اكتمل ✓
الفصل 12

ما هو علم أصول الفقه وكيف جعل الأصوليون الكتاب والسنة حجة نهائية للأحكام الشرعية؟

علم أصول الفقه هو المنهج الذي طوره العلماء للوصول إلى الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وقد جعل الأصوليون الكتاب والسنة مرجعية عليا وحجة نهائية لأن الأحكام الشرعية لا تُستمد من الحس ولا من العقل وحده، بل من الوحي. وقد بدأ تدوين هذا العلم مع الإمام الشافعي في كتاب الرسالة، ثم تطور ليشمل نظريات الحجية والإجماع والقياس.

21 دقيقة قراءة
  • كيف يمكن التحقق من أن حكمًا شرعيًا هو فعلًا مراد الشارع، وليس مجرد تأويل بشري؟

  • علم أصول الفقه نشأ ليكون المنهج المكافئ للمنهج التجريبي في مجال الوحي، وأول من دوّنه هو الإمام الشافعي في كتاب الرسالة.

  • قسّم الأصوليون الأحكام إلى حسية وعقلية وشرعية بحسب منشأ النسبة في الجملة المفيدة، لا فصلًا للدين عن العقل.

  • جعل الأصوليون الكتاب والسنة حجة نهائية لوقف التسلسل، واشترطوا التواتر في نقل القرآن ضمانًا لليقين.

  • أثبت معهد ألماني قبل الحرب العالمية الثانية — بعد فحص أكثر من ثلاثين ألف مخطوطة — أن القرآن لم يشهد تحريفًا قط.

  • لجأ الأصوليون إلى الإجماع لتحويل الظني إلى قطعي، وإلى القياس لإلحاق المستجدات بالمنصوص عليه وتوسيع تطبيق الشريعة.

الأصولي الأول وبدايات تدوين قواعد أصول الفقه عند الشافعي

بدايةً، الأصولي الأول -ذلك المجتهد الذي كان يتبنّى قواعد ومفاتيح يستطيع بها أن يستنبط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية- هذا المجتهد كان شائعًا في الصحابة وفي التابعين وفي تابعي التابعين، لكن أول من ألَّف في أصول الفقه أو دوَّن قواعده في كتابٍ مخصوص هو الإمام الشافعي.

والإمام الشافعي هو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي القرشي الأصل، وُلِد سنة (150هـ) في غزة، وتُوفيَ سنة (204 هـ) في مصر، ودفن بها، وله حيٌّ معروف إلى يومنا هذا باسمه.

كتاب الرسالة وتطور التأليف الأصولي حتى الغزالي والمستصفى

وضع الشافعي كتابًا مهمًا في هذا الشأن، كأول كتاب في هذا العلم، وأسماه بكتاب "الرسالة"، تعرض فيه إلى كثير من مباحث الأصول. إلا أن العلم أخذ ينمو شيئًا فشيئًا إلى أن رأينا السرخسي في القرن الخامس يؤلف أصولًا على مذهب الحنفية، ورأينا في القرن الخامس إمام الحرمين الجوينى يؤلف "البرهان"، والقاضي عبد الجبار المعتزلي يؤلف "المعتمد" ويؤلف "العمدة" على مذهبه.

ثم بعد ذلك يأتي الغزالي ليؤلف كتابه الذي يعد بداية جديدة لأصول الفقه؛ وهو كتاب "المستصفى". كل هذه الكتب طُبعت الآن، وهي التي شكلت الفكر الأصولي عبر القرون فيما بعد.

الرؤية الكونية وأسئلة الإنسان الكبرى في خلفية التفكير الأصولي

فكيف كان يفكر الأصولي الأول؟ وفيمَ كان يفكر؟

بداية، هناك أسئلة كلية يسألها الإنسان لنفسه، والذي يجيب عنها في الحقيقة هو علم التوحيد، تدور هذه الأسئلة حول موقف الإنسان من الكون والإنسان والحياة. وقد سبق التعرض لها أعلاه. والخلاصة أن المسلمين أجابوا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا، وأننا هنا نطبق شريعته (أوامره ونواهيه)، وأننا سوف نُجمَع ونُعرَض عليه ونعود إليه في نهاية المطاف؛ أي إن بعد الحياة الدنيا حياة آخرة. وهذه الرؤية الكلية تؤثر –لا شك- حتى في سلوك الإنسان اليومي, في أفعاله, في توجهاته, في رغباته, في إقدامه وفي إحجامه.

صلة علم التوحيد بعلم أصول الفقه وبداية سؤال تطبيق الشريعة

هذا الكلام له اتصال وثيق بأصول الفقه, وله اتصال وثيق بنظرية الحُجِّية. فمن هنا كان استمداد الأصول (أصول الفقه) بدايةً من علم الكلام أو علم التوحيد. إن المنطلق الذي انطلق الأصولي منه ليسأل نفسه كان مقرَّرًا, وقد انتهى منه في علم آخر؛ هو علم التوحيد.

فسأل الأصولي نفسه -بعد أن اقتنع, وبعد أن استقر في وجدانه ما سبق- تساءل: كيف أطبِّق شريعة الله U؟

تمييز الأصولي بين الجمل الحسية وأحكام الواقع المدركة بالحواس

فكَّر الأصولي.. فوجد أن أمامه نصوصًا تشتمل على جمل أو كلام. تلك الجمل مكونة من "نِسب" سواء منها ما أصدقه أو لا أصدقه، كـ"الماء بارد", و"النار محرقة"، و"الشجرة مثمرة". سأل نفسه: من أين جاءت هذه الجمل: "ماء وبرودة، نار وإحراق، شجرة وإثمار"؟ هذه أمور محسوسة: أنا أرى، أنا أسمع، أنا ألمس فأستشعر، أنا أشم، أنا أتذوق،.. إلخ.

إذن هناك وسائل للإدراك منها الحواس الخمس؛ ولذا سموا هذه الجمل بـ"الجمل الحسية"؛ لأن "النسبة" هنا نشأت من الحس، ثم أسموها: "الأحكام الحسية"، و"أحكام" هنا تعني جُملًا.

الأحكام العقلية واستحالة اجتماع النقيضين كمثال أصولي

ولكنهم لم يجدوا كل ما يعبر عنه البشر هكذا؛ حيث وجدوا أن الإنسان دون أن يستعمل الحس، يمكن أن يتوصل بفكره، لا بإحساسه، إلى أحكام مثل أن "الكل أكبر من الجزء"، و"أن الموسَّع الكبير لا يدخل في المضيَّق الصغير، وهما على حالهما"، قال سبحانه وتعالى:

[حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ]- الآية 40, سورة الأعراف.

فهذا مستحيل فيقول العقل: إن دخول الحبل السميك الكبير- أو الجمل (الإبل) على اختلاف في تأويل الآية- في ثقب الإبرة هذا مستحيل. فتنشأ قاعدة عندي؛ وهي أن اجتماع النقيضين محال، من أين أتينا بهذه القاعدة وبأن هذا محال؟ الجواب: من العقل وليس من الحس. هذا القسم الثاني هو ما أسموه بـ"الأحكام العقلية".

الأحكام الشرعية وارتباطها بالوحي في مقابل الحس والعقل

مازال الأصولي يفكر: إذا كان الأمر كذلك، فمن أين أتينا بقولنا: "الصلاة واجبة"، و"السرقة حرام".. التي هي موضوعات علم الفقه، هل من الحس والوجود؟ هل من العقل؟ هل من الحس والعقل معًا؟ أم من شيء آخر؟ فوجد أنه من شيء آخر. ما هو ذلك الشيء؟ فوجد أنه "الوحي": من الله سبحانه وتعالىالذي قال –عز من قائل:

[أَقِمِ الصَّلاَةَ]– الآية 78, سورة الإسراء،

وقال:

[ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا]– الآية 38, سورة المائدة،

وحرَّم علينا الفواحش وأمرنا بالمعروف...وهكذا إلى آخره. فهذه الجمل من هذا النوع إنما قد أتت بـ"النسبة" التي وصفت الصلاة بأنها واجبة من الشرع، وهذه النسبة جاءت من الشرع. وهذه إذن قسم ثالث أسموه "الأحكام الشرعية".

مصادر النِسَب في الأحكام ومنهج التكرار والنظر للتحقق من المعرفة

إذًا ما هو مصدر هذه "النِسَب"؟ ما هو مصدر الأحكام؟ كيف أصل حتى أتحقق إلى أن حسِّي إنما هو حس صحيح؟ وكيف أتحقق إلى أن النتيجة العقلية هي نتيجة صحيحة؟ وكيف أتحقق من أن هذه "النسبة" التي وصفت بها أفعال البشر هي فعلًا مراد الشارع من شرعه.. كيف؟

جاء السؤال عن "كيف؟"، فقالوا في مجال "الحس" بالتكرار، وكانوا يعنون بالتكرار ما يُسمى -في منهج العلم الحديث بـ"التجربة". التكرار يشتمل على تجربة وملاحظة واستنتاج، كانوا يسمونه هكذا: "التكرار" أو الاطّراد. والحكم "العقلي" يتأتى بـ"النظر". ولكن ماذا عن "الشرعي"؟

نشأة علم أصول الفقه وتقسيم العلوم إلى حسي وعقلي وشرعي

هنا ابتدأ ينبت علم أصول الفقه ليضيف منهجًا مساويًا لمنهج إدراكنا للجُمل التي نشأت من الحس، ومساويًا لمنهج إدراكنا وتأكدنا وتثبتنا للجمل التي جاءت بالتفكر والتعقل، منهجًا يجيب عن هذه المساحة "الشرعية". أصبحت عندهم العلوم منها ما هو حسي، ومنها ما هو عقلي، ومنها ما هو شرعي، وليست هذه قسمة تفصل الدين عن الحس والعقل، بل هذا بيان لمنشأ "النسب" في الجمل المفيدة.

فَهِمَ بعض الناس -خطئًا- أن هذا التقسيم يجعل الدين في مقابل العقل فأنكر هذا التقسيم، لكن الأمر لم يكن كذلك عند علماء التراث الإسلامي. تقسيمهم للعلوم إلى حسي وعقلي وشرعي نشأ بناء على منشأ "النسبة" في الجملة المفيدة.

الحكم اللغوي ومسألة واضع اللغة في التفكير الأصولي

رأى البعض أن هناك حكمًا رابعًا؛ وهو "الحكم اللغوي": الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب.. وهكذا. فمن أين جاءت هذه النسبة؟ من واضع اللغة؟ مَن الذي وَضَعَ "الألف والسين والدال" أمام الحيوان المفترس فقيل: "أسد"؟ ومن الذي وضعَ "الميم والألف المد والهمزة" أمام هذا الذي يحدث الرِّي عند الإنسان فقيل: "ماء"؟

فيها مذاهب عند الأصوليين، سيأتي بيان عنها فيا بعد.

تمييز منهج أصول الفقه عن المنهج التجريبي في إدراك النسب الشرعية

المهم أن الأصولي فكَّر في هذه المساحة: من أين أتت هذه "النسبة"؟ وكيف أتأكد منها؟ إذا كان المراد أن يتأكد من "النسب" الحسّيّة، فعليه بالمنهج التجريبي ليدرك الوجود بالتجربة والملاحظة والاستنـتاج، وإذا كانت "النسبة" شرعية، كان عليه أن يعمل بمنهج مختلف: منهج أصول الفقه.

العلاقة بين المنهج العلمي وأصول الفقه كمناهج لإدراك الحقيقة

ونحن عند هذا الحد نتساءل: ما علاقة هذا بذاك؟ الواقع أن علاقة المنهج العلمي بأصول الفقه علاقة قوية، وهي أنهما أداتان لإدراك الوجود في صورة الحس والعقل، وإدراك الوحي في صورة الشرع، وأن الجمع بينهما يمكن من المعرفة بالوجود والوحي معًا.

والوجود والوحي مصدرا المعرفة عند المسلمين، ليس الوجود فقط وليس الوحي فقط أيضًا؛ لأن الجمل المفيدة تتكون من الحس (والعقل) وهو مرجعه إلى الوجود، ومن النقل وهو مرجعه إلى الوحي. فهناك تشابه يجمع بين هذا كله، وهو أنها مناهج للتوصل للحقيقة، مناهج للتوصل للحقيقة في مجال الوجود، ومناهج للتوصل للحقيقة في مجال الوحي.

أصول الفقه كمنهج مكافئ للتجربة وظهور الحاجة إلى مرجعية نهائية

علم أصول الفقه هو المنهج الذي يوازي المنهج التجريبي في عالم الفيزياء، فأصول الفقه هو منهج المسلمين في الوصول إلى الحقيقة أو الحق في مجال الوحي.

فكيف بدأ الأصولي "تفكيره الشرعي أو تفكيره في موضوعه وهو الشرع"؟ لقد رأى بداية أنه لابد أن يكون له مرجعية. وما معنى المرجعية؟ المرجعية معناها أن أقبل الشيء وأجعله في ذاته برهانًا لا يحتاج هو إلى برهان آخر.

مشكلة التسلسل والسفسطة وأهمية التسليم بمرجعية ثابتة

لابد –بدايةً- من مرجعية نسلم بها وإلا وصلنا إلى شيء غير معقول من "التسلسل". والذي يمضي في المعقولات مع التسلسل لا يصل إلى شيء، يصل إلى متاهة لا إجابة فيها عن أي سؤال. وهذه هي السفسطة: أن الأشياء ليس لها حقائق ثابتة.

وبناء على السفسطة ينبغي علينا أن نسأل دائمًا: من خلقنا؟ الله، إذًا فمن خلق الله؟ وهكذا... فيصبح تسلسلًا.

تعيين الكتاب والسنة كمرجعية عليا وحجة نهائية في الأحكام

فكَّر الأصولي وقال لنفسه: من أين هذه النسبة؟ ووجد أن هذه النسبة موجودة في مصدرين أساسين: الكتاب والسُّنة. قال: إذًا فـ"الكتاب" لابد علينا من أن نعتبره مرجعًا، حُجة، فيكون مهيمنًا علينا، ويكون المرجع الأخير والحُجة النهائية التي بها يقف التسلسل، وكذلك السُّنة.

انفجار الأسئلة حول ماهية الكتاب والسنة وبدء تحديد الحجة

وابتدأ البحث في هذه الأدلة، في هذه الحُجِّيَّة، فقال: إذًا فما "الكتاب" هذا؟ وما هي صفاته؟ وكيف نُقِل إلينا؟ وما مرتبته مع الدليل الثاني؟ وما الحال إذا حدث بينهما تعارض؟ وما هي السُّنة؟ وما هي أنواعها وأقسامها؟ وكيف نتأكد منها؟ وكيف نستفيد منها؟ ثورة من الأسئلة تفجَّرت في ذهن الأصولي لتحديد معنى هذا الذي قد صيَّره حُجة، والذي آمن بأنه كان سببًا ومصدرًا للنسبة في الجمل الشرعية، التي فيها المبتدأ هو "فعل إنسان" وفيها الخبر هو "حكم من أحكام الله U".

التعريف الأصولي للكتاب ككلام الله المنزل المتواتر المتحدى بسورة

فعرَّف الكتاب بأنه "كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المنقول إلينا بالتواتر بين دفتي المصحف المتحدى بأقصر سورة من سوره". وفي هذا التعريف كل لفظة تسمى - لدى واضعي التعريف وأهل المنطق- "قيدًا"؛ بمعنى أن كل لفظة لابد وأن يكون لها معنى وسبب وفائدة، إما أنها تُدخل في التعريف أفراد هذا المعرَّف، أو أنها تمنع من دخول غير المعرَّف في مساحة التعريف؛ حتى يكون التعريف -كما يقول المناطقة- جامعًا مانعًا؛ أي جامعًا لأفراده، مانعًا من دخول غيره فيه، فيكون تحديدًا حادًّا؛ ولذا سمى "حدًا".

ولفظة "كلام" تحدد نوعية التعريف، ويأتي لفظ الجلالة الله ليحدد ما يدخل فيه: إنه كلام منسوب إلى الله سبحانه وتعالى، فيخرج منه كلام الملائكة وكلام الرسول وكلام البشر وكلام الأئمة وغير ذلك من الكلام. و"كلام الله سبحانه وتعالى" قائم بنفسه؛ أي إنه صفة من صفاته، ولكن كلمة "المنزَّل" جعلت القرآن هو ما بين أيدينا؛ أي الذي أنزله الله U على رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وبلَّغ به البشر.

تمييز القرآن عن سائر كلام الله وسبب التحدي بأقصر سورة لا آية

ثم يأتي قيد وتحديد آخر للكلام المنزل بأنه الكلام الذي "نزل على محمد صلى الله عليه وسلم"؛ ليخرج منه كلامالله الذي أنزل على غيره من الأنبياء. ثم يأتي قيد آخر لتحديد دائرة الكتاب؛ وهو أنه "المتحدى بأقصر سورة من سوره"، فهو بذلك يُخرِج الأحاديث القدسية من المقصود، فهي كلام الله سبحانه وتعالى أيضًا، ونزلت على محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

ولكن لماذا قال "أقصر سورة" ولم يقل "أقصر آية"؟ قالوا: لأن أقصر آية ليست ليُتحدى بها، لأنها قد تشتمل على كلمة واحدة مثل قوله سبحانه وتعالى:

[مُدْهَامَّتَانِ]- الآية 64, سورة الرحمن،

وهنا لا يكون هناك نظم يتحدى بمثله سوى القرآن، والكلمة الواحدة قد لا يؤخذ منها نظمًا، فلابد أن يكون التحدي كاملًا، وكما يقول سبحانه وتعالى:

[فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ]– الآية 13, سورة هود،

ويقول سبحانه وتعالى:

[ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ]– الآية 23, سورة البقرة،

ولم يقل فأتوا بآية، فالمتحدى به هو السور.

معنى التواتر في نقل القرآن وكونه طريقًا لليقين بالنص

وكلمة "المنقول إلينا بالتواتر" تعني "المنقول إلينا يقينًا"، ولكن ما معنى التواتر؟ التواتر: يعني "نقل الجم الغفير عن الجم الغفير ممن يستحيل تواطؤهم على الكذب في كل طبقة إلى منتهاه". فالرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم سمع منه القرآن جم من الصحابة يستحيل أن نتصور أنهم يتواطئون على الكذب، وهذا هو الذي يُحدث اليقين عند الإنسان.

التواتر والموضوعية وإمكان تواطؤ الجماعات الكبيرة على الكذب

والتواتر هذا أخذه أرباب المنهج التجريبي؛ فهم عندما يعتمدون على رواية حتى يصلوا إلى ما يسمونه الموضوعية. والموضوعية عندهم "هي ما كان خارج الذات". وحتى يصلوا إلى هذا ينبغي عليهم أن يبحثوا عن شيء يمنع الاتفاق على الكذب. علماء الحديث المسلمون قالوا إنه من الممكن أن يتفق الجم الغفير على الكذب، وهذا مُشاهد.

فمثلًا إذا ما حل الوباء في أرض معينة، وخاف أهلها من تأثر التجارة فيها، فإنهم قد ينكرون وجود الوباء؛ خوفًا من تعطل المصالح. وهذا حدث في الهند، فقد انتشر فيها الطاعون، لكنهم أنكروا الأرقام الحقيقية. ومثلًا تشكك المؤرخون في وجود مجنون ليلى؛ لأن بني عامر كانوا كلما سألهم أحد من الناس عن المجنون أنكروه؛ فهم يعتبرونها إهانة للقبيلة.

شروط التواتر الحقيقي وتطبيقه على نقل المصحف والقراءات

إذن من الممكن أن جماعة كبيرة من الناس قد تتفق على الكذب خوفًا على عقائدها أو شرفها أو مصالحها؛ لذا لابد من التأكد أن الجم الغفير قد وصل إلى مرحلة من اختلاف الأحوال والأشخاص والأزمان والأماكن... وهكذا، بما يستحيل معه أن يتواطأ مثلهم على الكذب، وأن يكون هذا الجم الغفير قد نقل ما يروونه إلى جم غفير آخر، ثم إلى الجيل الذي بعده، فالذي بعده إلى منتهاه.

وهذا التواتر موجود في نقل القرآن الكريم؛ لأنه نُقل إلينا بهذه الطريقة بقراءات مختلفة وصلت إلى عشر قراءات، سمعوها كلها من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بهذا الترتيب الذي في المصحف. وسمع منه هذا أكثر من مائتي صحابي، ونقلوه إلى التابعين، الذين نقلوه إلى تابعي التابعين.

وهكذا ينتقل القرآن عبر الأجيال من أناس كثيرة عن أناس كثيرة عن أناس كثيرة، إلى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كلهم قد سمعوا القرآن. فالذي نتأكد منه تأكدًا يقينيًا - ليس فقط كمسلمين، بل كل العالمين- أن هذا المصحف هو الذي صدر عن محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ بغض النظر عن الإيمان بأن هذا المصحف يحتوي على كلام الله أو عدم الإيمان, ولكن لا يمكن لعاقل أن ينكر أنه الكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأنه الكتاب الذي كان بين أيدي الصحابة الذين سمعوه، لأنا قد نقلناه عنهم متواترًا؛ أي شائعًا ومستفيضًا استفاضة تجعل الإنسان مطمئنًا إلى هذا المصدر؛ فالعلم المتواتر هو من أنواع العلم الضروري.

اختلافات القراءات العشر السبعية في الحذف والإثبات والأداء

هذه القراءات العشرة يختلف بعضها عن بعض في سبع قضايا هي الحذف والإثبات، والتقديم والتأخير، والإعراب والشكل، وفي الأداء. فنجد في قراءة ابن كثير وصلات ليست موجودة عند حفص وكلتا القراءتين قرأهما رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أو قد نجد قراءة تشدّد حرفًا وقراءة أخرى لا تشدده: مثل قوله سبحانه وتعالى:

[حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا] أو [ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا]- الآية 110, سورة يوسف.

أو قد نجد اختلافًا في الحروف كما في قوله سبحانه وتعالى:

[إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا] أو [ إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَثَبَّتُوا]- الآية 6, سورة الحجرات،

فهيكل الكلمة واحد ولكن ما اختلف هو عدد النقط وكلتا القراءتين قد وردتا. أما الأداء فكالمد بإمالة والمد بغير إمالة.. وهكذا.

قصر حجية الكتاب على المتواتر واستبعاد القراءات الشاذة

بعض هذه الراويات متواتر، والبعض الآخر غير متواتر، فما الذي نأخذ به وما الذي نتركه؟ هذا هو التساؤل الذي عنى به الأصولي؛ حيث أراد أن يحدد تحديدًا دقيقًا ما هو الكتاب؟ فقصره على ما هو متواتر، وأخرج بذلك القراءات الشاذة منه، مثل

[أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا] مقابل قوله سبحانه وتعالى: [أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا]- الآية 16, سورة الإسراء،

أو مثل

[وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْت]ِ مقابل قوله سبحانه وتعالى: [وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ]- الآية 19, سورة ق..

وغير ذلك من القراءات. فالذي نُقل بالتواتر هو ما يُعد حجة لدى الأصولي. ولكن يأتي السؤال التالي: ماذا عما نقل إلينا من غير طريق التواتر؟ هذا ما سيظهر في تعرضنا لقضية الثبوت.

فائدة تحديد معنى الكتاب وصفاته التي تجعله حجة مطلقة

هكذا تكلم الأصولي في تحديد معنى "الكتاب"، وهذا التحديد تبرز فائدته في أنه يبين مرجعيته ويبين المصدر الذي سيأخذ منه، والتي سيكون فيما بعد منبع مسائل الفقه؛ لذا نجده يهتم بتعريفه أيما اهتمام، بل قد نجده يفرد الصفحات له. ثم يتساءل الأصولي: ما هي صفات هذا "الكتاب"؟ ولماذا يعد حُجَّة؟ فقالوا إن هذا الكتاب كلام الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى صادق

[وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا]- الآية 87 سورة النساء،

وهو سبحانه وتعالى لا ينسى:

[لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى]- الآية 52, سورة طه،

[وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا]- الآية 64, سورة مريم.

وهذه الألفاظ يوحي الله سبحانه وتعالى بها إلى رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

[هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ]- الآية 7, سورة آل عمران،

وهذا الكتاب معجز وهو محفوظ ومعصوم:

[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ]- الآية 9, سورة الحجر،

[ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ]- الآية 42, سورة فصلت.

تجربة المعهد الألماني في مخطوطات المصحف وإثبات حفظ القرآن

هذه الصفاتّ تؤهِّل الكتاب لأن نأخذ به ومنه باطمئنان. فهذا الكتاب نقل إلينا كما نزل وزاد الأمر تأكيدًا قول الله:

[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]- الآية 9, سورة الحجر.

وهذه الآية ظلت تثْبُت دائمًا عبر القرون إلى يومنا هذا. قبل الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال, رصد في ألمانيا مبلغ ضخم لعدد كبير من المبشرين لإثبات تحريف القرآن، وأنشئ معهد في برلين أوكلت إليه مهمة تتبع نُسخ المصحف عبر كل زمان ومن كل مكان، وجمع لهذه المهمة نحو أكثر من ثلاثين ألف مخطوطة من المصحف الشريف من القرون الإسلامية الأولى إلى عصرنا هذا، ومن كل مكان (من الأندلس حتى إندونيسيا)، وتكونت لجنة من الفنيين والخبراء لإيجاد اختلافات بين تلك النسخ، عبر هذا الزمان الطويل والمساحة الشاسعة من مختلف بقاع العالم الإسلامي، وظلوا في هذا العمل سنوات طويلة، وبعد أن انتهوا من ثلاثة أرباع العمل لم يجدوا خطأ واحدًا أو اختلافًا بين المصاحف، إلا ما كان من اضطراب يد أو من سهو من ناسخ، ولكن كل النسخ بمختلف مواقعها وأزمانها اتفقت دون أي مغايرة؛ فأصدر الألمان تقريرًا يؤكد أنه لا اختلاف بين هذا العدد الضخم؛ برغم اختلاف الأزمان وأماكن النسخ.

وهذا يؤكد أن هذا "القرآن العظيم" لم يشهد تحريفًا قط، ويشير إلى هذه الحادثة الدكتور حميد الله في مقالة له في مجلة "الأمة"، وقال إن هذا المعهد بكل المخطوطات التي فيه –وحتى الباحثين-ضرب عند قيام الحرب.

مقارنة حفظ القرآن بتحريف الأناجيل وقصة المهتدي الباحث عن المرجعية

وهكذا ظل هذا الكتاب العَجَب محفوظًا ولم يحرَّف، بخلاف كتب الأقوام الأخرى التي تم التلاعب بها وحُرِّفت في كل مذهب. فالإنجيل -مثلًا- النسخة القديمة الموجودة منه هي نسخة يونانية، وعيسى عليه السلام لم يكن متكلمًا باليونانية، ولا حتى الحواريون، فقد كان بعضهم يتكلم العبرية، والبعض الآخر يتكلم السُّريانية، فمن أين أتت هذه الترجمة؟ ومَن المترجم؟ لا أحد يعرف الإجابة على هذه الأسئلة، ولا حتى نعرف أين الأصل الذي نرجع إليه عند الخلاف.

وحتى الترجمة اليونانية جرى التلاعب بها حتى يومنا هذا في كل اللغات، حتى وصل الأمر في عصرنا هذا إلى أن كل طائفة تصنع لها إنجيلًا يغيرون فيه ما يشاءون... وقد كنت في الثمانينيات قابلت رجلًا كان مسيحيًا وأسلم، فسألته: ما الذي جعلك تهتدي للإسلام؟ فأجاب:

وجدتُ أنه ليس لي كتاب، فالكتاب الذي بين أيدينا ليس موثقًا، وحين نحتاج إلى التفسير نذهب إلى البابا، فوجدت أنني هكذا أتبع البابا وليس عيسى عليه السلام، فبحثتُ عن دين له مرجع وله نهاية، فوجدت أنه لا يوجد دين على الأرض له مرجعية إلا الإسلام فأسلمت.

الذي قاله هذا الرجل هو كلام الأصوليين. وهذا هو معنى حجية الكتاب عندهم، فالذي حرَّكه هو أن هناك مرجعًا.

رحلة مارتن لنج نحو الإسلام بحثًا عن البركة والمرجعية الأصلية

وقضية المرجعية قد حركت أحد كبار الشخصيات الإسلامية الإنجليزية قبل إسلامه، حرَّكه ما أسماه هو بالبَركة، للبحث والتحرّي حتى دخل الإسلام، هو الشيخ أبو بكر سراج الدين أو مارتن لنج سابقًا الذي نال جائزة الدولة المصرية التقديرية على كتابه في السيرة النبوية.

ففطرته دفعته إلى أنه لابد أن يكون هناك أصل ومرجعية، وهذه المرجعية وجد أنها لا تتوافر في الدين البروتستانتي الذي كان يتبعه؛ فمد ببصره إلى مذاهب أخرى. فوجد في الكاثوليكية مراده أو المرجعية المصدرية (البركة التي يبحث عنها) حيث يرجعون في أصولهم إلى بولس الرسول، فاعتنق الكاثوليكية، إلا أنه عاد ورأى أنه إذا كان بولس مرجعية، إلا أنه ليس المصدر النهائي وليست الصلة بينه وبين المصدر محل ثقة. فإذا زعم بولس أنه رأى يسوع على سبيل المعجزة، إلا أنه لم يصحبه، ولم يصاحب أحدًا من الحواريين، وبالتالي تسقط قضية المصدرية والمرجعية النهائية لديهم؛ قتراجع عن الكاثوليكية واتجه إلى الهند علَّه يعثر على تلك البَركة في البوذية.

لكنه -وأثناء مروره بمصر عائدًا إلى بلاده- التقى ببعض علماء الإسلام الذين قالوا له إن الإسلام هو الوحيد الذي لديه المصدر، فدخل الإسلام وأصبح الشيخ أبا بكر سراج الدين.

ترسخ الشعور بالمرجعية وحجية القرآن ثم الانتقال لحجية السنة

هذا هو الشعور الذي تولد عند الأصوليين فجعلوا الكتاب حجة، وقد وجدوا القرآن محفوظًا ومعصومًا فاطمأنت قلوبهم إلى أن يجعلوا القرآن حُجّة، وتكلموا عن كل هذا في أصول الفقه.

ولما نظروا في هذا المرجع وجدوا:

[قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ]- الآية 54, سورة النور،

ووجدوا فيه:

[وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا]- الآية 7, سورة الحشر،

ووجدوا:

[وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ]- الآية 44, سورة النحل،

ووجدوا:

[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]- الآية 21, سورة الأحزاب.

فقالوا بحجية السُّنة تأسيسًا على حجية القرآن الذين جعلوه بالعقل والنقل حُجَّة. وعندما نتعرض لنظرية الثبوت سيتضح كيف نقلت إلينا السُّنة، ومنهاج العلماء في هذا الشأن.

نظرية الحجية وجعل الكتاب والسنة مصدرًا للنسبة الشرعية

المهم أنهم -في نظرية الحُجِّية- جعلوا من الكتاب ومن السُّنة حُجَّة لإنشاء النسبة في الجملة الشرعية، التي نصف فيها أفعال الإنسان بأحكام الله U. ولما كانت قضية الحجية تعني في الذهن -فيما تعني- قضية الأدلة، والتي ترتبط بدورها بقضيتي الإجماع والقياس، فإن من الضروري التعرض الموجز لنشأة الإجماع والقياس عند الأصوليين. فالنظريات لم تُبنَ منفصلة أو متباعدة، بل استدعى بعضها البعض، وتقاطعت في مساحات واسعة.

ظنيات الدلالة في ألفاظ القرآن وأثرها في نشأة فكرة الإجماع

فالأصولي عندما استقرت لديه حُجية الكتاب والسُّنة نشأ لديه تساؤل هو: كيف يفهم هذه الحُجَّة؟ وهنا كان عليه فهم ألفاظ وتركيبات هذه اللغة وخصائصها ومميزاتها. ولكنه وجد -عندما تعرض لآيات وألفاظ القرآن- أن هناك أمورًا ظنية الدلالة وأمورًا قطعية الدلالة، وأن المشاكل والاختلافات تظهر في الأمور الظنية، فاللفظ يحتمل الكثير من الدلالات، التي قد يكون بعضها خطير ومؤثر في الشرع والعبادات.

فعلى سبيل المثال يقول الحق (سبحانه وتعالى):

[إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ]- الآية 6, سورة المائدة.

وإذ ما طبقنا القواعد اللغوية على الآية نجد أن ظاهرها قد يدل على أن الواجب أن نقوم إلى الصلاة ثم نتوضأ بعدها، فيكون الوضوء بعد الصلاة. لكن اللغة أيضًا تقرر أن الآية تدل على أننا إذا "أردنا القيام" إلى الصلاة فلنغسل، إذن الغسل هنا يأتي بعد الإرادة وقبل الصلاة، إذن فأنا يمكن أن أفهم المعنيين من الآية؛ ومن ثم فهذه الآية ظنية الدلالة؛ يختلف الناس حولها.

دور الإجماع في تحويل الظني إلى قطعي ومنع هدم أصول الدين

هنا تساءل الأصولي: كيف يحدث هذا؟ وكيف تظهر خلافات في مثل هذه الأمور المهمة؟ وما الذي يفصل فيها بوضوح؟ إن أمر الوضوء قبل الصلاة أمر "متفق عليه"، ولو فتحنا هذا الباب (باب الظنيات بدون حاسم) لانهدم الدين، ولما بقي فيه حكم ثابت مطلقًا. فانتهى الأصولي إلى القول بالإجماع، وقال إن هذا الأمر "متفق عليه"؛ حيث إن مثل تلك الأمور -وإن تعددت دلالات الآيات التي تتناولها وكذلك الأحاديث النبوية- إلا أنها أمور متفق عليها.

وبالتالي فالاتفاق لابد أن يؤثر في الحجية، فيؤثر في الظنية فيحولها إلى قطعية. ومحل هذا التأثير هو (الحجة: الكتاب والسُّنَّة) وحينئذ احتاج الأصولي إلى دليل الإجماع، وعرَّفه بأنه "اتفاق المجتهدين من أمة محمد في عصر من العصور على أمر من الأمور".

الإجماع ككاشف عن الدليل وأثره في منع التلاعب بالنصوص

ولكن لماذا احتاج الأصولي إلى الإجماع ولديه الكتاب والسُّنة؟ وما موقع الإجماع كحُجة إزاء هذين الأصلين؟

قالوا: إذا كان الإجماع ليس منشئًا للحكم (النسبة) الذي ينشئه الكتاب والسُّنة، إلا أنه كاشف عن دليل في الكتاب والسُّنة، وتنبع الحاجة إليه من الحاجة إلى قطع دابر التحريف في الدين بتحويل الظني إلى قطعي لا يقبل المفاصلة. فنقول يجب على المسلمين الوضوء قبل الصلاة بقول بالآية, وبقول الرسول الكريم وحديثه، ثم نقول: وبالإجماع على هذا بما يقطع الظنية ويثبت الحجية.

فقد يقول أحدهم إن السجود في الصلاة يكون قبل الركوع لقوله سبحانه وتعالى:

[وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ]- الآية 43, سورة آل عمران،

فيحتج بتقديم الله السجود على الركوع، وبقول رسوله الكريم سبحانه وتعالى:

(ابدؤا بما بدأ الله به) ,

فيحتجّ بذلك ليقول إن السجود قبل الركوع، وهكذا سنهدم الدين... فلجأ الأصولي إلى الإجماع حتى يمنع النزاع في مثل هذه الحالات، وحتى لا يجعل من المنهج المنضبط الذي قام بتطويره وساطة للوصول إلى أشياء غير منضبطة.

أهمية الإجماع في منع الجدل العقيم رغم استمرار خلافات تفسيرية

ولعل أن بقاء الاختلاف حول تفسير بعض الآيات وكذلك بعض الأحاديث، والذي يؤدي إلى تعدد واختلاف الأحكام والآراء الفقهية حولها, لعل ذلك دليل على أهمية الإجماع كمانع للاختلاف، وأداة لإظهار غرض ومقاصد الشريعة، ومثل ذلك الاختلاف حول قوله سبحانه وتعالى:

[أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ]- الآية 6, سورة المائدة،

والذي يؤدي إلى الاختلاف حول تفسير "وإذا لامستم" إلى اختلاف حول ما إذا كان لمس المرأة يفقد الوضوء أم لا؟ وكذلك الاختلاف حول:

[وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ]- الآية 228, سورة البقرة

هو اختلاف حول تفسير "قروء": هل هي ثلاثة شهور، أم ثلاثة حيضات؟

هذا الاختلاف لم ولن ينتهي لعدم توافر الإجماع بين العلماء، وهكذا يتضح مدى أهمية الإجماع في منع الاختلاف حول أسس وقضايا الدين، ومن ثم حمايتها من الانحطاط إلى درجة الجدل الذي لا طائل منه؛ فالإجماع يوجه مسار البحث في هذه القضايا نحو الجادة ويمنعه من الوصول إلى درجة الهزل.

المعلوم من الدين بالضرورة والعلم الضروري وأنواعه الستة

والحديث عن الإجماع ينقلنا إلى قضية أخرى؛ وهي قضية "المعلوم من الدين بالضرورة"، وعلاقتها بقضية الإجماع، وما الفارق بين الأحكام التي تعد من المعلوم من الدين بالضرورة، وتلك التي تؤخذ بالإجماع؟

بدايةً، يتميز المعلوم من الدين بالضرورة عن حكم الإجماع بأن الأول ينبني على "حُجَّة عقلية" تتمثل في العلم الضروري الناشئ عن التواتر. والعلم الضروري ستة أنواع هي: "المتواترات، والحسيات، والحدسيات، والتجريبيات، والبديهيات، والوجدانيات (المشاهدات الباطنية)".

هذه الستة هي التي تسبب اليقين في الإنسان، فإما أن ينتقل العلم للإنسان من خلال التواتر، أو أن يشاهده رأي العين (الحسيات). أما الحدسيات فهي الأمور المترتب بعضها على بعض، ولكن لا يمكن لنفس الإنسان إدراكها من غير تفكير؛ فمثلًا لو قلنا "إنني ممسك بشيء، فإن أنا تركته فهو لا محالة سيقع على الأرض"؛ فالعلم بأنني لو تركت الشيء وقعَ يسمى "الحدس"؛ أي إنه "وجود يقين بترتب شيء على شيء آخر"، وينبع هذا الحدس من التجارب التي يعاركها الإنسان منذ الصغر؛ فهو نتيجة أو محصلة المشاهدات والتجارب الإنسانية المتكونة لدى الإنسان منذ الطفولة.

أما التجريبيات فهي العلم الناتج عن التجارب والمشاهدات التي يدخلها الإنسان في مواقف معينة. أما البديهيات فهي مثل [1+1= 2]. فهذه أمور لا يحتاج إثباتها إلى تجربة؛ فهي أمور معلومة للكافة على سبيل التسليم. أما الوجدانيات فهي تتمثل في ما يتولد لدى الإنسان من شعور وعواطف مثل: الجوع والعطش والكراهية والحب.

ظهور فائدة القياس والإلحاق لتعميم الأحكام على النوازل

ثم ظهرت فائدة القياس؛ حيث برزت أمام الأصولي -عند تناوله للظواهر والمعاملات- الحاجة إلى تطبيق الشريعة وأحكامها في المستجدات الجزئية دون الاقتصار فحسب على المنصوص الجزئي، بل أيضًا أن تمتد إلى كافة الحالات التي تظهر فيها حِكمة الشرع، حتى لو لم تكن منصوصًا عليها.

ولما كانت نصوص الأصول محصورة (أي معدودة)، حيث إن الآيات محصورة بين دفتي المصحف لا زيادة فيها، وكذلك السُّنة محصورة؛ (ليس سوى 1800 حديث تقريبًا في الأحكام)، بينما تتعدد الحالات التي تلزم لها أحكام، والتي يمكن أن تُلحق في حكمها بالحالات المنصوص عليها، من هنا برزت أهمية الإلحاق والقياس. فمثلًا نهى صلى الله عليه وسلم عن أن يبتاع المؤمن على بيع أخيه أو يخطب على خِطبته حتى يذر أو يأذن ؛ وذلك حتى لا يؤدي هذا إلى وضع التنازع والخصام بين الناس، ثم تبرز حالة جديدة مثل "الاستئجار على الاستئجار": كأن يأتي رجل ويزيد سعر إيجار شقة أو سيارة -أو ما شابهَ- على سعرٍ قدَّمه أخ له من قبل، وهو يعقد صفقه الإيجار. هنا النص ينحصر على عقد البيع والخِطبة, ولكن ذلك لا يجعلنا ننحصر على النص؛ حيث إن الحالة هنا تُبرز الحكمة من النص؛ وهي رفع النزاع والخصام الناتج عن المزايدة على العقد، وهنا يمكن أن يتم الإلحاق؛ أي إلحاق الصورة غير المنصوص عليها بالصورة المنصوص عليها، وبالتالي تنطبق الشريعة وحُكمُها دون الاقتصار على النص.

اتفاق الأمة على حجية الكتاب والسنة ومحور الخلاف في الإجماع والقياس

والأصوليون لا يتكلمون في كتبهم عن حجية الكتاب والسُّنة؛ حيث يعدونها من المسلمات التي لا تحتاج إلى كثير نظر. ولكنهم إن استفاضوا في شيء فذلك يحدث في مواقع الاختلاف حول حجية الإجماع والقياس وغير ذلك من الأدلة المختلف حول حجيتها. فالواقع يشير إلى أن كافة المسلمين -بجميع فرقهم وعلى مر العصور- لم يختلفوا أبدًا في حجية كتابهم أو سنة نبيهم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وإن اختلفوا إلى فرق شتى.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

من هو أول من دوّن قواعد علم أصول الفقه في كتاب مخصوص؟

الإمام الشافعي

ما اسم الكتاب الذي يُعد بداية جديدة لعلم أصول الفقه ألّفه الغزالي؟

المستصفى

ما القسم الثالث من أقسام الأحكام الذي ميّزه الأصوليون إلى جانب الحسية والعقلية؟

الأحكام الشرعية

ما معنى التواتر في اصطلاح علماء الحديث والأصوليين؟

نقل الجم الغفير عن الجم الغفير ممن يستحيل تواطؤهم على الكذب

لماذا اشترط الأصوليون في تعريف القرآن التحدي بأقصر سورة لا أقصر آية؟

لأن أقصر آية قد تكون كلمة واحدة لا يظهر فيها النظم المعجز

ما الذي يميز المعلوم من الدين بالضرورة عن حكم الإجماع؟

المعلوم بالضرورة ينبني على حجة عقلية كالعلم الضروري الناشئ عن التواتر

ما موقع الإجماع من الكتاب والسنة في نظرية الحجية؟

الإجماع كاشف عن دليل في الكتاب والسنة لا منشئ للحكم

كم عدد أنواع العلم الضروري التي ذكرها الأصوليون؟

ستة

ما الذي أثبته المعهد الألماني في برلين بعد فحص أكثر من ثلاثين ألف مخطوطة من المصحف؟

أن القرآن لم يشهد تحريفًا وأن المصاحف متفقة رغم اختلاف الأزمان والأماكن

ما الفرق الجوهري بين القراءات المتواترة والقراءات الشاذة عند الأصولي؟

المتواترة وحدها تُعد حجة والشاذة خارج دائرة الكتاب

ما الحكمة من القياس في أصول الفقه؟

إلحاق الصور غير المنصوص عليها بالمنصوص عليها لاشتراكهما في العلة

ما السبب الذي دفع الأصوليين إلى اللجوء للإجماع رغم امتلاكهم الكتاب والسنة؟

لأن بعض ألفاظ القرآن ظنية الدلالة وفتح باب الظنيات دون حاسم يهدم الدين

ما الذي دفع الرجل المسيحي الذي أسلم إلى البحث عن الإسلام وفق ما ورد في المحتوى؟

وجوده أن كتابه غير موثق وأنه عند التفسير يتبع البابا لا عيسى

في كم قضية تختلف القراءات العشر عن بعضها؟

سبع قضايا

ما تعريف الإجماع عند الأصوليين؟

اتفاق المجتهدين من أمة محمد في عصر من العصور على أمر من الأمور

ما كتاب الشافعي الذي يُعد أول كتاب في علم أصول الفقه؟

كتاب الرسالة، وهو أول كتاب مخصوص دوّن فيه الإمام الشافعي قواعد أصول الفقه.

ما الفرق بين الحكم الحسي والحكم العقلي والحكم الشرعي؟

الحكم الحسي نسبته من الحواس كالماء البارد، والعقلي من التفكير كاستحالة اجتماع النقيضين، والشرعي من الوحي كوجوب الصلاة.

ما معنى المرجعية في علم أصول الفقه؟

المرجعية تعني قبول شيء وجعله في ذاته برهانًا لا يحتاج إلى برهان آخر، وهي ضرورة لوقف التسلسل اللانهائي في طلب الدليل.

ما السفسطة وكيف ترتبط بضرورة المرجعية؟

السفسطة هي القول بأن الأشياء ليس لها حقائق ثابتة، وهي نتيجة التسلسل اللانهائي في طلب البرهان، ولذا لابد من مرجعية ثابتة نسلم بها ابتداءً.

ما القيد الذي يُخرج الأحاديث القدسية من تعريف القرآن؟

قيد التحدي بأقصر سورة من سوره، فالأحاديث القدسية كلام الله ونزلت على محمد لكنها لم يُتحدى بها.

ما القيد الذي يُخرج كتب الأنبياء الآخرين من تعريف القرآن؟

قيد المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فكلام الله المنزل على غيره من الأنبياء لا يدخل في تعريف القرآن.

ما الحد الأدنى لعدد الصحابة الذين سمعوا القرآن من النبي وفق ما ورد؟

أكثر من مائتي صحابي سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقلوه إلى التابعين.

ما الفرق بين الحدسيات والتجريبيات من أنواع العلم الضروري؟

الحدسيات هي اليقين بترتب شيء على شيء آخر دون تفكير مباشر كاليقين بسقوط الشيء عند تركه، أما التجريبيات فهي العلم الناتج عن التجارب والمشاهدات في مواقف معينة.

لماذا لا يستفيض الأصوليون في الكلام عن حجية الكتاب والسنة في كتبهم؟

لأنهم يعدونها من المسلمات التي لا تحتاج إلى كثير نظر، إذ لم يختلف المسلمون بجميع فرقهم في حجية كتابهم أو سنة نبيهم.

ما الآيات التي استند إليها الأصوليون لإثبات حجية السنة النبوية؟

استندوا إلى آيات منها: قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وما آتاكم الرسول فخذوه، وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس، ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.

ما مثال القياس الذي ذكره الأصوليون في الاستئجار؟

النهي عن البيع على بيع الأخ يُقاس عليه الاستئجار على استئجاره، لاشتراكهما في علة رفع النزاع والخصام الناتج عن المزايدة على العقد.

ما مثال الاختلاف الفقهي الناتج عن ظنية دلالة لفظ قروء في القرآن؟

اختلف الفقهاء في تفسير قروء في آية المطلقات: هل هي ثلاثة أشهر أم ثلاث حيضات؟ وهذا الاختلاف لم ينته لعدم توافر الإجماع.

ما الذي يجمع بين المنهج العلمي التجريبي وعلم أصول الفقه؟

كلاهما منهج للتوصل إلى الحقيقة، الأول في مجال الوجود والحس، والثاني في مجال الوحي والشرع، والجمع بينهما يمكّن من المعرفة الشاملة.

ما الذي دفع مارتن لنج إلى ترك الكاثوليكية رغم وجود مرجعية فيها؟

وجد أن بولس الرسول الذي يرجع إليه الكاثوليك لم يصحب عيسى ولم يصاحب الحواريين، فسقطت قضية المصدرية والمرجعية النهائية لديهم.

ما الوجدانيات من أنواع العلم الضروري؟

الوجدانيات هي ما يتولد لدى الإنسان من شعور وعواطف داخلية كالجوع والعطش والكراهية والحب.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!