اكتمل ✓
الفصل 13

ما هي النفس اللوامة وما معنى النفس المطمئنة وما مراتب النفس البشرية في طريق الله؟

النفس اللوامة هي المرتبة الثانية من مراتب النفس البشرية، وهي النفس التي تلوم صاحبها على فعل المعصية أو تقصيره عن الكمال، وتتميز بالنزاع الداخلي بين الاستجابة للمنكر والتوبة منه. أما النفس المطمئنة فهي المرتبة السادسة، وهي النفس التي بلغت درجة الرضا والتسليم وحلاوة الإيمان. وتمر النفس البشرية عند الصوفية بسبع مراتب: الأمارة، واللوامة، والملهمة، والراضية، والمرضية، والمطمئنة، والكاملة.

12 دقيقة قراءة
  • كيف تعرف في أي مرتبة من مراتب النفس البشرية السبع أنت، وما الفرق بين النفس الأمارة واللوامة والمطمئنة؟

  • النفس اللوامة هي المرتبة الثانية، وتتميز بالنزاع الداخلي بين الاستجابة للمعصية والتوبة منها، وهي بداية الارتقاء عن النفس الأمارة.

  • طريق الله يبدأ بإتمام الإسلام بفعل الواجبات وترك المحرمات، ثم استكمال الإيمان، ثم الدخول في السلوك والتزكية.

  • النفس أشد أعداء السالك الأربعة خطورة لأنها تلازمه من الإدراك إلى الممات وتُلح عليه بالقبيح مرة بعد مرة.

  • تزكية النفس تقوم على التوبة بدرجاتها الثلاث: التوبة من المعصية، والتوبة من الالتفات عن الله، والتوبة من تعلق القلب بالدنيا.

  • مقام الإحسان يتضمن مرتبتين: مراقبة الله كأنك تراه، ثم العلم بأنه يراك، وكلتاهما تُورث حلاوة الإيمان وتُقدِّم السالك في طريقه.

تعريف النفس البشرية وبيان مراتبها السبع في التصوف

مما تكلم فيه الصوفية: (النفس البشرية)، وأنها تمر بسبع مراحل:

المرحلة الأولى: هي النفس الأمَّارة بالسوء، والثانية: هي النفس اللوَّامة، التي تلوم صاحبها علىٰ فعل المعصية، أو علىٰ تخلفه عن الكمال، والثالثة: النفس الملهمة، والرابعة: النفس الراضية، والخامسة: النفس المرضية، والسادسة: النفس المطمئنة، والسابعة: النفس الكاملة.

الطريق إلى الله وكثرة الحجب بين مراتب النفس البشرية

وقالوا: إن هذا الطريق الذي بين العابد وبين اللّٰه تعالىٰ، والذي يفضي في نهايته إلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى، فيه سبعون ألف حجاب، وفي كل نَفْس منها عشرة آلاف حجاب، وأن كل نَفْس ينتقل منها الإنسان إلىٰ ما بعدها فإنه ينتقل باسم من أسمائه تعالىٰ يذكره، حتىٰ يصل إلىٰ تربية نَفْسه، وزوال حجبها، فيصل بعد ذلك إلىٰ مرتبة أخرىٰ من مراتب النفس، وأن كل نَفْس من هذه النفوس لها صفاتها، ولها اسم معين من أسماء اللّٰه، تذكره به، ولها خصائصها، ولها علاماتها، التي يستطيع السالك بموجبها أن ينتقل من نَفْس إلىٰ نَفْس، أي من مستوىٰ إلىٰ مستوىٰ، فينتقل بالتالي من ذكر إلىٰ ذكر، ثم بعد ذلك، وبعد نهاية هذه النفوس، والوصول إلىٰ النفس الكاملة يدخل في عبادة اللّٰه أبدًا؛ فالعبادة لا تنقطع.

التحذير من العقائد الفاسدة والانحرافات في طريق السلوك

وقد حذّروا في طريق اللّٰه من العقائد الفاسدة، ومن القول بسقوط التكليف كما رأينا، ومن القول بأن اللّٰه قد اتحد في العابد، ومن القول بأنه رأىٰ الملك علىٰ هيئته وسمعه، وحذروا من القول بأنه قد دخل الجنة وأكل منها، وحذروا من القول بأن هذا الكون هو اللّٰه، فهذا كله باطل وفاسد وممنوع، وهكذا.

أركان السير إلى الحق وآداب الطريق والشيخ والمريد

وحذروا من أمور في الطريق، وأمَرُوا بأمورٍ، ووضّحوا، وبيَّنوا، وهذا هو الذي سنأخذه شيئًا فشيئًا، ثم بعدما ننتهي من آداب الطريق ندخل في آداب الشيخ، وندخل بعد ذلك في آداب المريد، فتتم لنا بذلك أركان السير إلىٰ الحق جل شأنه، وهي: الشيخ، والمريد، والطريق الذي يسير فيه المريد إلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى.

مقصدية الله وحده وخطر الالتفات والتمييز بين الملك والملكوت

وقد تكلمنا عن طريق اللّٰه، وأن هذا الطريق يقصد فيه السالكُ اللّٰه سبحانه وتعالى، فاللّٰه تعالىٰ هو مقصود الكل، وأنه ينبغي علىٰ المريد وهو سائر في طريق اللّٰه ألا يلتفت عن يمينه ولا عن يساره أثناء هذا السير، حتىٰ لا ينشغل عن اللّٰه، وقلنا: إن هذا الالتفات معناه: أن يُعجب الإنسان بنفسه، أو بعبادته، أو بذكره، أو بما يظهره اللّٰه علىٰ يديه وله، من انكشاف للأسرار، أو امتلاء بالأنوار، وقد تكلمنا عن المُلْك المشاهد، وعن الملكوت المغيب

﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ﴾

واللّٰه جل شأنه هو رب الملك والملكوت؛ فالشهادة هي الملك، والغيب هو الملكوت.

الأسرار والأنوار في الطريق ووجوب عدم التعلق بها

وتكلمنا عن الأسرار والأنوار، وأن الإنسان وهو يسير في طريق اللّٰه، عابدًا له بالصلاة، وبالذكر، وبالتلاوة، وبالإخلاص، وبالتخلي من كل قبيح، وبالتحلي بكل صحيح- تنكشف له بعض أسرار الدنيا، وتنكشف له بعض أسرار الغيب، ويمتلئ قلبه ببعض أنوار الدنيا، ويمتلئ قلبه ببعض أنوار الغيب، فعليه ألا يلتفت إلىٰ كل ذلك، بل عليه دائمًا أن يستحضر عظمة مولاه، وأن يرجع دائمًا إلىٰ ربه، وأن يعود دائمًا إلىٰ اللّٰه، وأن يجعل اللّٰه هو مقصوده، فلا يتألم بلذة في قلبه قد زالت، ولا يفرح بلذة قد حلت، وإنما يفعل ذلك للّٰه، لا لتحصيل لذة العبادة، ولا لتحصيل أنوار، ولا لكشف أسرار، ولا لحدوث كرامات.

الله مقصود الكل وحديث جبريل في تعليم أركان الإسلام

فتكلمنا عن كل ذلك، وقلنا: إن اللّٰه مقصود الكل، وقلنا: إن ملتفتًا لا يصل.. فماذا يفعل الإنسان في هذا الطريق؟

جاء جبريل؛ يعلم الناس أمر دينهم، فقال سيدنا عمر ت:

(بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللّٰهِ صلى الله عليه وآله وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لاَ يُرَىٰ عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّىٰ جَلَسَ إِلَىٰ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَىٰ رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَىٰ فَخِذَيْهِ -يعني علىٰ هيئة المتأدب مع سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم- وسأله: يارسول اللّٰه ما الإسلام؟ فأجابه، فقال: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ)

؛ لأن المفترض في السائل أنه يسأل ليتعلم، ولكن جبريل؛ جاء يسأل ليُعَلِّم، وملخص ما قاله أن الإسلام هو إقامة الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا اللّٰه وأن محمدًا رسول اللّٰه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت، هذه كأنها هي السمات التي ينبغي علينا أن نحصِّلها، الآنية التي ينبغي علينا أن نحصِّلها، حتىٰ يضع اللّٰه فيها أنواره، ويكشف من خلالها أسراره، ومن غير هذا لا يمكن أن نُحصِّل الأنوار الربانية، ولا أن تُكشف لنا الأسرار الصمدانية، فلابد من هذه الشريعة المطهرة تحققًا والتزامًا، في الظاهر والباطن.

الشريعة المطهرة أوعية الأنوار وعدم سقوط الفرائض

فهذه الأشـياء التي شـرعها اللّٰه لنا هي التي تصلنا إليه، وهي الأساس، لا تسقط أبدًا، ولا تنتهي، والوصول إلىٰ اللّٰه لا يعني أبدًا أن نترك الآنية أو نكسرها، بل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلما زاد ربه في شرفه ومقداره يقوم الليل حتىٰ تتورم قدماه، ويقول:

«أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»

صلى الله عليه وآله وسلم.

استكمال الإيمان بعد تمام الإسلام كمدخل لطريق السلوك

فلا بد في الطريق أولًا من أن يستكمل السالك الإيمان، ولذلك في كثير من الأحيان نذهب إلىٰ المشايخ حتىٰ نأخذ الطريق، فيضحك الشيخ ويقول: أتمَّ إسلامَك أولًا.

فكيف نتم إسلامنا؟ الإسلام يتم بفعل الواجبات والانتهاء عن المحرمات، فإذا ما استكملنا الإسلام وأصبح تامًا، فإننا نبدأ باستكمال الإيمان، فإذا أكملنا الإيمان وأصبح تامًا، فإننا ندخل في الطريق إلىٰ اللّٰه، فلا أدخل في الطريق وليست معي الأدوات، ولابد من هذه الأدوات؛ لأنه طريق طويل؛ ولأن طريق اللّٰه طريق طويل مع العمر، من المهد إلىٰ اللحد، ولذلك لابد من أن نستثمر هذه الوسيلة التي توصلنا إلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى، نتوسل بها إليه، ونتوصل بها إليه، ونخلي بها القلب من كل قبيح من نحو: الحسد، والغل، والجهل، والركون إلىٰ الدنيا، والشرك باللّٰه ولو كان خفيًا.

الشرك الخفي وتعلق القلب بالدنيا وضرورة التوبة منها

والرياء أيضا من الشرك، فلو صلىٰ من أجل الناس يرائيهم بها، فقد أفسد عبادته، هذا هو مضمون الشرك، والنفاق أيضا من الشرك، والخوف من غير اللّٰه أيضًا من الشرك الخفي، نعم أنا مسلم أصلي وأصوم وأعبد، ولكن ما زال قلبي متعلقًا بالدنيا، ومادام القلب يتعلق بالدنيا فلا يمكن أن يرىٰ لا أنوارًا ولا أسرارًا، ولا يمكن أن يتلذذ بعبادته، ولا يمكن أن يتقدم في طريق اللّٰه، فلا بد من تخلية القلب من كل صفة قبيحة، ولا بد من أن ننهض إلىٰ التوبة عن الدنيا.

درجات التوبة وحالة عدم التعلق بالدنيا وثمرة التوكل

والتوبة كما قلنا درجات: توبة عن المعصية، وتوبة عن الالتفات عن اللّٰه، وتوبـة عـن الدنيـا والأكوان؛ فتخيل قلب المؤمن وهو خـال مما سـوىٰ اللّٰه، خـال مـن الدنيـا ولا تعلـق لـه بهـا، فما معنىٰ أنه لا يتعلق بهـا؟ معناه أنه: لا يفرح بالموجود، ولا يحزن علىٰ المفقود، أي أنه وصل إلىٰ حالة تامة من التوكل علىٰ اللّٰه، ووصل إلىٰ الرضا والتسليم، وإذا وصل القلب إلىٰ هذه الدرجة من الرضا والتسليم، والتوكل علىٰ اللّٰه، وعدم التعلق بالدنيا، فإنه لا يفرح بموجود، ولا يحزن علىٰ مفقود، ويشعر بحلاوة الذكر، ويشعر بحلاوة الإيمان، وإذا ما دخلت حلاوة الإيمان قلبًا فإنها لا تخرج منه أبدًا، قال الحق جل شأنه:

آية الأعراب ومعنى دخول الإيمان في القلب وحلاوته

﴿ قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوٓا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ .}

فقوله تعالىٰ: ﴿ وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ يعني وجود ضعف، كأنه يقول: لم يحدث بعد أن تحقق اتصافكم بالإيمان؛ لأنهم يؤمنون بعقولهم أن هناك إلهًا، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رسول، لكن قلوبهم لم تدخلها حلاوة الإيمان، ورسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

«ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللّٰهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلّٰهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» .

تعلق القلب بالله والتقدم في الطريق وتعريف مقام الإحسان

والإنسان يصل إلىٰ هذه الحالة عندما يكون قلبه متعلقًا باللّٰه، فهذه الحالة التي يعيش فيها المؤمن حالة تجعله يتقدم شيئًا فشيئًا في طريق اللّٰه.

وعندما سُئِلَ صلى الله عليه وآله وسلم: ما الإحسان؟ قال:

«أَنْ تَعْبُدَ اللّٰهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»

، فانظر إلىٰ الدقة! (كأنَّك) أي من شأنك أن تراه، فالكاف هنا يسمونها: (كاف التشبيه)، إذًا هذه ليست رؤية حقيقية، إنما هي رؤية تمثيلية، يعني: كأنك ترىٰ، فهذا يشبه الرؤية لكنه ليس برؤية؛ لأن اللّٰه سبحانه وتعالى لا يُرىٰ في الدنيا بالأبصار، إنما تقبل عليه القلوب:

رؤية القلوب لا الأبصار وآية لا تدركه الأبصار

قُلُوبُ الْعَارِفِينَ لَهَا عُيون

تَرَىٰ مَا لاَ يَرَاهُ النَّاظِرونَ

فالعيون ليست هي العيون التي لها مقلة وطرف ومآق، بل العيون تكون في البصيرة، فتكون أعلىٰ مما هي عليه في البصر، فقلوب العارفين لها عيون أي: بصيرة، وتوسم، ونظر بنور اللّٰه، فترىٰ بذلك ما لا يراه البشر، الذين اعتادوا الرؤية الحسية بعيونهم هذه؛ لأن اللّٰه تعالىٰ

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾

فالإله لا يحيط به حد، ولا تنظر إليه مقلة.

قصة موسى وطلب الرؤية وتجلي الرب للجبل

وموسىٰ كليم اللّٰه قال اللّٰه في شأنه:

﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ﴾ .

فهذا شيء فوق طاقة البشر، وفوق طاقة الأكوان، ولا يـرىٰ بالعيون المجردة هذه، ولذلك لما أخبر عن حال المؤمنين في الآخرة قال:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾

فذكر الوجه وليس العين.

مقام المراقبة في الإحسان ومثال عمر بن الخطاب

(اعبد اللّٰه كأنك تراه) يعني راقب نفسك المراقبة التامة المستمرة، لدرجة أن سيدنا عمر بن الخطاب ت كان يراقب نفسه بالأنفاس، فلا يدخل نفس إلا وهو يتأمل، ويتدبر، ويستحضر عظمة اللّٰه، ولا يؤمل أن يخرج، أي أنه ينتظر الموت دائمًا، وبصفة مستمرة، ولا يخرج نفس ويأمل أن يدخل، فهل مثل هذا الإنسان تصدر منه المعصية؟! هل مثل هذا الاستحضار يصدر معه التقصير؟ هل مثل هذه الحالة يصدر منها الظلم؟ دائمًا سيكون مـع اللّٰه، مـع هذه الفكرة الدائمة، يقول: (اعبد اللّٰه كأنك تراه) ويعني بها مقام المراقبة.

المرتبتان في الإحسان ومعنى فإن لم تكن تراه فهو يراك

ثم تأتي مرحلة أخرىٰ: (فإن لم تكن تراه فهو يراك) هذه مرتبة أقل من المرتبة الأولىٰ، فإنك لا تستطيع أن تكون دائم الذكر له علىٰ هذه المرتبة العالية، التي وصل إليها عمر ت وأولياء اللّٰه الصالحون رضي اللّٰه تعالىٰ عن الجميع، فاعلم أنه سبحانه يراك، ويعلم سرك ونجواك، فاتق وخف.

وقرأها بعض العارفين قراءة أخرىٰ فمعنىٰ: (اعبد اللّٰه كأنك تراه) أنك لا تنسىٰ أبدًا، وليستمر ذلك معك طوال يومك حتىٰ تصل إلىٰ درجة الفناء (فإن لم تكن) فإذا فنيت عن نفسك، وعرفت أن وجودك يحتاج إليه سبحانه وتعالى وهو لا يحتاج إليك، ووجدت أن الوجود الحقيقي إنما هو وجوده سبحانه وتعالى ووجودنا إنما هو وجود عارض، وحادث، وفانٍ، وله نهاية، (تراه) فإنك تصل إلىٰ مرحلة الرؤية، (فهو يراك) فالفضل من قبل ومن بعد للّٰه وحده.

حقائق العقيدة وأسماء الله الحسنى في القرآن والسنة

وهنا توصل أهل اللّٰه إلىٰ شيء في العقيدة مستقر بين جميع المسلمين، من أن اللّٰه هو: الحي القيوم، الأول والآخر، الظاهر والباطن، وأنه علىٰ كل شيء قدير.

وأسماء اللّٰه الحسنىٰ التي في القرآن مائة وثمانية وخمسون اسمًا، وأسماء اللّٰه الحسنىٰ التي وردت في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم من رواية أبي هريرة تسعة وتسعون اسمًا .

أحوال النفس وحجبها وتشبيه السالك بالطريق الحسي

والسالك في الطريق إلىٰ اللّٰه كالسائر في الطريق الحسي، والنفس البشرية لها أحوال، والنفس كانت عند اللّٰه سبحانه وتعالى فأنزلها في جسد الإنسان فحجبت بذلك الجسد، وهي تتشوف إلىٰ ربها، وفي تشوفها إلىٰ ربها حجبت عنه بحجب كثيرة، وقد نظر أهل اللّٰه فوجدوا أنها نحو من سبعين ألف حجاب، وقسموا النفس إلىٰ ثلاثة أقسام، وبعضهم قسمها إلىٰ سبعة، ووجدوا أن بين كل مرحلة ومرحلة أخرىٰ من الحجب ما يحجب الإنسان عن ربه، الذي هو المقصود للكل، والطريق أيضا قسّموه إلىٰ مراحل، وأول هذه النفوس هي النفس الأمارة بالسوء.

الأعداء الأربعة للسالك وخطورة النفس أعدى أعدائه

ويكتشف الإنسان وهو في طريقه إلىٰ اللّٰه أن هناك أربعة أسباب، تعوق سيره إلىٰ ربه سبحانه: أولها: نفسه، والثاني: الشيطان، والثالث: الهوىٰ، والرابع: الدنيا.

وهذه الأعداء إنما كانت أعداء لبني آدم، لأنها تحاول أن تصده عن سبيل اللّٰه، تحاول أن تجذبه إليها، وتحاول أن تجعله يخرج عن الصراط المستقيم، وعن الطريق القويم، الذي هو أقصر طريق يصل به العابد إلىٰ ربه، فهذه الأمور الأربعة تعكر علىٰ الإنسان صفو توجهه إلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى، وفي الحقيقة إن أشد هذه الأعداء هي: النفس؛ لأن الدنيا قد تكون وقد لا تكون، والشيطان يذهب ويجيء، والهوىٰ يأتي ويذهب، ولكن النفس هي التي تصاحب الإنسان من الإدراك إلىٰ الممات، ونحن نستطيع أن نميز سعيها، وحجابها، وشهوتها، عن باقي هذه الأعداء بالعـود والتكرار، وهذا معنىٰ قولهـم -وهي قـاعدة أيضًا-: (نفسك أعدىٰ أعدائك).

تمييز وسوسة الشيطان عن دعوة النفس ووسائل دفع الشيطان

فكيف نميّز بين وسوسة الشيطان ودعوة النفس؟ فقالوا: إن وسوسة الشيطان لا تدوم، ولا تعود، ولا تتكرر، ويحاول أن يوسوس في صدور الناس، فإذا لم يستجب الإنسان لهذه الوسوسة، وقاومها، وانشغل عنها فإنه لا يعود إليها مرة ثانية، ويذهب ليوسوس له في شيء آخر، فإذا وجد الإنسان من نفسه دعوة بالكسل عن الصلاة، أو عن الذكر، أو دعوة تدعوه إلىٰ شيء مكروه أو محرم، ثم لم يجد في نفسه ذلك بعد هذا فإن ذلك من وسواس الشيطان،

﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾

فهذه أذية الشيطان، وهو ضعيف، ولا سلطان له علينا، واللّٰه سبحانه وتعالى أوْكَلَه، ولكنه أضعفه، وأبقاه، ولكنه خذله، والشيطان نستطيع أن نتقي شره من أقرب طريق، وبأبسط وسيلة، فالأذان يذهب الشيطان، والذِّكْر يذهب الشيطان، ونقرأ خواتيم سورة البقرة فتُذهب الشيطان وتُحصِّن المكان، ونقرأ آية الكرسي فإذ بنا نحتمي بها من الشيطان، ونذكر أذكار الصباح والمساء فإذ بنا نحصِّن أنفسنا من الشيطان، فالشيطان يُردُّ من أقرب طريق وبأبسط طريقة، وحياة الإنسان مع الذِّكْر، ومع القرآن، ومع العبادة، ومع الطهارة، ومع الأذان، ومع الصلاة، ومع الصيام تجعل الشيطان يفر ويذهب.

مشكلة النفس الأمارة وإلحاحها على القبيح وضرورة تربيتها

ولكن المشكلة هي مشكلة النفس، لأن النفس تحتاج إلىٰ تربية، والنفس تعيد علىٰ الإنسان دعوته إلىٰ التقصير، ودعوته إلىٰ الحرام، ودعوته إلىٰ المكروه مرة بعد أخرىٰ، فإذا ما قاومتها في أول مرة عادت تُلح عليّ في المرة الثانية، هذه هي النفس الأمَّارة، ولذلك استعملوا معها صيغة المبالغة، فهي: أمَّارة علىٰ وزن: فَعَّالة، وصيغة المبالغة فيها تكرار، وعود، ومبالغة، وفعل كثير، فالنفس لا تأمر مرة ثم تسكت، بل إنها تلح مرة بعد مرة.

وإذا ما وجدت إلحاحًا علىٰ شيء لفعل القبيح الذي أعرف أنه قبيح، والذي أعرف أن فيه تقصيرًا، أو فيه ذنبًا، ومعصيةً، فعليَّ أن أعرف أن ذلك من نفسي، وأنه ينبغي عليّ أن أربيها.

من النفس الأمارة إلى اللوامة والملهمة واختلاف التقسيمات

النفس الأمارة بالسوء هي أصل النفوس، عموم الناس تأمرهم نفوسهم بالسوء، فإذا ما ارتقينا إلىٰ ما بعدها أي إلىٰ: النفس اللوامة، وجدنا هناك نزاعًا بين الإنسان وبين نفسه، مرة تأمره بالمنكر، فيحاول أن لا يستجيب، ومرة يستجيب ثم يتوب ويرجع، ويدخل في منازعة، وفي أخذ ورد معها، إلىٰ أن تستقر علىٰ: النفس الملهمة، وهي الدرجة الثالثة من درجات النفس.

وبعضهم قال: إن هذا بداية الفناء، وأن النفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، وملهمة، وبعضهم قال: إننا لا نكتفي ببداية الكمال، بل علينا أن نترقىٰ فوق ذلك إلىٰ أن نصل إلىٰ: الراضية، والْمَرْضِيَّة، والمطمئنة، والكاملة.

استعداد النفس للتحول بين المراتب وسيادة النفس الأمارة في الناس

وعلىٰ كل حال، فهذه المراحل تبدأ في عموم الناس، مسلمهم وكافرهم، تبدأ بالنفس الأمارة بالسوء، إلا أن هذه النفس الأمارة عندها استعداد لأن تتحول إلىٰ نفس لوامة، وهذه النفس اللوامة لديها استعداد لأن تتحول إلىٰ النفس الملهمة، فالاستعداد موجود، ولكن الشائع هو أن نفس الإنسان من قبيل النفس الأمارة بالسوء.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كم عدد مراتب النفس البشرية عند الصوفية؟

سبع مراتب

ما المرتبة الثانية من مراتب النفس البشرية؟

النفس اللوامة

ما المرتبة السادسة من مراتب النفس البشرية؟

النفس المطمئنة

ما الذي يميز النفس الأمارة بالسوء عن غيرها من النفوس؟

أنها تُلح على صاحبها بالقبيح مراراً

ما الفرق الرئيسي بين وسوسة الشيطان ودعوة النفس؟

وسوسة الشيطان لا تتكرر بخلاف دعوة النفس

ما أشد أعداء السالك في طريق الله؟

النفس

ما الخطوة الأولى الواجبة قبل الدخول في طريق الله؟

إتمام الإسلام بفعل الواجبات وترك المحرمات

ما معنى مقام الإحسان في قوله: اعبد الله كأنك تراه؟

رؤية تمثيلية تعني الاستحضار الدائم لعظمة الله

ما علامات حلاوة الإيمان التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم؟

أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب لله وأن يكره العودة للكفر

ما الذي يعنيه عدم تعلق القلب بالدنيا في مسيرة تزكية النفس؟

لا يفرح بالموجود ولا يحزن على المفقود مع التوكل التام على الله

كم عدد أسماء الله الحسنى الواردة في القرآن الكريم؟

مائة وثمانية وخمسون اسماً

ما الذي يحدث للسالك عند الوصول إلى الله هل تسقط عنه الفرائض؟

الفرائض لا تسقط أبداً بل تزداد العبادة مع الوصول

ما الانحراف العقدي الذي حذر منه أهل الطريق بشأن العلاقة بين العابد والله؟

القول بأن الله اتحد في العابد

ما درجات التوبة الثلاث في طريق تزكية النفس؟

التوبة من المعصية والتوبة من الالتفات عن الله والتوبة من الدنيا

ما الحالة الغالبة على عموم الناس من مراتب النفس؟

النفس الأمارة بالسوء

ما صفات النفس اللوامة وكيف تتصرف مع صاحبها؟

النفس اللوامة تلوم صاحبها على فعل المعصية أو تخلفه عن الكمال، وتتميز بالنزاع الداخلي المستمر بين الاستجابة للمنكر والتوبة منه، وهي مرحلة أخذ ورد بين الإنسان ونفسه.

ما الفرق بين النفس الأمارة واللوامة في التعامل مع المعصية؟

النفس الأمارة تُلح على صاحبها بالقبيح مراراً دون توقف، أما النفس اللوامة فتأمره بالمنكر لكنه يحاول المقاومة ويتوب إذا استجاب، وهي مرحلة أرقى تدل على بداية الوعي الروحي.

ما معنى قاعدة نفسك أعدى أعدائك؟

تعني أن النفس هي أشد الأعداء الأربعة خطراً على السالك لأنها تلازمه من الإدراك إلى الممات وتُلح عليه بالقبيح باستمرار، بخلاف الشيطان والهوى والدنيا التي تأتي وتذهب.

ما الوسائل التي تُذهب الشيطان وتحصّن الإنسان منه؟

الأذان يذهب الشيطان، والذكر يذهبه، وخواتيم سورة البقرة تحصّن المكان، وآية الكرسي تحمي من الشيطان، وأذكار الصباح والمساء تحصّن الإنسان.

ما معنى الشرك الخفي وما أمثلته؟

الشرك الخفي هو ما يُفسد العبادة من الداخل دون أن يُلاحظه الإنسان، ومن أمثلته: الرياء في الصلاة، والنفاق، والخوف من غير الله، وتعلق القلب بالدنيا.

ما الترتيب الصحيح للدخول في طريق الله؟

يبدأ بإتمام الإسلام بفعل الواجبات وترك المحرمات، ثم استكمال الإيمان، ثم الدخول في طريق الله مع تخلية القلب من كل صفة قبيحة.

ما معنى أن الشريعة المطهرة هي أوعية الأنوار الربانية؟

يعني أن أركان الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وحج هي الأوعية التي يضع الله فيها أنواره ويكشف من خلالها أسراره، ومن غير الالتزام بها لا يمكن تحصيل الأنوار الربانية.

ما مرتبة المراقبة في مقام الإحسان وكيف تُطبَّق؟

المراقبة هي أن يراقب الإنسان نفسه مراقبة تامة مستمرة كأنه يرى الله، وتطبيقها يكون باستحضار عظمة الله في كل نفس وكل لحظة حتى لا تصدر منه معصية أو تقصير.

ما الفرق بين مرتبتي الإحسان: كأنك تراه وفهو يراك؟

مرتبة كأنك تراه أعلى وهي المراقبة الدائمة التي وصل إليها الأولياء الصالحون، أما فهو يراك فهي مرتبة أقل تعني العلم بأن الله مطلع على العبد فيتقي ويخاف.

لماذا لا يُرى الله بالأبصار في الدنيا؟

لأن الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، والإله لا يحيط به حد ولا تنظر إليه مقلة، وقد دلت قصة موسى والجبل على أن هذا فوق طاقة البشر والأكوان.

ما ثمرة التوبة من الدنيا وعدم التعلق بها؟

ثمرتها قلب لا يفرح بالموجود ولا يحزن على المفقود، يصل إلى حالة تامة من التوكل على الله والرضا والتسليم، ويشعر بحلاوة الذكر وحلاوة الإيمان التي لا تخرج من القلب بعد دخولها.

ما الانحرافات العقدية التي حذر منها أهل الطريق؟

حذروا من: القول بسقوط التكليف، والقول بالاتحاد بين الله والعابد، وادعاء رؤية الملك على هيئته، والقول بدخول الجنة في الدنيا، والقول بأن الكون هو الله، وكل هذا باطل وممنوع.

ما معنى قوله تعالى ولما يدخل الإيمان في قلوبكم؟

يعني أن الإيمان العقلي بوجود الله ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكفي وحده، بل لا بد أن تدخل حلاوة الإيمان إلى القلب فعلاً، وهي استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضا الله.

ما الاستعداد الفطري الذي تملكه النفس الأمارة؟

النفس الأمارة تملك استعداداً فطرياً للتحول إلى نفس لوامة، والنفس اللوامة لديها استعداد للتحول إلى الملهمة، فالارتقاء بين المراتب ممكن لكل نفس وإن كان الشائع هو البقاء في مرتبة الأمارة.

ما أركان السير إلى الله الثلاثة عند أهل الطريق؟

أركان السير إلى الله ثلاثة: الشيخ الذي يرشد، والمريد الذي يسلك، والطريق الذي يسير فيه المريد إلى الله، ولكل ركن آداب خاصة تُكمِّل مسيرة السالك.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!