفتاء بغير علم حرام لأنه يتضمن الكذب على الله ورسوله وإضلال الناس، وهو من الكبائر. ويُشترط في المفتي أيضاً أن يكون متيقظاً عارفاً بحيل الناس ودسائسهم.
- •
هل يجوز للمرأة أو الأعمى أو الأخرس أن يُفتي؟ الجواب نعم، فهذه ليست من شروط المفتي الواجبة إجماعاً.
- •
شروط المفتي الإيجابية الواجبة هي: الإسلام والعقل والبلوغ والعلم والتخصص والعدالة والاجتهاد وجودة القريحة والفطانة والتيقظ.
- •
الإفتاء بغير علم حرام وكبيرة من الكبائر، لأنه يتضمن الكذب على الله ورسوله وإضلال الناس، استناداً إلى الآية الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة.
- •
التخصص في الفقه والأصول شرط مستقل في هذا العصر، وذهب الزركشي إلى أن المتخصص في فرع فقهي واحد لا يحق له الإفتاء في فروع أخرى.
- •
فتوى الفاسق مختلف فيها بين العلماء، أما المبتدع فتصح فتواه إن لم تكن بدعته مكفِّرة أو مفسِّقة فيما لا يدعو فيه إلى بدعته.
- •
يشترط في المفتي جودة القريحة وحسن التصور للمسائل، والفطانة والتيقظ ومعرفة حيل الناس ودسائسهم حتى لا يُخدع في فتاواه.
- 1
عملية الإفتاء تقوم على ثلاثة عناصر: المفتي والفتوى والمستفتي، ويُدرس المفتي من حيث شروطه وآدابه وخطئه ورجوعه عن الفتوى.
- 2
الشروط السلبية للمفتي لا تشمل الذكورية ولا البصر ولا النطق إجماعاً، وتصح فتوى المرأة والأعمى والأخرس، مع خلاف في اشتراط السمع.
- 3
الشروط الإيجابية للمفتي: الإسلام والعقل والبلوغ والعلم، والإفتاء بغير علم كبيرة من الكبائر لتضمنه الكذب على الله وإضلال الناس.
- 4
التخصص في الفقه والأصول شرط مستقل في هذا العصر لحسم فوضى الفتاوى، وقد أكد الزركشي أن الإفتاء في الأحكام من وظيفة الفقهاء المتخصصين لا غيرهم.
- 5
الزركشي يرى أن المتخصص في فرع فقهي واحد لا يُفتي في غيره، والأكثرون منعوه حتى في فرعه لتناسب الأحكام وتجانس الأدلة.
- 6
العدالة شرط للمفتي عند الجمهور، وفتوى الفاسق مختلف فيها، أما المبتدع فتصح فتواه إن لم تكن بدعته مكفِّرة فيما لا يدعو فيه إلى بدعته.
- 7
الاجتهاد شرط للمفتي بمعنى بلوغ مرتبته، وحدد الشافعي مواصفاتها بالإحاطة بعلوم القرآن والحديث واللغة واختلاف العلماء مع امتلاك القريحة.
- 8
جودة القريحة تعني صحة الاستنباط وحسن تصور المسائل، وهي تشبه التصور المبدع في علم النفس، ولا تصلح فتوى الغبي ولا كثير الغلط.
- 9
الفطانة والتيقظ شرط لازم في المفتي لمعرفة حيل الناس ودسائسهم، لأن كثيراً من المسائل ظاهرها جميل وباطنها مكر وخداع.
ما هي عناصر عملية الإفتاء وما الجوانب التي تُدرس في كل عنصر؟
عملية الإفتاء تتكون من ثلاثة عناصر أساسية: المفتي والفتوى والمستفتي. يُدرس كل عنصر من حيث شروطه وآدابه وما يتعلق به من أحكام توضح دوره في العملية الإفتائية. ويُبحث في المفتي تحديداً: شروطه وآدابه وخطؤه ورجوعه عن الفتوى وتغير الاجتهاد.
ما هي الشروط السلبية التي لا يُشترط توافرها في المفتي وهل تصح فتوى المرأة والأعمى والأخرس؟
الشروط السلبية هي شروط لا يجب توافرها في المفتي، ومنها: لا تُشترط الذكورية إجماعاً، ولا النطق اتفاقاً فتصح فتوى المرأة والعبد والأخرس بالكتابة أو الإشارة المفهمة، ولا البصر اتفاقاً فتصح فتوى الأعمى. أما السمع فقد اشترطه بعض الحنفية، غير أن ابن عابدين أجاز العمل بفتوى الأصم إذا كُتب له السؤال وأجاب عنه.
ما هي الشروط الإيجابية الواجبة في المفتي وما حكم الإفتاء بغير علم؟
الشروط الإيجابية الواجبة في المفتي هي: الإسلام والعقل والبلوغ والعلم. والإفتاء بغير علم حرام لأنه يتضمن الكذب على الله ورسوله وإضلال الناس، وهو من الكبائر التي قرنها القرآن الكريم بالفواحش والبغي والشرك. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ رؤساء جهالاً يُفتون بغير علم فيضلون ويُضلون، ومن أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه.
لماذا يُعدّ التخصص في الفقه والأصول شرطاً مستقلاً للمفتي في هذا العصر؟
التخصص شرط مستقل أُضيف في هذا العصر لحسم فوضى الفتاوى الصادرة ممن لم يتخصص في الفقه والأصول. ويعني أن يكون المفتي قد درس الفقه والأصول وقواعد الفقه دراسة مستفيضة مع دربة في ممارسة المسائل وإلمام بالواقع، ويُفضَّل حصوله على الدراسات العليا من جامعات معتمدة. وقد نبّه علماء قدامى كالزركشي على أهمية التخصص، مستدلاً بأن المحدّث لا يُقبل منه ما يتعلق بالأحكام لأنه يحتاج إلى جمع وترتيب وتخصيص وتعميم.
هل يجوز للمتخصص في فرع فقهي واحد أن يُفتي في فروع أخرى وما رأي الزركشي في ذلك؟
ذهب الزركشي إلى أن المتخصص في فرع واحد كعلم الفرائض أو المناسك لا يجوز له الإفتاء في غيره. وأما إفتاؤه في فرعه الذي تخصص فيه فقد أجازه بعضهم لإحاطته بأصوله ودلائله، ومنعه الأكثرون لأن تناسب الأحكام وتجانس الأدلة يمتزجان بحيث لا يتحقق إحكام بعضها إلا بعد الإشراف على جميعها.
ما شرط العدالة في المفتي وما حكم فتوى الفاسق والمبتدع؟
العدالة شرط في المفتي عند جمهور العلماء، والعدل هو من ليس بفاسق ولا مخروم المروءة. فتوى الفاسق لا تصح عند الجمهور لأن خبره لا يُقبل، وذهب بعض الحنفية إلى صحتها، وقال ابن القيم بصحتها إلا إذا كان معلناً بفسقه داعياً إلى بدعته وعمّ الفسوق. أما المبتدع فإن كانت بدعته مكفِّرة أو مفسِّقة لم تصح فتاواه، وإلا صحت فيما لا يدعو فيه إلى بدعته.
ما شرط الاجتهاد في المفتي وما المواصفات التي حددها الشافعي لبلوغ مرتبته؟
الاجتهاد شرط في المفتي ويعني بلوغ مرتبته لا مجرد بذل الجهد قبل كل فتوى. وقد حدد الشافعي مواصفات المجتهد بأن يكون عارفاً بكتاب الله ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وتأويله وتنزيله ومكيه ومدنيه، وبصيراً بحديث رسول الله وباللغة والشعر، مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة. وأضاف ابن السمعاني أن المفتي يجمع الاجتهاد والعدالة والكف عن الترخص.
ما المقصود بجودة القريحة في المفتي وما علاقتها بالتصور المبدع في الاجتهاد الفقهي؟
جودة القريحة تعني كثرة الإصابة وصحة الاستنباط، وتحتاج إلى حسن تصور المسائل وتخيّلها، وكلما ارتفعت قدرة المجتهد على التصور ارتفع اجتهاده. وهي تشبه ما يُعرف في علم النفس بالتصور المبدع أو الخيال الخلاق، وقد أكد الغزالي أن وضع الصور للمسائل شأن المجتهدين وحدهم. ولذلك لا تصلح فتوى الغبي ولا من كثر غلطه، وقال النووي: يُشترط في المفتي أن يكون فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر صحيح النظر والاستنباط.
لماذا يُشترط في المفتي الفطانة والتيقظ ومعرفة حيل الناس ودسائسهم؟
يُشترط في المفتي الفطانة والتيقظ احترازاً من الغفلة والسهو، لأن من بيده فتوى المفتي قد يستطيل بها على خصمه ويقهره. وقد نبّه ابن عابدين على أن هذا الشرط لازم في زماننا لكثرة حيل الناس ودسائسهم. وأكد ابن القيم أن المفتي ينبغي أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم، لأن كثيراً من المسائل ظاهرها جميل وباطنها مكر وظلم، فالغرّ ينظر إلى الظاهر وذو البصيرة ينقد المقصد والباطن.
شروط المفتي الإيجابية تشمل العلم والتخصص والعدالة والاجتهاد والفطانة، والإفتاء بغير علم كبيرة من الكبائر.
شروط المفتي تنقسم إلى قسمين: شروط سلبية لا يُشترط توافرها كالذكورية والبصر والنطق، وشروط إيجابية لازمة يجب توافرها. فالإسلام والعقل والبلوغ أساس، والعلم شرط محوري لأن الإفتاء بغير علم حرام وكبيرة قرنها القرآن الكريم بالفواحش والشرك، ويقع إثمه على المفتي الجاهل.
يُضاف في هذا العصر شرط التخصص في الفقه والأصول، وقد ذهب الزركشي إلى أن المتخصص في فرع واحد كالفرائض لا يحق له الإفتاء في غيره لتناسب الأحكام وتجانس الأدلة. كما يشترط الاجتهاد بمعنى بلوغ مرتبته وفق ما حدده الشافعي، وجودة القريحة وحسن التصور، والفطانة والتيقظ لمعرفة حيل الناس ودسائسهم.
أبرز ما تستفيد منه
- الإفتاء بغير علم حرام وكبيرة من الكبائر يقع إثمها على المفتي الجاهل.
- التخصص في الفقه والأصول شرط مستقل لازم في هذا العصر.
- المتخصص في فرع فقهي واحد لا يجوز له الإفتاء في فروع أخرى عند الأكثرين.
- يشترط في المفتي الفطانة والتيقظ ومعرفة حيل الناس حتى لا يُخدع في فتاواه.
- فتوى المرأة والأعمى والأخرس صحيحة إجماعاً لأن الذكورية والبصر والنطق ليست شروطاً.
تعريف عناصر عملية الإفتاء والتركيز على المفتي
تتكون عملية الإفتاء من ثلاثة عناصر أساسية أولا: المفتي. ثانيا: الفتوى. ثالثا: المستفتي، وسوف نبين في ذلك الفصل كل عنصر على حدة، فنتكلم عن شروطه وآدابه وغير ذلك من الأمور التي تبرز حقيقة كل عنصر وتوضح دوره في العملية الإفتائية.
المبحث الأول المفتي عرفنا في الفصل السابق مبادئ الإفتاء، وتعريف الإفتاء، والمفتي، والتفريق بينه وبين الفقيه والقاضي، ونتكلم في هذا المبحث عن المفتي من الجهات التالية:
-
شروطه.
-
آدابه.
-
خطؤه.
-
رجوعه عن الفتوى وتغير الاجتهاد.
الشروط السلبية التي لا يشترط توافرها في المفتي
أولا: شروط المفتي:
هناك شروط سلبية لا يجب توافرها، والشروط السلبية كثيرة، ونعلم أنه ليس من المنطقي أن يقال من الشروط (لا يشترط كذا) فعدم توافر الشرط لا يحتاج أن ينص عليها، ولكن نذكر تلك الشروط خاصة لأننا في عصر اشتبه على الناس كثير من الأمور، مما ألزمنا التنبيه عليها فمن هذا:
-
لا يشترط في المفتي الذكورية إجماعًا.
-
لا يشترط النطق اتفاقا، فتصح فتيا العبد والمرأة والأخرس ويفتي بالكتابة أو بالإشارة المفهمة
-
لا يشترط البصر، اتفاقًا فتصح فتيا الأعمى، وصرح به المالكية.
-
أما السمع، فقد قال بعض الحنفية: إنه شرط فلا تصح فتيا الأصم وهو من لا يسمع أصلا، وقال ابن عابدين: لا شك أنه إذا كتب له السؤال وأجاب عنه جاز العمل بفتواه، إلا أنه لا ينبغي أن ينصب للفتوى، لأنه لا يمكن كل أحد أن يكتب له، ولم يذكر هذا الشرط غيرهم.
الشروط الإيجابية الأساسية للمفتي والإفتاء بغير علم
أما الشروط الإيجابية (أي التي يجب توافرها في المفتي) هي:
-
الإسلام: فلا تصح فتيا غير المسلمين.
-
العقل: فلا تصح فتيا المجنون.
-
البلوغ: وهو أن يبلغ من يفتي الحلم من الرجال، والمحيض من النساء، أو يبلغ 15 عامًا أيهما أقرب، لأنه لا تصح فتيا الصغير والصغيرة.
-
العلم: الإفتاء بغير علم حرام، لأنه يتضمن الكذب على الله تعالى ورسوله، ويتضمن إضلال الناس، وهو من الكبائر، لقوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [1]
فقرنه بالفواحش والبغي والشرك، ولقول النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» [2].
وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه» [3].
شرط التخصص في الفقه وأثره في ضبط الفتوى
- التخصص: وهو شرط نضيفه في هذا العصر؛ نظرا لطبيعته، ونعني به أن يكون من يتعرض للإفتاء قد درس الفقه والأصول وقواعد الفقه دراسة مستفيضة، وله دربة في ممارسة المسائل وإلمام بالواقع المعيش، ويفضل أن يكون قد نال الدراسات العليا من جامعات معتمدة في ذلك التخصص، وإن كان هذا الشرط هو مقتضى شرط العلم والاجتهاد، فإن العلم بالفقه والاجتهاد فيه يقتضي التخصص، ولكن طريقة الوصول إلى هذه الدرجة تحتاج ما ذكر، ولقد اعتبرت التخصص شرطًا منفصلاً رغم اندراجه في شرط العلم والاجتهاد لحسم الفتاوي الفوضى التي تثار هنا وهناك ممن لم يتخصص في علم الفقه والأصول، ويعترض ويناظر على فتاوى ما درس مبادئها الفقهية، ولا أصولها، ولقد تكلم في أهمية التخصص في الفقه العلماء القدامى.
قال الإمام الزركشي في هذا المعنى: « وكل ما تتعلق به الأحكام فليس ذلك من شأن المفسر، بل من وظيفة الفقهاء والعلماء. وما يتعلق بالوعظ والقصص والوعد والوعيد فيقبل من المفسرين. والرابع - سنن الرسول: لا يقبل من المحدثين ما يتعلق بالأحكام، لأنه يحتاج إلى جمع وترتيب، وتخصيص وتعميم وهم لا يهتدون إليه. وقد حكي عن بعض أكابر المحدثين أنه سئل عن امرأة حائض، هل يجوز لها أن تغسل زوجها ؟ فقال لهم: انصرفوا إلى سويعة أخرى، فانصرفوا وعادوا ثانيا وثالثا حتى قال من كان يتردد إلى الفقهاء: أليس أيها الشيخ رويت لنا عن عائشة: «أنها غسلت رأس الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهي حائض« ؟ فقال: الله أكبر، ثم أفتى به. انتهى.» [4].
حدود التخصص الفقهي عند الزركشي وتناسب الأحكام
حتى إن الزركشي قال بأن المتخصص في فرع من فروع الفقه ليس له أن يفتي في فرع آخر، بل وذكر الخلاف هل يفتي في الفرع الذي تخصص فيه أو لا ؟ فقال: « فأما إذا علم المفتي جنسًا من العلم بدلائله وأصوله وقصر فيما سواه، كعلم الفرائض وعلم المناسك، لم يجز له أن يفتي في غيره. وهل يجوز له أن يفتي فيه ؟ قيل: نعم، لإحاطته بأصوله ودلائله. ومنعه الأكثرون: لأن لتناسب الأحكام وتجانس الأدلة امتزاجا لا يتحقق إحكام بعضها إلا بعد الإشراف على جميعها» [5].
شرط العدالة وخرم المروءة وحكم فتوى الفاسق والمبتدع
- العدالة: والعدل هو من ليس بفاسق وليس مخروم المروءة، وخرم المروءة تعني الخروج عن عادات الناس فيما ينكر ويستهجن، كأن يسير في الطريق حافيًا مثلاً، أو غير ذلك من السلوكيات التي تستهجن في المجتمع، فلا تصح فتيا الفاسق عند جمهور العلماء، لأن الإفتاء يتضمن الإخبار عن الحكم الشرعي، وخبر الفاسق لا يقبل، واستثنى بعضهم إفتاء الفاسق نفسه فإنه يعلم صدق نفسه. وذهب بعض الحنفية إلى أن الفاسق يصلح مفتيا، لأنه يجتهد لئلا ينسب إلى الخطأ. وقال ابن القيم: تصح فتيا الفاسق، إلا أن يكون معلنا بفسقه وداعيا إلى بدعته، وذلك إذا عم الفسوق وغلب، لئلا تتعطل الأحكام، والواجب اعتبار الأصلح فالأصلح. وأما المبتدعة، فإن كانت بدعتهم مكفرة أو مفسقة لم تصح فتاواهم، وإلا صحت فيما لا يدعون فيه إلى بدعهم، قال الخطيب البغدادي: تجوز فتاوى أهل الأهواء ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه، وأما الشراة والرافضة الذين يشتمون الصحابة ويسبون السلف فإن فتاويهم مرذولة وأقاويلهم غير مقبولة.
شرط الاجتهاد عند الشافعي وابن السمعاني
- الاجتهاد: وهو بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي من الأدلة المعتبرة، وليس المقصود هو أن يبذل العالم جهدًا ملاحظًا قبل كل فتوى، وإنما المقصود بلوغ مرتبة الاجتهاد، والتي قال الشافعي عنها: قال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله، إلا رجلا عارفا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرا باللغة، بصيرا بالشعر، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون مشرفا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي [6]. وإن كان الزركشي ذكر أن شرط الاجتهاد يعني أيضا بذل المجهود في المسألة حيث نقل ذلك فقال: « وقال ابن السمعاني: المفتي من استكمل فيه ثلاث شرائط -وذكر- الاجتهاد، والعدالة، والكف عن الترخص» [7].
جودة القريحة والتصور المبدع في الاجتهاد الفقهي
- جودة القريحة: ومعنى ذلك أن يكون كثير الإصابة، صحيح الاستنباط، وهذا يحتاج إلى حسن التصور للمسائل، وبقدر ما يستطيع المجتهد أن يتخيل المسائل بقدر ما يعلو اجتهاده، ويفوق أقرانه، فهو يشبه ما يعرف في دراسات علم النفس بالتصور المبدع، أو الخيال الخلاق (creative imagination)، وفى هذا المعنى نرى نقولَ الأئمة التى تؤكد هذا منها: أ- قال ابن برهان: لا ينعقد الإجماع مع مخالفة مجتهد واحد، خلاف لطائفة. وعمدة الخصم أن عدد التواتر من المجتهدين إذا اجتمعوا على مسألة كان انفراد الواحد عنهم يقتضى ضعفا فى رأيه، قلنا: ليس بصحيح، إذ من الممكن أن يكون ما ذهب إليه الجميع رأيا ظاهرا تبتدر إليه الأفهام، وما ذهب إليه الواحد أدق وأعوص، وقد يتفرد الواحد عن الجميع بزيادة قوة فى النظر، ومزية فى الفكر، ولهذا يكون فى كل عصر متقدم فى العلم، يفرع المسائل، ويولد الغرائب". اهـ [8].
- •قال الغزالى فى كتاب حقيقة القولين: وضع الصور للمسائل ليس بأمر هين فى نفسه، بل الذكى ربما يقدر على الفتوى فى كل مسئلة إذا ذكرت له صورتها، ولو كلف وضع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات والحوادث فى كل واقعة عجز عنه، ولم تخطر بقلبه تلك الصور أصلا، وإنما ذلك شأن المجتهدين اهـ [9]. ولا يخفى أن التصور المبدع له الآن علوم قائمة بذاتها تُدرب الإنسانَ على الوصول إليه، ويتعلمها الساسة وأصحاب اتخاذ القرار فى الغرب.وهو علم ينبغى أن يضاف فى أسسه إلى أصول الفقه، حيث إنه وسيلة للاجتهاد خاصة فى عصرنا الحاضر، ولذلك كله لا تصلح فتيا الغبي، ولا من كثر غلطه، بل يجب أن يكون بطبعه شديد الفهم لمقاصد الكلام ودلالة القرائن، صادق الحكم، قال النووي: شرط المفتي كونه فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح النظر والاستنباط [10].
الفطانة والتيقظ ومعرفة مكر الناس للمفتي
- الفطانة والتيقظ: يشترط في المفتي أن يكون فطنًا متيقظًا ومنتبهًا بعيدًا عن الغفلة، قال ابن عابدين « (قوله: وشرط بعضهم تيقظه) احترازا عمن غلب عليه الغفلة والسهو، قلت: وهذا شرط لازم في زماننا، فإن العادة اليوم أن من صار بيده فتوى المفتي استطال على خصمه وقهره بمجرد قوله أفتاني المفتي، بأن الحق معي والخصم جاهل لا يدري ما في الفتوى، فلا بد أن يكون المفتي متيقظًا يعلم حيل الناس ودسائسهم » [11].
وقال ابن القيم: « ينبغي له أن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذرا فطنا فقيها بأحوال الناس وأمورهم، يوازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم ؟ فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها» [12].
هذه جملة من الشروط التي ينبغي أن تتوافر في المفتي، وهناك خصال أخرى ينبغي أن يتحلى بها المفتي، وهذه الخصال تسمى آدابًا، وفيما يلي نعرض لها.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
كم عنصراً تتكون منها عملية الإفتاء؟
ثلاثة عناصر
هل تُشترط الذكورية في المفتي؟
لا، بالإجماع
ما حكم الإفتاء بغير علم في الإسلام؟
حرام وكبيرة من الكبائر
من يتحمل إثم الإفتاء بغير علم وفق الحديث النبوي؟
المفتي الجاهل الذي أفتى
لماذا أضاف العلماء المعاصرون شرط التخصص في الفقه مستقلاً عن شرط العلم؟
لحسم فوضى الفتاوى الصادرة ممن لم يتخصص
ما موقف الزركشي من إفتاء المتخصص في فرع فقهي واحد في فروع أخرى؟
لا يجوز مطلقاً
ما تعريف العدل الذي يُشترط في المفتي؟
من ليس بفاسق ولا مخروم المروءة
ما موقف جمهور العلماء من فتوى الفاسق؟
لا تصح لأن خبره لا يُقبل
متى تصح فتوى المبتدع وفق ما ذكره العلماء؟
تصح إن لم تكن بدعته مكفِّرة فيما لا يدعو فيه إلى بدعته
ما المقصود بالاجتهاد كشرط في المفتي؟
بلوغ مرتبة الاجتهاد والإحاطة بعلومه
ما الذي أضافه ابن السمعاني إلى شروط المفتي بجانب الاجتهاد والعدالة؟
الكف عن الترخص
بماذا شبّه العلماء جودة القريحة في المفتي من علوم العصر الحديث؟
التصور المبدع أو الخيال الخلاق
ما الذي قاله النووي في شرط المفتي المتعلق بطبيعته الذهنية؟
يشترط أن يكون فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر صحيح النظر
ما سن البلوغ المحدد في شروط المفتي إذا لم تظهر علاماته الطبيعية؟
15 عاماً
ما الخطر الذي نبّه عليه ابن عابدين من غياب التيقظ في المفتي؟
استغلال الفتوى للاستطالة على الخصم وقهره
ما العناصر الثلاثة لعملية الإفتاء؟
المفتي والفتوى والمستفتي.
هل تصح فتوى الأخرس؟
نعم، تصح فتوى الأخرس بالكتابة أو الإشارة المفهمة، ولا يُشترط النطق في المفتي اتفاقاً.
ما موقف بعض الحنفية من اشتراط السمع في المفتي؟
قال بعض الحنفية إن السمع شرط فلا تصح فتوى الأصم، غير أن ابن عابدين أجاز العمل بفتواه إذا كُتب له السؤال وأجاب عنه.
بماذا قرن القرآن الكريم القول على الله بغير علم؟
قرنه بالفواحش والإثم والبغي بغير الحق والشرك بالله، في قوله تعالى في سورة الأعراف آية 33.
ما مضمون الحديث النبوي عن قبض العلم وظهور الجهل في الفتوى؟
إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من صدور العلماء، لكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.
ما الفرق بين الشروط السلبية والإيجابية في المفتي؟
الشروط السلبية هي التي لا يُشترط توافرها كالذكورية والبصر، والشروط الإيجابية هي التي يجب توافرها كالإسلام والعقل والعلم والاجتهاد.
لماذا اعتُبر التخصص شرطاً مستقلاً رغم اندراجه في شرط العلم؟
لحسم فوضى الفتاوى الصادرة ممن لم يتخصص في الفقه والأصول ويعترض على فتاوى لم يدرس مبادئها الفقهية.
ما الدليل الذي ساقه الزركشي على أهمية التخصص الفقهي؟
حكى عن محدّث كبير سُئل عن مسألة فقهية فتردد طويلاً حتى نبّهه أحدهم بحديث عائشة، فأفتى به، مما يدل على أن الإفتاء في الأحكام من وظيفة الفقهاء لا المحدثين.
ما معنى خرم المروءة الذي يُخل بشرط العدالة في المفتي؟
خرم المروءة هو الخروج عن عادات الناس فيما يُنكر ويُستهجن، كالسير في الطريق حافياً أو غيره من السلوكيات المستهجنة في المجتمع.
ما رأي ابن القيم في فتوى الفاسق؟
قال ابن القيم بصحة فتوى الفاسق إلا أن يكون معلناً بفسقه داعياً إلى بدعته، وذلك إذا عمّ الفسوق وغلب لئلا تتعطل الأحكام.
ما المواصفات التي حددها الشافعي لمن يحق له الإفتاء؟
أن يكون عارفاً بكتاب الله ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، بصيراً بالحديث واللغة والشعر، مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة.
ما قول الغزالي في صعوبة وضع الصور للمسائل الفقهية؟
قال الغزالي إن وضع الصور للمسائل ليس أمراً هيناً، والذكي قد يقدر على الفتوى في كل مسألة إذا ذكرت له صورتها، لكنه يعجز عن وضع الصور وتصوير التفريعات، وإنما ذلك شأن المجتهدين.
ما قول ابن برهان في إمكانية تفرد المجتهد الواحد عن الجماعة؟
قال ابن برهان إنه من الممكن أن يكون ما ذهب إليه الجميع رأياً ظاهراً تبتدر إليه الأفهام، وما ذهب إليه الواحد أدق وأعوص، وقد يتفرد الواحد بزيادة قوة في النظر ومزية في الفكر.
ما العلم الحديث الذي أشار إليه العلماء كوسيلة لتطوير الاجتهاد الفقهي؟
علم التصور المبدع أو الخيال الخلاق (creative imagination) الذي تُدرّب عليه الساسة وأصحاب القرار، ويُقترح إضافة أسسه إلى أصول الفقه.
لماذا قال ابن عابدين إن التيقظ شرط لازم في زماننا تحديداً؟
لأن العادة أصبحت أن من بيده فتوى المفتي يستطيل بها على خصمه ويقهره بمجرد قوله أفتاني المفتي، فلا بد أن يكون المفتي متيقظاً يعلم حيل الناس ودسائسهم.