اكتمل ✓
الفصل 26

ما معنى حديث أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل وكيف تتحقق الديمومة على الذكر والورد؟

حديث «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» يدل على أن المواظبة على العمل الصالح ولو كان قليلاً أفضل من العمل الكثير المنقطع. وقد كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم ديمةً أي دائمًا. وتتحقق الديمومة بالمحافظة على الورد اليومي من الذكر، إذ إن انقطاع الورد يؤدي إلى انقطاع الوارد الذي يرقي السالك ويجعل سيره متصلاً نحو الله.

4 دقائق قراءة
  • كيف تحافظ على عملك الصالح دون انقطاع وما سر حديث «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»؟

  • الديمومة على العمل مبدأ نبوي ثابت، إذ وصفت السيدة عائشة عمل النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان ديمةً أي دائمًا.

  • انقطاع الورد يؤدي إلى انقطاع الوارد الذي يرقي السالك ويجعل تقدمه في الطريق متصلاً.

  • الورد الذكري يُبنى على أسماء الله الحسنى كمخزن روحي للأنوار والأسرار، وقد زادت مقاديره بسبب تغير البيئة الحديثة.

  • تصحيح النية شرط أساسي في الذكر، إذ يجب أن يكون المقصود عبادة الله وحده لا الترقي ولا التفاضل مع الآخرين.

  • الغاية من الذكر أن يجد المكلف قلبه في اسم معين فيلزمه مع الورد العادي من استغفار وصلاة على النبي حتى يدخل في دائرة الذاكرين.

فضل الديمومة على العمل من خلال السنة النبوية الشريفة

ومن آداب الطريق، ومن قواعده، وحتىٰ يحقق ما نقول من الدَّيْمُومَة المذكورة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

«أَحَبّ الأَعْمَالِ إِلَىٰ اللّٰهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» ،

فهذه السيدة عائشة ل تصف سيـد الخلـق صلى الله عليه وآله وسلم فتقول:

«كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً»

يعني دائمًا.

معنى الورد والوارد وعلاقتهما بالثبات في السير

وأهل اللّٰه يقولون: (إذا انقطع الوِرْد انقطع الوارد)، فقولهم: (من قطع الوِرْد) يعني لم يستدمه، ولم يواظب عليه، وأخذ يذكر في يوم دون يوم، (انقطع عنه الوارد)، والوارد هو الذي يرقيه، والوارد هو الذي يجعل هناك تطورًا، وتقدمًا، وسعيًا متصلًا في الطريق، هذا هو نفس معنىٰ قولهم: (ملتفت لا يصل)؛ لأن الملتفت ينقطع عن السير، فينقطع عن الوصول، حيث إنه يلتفت يمينًا ويسارًا كل خطوة، والوارد هذا قد يشتمل علىٰ أسرار، وقد يشتمل علىٰ أنوار، والوارد يوجه الإنسان، وإن كانت مردوده إلىٰ الملك أو الملكوت، لكن سننتقي منها ما يعلمنا الأدب مع اللّٰه، فالواردات من أنوار وأسرار تعلمنا الأدب مع اللّٰه، فنزداد بذلك أدبًا، فنصل إلىٰ اللّٰه رب العالمين، ولكن من قَطَعَ الورد قَطع الوارد.

الورد كبناء روحي ومخزن للأنوار باستخدام أسماء الله

الورد يبدأ بالبناء؛ نريد أن نبني شيئًا وكأنه مخزن نخزن فيه الأنوار والأسرار، فكيف ننشئ هذا؟ فتأملوا في أسماء اللّٰه ووجدوا منها سبعة، هذه السبعة تبنىٰ عليها الأعمدة، ويبنىٰ عليها الباب، وتبنىٰ الأسقف علىٰ هذه الأعمدة فتحدد، ثم بعد ذلك جاء الشيخ عبد القادر الجيلاني وقال: إن هذا البناء يحتاج إلىٰ حوائط حتىٰ يكون مخزنًا محكمًا، واختار ستة أسماء للتلاوة بعد السبعة.

اختلاف طرق الشيوخ في تلاوة الأسماء ووحدة المقصود

واختلف أهل اللّٰه في هذه السبعة كيف تتلىٰ؟ فكل شيخ له طريقة، كما أن كل مهندس له طريقة في بناء الأعمدة والأسقف والحوائط والمواد التي يستخدمها، هل هي من مسلح؟ أم أنها أعمدة خشبية، أم أنها أعمدة من مواد بناء الطائرات، تختلف ولكن الفكرة واحدة، وهي وجود مخزن محكم لوضع الأسرار والأنوار فيها، وقد كان كل اسم من الأسماء السبعة له رقم عندهم، فلما اختلط الحال، أصبح الجو الذي نعيش فيه مختلفًا عن الجو الذي كانوا يعيشون فيه.

تغير البيئة الحديثة وزيادة مقادير الأذكار بإرشاد الشيوخ

فلم يكن هناك أشعة ذرة، ولا راديو، ولا رادار، ولا تليفزيون، حتىٰ يمكنك أن تتصور كيف أن الجو الذي يحيط بنا قد امتلأ بكل ألسنة الأرض، وبكل الصور المنقولة.

والدليل علىٰ ذلك: أننا لو أتينا الآن بجهاز تليفزيون، وفتحناه، سيأتي لنا كل العالم هنا في هذا المكان، فالذي يحيط بنا يختلف عما كان يحيط بالإمام عبد القادر الجيلاني، وهذا يؤثر؛ لأننا ونحن نسير، نسير في اتجاه خلق اللّٰه، فالبيئة تؤثر، ومن أجل ذلك جعلوها مائة ألف؛ فنذكر كل اسم منها مائة ألف، إلا إذا حدثت علامات يعرفها الشيوخ، العلامات هذه ليست واحدة، ولذلك لا تقال، إنما يعرفها الشيخ بفراسة وبصيرة، وإذا ما كلمناه فإنه يقول: انتقل إلىٰ الاسم الذي بعده يكفينا هذا، وصلنا إلىٰ مقصودنا من هذه المرحلة والحمد اللّٰه، الغرض من بناء المخزن قد تم.

برنامج البداية في الذكر ومرجعية كتاب الهداية وإجازة الشيخ

إذن فلنبدأ لمن أراد أن يبدأ بذكر (لا إله إلا اللّٰه) مائة، ثم بعد ذلك إذا انتهىٰ منها يدخل في: (يا اللّٰه)، ثم (يا هو)، وكل هذا الكلام موجود في كتاب: (الهداية) لسيدنا الشيخ، خذوه واقرأوه، وامشوا عليه علىٰ نمط ما وصفه، فرصة أن الشيخ أجاز إجازة عامة لمن عاصره بالأخذ عنه في الطريق إلىٰ اللّٰه، وهذه الفرصة لا تتكرر كثيرًا، ولا يقوم به الشيخ إلا بتوفيق من اللّٰه، وبإذن مخصوص منه، ومثل هذا لا بد أن الشيخ انكشف له فيه سر، وأُذن له فيه، فأذن لنا؛ لأنه لا يستطيع أن يأذن من نفسه، أو من هواه؛ لأن هؤلاء الناس تخلّصوا من هواهم، فاقرأوا هذا وابدأوا فيه، ثم بعد ذلك يفتح اللّٰه سبحانه تعالىٰ علىٰ من يشاء،

تصحيح النية في الذكر وترك طلب الترقي والمفاضلة

ولا يكون مقصود واحد منكم أن يترقىٰ أو أن يكون خيرًا من صاحبه، بل يكون المقصود هو عبادة اللّٰه وحده، وأنه لا إله إلا اللّٰه، وأنه ينبغي علينا أن نخلص الأمر كله للّٰه، فإذا سرنا علىٰ هذا فالأمر واضح.

موازنة كمية الذكر بين الاستطاعة والاستمرار دون إفراط أو تفريط

ثم إن الكم في اليوم حسب المستطاع، خمسمائة، أو ألف، أو ألفان، أو عشرة آلاف، فهي عبادة لا ملجأ فيها إلىٰ التسرع، فنراعي الكم دون التعبد ولا نلجأ فيها إلىٰ التهاون والترك فينفرط العقد، وينقطع الوارد! بل علينا أن نستمر في ذلك.

التعامل مع المشقة والكشوف مع جعل رضا الله هو المقصود

وفي هذا الاستمرار سنرىٰ أحيانًا شدة وتعبًا، وأحيانًا أخرىٰ نرىٰ تيسيرًا، لأنّ الأمر كله لا نقصد به أن نحصل سعادة دنيوية ولا راحة نفسية، ولا حتىٰ ترقٍ، إنما نقصد منه عبادة اللّٰه، ونقصد به رضا اللّٰه، لا نقصد به أيضًا أن هذه الأشياء تحقق ما تحققه من آثار كونية، لأنه ممكن بالذكر أن ينكشف لي شيء فلا ألتفت إليه؛ لأن هذا الكشف إنما هو شاغل يشغل السالك في طريق اللّٰه، يشغله عن اللّٰه فينبغي أن لا يلتفت إليه.

غايـة الذكر واختيار الورد مع الأسماء الحسنى وفعل الخير

وأرجع مرة أخرىٰ إلىٰ الذِّكْر، وإلىٰ قصد اللّٰه، فاللّٰه مقصودي ورضاه مطلوبي، هذا هو ملخص المسألة، فإذا سرنا علىٰ هذا، وانتهينا من الأسماء الثلاثة عشر، بعد ذلك نقرأ الأسماء الحسنىٰ، وبعد انتهائنا منها -كل اسم يوم- فإننا نصل إلىٰ ورد وذِكْر معين وجدنا فيه قلبنا؛ لأن الذِّكْر المقصود به أن يجد المكلف قلبه فيه، والاسم الذي هو كذلك يشتغل به المكلف إلىٰ أن يموت؛ مع الورد العادي الذي هو الاستغفار، والصلاة علىٰ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، و(لا إله إلا اللّٰه) في الصباح وفي المساء، وبهذا يكون الإنسان قد دخل في دائرة الذَّاكرين، ثم بعد ذلك يفعل ما يشاء، وليس المقصود أن يفعل ما يشاء من إثم ومعصية، بل يفعل ما يشاء من عبادة، وذِكْر، وتوجُّه إلىٰ اللّٰه، وزيادة في الخير

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

فهذا هو المقصود بالكلام.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الحديث النبوي الذي يدل على فضل الديمومة على العمل الصالح؟

«أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»

كيف وصفت السيدة عائشة عمل النبي صلى الله عليه وسلم؟

كان عمله ديمةً

ماذا يقصد أهل الله بقولهم «إذا انقطع الورد انقطع الوارد»؟

من لم يواظب على ذكره انقطع عنه ما يرقيه ويجعل سيره متصلاً

على كم اسماً من أسماء الله تُبنى أعمدة الورد الذكري في البداية؟

سبعة أسماء

كم اسماً أضافها الشيخ عبد القادر الجيلاني لتكون حوائط المخزن الروحي؟

ستة أسماء

ما الذكر الذي يُنصح به السالك في بداية برنامجه الذكري؟

لا إله إلا الله مائة مرة

ما السبب الذي جعل مقادير الذكر تُرفع إلى مائة ألف في العصر الحديث؟

لأن البيئة الحديثة امتلأت بالأمواج والصور مما يؤثر على السالك

ما الذي يجب أن يكون مقصود السالك من الذكر؟

عبادة الله وحده ورضاه

ما الموقف الصحيح للسالك حين ينكشف له شيء أثناء الذكر؟

لا يلتفت إليه لأنه شاغل عن الله

ما الورد العادي الذي يلازمه السالك مع الاسم الذي وجد فيه قلبه؟

الاستغفار والصلاة على النبي ولا إله إلا الله صباحاً ومساءً

ما المقصود بقولهم «الملتفت لا يصل»؟

من ينقطع عن سيره بالتفاته يميناً وشمالاً لا يصل إلى الله

ما الآية القرآنية التي ختم بها الحديث عن غاية الذكر وفعل الخير؟

﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾

ما معنى «ديمة» في وصف عمل النبي صلى الله عليه وسلم؟

ديمة تعني دائماً ومستمراً، أي أن عمل النبي كان متواصلاً لا ينقطع.

ما الوارد عند أهل الله؟

الوارد هو ما يرقي السالك ويجعل هناك تطوراً وتقدماً وسعياً متصلاً في الطريق إلى الله، وهو مرتبط بالمواظبة على الورد.

لماذا يُشبَّه الورد الذكري بالمخزن؟

لأنه يُبنى ليكون وعاءً محكماً يُخزَّن فيه ما يرد على القلب من أنوار وأسرار.

ما الأسماء التي أضافها الشيخ عبد القادر الجيلاني وما وظيفتها؟

أضاف ستة أسماء لتكون بمثابة الحوائط التي تُحكم المخزن الروحي المبني على الأسماء السبعة الأولى.

لماذا تختلف طرق الشيوخ في تلاوة الأسماء مع اتحاد المقصود؟

لأن لكل شيخ طريقته كما لكل مهندس أسلوبه في البناء، والمقصود واحد وهو إنشاء المخزن الروحي المحكم.

ما أثر التليفزيون والراديو وأشعة الذرة على السالك؟

هذه الأمواج والصور تملأ البيئة المحيطة بالسالك وتؤثر عليه في سيره، مما استدعى رفع مقادير الذكر إلى مائة ألف.

من يملك صلاحية الإذن للسالك بالانتقال من اسم إلى آخر؟

الشيخ هو من يأذن بالانتقال بناءً على علامات يعرفها بفراسة وبصيرة، لا بقرار شخصي من هواه.

ما الذكر الذي يعقب «لا إله إلا الله» في برنامج البداية؟

بعد «لا إله إلا الله» مائة مرة ينتقل السالك إلى «يا الله» ثم «يا هو».

ما الكتاب المرجعي الذي يُنصح بقراءته لمن أراد السير في هذا الطريق؟

كتاب «الهداية» الذي يتضمن تفاصيل برنامج الذكر وطريقة السير عليه.

ما الحد الأدنى والأقصى لكمية الذكر اليومي المذكورة؟

الحد الأدنى خمسمائة والأقصى المذكور عشرة آلاف، وذلك حسب استطاعة السالك.

ما الفرق بين الشدة والتيسير في مسيرة الذكر؟

كلاهما طبيعي في الطريق، والمقصود ليس تحقيق الراحة بل عبادة الله ورضاه في كلتا الحالتين.

متى يستقر السالك على اسم معين من الأسماء الحسنى؟

حين يجد قلبه في ذلك الاسم، فيلزمه إلى أن يموت مع الورد العادي.

ما المقصود بدخول الإنسان في «دائرة الذاكرين»؟

أن يلتزم بورده اليومي من استغفار وصلاة على النبي وذكر «لا إله إلا الله» صباحاً ومساءً مع الاسم الذي وجد فيه قلبه.

لماذا لا يستطيع الشيخ أن يأذن من نفسه أو هواه؟

لأن أهل الله تخلصوا من هواهم، فلا يأذنون إلا بتوفيق من الله وإذن مخصوص منه.

ما العلاقة بين حديث «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» وقاعدة الورد والوارد؟

كلاهما يؤكد أن الاستمرار والمواظبة هما الأساس، فالعمل القليل الدائم أحب إلى الله، وانقطاع الورد يقطع الوارد الذي يرقي السالك.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!