اكتمل ✓
الفصل 10

ما هو منهج الفتوى الشرعية وما هي آدابها ومراحلها وعوامل تغيرها؟

الفتوى الشرعية تمر بأربعة مراحل أساسية: التصوير والتكييف وبيان الحكم والإصدار. ويلتزم المفتي بمنهج مرتب يبدأ بالقرآن ثم السنة ثم القياس مع مراعاة الإجماع. وتتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال في الأحكام المبنية على الأعراف والاجتهاد، أما الأحكام المستندة إلى أدلة قطعية فلا تتغير.

12 دقيقة قراءة
  • هل يجوز للمفتي أن يفتي بمذهب غير إمامه إذا ترجح عنده دليله؟ نعم، بشرط إعلام السائل بذلك.

  • منهج الفتوى يقوم على ترتيب الأدلة: القرآن ثم السنة ثم القياس مع اشتراط عدم مخالفة الإجماع.

  • لآداب الفتوى أثر كبير في قبولها، إذ يجب أن تكون ألفاظها محررة وغير مجملة ومشتملة على الأدلة وموجزة.

  • تمر الفتوى في ذهن المفتي بأربع مراحل: تصوير المسألة، والتكييف الفقهي، وبيان الحكم، وإصداره مع مراعاة المقاصد الشرعية.

  • تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال في الأحكام المبنية على الأعراف والاجتهاد فحسب.

  • الأحكام المستندة إلى أدلة قطعية الثبوت والدلالة كوجوب الصلاة وحرمة الربا لا تقبل التغيير مهما تبدلت الأزمان.

تحديد المحاور الأساسية لموضوع الفتوى في هذا الفصل

وفي أثناء عرضنا للـفتوى، سوف نتحدث عن أربعة نقاط أساسية هي:

  1. منهج الفتوى.

  2. آداب الفتوى.

  3. مراحل الفتوى.

  4. عوامل تغير الفتوى.

أولا: منهج الفتوى:

ينبغي أن يتبع للمفتي منهجًا في الإفتاء بحسب ترتيب الأدلة الشرعية، فإذا سئل عن مسألة بحث عن حكمها في القرآن، فإن لم يجد ففي السنة، فإن لم يجد فيعمل القياس، حتى يستنبط الحكم الذي يطمئن إليه قلبه ويشترط في هذا الحكم ألا يخالف الإجماع.

التعامل مع الأدلة المختلف فيها وحدود تقليد المذاهب

وأما الأدلة المختلف فيها كالاستحسان وشرع من قبلنا، فإن أداه اجتهاده إلى صحة شيء منها أفتى به، وإذا تعارضت عنده الأدلة فعليه أن يفتي بالراجح منها. وليس له أن يفتي في السعة بمذهب أحد المجتهدين، ما لم يؤده اجتهاده إلى أنه هو الحق، وليس له أن يفتي بما هو المرجوح في نظره، نقل الإجماع على ذلك ابن قدامة والباجي.

ولعل ما ذكرناه يتناسب مع المجتهدين الأوائل الذين أسسوا المذاهب الفقهية المعتمدة، أما بالنسبة للعلماء بعدهم، فقد درسوا الفقه في تلك المدارس الفقهية، وكانوا يفتون بمذهب أئمتهم أو بغيرها بعد اطلاعهم على أصول وأدلة المذاهب الأخرى، وتكلم العلماء المحققون عن ذلك،

ترجيح مذهب غير الإمام عند قوة دليله وكلام البهوتي وأحمد

فمن ذلك ما ذكره العلامة المحقق الحنبلي البهوتي؛ حيث قال: «(ومن قوي عنده مذهب غير إمامه) لظهور الدليل معه (أفتى به) أي بما ترجح عنده من مذهب غير إمامه (وأعلم السائل) بذلك ليكون على بصيرة في تقليده. (قال) الإمام (أحمد: إذا جاءت المسألة ليس فيها أثر) أي حديث مرفوع ولا موقوف لأن قول الصحابي عنده حجة إذا لم يخالفه غيره (فأفت فيها بقول الشافعي، ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات في ترجمة الشافعي). وفي المبدع: قال أحمد في رواية المروذي: إذا سئلت عن مسألة لم أعرف فيها خبرا قلت فيها بقول الشافعي لأنه إمام عالم من قريش وقد قال صلى الله عليه وسلم « يملأ الأرض علما»» .

تعريف آداب الفتوى وأثرها في قبول الحكم الشرعي

ثانيا: آداب الفتوى:

ونقصد بآداب الفتوى، هو الصيغة التي ينبغي أن تكون عليها الفتوى، وطريقة وأسلوب أدائها، فإذا توافر للفتوى تلك العوامل خرجت بالشكل الصحيح المقبول؛ حيث يتهيأ لها أداء وظيفتها في المجتمع المسلم، ويمكن أن نجمل تلك العوامل فيما يلي:

  1. أن تكون الفتوى ألفاظها محررة: وذلك حتى لا يفهم منها السائل وجهًا باطلا، وقد أكد العلماء على أهمية تحرير ألفاظ الفتوى، وضربوا الأمثلة بما يتناسب مع عصرهم، ومن ذلك ما ذكره العلامة البهوتي؛ حيث قال:

تحريم إطلاق الفتيا في الألفاظ المشتركة وأمثلة تطبيقية

« (ويحرم) على مفت (إطلاق الفتيا في اسم مشترك) قال ابن عقيل: إجماعا (فمن سئل أيؤكل) أو يشرب أو نحوه (برمضان بعد الفجر ؟ لا بد أن يقول) الفجر (الأول أو) الفجر (الثان ) ومثله ما امتحن به أبو يوسف فيمن دفع ثوبا إلى قصار، فقصره وجحده، هل له أجرة إن عاد وسلمه لربه ؟ فقال: إن كان قصره قبل جحوده فله الأجرة، وإن كان بعد جحوده فلا أجرة له؛ لأنه قصره لنفسه، ومثله من سئل عن بيع رطل تمر برطل تمر هل يصح ؟ وجوابه إن تساويا كيلا صح وإلا فلا، لكن لا يلزم التنبيه على احتمال بعيد ومثله شروط إرث وموانعه ونحوها ويكره أن يكون السؤال بخط المفتي لإملائه وتهذيبه» .

تجنب الإجمال وذكر الأدلة وعلل الأحكام في الفتوى

  1. أن لا تكون الفتوى بألفاظ مجملة (متعددة الاحتمالات): لئلا يقع السائل في حيرة، كمن سئل عن مسألة في المواريث، فقال: تقسم على فرائض الله عز وجل، أو سئل عن شراء العرايا بالتمر، فقال: يجوز بشروطه، فإن الغالب أن المستفتي لا يدري ما شروطه، لكن إن كان السائل من أهل العلم الذين لا يخفى عليهم مثل هذا، بل يريد أن يعرف قول المفتي جاز ذلك.

  2. أن تشتمل الفتوى على الأدلة: يحسن ذكر دليل الحكم في الفتوى سواء أكان آية أم حديثًا أم غيرهما، ويذكر علته أو حكمته، ولا يلقيه إلى المستفتي مجردًا، فإن الأول أدعى للقبول بانشراح صدر وفهم لمبنى الحكم، وذلك أدعى إلى الطاعة والامتثال، وفي كثير من فتاوى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ذكر الحكم.

أمثلة نبوية على تعليل الأحكام وتفصيل النووي في ذكر الحجة

كحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:

«نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن تزوج المرأة على العمة والخالة، وقال: إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن» .

وقوله في وضع الجوائح:

«أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟» .

وقد ذكر النووي التفصيل، فقال: « ليس بمنكر أن يذكر المفتي في فتواه الحجة، إذا كانت نصًا واضحًا مختصرًا. قال الصيمري: لا يذكر الحجة إن أفتى عاميًّا، ويذكرها إن أفتى فقيهًا،...

ضوابط ذكر طريق الاجتهاد والتشديد في ألفاظ الفتوى عند الحاجة

ثم أكمل النقل عن الصيمري فقال: «قال: ولم تجر العادة أن يذكر في فتواه طريق الاجتهاد، ووجه القياس والاستدلال، إلا أن تتعلق الفتوى بقضاء قاض فيومئ فيها إلى طريق الاجتهاد. ويلوح بالنكتة وكذا إذا أفتى غيره فيها بغلط فيفعل ذلك لينبه على ما ذهب إليه، ولو كان فيما يفتي به غموض فحسن أن يلوح بحجته. وقال صاحب الحاوي: لا يذكر حجة ليفرق بين الفتيا والتصنيف قال: ولو ساغ التجاوز إلى قليل لساغ إلى كثير، ولصار المفتي مدرسًا، والتفصيل الذي ذكرناه أولى من إطلاق صاحب الحاوي المنع. وقد يحتاج المفتي في بعض الوقائع إلى أن يشدد ويبالغ فيقول: وهذا إجماع المسلمين، أو: لا أعلم في هذا خلافا، أو: فمن خالف هذا فقد خالف الواجب وعدل عن الصواب، أو: فقد أثم وفسق، أو: وعلى ولي الأمر أن يأخذ بهذا ولا يهمل الأمر، وما أشبه هذه الألفاظ على حسب ما تقتضيه المصلحة وتوجيه الحال» .

عدم الجزم بأن الفتوى هي حكم الله في المسائل الاجتهادية

  1. أن لا تشتمل الفتوى على جزم بأنها حكم الله، إلا بنص قاطع أما الأمور الاجتهادية فيتجنب فيها ذلك، وقد استدل العلماء على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

«وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ؟» .

وهذا على قول من يجعل الصواب في قول أحد المختلفين، أما من يقول: كل مجتهد مصيب فيجوز أن يقول: هذا حكم الله، وهو مذهب مرجوح.

الإيجاز والوضوح في الفتوى وكونها ليست مقام وعظ أو تصنيف

  1. أن تكون الفتوى موجزة: فينبغي أن تكون الفتوى بكلام موجز، واضح، مستوف لما يحتاج إليه المستفتي مما يتعلق بسؤاله، ويتجنب الإطناب فيما لا أثر له، لأن المقام مقام تحديد، لا مقام وعظ أو تعليم أو تصنيف.

هذه جملة من الآداب التي ينبغي أن تشتمل عليها الفتوى الشرعية، وأصل الإفتاء هو المشافهة والألفاظ وتجوز الفتوى بالكتابة ويتحرى عدم التلاعب فيها أو التزوير، ولذا ينبغي أن تكون في عصرنا هذا على هيئة وثيقة رسمية تصدر عن هيئة أو مؤسسة، وإن أصدرها عالم ختمها بالختم الخاص به وغير ذلك لإغلاق باب التلاعب والتزوير والقول على العلماء.

توثيق الفتوى المعاصرة وجواز الإفتاء بالإشارة مع أمثلة نبوية

كما يجوز أن تكون بالإشارة إن كانت مفهمة للمراد وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه أفتى بالإشارة في مواضع، منها: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم سئل يوم النحر عن التقديم والتأخير ؟

«فأومأ بيده أن لا حرج» .

وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

«إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم» .

وما ذكر في آداب الفتوى، ونتعرض فيما يلي لمراحل الفتوى.

المراحل الأربع الأساسية التي تمر بها الفتوى في ذهن المفتي

ثالثا: مراحل الفتوى:

تمر الفتوى في ذهن المفتي بأربعة مراحل أساسية، تخرج بعدها في صورتها التي يسمعها أو يراها المستفتي، وهذه المراحل الأربعة هي:

  1. مرحلة التصوير.

  2. مرحلة التكييف.

  3. مرحلة بيان الحكم.

  4. مرحلة الإصدار.

مرحلة تصوير المسألة وأثرها في صحة الفتوى ومطابقتها للواقع

أولا: المرحلة الأولى: مرحلة التصوير:

وفيها يتم تصوير المسألة من قبل السائل الذي يريد أن يستفتي في واقعة نزلت به أو بغيره، والتصوير الصحيح المطابق للواقع شرط أساس لصحة الفتوى ومطابقتها للواقع الفعلي المسئول عنه، فعدم صحة التصوير يؤدي إلى أن الفتوى الصادرة ستكون لما فهم من السؤال وليس لما هو في نفس الأمر، وعبء التصوير أساسا يقع على السائل لكن المفتي ينبغي عليه أن يتحرى بواسطة السؤال؛ لكن المفتي ينبغي عليه أن يتحرى بواسطة السؤال عن الجهات الأربع التي تختلف الأحكام باختلافها، وكثيرًا ما يتم الخلط والاختلاط من قبل السائل بشأنها، وهي الزمان والمكان والأشخاص والأحوال- وسنعرض لاحقًا لتلك العوالم بالتفصيل - كما ينبغي على المفتي أيضا أن يتأكد من تعلق السؤال بالأفراد وبالأمة لأن الفتوى تختلف باختلاف هذين الأمرين.

أنواع تصوير المسألة وكلام الغزالي والسيوطي عن صعوبة وضع الصور

والتصوير قد يكون لواقعة فعلية وقد يكون الأمر مقدرا لم يقع بعد، وحينئذ فلا بد من مراعاة المآلات والعلاقات البينية، وبقدر ما عند المفتي من قدرة على التصوير بقدر ما تكون الفتوى أقرب لتحقيق المقاصد الشرعية وتحقيق المصلحة ودرء المفسدة.

وقد نص الغزالي في كتاب «حقيقة القولين» كما أورده السيوطي في «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض» على أن وضع الصور بالسائل ليس بأمر هين في نفسه، بل الذكي ربما يقدر على الفتوى في كل مسألة إذا ذكرت له صورتها، ولو كلف وضع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات والحوادث في كل واقعة عجز عنه، ولم يخطر بقلبه تلك الصور أصلا، وإنما ذلك من شأن المجتهدين.

مرحلة التكييف الفقهي للمسألة وأثرها في اختلاف الفتوى

المرحلة الثانية: مرحلة التكييف والتكييف هو إلحاق الصورة المسئول عنها بما يناسبها من أبواب الفقه ومسائله، فنكيف المسألة مثلا على أنها من باب المعاملات لا العبادات، وأنها من باب العقود، وأنها من قسم مسمى منها، أو من العقود الجديدة غير المسماة، وهذه مرحلة تهيئ لبيان حكم الشرع الشريف في مثل هذه الواقعة، والتكييف من عمل المفتي، ويحتاج إلى نظر دقيق، لأن الخطأ فيه يترتب عليه الخطأ في الفتوى، والتكييف قد يختلف العلماء فيه، وهذا الاختلاف أحد أسباب اختلاف الفتوى، والترجيح بين المختلفين حينئذ يرجع إلى قوة دليل أي منهم، ويرجع إلى عمق فهم الواقع، ويرجع إلى تحقيق المقاصد والمصالح ورفع الحرج وهي الأهداف العليا للشريعة.

مرحلة بيان الحكم الشرعي وشروط المفتي العلمية والعملية

المرحلة الثالثة: مرحلة بيان الحكم:

والحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، ويؤخذ هذا من الكتاب والسنة والإجماع، ويتم إظهاره أيضا بواسطة القياس والاستدلال، ويجب على المفتي أن يكون مدركا للكتاب والسنة ومواطن الإجماع وكيفية القياس ودلالات الألفاظ العربية وترتيب الأدلة وطرق الاستنباط، وإدراك الواقع إدراكا صحيحا، ويتأتى هذا بتحصيله لعلوم الوسائل والمقاصد كالأصول والفقه واللغة والحديث ونحوها، وبتدريبه على الإفتاء الذي ينشئ لديه ملكة راسخة في النفس يكون قادرا بها على ذلك، وكذلك تحليه بالتقوى والورع والعمل على ما ينفع الناس.

مرحلة إصدار الفتوى وتنزيل الحكم على الواقع مع مراعاة المقاصد

المرحلة الرابعة: إصدار الفتوى:

أو مرحلة التنزيل أي إنزال هذا الحكم الذي توصل إليه على الواقع، وحينئذ فلا بد عليه من التأكد أن هذا الذي سيفتي به لا يكر على المقاصد الشرعية بالبطلان، ولا يخالف نصا مقطوعا به ولا إجماعا متفقا عليه ولا قاعدة فقهية مستقرة، فإذا وجد شيئا من هذا فعليه بمراجعة فتواه حتى تتوفر فيها تلك الشروط.

تعريف عوامل تغير الفتوى واختصاصها بالأحكام المبنية على العرف والاجتهاد

رابعا: عوامل تغير الفتوى:

تختلف الفتوى باختلاف الجهات الأربعة - الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، لأنه؛ لا ينكر تغير الأحكام بتغير هذه الجهات. والمراد بالأحكام هنا: الأحكام المبنية على الأعراف والعادات، والأحكام الاجتهادية التي استنبطت بدليل القياس أو المصالح المرسلة أو الاستحسان أو غيرها من الأدلة الفرعية، وإنما نسب التغيير لتغير الزمان في كلام بعض أهل العلم؛ لأن الزمان هو الوعاء الذي تجري فيه الأحداث والأفعال والأحوال، وهو الذي تتغير فيه العوائد والأعراف، فنسبة تغير الفتوى لتغير الزمان من هذا الباب، وإلا لو ظل العرف كما هو عدة قرون لم يكن أحد مستطيعًا أن يغير الفتوى.

تمييز الأحكام الثابتة بالنص عن الأحكام المتغيرة بتغير الأعراف

أما الأحكام التي لا تبنى على الأعراف والعوائد، والأحكام الأساسية النصية بالأمر أو النهي، فإنها لا تتغير بتغير الأزمان، ولا بتغير الأماكن، ولا بتغير الناس، كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والجهاد والأمانة والصدق، وإباحة البيع والشراء، والرهن والإجارة، ووجوب الميراث وبيان أنصبتها، وغيرها من الأحكام المأمور بها، ومثل حرمة الزنا وشرب الخمر، وحرمة القمار والكذب وشهادة الزور والخيانة، وتحريم الفرار من المعركة، وتعاطي الكهانة وادعاء معرفة الغيب، وغيرها من الأحكام المنهي عنها.

كلام ابن عابدين عن اختلاف الأحكام باختلاف الزمان والعرف والضرورة

قال ابن عابدين: «اعلم أن المسائل الفقهية إما أن تكون ثابتة بصريح اللفظ وإما أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي، وكثير منها ما يبنيه المجتهد على ما كان في عرف زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولا، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد إنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولا، للزم عنه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد؛ لبقاء العالَم على أتم نظام وأحسن إحكام».

تقسيم ابن القيم للأحكام إلى ثابتة ومتغيرة وأمثلة على التعزير

وقال ابن القيم: « الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الأزمنة والأمكنة ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد مخالف لما وضع عليه.

والنوع الثاني: ما يتغير فيها بحسب المصلحة، فقد شرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة، وعزم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بحرق البيوت على المتخلف عن حضور الجماعة، لولا ما منعه من تعدي العقوبة إلى غير من يستحقها من النساء والذرية، وعذر بالعقوبات المالية في عدة مواضع وعدة مسائل، وكذلك أصحابه تنوعوا في التعزيرات بعده فكان عمر _ يحلق الرأس وينفي ويضرب ويحرق حوانيت الخمارين والقرى التي تباع فيها الخمر، وحرق قصر سعد بن أبي وقاص في الكوفة لما احتجب عن الرعية، وكان لـه _ في التعزير اجتهاد، وافقه عليه الصحابة بكمال نصحه ووفور علمه، وحدثت أسباب اقتضت تعزيره بما يردعهم لم يكن مثلها في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أو كانت ولكن الناس زادوا عليها وتتابعوا فيها، فمن ذلك أنهم لما زادوا في شرب الخمر وتتابعوا فيه وكان قليلا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم جعل عمر _ حده ثمانين ونفى فيه، ومن ذلك اتخاذه دارا للسجن، ومن ذلك ضربه للنوائح حتى بدا شعرها، وهذا باب واسع وقع فيه الاشتباه على كثير من الناس تبعا لاختلاف المصالح وجودا وعدما .

ثبات الأحكام المبنية على الأدلة القطعية في الثبوت والدلالة

يقول الدكتور بدر المتولي عبد الباسط: فالأحكام الذي اعتمدت على دليل قطعي في ثبوته، كالقرآن الكريم والأحاديث المتواترة والإجماع الذي توفرت شروطه ونقل إلينا نقلا متواترا، وقطعي في دلالته على الأحكام، بمعنى أن النص لا يحتمل إلا هذا المعنى الواحد، الأحكام الذي اعتمدت على هذا الدليل أحكام ثابتة لا تقبل التغير ولا التبديل مهما تعاقبت الأزمان وتغيرت الأحوال، كقولـه تعالى:

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا ۚ﴾ ،

وكقولـه جل شأنه:

﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟ ۚ﴾ ،

فهذه الآية قاطعة في حل البيع وحرمة الربا، ولكن ما هي البيوع التي أحلها الله تعالى، وما هو الربا الذي حرمه الله تعالى، فهذا مجمل تكفلت السنة ببيانه بما أعطى الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من حق البيان، ومثل ذلك ما أجمع عليه علماء الإسلام من أحكام، كحرمة زواج المسلمة بغير المسلم، وإن كان كتابيا، وكتوريث الجد والجدة عند عدم الأب والأم، إلى كثير من الأحكام التي أُجمع عليها ونقل إلينا هذا الإجماع نقلا متواترا.

تغير أساليب تطبيق الأحكام القطعية ومبدأ تبعية الحكم لعلته

والأحكام القطعية الأصلية، سواء الأمر أو النهي، وهي التي لا تتبدل بتبدل الأعراف والعادات، يمكن أن تتغير أساليب تطبيقها ووسائل تحقيقها باختلاف الأزمان، فمثلا حماية الحقوق المكتسبة حكم قطعي كان يقوم به القاضي الفرد، أما في عصرنا هذا فقد تعددت درجات المحاكم من قاضي الصلح إلى محكمة ابتدائية أو محكمة الاستئناف أو محكمة النقض وغير ذلك، فتغير الأسلوب ولم يتغير الحكم الأصلي.

والفقهاء لم يفتوا بمبدأ تغير الأحكام المترتبة على العوائد بما خالف المروي عن الأئمة، وإنما أفتوا بمخالفة النصوص الشرعية المعللة بالعرف إذا تغير العرف للضرورة والمصلحة، وعللوا ذلك بالحاجة واختلاف الزمان وتغير الأحوال، وأن الحكم يتبع علته وجودا وعدما.

أمثلة فقهية على تغير الفتوى بالتسعير عند الحاجة وخاتمة العوامل

ومن الأمثلة على ذلك تجويز فقهاء الحنفية التسعير عند الحاجة مع ورود النهي عنه ومنع الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وأصحابه من التسعير، وورد عن فقهاء المالكية القول بجواز التسعير إذا كان فيه رفعا للضرر وضبطا لسير التعامل بين الناس بلا إجحاف بالبائع أو المشتري.

ويمكننا أن نحدد معالم تلك العوامل التي على أساسها تتغير الفتوى فيما يلي:

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الترتيب الصحيح للأدلة الشرعية التي يتبعها المفتي عند البحث عن حكم مسألة؟

القرآن ثم السنة ثم القياس مع مراعاة الإجماع

من نقل الإجماع على عدم جواز الإفتاء بالمرجوح في نظر المفتي؟

ابن قدامة والباجي

ما الشرط الذي اشترطه البهوتي عند الإفتاء بمذهب غير الإمام؟

إعلام السائل بذلك ليكون على بصيرة

ما المقصود بآداب الفتوى؟

الصيغة وطريقة وأسلوب أداء الفتوى

لماذا يحرم على المفتي إطلاق الفتيا في الاسم المشترك؟

لأنه يوقع السائل في الفهم الخاطئ

ما الجهات الأربع التي يتحراها المفتي في مرحلة تصوير المسألة؟

الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

ما التكييف الفقهي للمسألة؟

إلحاق الصورة المسئول عنها بما يناسبها من أبواب الفقه

ما الذي يُنشئ الملكة الفقهية الراسخة عند المفتي وفق ما ذكره الفقهاء؟

التدريب على الإفتاء مع التقوى والورع

ما الضابط الذي يراعيه المفتي في مرحلة إصدار الفتوى؟

ألا تخالف المقاصد الشرعية ولا نصًا قطعيًا ولا إجماعًا

ما الأحكام التي تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال؟

الأحكام المبنية على الأعراف والاجتهاد

ما قول ابن عابدين في الأحكام الفقهية المبنية على عرف الزمان؟

إن المجتهد لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولًا

ما النوع الأول من الأحكام الذي ذكره ابن القيم والذي لا يتغير بحسب الأزمنة والأمكنة؟

وجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة شرعًا

ما مثال تغير أسلوب تطبيق الحكم القطعي مع بقاء أصله؟

تعدد درجات المحاكم مع بقاء حكم حماية الحقوق

ما موقف فقهاء الحنفية من التسعير عند الحاجة؟

أجازوه عند الحاجة رغم ورود النهي عنه

ما الذي يميز الأحكام القطعية الثابتة عن الأحكام الاجتهادية المتغيرة؟

أن الأولى مستندة إلى دليل قطعي الثبوت والدلالة

ما المراحل الأربع التي تمر بها الفتوى في ذهن المفتي؟

التصوير، والتكييف، وبيان الحكم، والإصدار، وكل مرحلة تبني على ما قبلها حتى تخرج الفتوى في صورتها الصحيحة.

ما المقصود بمرحلة التكييف الفقهي؟

إلحاق الصورة المسئول عنها بما يناسبها من أبواب الفقه ومسائله، كتحديد ما إذا كانت المسألة من باب المعاملات أو العبادات أو العقود.

لماذا يُعدّ التصوير الصحيح للمسألة شرطًا لصحة الفتوى؟

لأن عدم صحة التصوير يجعل الفتوى الصادرة لما فُهم من السؤال لا لما هو في نفس الأمر، فتكون الفتوى غير مطابقة للواقع الفعلي.

ما الأحكام الشرعية التي لا تتغير بتغير الأزمان والأماكن؟

الأحكام النصية الأساسية كوجوب الصلاة والصيام والزكاة، وحرمة الزنا وشرب الخمر والقمار والكذب، وهي مستندة إلى أدلة قطعية الثبوت والدلالة.

ما الفرق بين الأحكام الثابتة والأحكام المتغيرة عند ابن القيم؟

الأحكام الثابتة هي الواجبات والمحرمات والحدود المقدرة شرعًا، أما المتغيرة فهي ما يتغير بحسب المصلحة كالتعزير الذي يتنوع باجتهاد الأئمة.

ما معنى قاعدة الحكم يتبع علته وجودًا وعدمًا في سياق تغير الفتوى؟

تعني أن الحكم المبني على علة معينة يوجد بوجودها وينتفي بانتفائها، فإذا تغير العرف الذي بُني عليه الحكم تغير الحكم تبعًا لذلك.

ما شرط ذكر الحجة في الفتوى وفق تفصيل النووي؟

ليس بمنكر ذكر الحجة إذا كانت نصًا واضحًا مختصرًا، وفصّل الصيمري بأنها لا تُذكر للعامي وتُذكر للفقيه.

ما الذي يجعل الفتوى في الاسم المشترك محرمة؟

لأن الاسم المشترك يحتمل أكثر من معنى، فإطلاق الفتيا فيه دون تحديد يوقع السائل في الفهم الخاطئ والعمل بغير ما أراده المفتي.

ما الذي قاله الغزالي عن صعوبة وضع الصور الفقهية؟

قال إن الذكي قد يقدر على الفتوى في كل مسألة إذا ذكرت له صورتها، لكنه لو كُلِّف وضع الصور وتصوير التفريعات عجز عنه، وإنما ذلك من شأن المجتهدين.

ما الحكم في الجزم بأن الفتوى الاجتهادية هي حكم الله؟

لا يجوز الجزم بذلك في المسائل الاجتهادية، ويجوز فقط في النصوص القاطعة، واستدل العلماء على ذلك بحديث النهي عن إنزال أهل الحصن على حكم الله.

ما الصورة المثلى لتوثيق الفتوى في العصر الحديث؟

ينبغي أن تكون على هيئة وثيقة رسمية تصدر عن هيئة أو مؤسسة، أو يختمها العالم بختمه الخاص، لإغلاق باب التلاعب والتزوير.

ما الدليل النبوي على جواز الفتوى بالإشارة؟

ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل يوم النحر عن التقديم والتأخير فأومأ بيده أن لا حرج، وأشار إلى لسانه عند الحديث عن العذاب.

لماذا نسب العلماء تغير الفتوى إلى تغير الزمان تحديدًا؟

لأن الزمان هو الوعاء الذي تجري فيه الأحداث والأفعال والأحوال، وهو الذي تتغير فيه العوائد والأعراف، فنسبة التغيير إليه من هذا الباب.

ما موقف فقهاء المالكية من التسعير؟

قالوا بجواز التسعير إذا كان فيه رفع للضرر وضبط لسير التعامل بين الناس بلا إجحاف بالبائع أو المشتري.

ما الشروط التي يجب توافرها في المفتي لبيان الحكم الشرعي؟

يجب أن يكون مدركًا للكتاب والسنة ومواطن الإجماع وكيفية القياس ودلالات الألفاظ العربية وطرق الاستنباط وإدراك الواقع، مع التحلي بالتقوى والورع.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!