ما هي أنواع القياس وكيف تقوم نظرية الإلحاق على العلة الجامعة في أصول الفقه؟
القياس هو تشبيه فرع بأصل في حكم للعلة الجامعة بينهما، وأركانه أربعة: الأصل وحكمه والعلة والفرع. وأنواع القياس ثلاثة: قياس الأولى حين تكون العلة في الفرع أقوى منها في الأصل، وقياس المساواة حين تتساوى العلتان، وقياس الأدنى حين تكون العلة في الفرع أضعف. وقد وجب العمل بالقياس شرعًا لأنه يُحدث ظنًا راجحًا بحكم الله في المسائل المستجدة.
- •
كيف يواجه الأصولي محدودية نصوص الأحكام أمام وقائع الحياة المتجددة التي لا تنتهي؟
- •
النصوص الشرعية المتعلقة بالأحكام محصورة في نحو مائتي آية وثلاثة آلاف حديث، بينما الوقائع دائمة التجدد.
- •
نظرية الإلحاق نشأت من الحاجة إلى تعدية الحكم من أصل منصوص إلى فرع مستجد بواسطة العلة الجامعة.
- •
أنواع القياس ثلاثة: قياس الأولى حين تكون العلة في الفرع أقوى، وقياس المساواة حين تتساوى، وقياس الأدنى حين تكون أضعف.
- •
الفرق بين العلة والحكمة جوهري: العلة ظاهرة منضبطة يدور معها الحكم وجودًا وعدمًا، بينما الحكمة قد تخفى أو لا تنضبط.
- •
اختلاف الأئمة في علة تحريم الربا يكشف أن القياس ظني الدلالة، وإن وجب العمل به لأن الظن الراجح حجة شرعية.
- 1
الأصولي بنى منظومته عبر أربع نظريات متدرجة: الحجية والثبوت والدلالة والقطعية، مستخدمًا الإجماع أداةً لرفع الخلاف.
- 2
النصوص الشرعية المتعلقة بالأحكام محصورة العدد، بينما الوقائع متجددة، مما يفرض على الأصولي منهجًا للتعامل مع المستجدات.
- 3
الأصل في الأفعال الإباحة، والشريعة تذكر المحرمات المحصورة فقط، وما سكتت عنه يبقى مباحًا وفق استصحاب الأصل.
- 4
السنة النبوية تحدد المحرمات صراحةً وتسكت عما عداها، فيبقى المسكوت عنه كالاستئجار على أصل الإباحة.
- 5
التعارض بين استصحاب الإباحة ومقصد رفع التنازع دفع الأصوليين إلى البحث عن منهج الإلحاق القائم على العلة.
- 6
نظرية الإلحاق نشأت من إدراك العلة الجامعة بين الأصل المنصوص والفرع المستجد، وهي هنا النهي عن التنازع والخصام.
- 7
القياس لغةً هو المساواة والتقدير، وهو الآلية التي يُعدّي بها الأصولي الحكم من الأصل المنصوص إلى الفرع المستجد.
- 8
القياس تشبيه فرع بأصل في حكم للعلة الجامعة، وأركانه أربعة: الأصل وحكمه والعلة والفرع، وحكم الفرع ثمرته لا ركنه.
- 9
القياس واجب شرعًا لأنه يُحدث ظنًا راجحًا بحكم الله، ويُمكّن المجتهد من استقراء مقاصد الشريعة دون التجمد عند ظاهر النصوص.
- 10
يُحدد نوع القياس بمقارنة العلة في الفرع بالأصل: إن كانت أقوى فقياس أولى، وإن تساوت فقياس مساواة، وإن ضعفت فقياس أدنى.
- 11
أنواع القياس ثلاثة تتحدد بقوة العلة في الفرع: الأولى حين تكون أقوى، والمساواة حين تتساوى، والأدنى حين تكون أضعف.
- 12
الاحتمالات العقلية في الحكم أربعة، يُستبعد منها المحال والسكوت، فتنحصر في نعم أو لا مما يُيسّر الترجيح الفقهي.
- 13
القياس يُرجّح أحد الاحتمالين ويُحدث ظنًا راجحًا، والعمل بالظن واجب لأن الحياة تفرض موازنات واختيارات لا مفر منها.
- 14
الأصوليون يستنبطون العلة من النصوص بالتأمل في مقصود الشارع، ومثاله أن علة النهي عن قول أف هي إيذاء الوالدين.
- 15
قياس الأولى يظهر في تحريم ضرب الوالدين لقوة علة الإيذاء، وقياس المساواة في إحراق مال اليتيم لتساوي علة الضياع مع أكله.
- 16
قياس الأدنى يظهر في مسائل الربا حيث اختلف الأئمة في علة التحريم، مما أدى إلى تباين أحكامهم في الأصناف غير المنصوص عليها.
- 17
اختلاف الأئمة الثلاثة في علة الربا يُثبت ظنية القياس، غير أن الظن الراجح واجب العمل به، وقواعد القياس تبقى أكثر انضباطًا.
- 18
منكرو القياس يرون أن النصوص الشرعية كافية لمعالجة المسائل دون قياس، مستدلين بأحاديث تُوسّع معنى الخمر وتشمل كل مسكر.
- 19
الجمهور يرد على منكري القياس بأن قواعده أكثر انضباطًا، والخلاف يتجدد في دائرة الربا بين توسيع الجمهور وتضييق الظاهرية.
- 20
العلة ظاهرة منضبطة، والحكمة قد تفقد إحدى الصفتين أو كلتيهما، ومثاله الرضا في العقود الذي هو حكمة لا علة.
- 21
الألفاظ علة في العقود لظهورها وانضباطها، والقاعدة الأصولية أن الحكم يدور مع علته لا مع حكمته التي قد تتخلف.
- 22
حكمة تحريم الخمر حفظ العقل الذي هو أداة العبادة وعمارة الأرض، وهو مقصود الخالق من خلق الإنسان.
- 23
علة تحريم الخمر هي الإسكار كصفة للشيء ذاته، لا ذهاب العقل الفعلي الذي هو حكمة، فيحرم كل مسكر ولو لم يُسكر شاربه.
- 24
علة رخصة السفر هي المسافة المحددة لانضباطها وظهورها، والمشقة حكمة لا علة لتفاوتها، وهكذا يدور الحكم مع العلة لا الحكمة.
كيف بنى الأصولي منظومته الفكرية بين الحجية والثبوت والدلالة والقطعية؟
بنى الأصولي منظومته بصورة مرتبة عقلانية؛ فاهتم أولًا بنظرية الحجية لتحديد مصادر استنباط الحكم الشرعي، ثم بنظرية الثبوت لضمان صحة الأدلة دون تحريف، ثم بنظرية الدلالة لفهم النصوص بدقة. وحين وجد تعارضًا ظاهريًا بين القواعد، ابتنى نظرية القطعية والظنية، مستعينًا بالإجماع الذي يمثل الجانب القطعي في الدين لرفع الخلاف.
كم عدد آيات وأحاديث الأحكام وكيف تواجه النصوص المحصورة الوقائع المتجددة؟
آيات الأحكام لا تتجاوز المائتين من مجموع نحو ستة آلاف آية، وأحاديث الأحكام لا تتجاوز ثلاثة آلاف حديث من ستين ألفًا، وهي ما يسميها الأصوليون نصوصًا محصورة. في المقابل، الوقائع والأحوال الحياتية دائمة التجدد والتزايد، مما يستوجب البحث عن منهج يُعرِّف بحكم الله في المستجدات دون الخروج عن المنهاج الإلهي.
ما المقصود باستصحاب أصل الإباحة وكيف تتعامل الشريعة مع الأفعال المسكوت عنها؟
استصحاب أصل الإباحة يعني أن الأصل في الأفعال الإباحة، وتأتي الشريعة لتذكر المحرمات المحددة دون المباحات. وقد استدل الأصوليون على ذلك بآيات قرآنية تحصر المحرمات كقوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم)، فما سكتت عنه الشريعة من الأفعال يبقى على أصل الإباحة.
كيف تدل السنة النبوية على حصر المحرمات وبقاء المسكوت عنه على أصل الإباحة؟
دلت السنة على حصر المحرمات بتحديد ما هو محظور صراحةً والسكوت عما عداه؛ فحديث (لا يبع المؤمن على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته) حدد المحظور في البيع والخطبة، لكنه لم يذكر الاستئجار، فبقي الاستئجار على أصل الإباحة لعدم ورود تحريمه في قرآن أو سنة.
كيف يواجه الفقيه التعارض بين استصحاب الإباحة ومقصد الشريعة في رفع التنازع؟
يجد الفقيه نفسه أمام إشكال حين يُفتي بجواز التنازع على استئجار مسكن استنادًا لأصل الإباحة، بينما تربيته الشرعية تدفعه لرفض الخصام استنادًا لقوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) وقوله: (ولا تنازعوا). فتطبيق استصحاب الأصل يُفضي إلى نتيجة مغايرة لأغراض الدين، مما دفع الأصوليين إلى إلحاق الفرع بأصله بناءً على فهم العلة من التحريم.
كيف نشأت نظرية الإلحاق وما هي العلة الجامعة التي تربط الأصل بالفرع؟
نشأت نظرية الإلحاق حين أدرك الأصولي أن الجامع بين النزاع على البيع والنزاع على الاستئجار والخطبة ليس التشابه الشكلي، بل العلة المشتركة وهي إفضاء النزاع إلى الخصام المنهي عنه. فالأصل هو القضية المنصوص عليها كالبيع، والفرع هو المستجدة كالاستئجار، والحكم هو الحرمة، والعلة هي التنازع بين الناس. وجود نفس العلة في الفرع يُسوّغ إلحاقه بالأصل.
ما معنى القياس لغةً وكيف يقوم بدور الآلية في عملية الإلحاق؟
القياس لغةً من قاس يقيس، أي ساوى الشيء بغيره وقدّره به كقياس الثوب بالمتر. وفي نظرية الإلحاق، القياس هو الآلية التي يُعدّي بها الأصولي الحكم من الأصل إلى الفرع، إذ يقوم بنوع من المساواة والتقدير بين القضيتين للتحقق من وجود الجامع بينهما.
ما التعريف الاصطلاحي للقياس وما هي أركانه الأربعة في أصول الفقه؟
القياس اصطلاحًا هو تشبيه فرع بأصل في حكم للعلة الجامعة بينهما. وأركانه الأربعة هي: الأصل، وحكم الأصل، والعلة، والفرع. أما حكم الفرع فهو ثمرة القياس لا ركن من أركانه. وإذا توافرت هذه الأركان الأربعة لدى المجتهد، استطاع إلحاق حكم الأمر المستجد بالأصل بما هو مشترك بينهما من العلة.
لماذا قال جمهور الأصوليين بوجوب القياس شرعًا رغم أنه جائز عقلًا؟
قال جمهور الأصوليين بوجوب القياس شرعًا لأنه يُحدث عند المجتهد ظنًا راجحًا بأن ما توصل إليه هو حكم الله في المسألة. فالمجتهد بالقياس يقوم باستقراء الشرع وتتبع نصوصه دون الوقوف عند ظاهرها فقط، بل يتأمل حِكَم الشارع ومقاصده من التشريع، متجنبًا الوصول إلى نتائج مغايرة للمبادئ الكلية للشريعة.
كيف يُحدد الأصولي نوع القياس بحسب العلة في الفرع مقارنةً بالأصل؟
يقوم الأصولي بمقارنة العلة في الفرع بنظيرتها في الأصل، فيجد أن العلة في الفرع قد تكون مساوية لها أو أعظم منها أو أقل. وعلى هذا الأساس تنقسم أنواع القياس إلى ثلاثة: قياس الأولى حين تكون العلة في الفرع أقوى، وقياس المساواة حين تتساوى، وقياس الأدنى حين تكون أضعف.
ما هي أنواع القياس الثلاثة وما الفرق بينها من حيث العلة؟
أنواع القياس ثلاثة: قياس الأولى وهو ما كانت فيه العلة في الفرع أقوى وأظهر منها في الأصل، وقياس المساواة وهو ما كانت فيه العلة في الفرع مساوية لنظيرتها في الأصل، وقياس الأدنى وهو ما كانت فيه العلة في الفرع أقل وأدنى من العلة في الأصل. وهذا التقسيم يُثير تساؤلًا عن سبب وجوب العمل بالقياس رغم أنه يُحدث ظنًا لا يقينًا.
ما هي الاحتمالات العقلية التي يواجهها المجتهد عند الحكم على المسائل الاجتهادية؟
يواجه المجتهد أربعة احتمالات عقلية: نعم أو لا أو لا نعم ولا لا أو نعم ولا في آنٍ واحد. الاحتمال الرابع محال لأن الشارع لا يأمر وينهى في نفس الوقت، والاحتمال الثالث مؤداه السكوت وعدم القول. وبذلك تنحصر الاحتمالات المعقولة في اثنين فقط: نعم أو لا، مما يُضيّق مجال التردد ويُيسّر على المجتهد الترجيح.
لماذا يجب العمل بالظن الراجح في الفقه وكيف يُرجّح القياس أحد الاحتمالين؟
القياس يُطمئن المجتهد ويجعله يميل ميلًا شديدًا إلى أحد الاحتمالين، فينحصر الأمر في احتمال واحد يتماشى مع التربية الإسلامية ومقاصد الشرع. ووجوب العمل بالظن الراجح مبني على أن الحياة تفرض على الإنسان اختيارات وموازنات لا مفر منها، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: (سددوا وقاربوا والقصد القصد تبلغوا).
كيف يستنبط الأصوليون العلة من النصوص وما مثال ذلك في النهي عن قول أف للوالدين؟
اهتم الأصوليون بالدراسة التفصيلية لاستنباط العلة من النصوص، وتساءلوا عن مسالك إدراكها وأنواعها. ومثال ذلك قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما)؛ فالعلة هي إيذاء الوالدين، وهي موجودة بصورة أقوى في ضرب الوالدين غير المنصوص عليه، مما يجعل تحريم الضرب أولى من تحريم قول أف.
ما مثال قياس الأولى في عقوق الوالدين وقياس المساواة في مال اليتيم؟
مثال قياس الأولى: تحريم ضرب الوالدين قياسًا على النهي عن قول أف، لأن علة الإيذاء أقوى وأظهر في الضرب منها في قول أف، فيكون الضرب أولى بالتحريم. ومثال قياس المساواة: إحراق مال اليتيم قياسًا على أكله، لأن العائد على اليتيم في الحالتين واحد وهو ضياع المال، فالعلة متساوية في الأصل والفرع.
ما مثال قياس الأدنى وكيف أدى اختلاف الأئمة في علة الربا إلى تباين أحكامهم؟
مثال قياس الأدنى هو تحريم الربا في الأصناف الستة المنصوص عليها، حيث اختلف الأئمة في تحديد العلة: هل هي حفظ الأقوات أم التماثل الضامن للعدل أم المماثلة في الجنس والقدر؟ وهذا الاختلاف في تحديد العلة أدى إلى اختلاف في تحديد ما يدخل في تحريم الربا من الأصناف الأخرى، مما يُظهر أن العلة في هذا الفرع أضعف وأقل وضوحًا منها في الأصل.
كيف أدى اختلاف الأئمة في علة الربا إلى إثبات ظنية القياس مع وجوب العمل به؟
اختلف الإمام مالك والشافعي وأبو حنيفة في علة تحريم الربا: فمالك رأى أنها حفظ الأقوات الرئيسية، والشافعي رأى أنها التماثل الضامن للعدل في المطعومات، وأبو حنيفة رأى أنها المماثلة في الجنس والقدر. هذا الاختلاف يُثبت أن العلة في القياس ظنية تُستنبط بالاجتهاد، وإن وجب العمل بها لأن الظن الراجح حجة شرعية.
ما حجج منكري القياس في مسألتي الخمر والمسكرات وإحراق مال اليتيم؟
يرى منكرو القياس أن قياس النبيذ على الخمر لا حاجة إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل مسكر خمر وكل خمر حرام)، فأصبح للخمر معنى اصطلاحي شرعي يشمل كل مسكر. وفي مال اليتيم يرون أن الحرق ينطوي على إثمين لا إثم واحد، وأن لفظ الأكل في اللغة العربية يشمل الإهلاك أصلًا، فلا حاجة للقياس.
كيف يرد جمهور الأصوليين على منكري القياس وأين يتجدد الخلاف بينهما؟
يرى الجمهور أن الخلاف مع منكري القياس قد يكون لفظيًا في بعض المسائل، لكن قواعد القياس أكثر انضباطًا وتفصيلًا. ويتجدد الخلاف الحقيقي في مسائل كتحديد دائرة الربا؛ إذ يرى الجمهور أن الربا حرام في المعاملات التجارية الثنائية كلها، بينما يحصره الظاهرية في الأصناف الستة المنصوص عليها فقط. ويؤكد الجمهور أن قواعدهم في القياس أقرب لمنهج الله ورسوله لأنها تبحث عن المقاصد والعلل.
ما الفرق بين العلة والحكمة في أصول الفقه وما شروط كل منهما؟
العلة تتميز بصفتين: أنها ظاهرة يمكن رؤيتها والشهادة عليها، وأنها منضبطة واضحة محددة لا اختلاف فيها. أما الحكمة فقد تكون ظاهرة دون أن تكون منضبطة، أو منضبطة دون أن تكون ظاهرة. ومثال ذلك الرضا في عقود البيع؛ فهو حكمة لا علة لأنه في القلب فلا يُرى، وغير منضبط لأنه يتفاوت من شخص لآخر.
لماذا تُعدّ الألفاظ علةً في العقود وما قاعدة دوران الحكم مع علته لا مع حكمته؟
الألفاظ في العقود كـ(بعتك) و(اشتريت) تُعدّ علةً لأنها ظاهرة يمكن الشهادة عليها ومنضبطة محددة، بخلاف الرضا الذي هو حكمة لأنه في القلب ولا ينضبط. ومن هنا استخلص الأصوليون قاعدة مهمة: الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته لا مع حكمته، فقد تتخلف الحكمة ويظل الحكم الشرعي ساريًا لوجود علته.
ما حكمة تحريم الخمر في الإسلام وكيف ترتبط بمقصود الخالق من خلق الإنسان؟
حكمة تحريم الخمر أنها تُذهب العقل المنوط به العبادة وعمارة الكون، وهو مقصود الخالق من خلق الإنسان كما في قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقوله: (إني جاعل في الأرض خليفة). فالخمر تنتفي معها العبادة لقوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)، وتضعف قدرة الإنسان على استعمار الأرض وخلافة الله فيها.
ما علة تحريم الخمر وهل يحرم شرب ما لا يُسكر منها؟
علة تحريم الخمر هي الإسكار، وهو صفة للشيء ذاته لا لمستعمله، بمعنى أن الشيء في ذاته مسكر سواء أسكر البعض من قليله أم لم يُسكروا. أما ذهاب العقل الفعلي فهو حكمة لا علة. ولذا فمن يشرب كأسًا دون أن يقع في السكر يكون شربه حرامًا قطعًا، لأن الحكم يدور مع العلة وهي الإسكار لا مع الحكمة وهي ضياع العقل.
ما علة رخصة قصر الصلاة والإفطار في السفر وما الفرق بينها وبين حكمتها؟
حكمة رخصة قصر الصلاة والإفطار في السفر هي المشقة، لكنها غير منضبطة لأنها تتفاوت باختلاف الأجساد والمسافات والأزمان ووسائل السفر. أما العلة فهي المسافة المحددة وهي 89 كيلومترًا، لأنها ظاهرة ومنضبطة يمكن قياسها بمقياس واحد دقيق. وبذلك تتحقق القاعدة الأصولية: الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته وهي المسافة، لا مع حكمته وهي المشقة.
أنواع القياس الثلاثة — الأولى والمساواة والأدنى — هي آلية الإلحاق التي تُعدّي الحكم من الأصل إلى الفرع بواسطة العلة الجامعة الظاهرة المنضبطة.
أنواع القياس في أصول الفقه ثلاثة تتحدد بحسب قوة العلة في الفرع مقارنةً بالأصل: فقياس الأولى تكون فيه العلة في الفرع أقوى كتحريم ضرب الوالدين قياسًا على النهي عن قول أف، وقياس المساواة تتساوى فيه العلتان كإحراق مال اليتيم قياسًا على أكله، وقياس الأدنى تكون فيه العلة في الفرع أضعف كما في مسائل الربا المختلف فيها.
يقوم القياس على أربعة أركان: الأصل المنصوص وحكمه والعلة الجامعة والفرع المستجد. والعلة يشترط فيها أن تكون ظاهرة منضبطة، وهو ما يميزها عن الحكمة التي قد تخفى أو لا تنضبط؛ ولذا يدور الحكم الشرعي وجودًا وعدمًا مع العلة لا مع الحكمة، كما في تحريم الخمر الذي علته الإسكار لا ذهاب العقل الفعلي، وكرخصة السفر التي علتها المسافة المحددة لا المشقة المتفاوتة.
أبرز ما تستفيد منه
- أنواع القياس ثلاثة: الأولى والمساواة والأدنى، تتحدد بقوة العلة في الفرع.
- أركان القياس أربعة: الأصل وحكمه والعلة والفرع.
- العلة ظاهرة منضبطة، والحكمة قد تخفى أو لا تنضبط.
- الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته لا مع حكمته.
- القياس واجب شرعًا لأنه يُحدث ظنًا راجحًا بحكم الله في المستجدات.
تدرج بناء منظومة الأصولي بين الحجية والثبوت والدلالة والقطعية
لقد رأينا كيف فكّر الأصولي بطريقة عقلانية مرتبة، فاهتم بنظرية الحُجّية؛ المصادر البحثية التي يستطيع أن يستنبط منها حكم الله سبحانه وتعالى في الواقع أو الوقائع؟ وفي اهتمامه بنظرية الحجية وجد لزامًا عليه أن يهتم بنظرية الثبوت: كيف تثبت تلك الأدلة والحجج والمصادر من غير تحريف ولا تبديل؟ وكيف نطمئن إلى ذلك الثبوت؟ ثم إذا ما اعتبرنا بحجية المصدر واطمأننا إلى ثبوته، فكيف نفهم هذه الأدلة؟ وهي مرحلة ثالثة، فبنى بذلك نظرية الدلالة بمكوناتها الدقيقة ليفهم النص الذي بين يديه.
ثم رأى أن تعارضًا ظاهريًا سيقع بين تلك القواعد، فابتنى نظرية القطعية والظنية التي استطاع بها -لا سيما من مدخل الإجماع- أن يتبين طريقه في مساحة كبيرة متشاكلة مما هو ظني أو قطعي في الثبوت والدلالة، ليصل إلى أداة رفع الخلاف؛ وذلك من خلال الإجماع الذي يشكل الجانب القطعي في الدين.
محدودية آيات وأحاديث الأحكام وكونها نصوصًا محصورة
وما كان مراد الأصولي إلا أن يلتزم منهج الله سبحانه وتعالى في التشريع ولا يخرج عنه؛ حيث إن النصوص الشرعية المتعلقة بالأحكام محدودة في الآيات والأحاديث المعدودة، (فآيات الأحكام لا تتجاوز المائتين من مجموع نحو ستة آلاف ومائتين وست وثلاثين آية، وأحاديث الأحكام لا تتجاوز ثلاثة آلاف حديث من مجموع ستين ألفًا، والباقي يقع في أبواب العقائد والأخلاق). هذا النص (الآيات والأحاديث) -سواء المجموع الإجمالي أو ما يختص بالأحكام- محدود ومعدود له عدد وحَصْر، أو كما يطلق عليها الأصوليون هي "نصوصٌ محصورة"، في حين أن الوقائع والأحوال الحياتية دائمة التجدد والتزايد والتغير، وفِعل الإنسان في هذه الوقائع والأحوال يحتاج أن ننظر فيه لنعرف حكم الله سبحانه وتعالى فيه أو في مثله؛ حتى لا نخرج من المنهاج الإلهي (الشرعي) في الحكم على الأفعال.
التردد بين استصحاب أصل الإباحة وبين منهج الإلحاق
وهنا، يجد الأصولي نفسه بين أمرين: الأول- هو القول باستصحاب الأصل، والثاني هو الإلحاق. فلو فرضنا أن الله سبحانه وتعالى قد أباح لنا- بأصل الخلق- جميع أفعالنا سواء كانت متعلقة بأنفسنا أو بالآخرين؛ فيكون الأصل فيها الإباحة، ومن ثم تأتينا الشريعة لتذكر المحرمات من الأفعال دون المباحات:
[قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ] -الآية 151 سورة الأنعام، [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي..]َ –الآية 33، سورة الأعراف، [قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ @ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ]- الآيتان
- 146, سورة الأنعام.
فنجد النهي عن إتيان أفعال معينة (معدودة أو محصورة) ثم السكوت عن الباقي في مواضع من قبيل قوله سبحانه وتعالى: [وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ]- الآية 31, سورة الإسراء، وقال Y: [وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ ]- الآية 33, سورة الإسراء، وقال سبحانه وتعالى: [وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ]- الآية 32, سورة الإسراء، وقال سبحانه وتعالى: [وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ]- الآية 34, سورة الإسراء، وقال سبحانه وتعالى: [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ]- الآية 36, سورة الإسراء، وقال سبحانه وتعالى: [وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا-] الآية 37, سورة الإسراء... وهكذا يجب أن نمتنع عن هذه الأفعال المذكورة، ثم باقي الأفعال المسكوت عنها -وهي الأكثر- تكون مباحة.
استدلال السنة على حصر المحرمات وبقاء المسكوت عنه على أصل الإباحة
وكذلك في السُّنة كما في قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
(لا يــبع المؤمن على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته حتى يذر أو يدع أو حتى يـأذن) [1]
بروايات مختلفة، يحدد في "لا يــبع" وأيضًا في "لا يخطب" ما هو محظور في هذا الشأن من المعاملات، ولكنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يقل: "لا تستأجر"، إذن فالاستئجار ليس من المحرمات لا في قرآن ولا في سُنة، بل هو –بناء على الأصل الأول- حلال.
إشكال استئجار البيت بين استصحاب الإباحة ورفض النزاع والخصام
وهنا اصطدام الأصولي بوضع عجيب: كيف له إذا ما جاء من يستفتيه في حكم أن يستأجر بيتًا بعد أن علم أن أخًا مسلمًا قد تكلم في استئجاره، هل تجوز المنازعة على هذا؟ هنا يقع في نفس الفقيه عدم الجواز؛ حيث كوَّنت لديه التربية الشرعية هذا النزوع لرفع الخلاف والخصام بين الناس؛ هذا التصور الذي يستشعره في الكتاب والسُّنة في قوله سبحانه وتعالى:
[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ]- الآية 10, سورة الحجرات،
وفي قوله:
[وَلاَ تَنَازَعُواْ]- الآية 46, سورة الأنفال،
وفي قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
(وكونوا عباد الله إخوانًا) [2]
وهكذا فهموا هذا الغرض فألحقوا الفرع بأصله بناء على فهم الحكمة أو العلة من التحريم. ولكنه لو طبَّق قاعدة "استصحاب الأصل"، فإن الأصل في هذه الأفعال أنها لم ترد محرَّمة في كتاب الله سبحانه وتعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، إذن هي من المسكوت عنه، الذي أصله الإباحة؛ وبالتالي يكون التنازع على الاستئجار جائز، هي نتيجة مغايرة لأغراض الدين، لا يطمئن إليها عقل الفقيه.
اكتشاف العلة الجامعة وبزوغ نظرية الإلحاق من مثال الاستئجار
فأعاد التفكير! بدأ بالتأمُّل في الفرق بين النزاع على شقة والنزاع على سلعة في البيع! وما الجامع بين النزاع على سلعة والنزاع على امرأة يتزوجها؟ القضية هنا ليست المشابهة بين بيع السلعة واستئجار الشقة وخطبة المرأة، بل إن القضية هي النهي عن النزاع والخصام، وترسيخ صورة معينة للمجتمع المسلم على الأرض تُقر التراحم والأُخوة؛ لذا بدا للأصولي أن ذلك الفرع غير المنصوص عليه بذاته (قضية الاستئجار) شبيه بالأصل المنصوص عليه (قضية البيع)، شبيه في ذلك الوصف الذي أخَذ من أجله الأصلُ الحكمَ.
الأصل –هنا- هو القضية المنصوص عليها (البيع أو الخطبة)، والفرع هو القضية المستجدة (الاستئجار)، والحكم هو الحرمة، وسبب (أو علة) هذه الحرمة أنه يفضي إلى التنازع بين الناس. لو تأملنا في الأصل والفرع سنجد أن نفس العلة التي من أجلها شُرع الحكم (الحُرمة) في الأصل؛ موجودة أيضًا في الفرع. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد حكم على النزاع حول البيع بأنه حرام، فإنه إذا ما وقع النزاع في فرع من الفروع التي لم يُنص عليها، فإن الأصولي -وباطمئنان- يُلحِق هذا الفرع بذلك الأصل؛ لأن هناك جامعًا بينهما؛ وهو هذا الوصف (العلة) أو السبب في الحكم. وهنا تولَّد لدى الأصولي نظرية الإلحاق.
القياس كآلية للإلحاق وتعريفه اللغوي وأثره في الفقه
ويبرز التساؤل الجوهري في نظرية الإلحاق: ما هي الآلية التي يقوم بها الأصولي ليتحقق "الإلحاق"؟ كيف يُعدّي الحكم من الأصل إلى الفرع؟
الآلية –هنا- هي القياس. والقياس -لغةً- مِن "قاسَ، يقيسُ، قِواسًا وقياسًا"؛ أي: قاسَ المعنى بالمعنى؛ أي ساوَاه به، وقاسَ الشيء بالذراع مثلاً؛ أي قدَّره به، كما يقدّر الثّوب بالمتر، وكما يقارن بين الأمرين، فيقال -في اللغة- إنه قاسَ بينهما. وما فعلَه الأصولي في إلحاق قضية الاستئجار بقضية البيع يبدو أن فيه نوعًا من المساواة والتقدير، فما حقيقة القياس إذن؟
التعريف الاصطلاحي للقياس وأركانه الأربعة في أصول الفقه
يجيب الأصولي بأنه تشبيه فرع بأصل في حكمٍ؛ للعلة الجامعة بينهما. أي إن أركان القياس أربعة؛ هي: الأصل، ثم حكم الأصل، ثم العلة، ثم الفرع. وحكم الفرع –هنا- هو ثمرة القياس، وما كانت ثمرة الشيء فليس هو الشيء ذاته، فلا يعد من أركانه، وبالتالي فإن هذا التعريف لا ينسحب على حُكم الفرع؛ ولكن ينسحب على عملية القياس التي بها تصل إلى حكم الفرع. هذه الأركان الأربعة إن توافرت لدى المجتهد، فإنه يستطيع القيام بهذه العملية، وحقيقتها أنه يُلحق حكم أمر استجد بأصلٍ؛ لما هو مشترك بينهما (العلة)، هذا الإلحاق والتشبيه يتم للحكم؛ وبذلك تتم عملية القياس.
وجوب القياس شرعًا وارتباطه باستقراء النصوص ومقاصد الشريعة
وعلى هذا الطريق يشعر الأصولي بالرضا والاطمئنان إلى فتواه؛ لأنه -وهو يسير وفق المنهج الإلهي- لا يقف عند النصوص جامدًا. إنه يتفهم مراد الشارع سبحانه وتعالى ويحاول أن يطبِّقه ويحقِّقه فيما بين الناس، متجنِّبًا بذلك الوصول إلى نتائج مغايرة للمبادئ والأصول الكلية للشريعة إذا ما هو تجمَّد عند مجرد النصوص.
ومن هنا، فإن جماهير الأصوليين قد قالوا إن هذه العملية (القياس) -وإن وقعت تحت الجواز العقلي- فهي واجبة شرعًا؛ وذلك لأنها تُحدث عند المجتهد ظنًا راجحًا بأن ما توصل إليه -من خلالها- هو حكم الله سبحانه وتعالى في هذه المسألة؛ حيث إن المجتهد يشعر -في نفسه- أنه بالقياس يقوم باستقراء وتتبع للشرع، ويتعرض لما فيه من النصوص دون الوقوف عند الظاهر منها فقط، بل يتأمل ِحكَمِ الشارع سبحانه وتعالى ومقاصده من هذا التشريع.
استيعاب الواقع وتحقيق العلة في الفرع وتمهيد تقسيمات القياس
ثم إنه اطمأن لقيامه بعملية أخرى؛ وهي عملية إدراك الواقع، فاجتهد أن يستوعبه تمامًا، وأن يعرف ما سوف تؤول إليه الأمور في الواقع المعيش، وأن يرى فيه ومن خلاله وصفًا قد جعله الشارع "مناطًا" وسببًا وعلة للحكم في الأصل المنصوص عليه. وأنه أيضًا قد قام بعملية مقارنة بين تلك العلة التي في الفرع ونظيرتها التي في الأصل؛ ليطمئن أن بينهما اقترانًا.
وهنا قال: "اقترانًا" ولم يقُلْ "تماثلاً"؛ لأنه وجدَ أن العلة في الفرع قد تكون مساوية لها فهي متماثلة، وقد تكون أعظم منها في الأصل، وقد تكون أقل منها. وعلى ذلك، فإن القياس -لدى الأصوليين- ثلاثة أنواع أو ثلاث درجات:
أنواع القياس الثلاثة وتمهيد التساؤل عن وجوب العمل به
- •
قياس الأوْلى: وهو ما كانت فيه العلة في الفرع أقوى وأظهر منها في الأصل.
- •
وقياس المساواة: وهو ما كانت فيه العلة في الفرع مساوية لنظيرتها في الأصل.
- •
وقياس الأدنى: وهو ما كانت فيه العلة في الفرع أقل وأدنى من العلة في الأصل.
هنا يثور تساؤل: إذا كان القياس يُحدِث ظنًا راجحًا، لماذا يكون العمل به واجبًا؟!
تحليل الاحتمالات العقلية في الحكم وتضييق مجال التردد الفقهي
يجيب المجتهد بأنه عندما يفكر في تلك الأمور الاجتهادية تتولد لديه احتمالات أربعة؛ ثلاثة منها معقولة، والرابع محال. فإما أن يقول -في الحكم-: نعم (هل يجوز الزواج من مطلقة ابن العم؟ الجواب: نعم)، أو أن يقول فيه: لا (هل يجوز الزواج من زوجة الأب بعد وفاته؟ الجواب: لا)، وإما أن يقول: لا نعم ولا لا (كحالة لا يدري فيها المسئول الجواب مثل: السؤال عن الروح، هل هي مادة؟...)، أو أن يقول: نعم ولا (بمعنى: يجوز ولا يجوز). وهذا الاحتمال الرابع محال؛ لأنه لا يُتصور -في فعل من الأفعال- أن يقول الشارع: "افعلوا" و"لا تفعلوا", في نفس الوقت! كما أن الاحتمال الثالث: (لا نعم، ولا لا)، هو احتمال مؤداه السكوت وعدم القول. إذن تنحصر الاحتمالات المعقولة في احتمالين: نعم أو لا؛ أي نازعْ على استئجار المسكن، أو لا تنازعْ.
أثر القياس في ترجيح الأحكام ووجوب العمل بالظن الراجح
أما القياس فلقد طَمْأَنَ المجتهد وجعله يميل ميلًا شديدًا إلى القول: لا تنازع أخاك في استئجار الشقة؛ فإن النزاع حرامٌ. ومن ثم؛ انحصرت الاحتمالات في احتمال واحد فقط يتماشى مع التربية الإسلامية ومقاصد الشرع التي تؤسس عقلية المسلم المجتهد، والتي تجعل القلب مائلاً إلى تحريم فعل موارد التنازع؛ لأنها من جنس ما حرَّم الله علينا، وإن لم يحرمه بذاته وعينه ونصه.
لذا قالوا: ولو أن القياس يؤدي إلى الظن والرجحان فقط، وليس إلى القطعية واليقين، إلا أنه يجب العمل به؛ لأن العمل بالظن واجبٌ؛ وذلك لأن الحياة تفرض على الإنسان لزامًا اختيارات وموازنات: كالجمع بين المقصدين أو تقديم أحدهما على الآخر، أو كالجمع بين النقيضين أو ترجيح أحدهما على الآخر، أو أن يتبع المرجوح في أحوال معينة، رغم أن المرجوح ممنوع أصلاً. وكل ذلك يقع في نطاق الظنيات والترجيحات:
(سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدُّلجَة، والقصد القصد تبلغوا) [3]
بداية البحث التفصيلي في العلة مع مثال قول أف للوالدين
من هذه الآلية التي سموها بالقياس، بدأ الأصوليون في الدراسة التفصيلية لكل ركن من أركان القياس، ووضعوا له شروطًا وكيفية عمل، وتوسعوا للغاية في كيفية استنباط العلة بطرح التساؤلات المتتالية: كيف نستنبط العلة؟ وكيف نحققها في الشرع؟ وما هي الأمور التي تفرض على المجتهد آلية الاستنباط؟ وما هي أنواع تلك العلل؟
وإذا كانوا قد وجدوا أن بعض هذه العلل منصوص عليها وبعضها مستنبط، فما هي المسالك التي تؤدي بنا إلى إدراك وفهم العلل؟ فمثلًا عندما تكلموا عن أنواع العلل قالوا: إن الله سبحانه وتعالى يقول:
[فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا]- الآية 23, سورة الإسراء.
هنا ينهى الله سبحانه وتعالى بــ"لا تقل" و"لا تنهرهما": ينهى عن القول أو والنهر، ولكن هل هذا يعني توقف النهي -مع النص- عند قول أفٍ أو عند النهر، رغم امتداد الأفعال في الواقع إلى أمور أخرى؟ بالطبع هذا غير معقول وغير مستساغ؛ وذلك لأن العلة وهي إيذاء الوالدين، والتي من أجلها حرَّم الله سبحانه وتعالى أن تصدر كلمة "أفٍ" من الابن أو الابنة لوالده أو لوالدته (وهي إيذاء بسيط أمام مصيبة أن يضرب الابن أباه أو أمه هذا الفعل الذي يعد من أكبر الكبائر).
قياس الأولى في عقوق الوالدين وقياس المساواة في مال اليتيم
هذه العلة لا تزال موجودة وبيِّنة، بل هي أظهر وأقوى في الحالة غير المنصوص عليها (ضرب الوالد أو الوالدة)، فتأخذ نفس الحكم (النهي والتحريم) بل ربما يُشدد التحريم والتجريم؛ وهذا ما يسمي بقياس الأوْلى. وبعض الأصوليين وصل إلى القول بأنه قياس في معني النص. أي كأنه من شدة توفُّر العلة في المستجدّ أو الفرع المسكوت عنه (الذي لم يُنص عليه)، يكون هذا المستجد أولى بالحكم من ذلك المنصوص عليه (الأصل).
ومثال آخر في قوله سبحانه وتعالى:
[وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ]- الآية 34, سورة الإسراء.
فإذا جعل الله سبحانه وتعالى إنسانًا وصيًا أو وليًا على مال يتيم، فهل للوصي أن يتمتع بهذا المال حتى إذا كبر اليتيم وجد أن أمواله قد ذهبت وضاعت، فلا يجد ما يغنيه عن سؤال الناس؟ حذَّر الله سبحانه وتعالى من هذا تحذيرًا كبيرًا. ولكن لنفرض أن هذا الوصي إنسانٌ حقود، ذهب فأحرق المال أو أعطاه لغيره؛ وذلك رغبة منه في تضييع اليتيم عندما يكبر. هنا نحن أمام صورتين: الأولى أكل المال والتمتع به، والثانية إضاعته دون التمتع به. العائد على اليتم في كلا الصورتين واحد؛ في الحالتين لم يستلم مالَه. ومن ثم، فهذا مثال في القياس للعلة المتساوية. ففي الحالتين ضاع المال، فالعلة في كلا الصورتين متساوية.
قياس الأدنى في الربا وتمهيد اختلاف الأئمة في تعيين علته
وقد تكون العلة في الفرع أقل منها في الأصل؛ لذا نسميه قياس الأدنى. ومثال ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حرَّم ربا الذهب وربا الفضة:
(الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُر بالبُر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء) [4]
فهل يا ترى أن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عندما حرَّم الربا حرَّمه في أشياء معينة كما يقول ابن حزم الظاهري الذي ينكر القياس؟ أم أنه حرمها لمعانٍ؛ وذلك لأن الذهب والفضة كانا واسطتي التعامل بين الناس، ولم يرد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن يَقع الخلل في التعاملات بالتلاعب في واسطة التبادل، أو أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أراد أن يحفظ على الناس أقواتها بوسيلة التماثل فيُضمن العدل في البيع والشراء. هذه العلل ذهب كل فريق من العلماء إلى واحدة منها. وهنا ستختلف أجوبة الأئمة فيما يدخل في تحريم الربا.
اختلاف الأئمة في علة الربا وظنية القياس رغم وجوب العمل به
فذهب الإمام مالك إلى أن العلة هي أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أراد أن يحفظ على الناس أقواتها، وقوت البلد هو القوت المدَّخر؛ مثل: الفول المدمس في القاهرة حاضرة مصر، والأرز والقمح في أقاليمها المختلفة. فلو أنه تم نزع أي من هذه السلع أو عرضه في الأسواق بأسعار عالية، فإن أزمة حادة ستقع (أزمة جوع)؛ وهذا ما يعطي للسلعة معنى القوت الرئيس المدخر في البلاد. ومن ثم سيرى الإمام مالك أن الأشياء غير المذكورة كالفاكهة مثلاً لا تدخل؛ لأن الأصل هو "القوت الرئيس"؛ حيث لا يوجد اتحاد في العلة؛ ومن ثم لا يوجد اتحاد في الحكم؛ وبالتالي، لن توجد عملية القياس.
أما الإمام الشافعي فتتمثل لديه العلة في التماثل الذي يضمن العدل في البيع والشراء؛ أي أن نعامل المطعوم كله معاملة واحدة، حتى لا نقع في الربا. أما الإمام أبو حنيفة فقد تعدَّى هذا، فقال إن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أراد المماثلة في الجنس والقدر. فالعلة هنا ظنية، تُستنبط بالاجتهاد، ليست قطعية متفقًا عليها. وهذا ما أدى إلى وقوع الخلاف حولها، وقد اختلفوا في النتيجة، وإن اتفقوا في البداية على عملية القياس.
إن هذا الخلاف مصدره أن هذه العلة ليست كشأن إضاعة حق اليتيم كعلة في الأكل من مال اليتيم (الأصل) وفي إحراقه (الفرع)، إنما هي علة تحتاج إلى تحقيق وربما تنقيح، هي علَّة مختلطة وتحتاج إلى استنباط يختلف فيه نظر الناظرين. بالرغم من أننا قد اتفقنا في علة التحريم (وهي علة الربا) إلا أن الاختلاف وقع في تحقيق هذه العلة في الفرع وليس في الأصل. وقد يكون السياق ظنيًا أيضًا: هل هذا الحكم هو بالفعل بإزاء هذه العلة فعلًا؟ هذا أمر ظني. وهل هذه العلة متحققة في الفرع أيضًا؟ هذا أمر ظني كذلك. هذه المجموعة من الظنون تجعل القياس ظنيًا، وإن وجب العمل به؛ لأن الظن يجب العمل به.
وأخذ الأصوليون في تفصيل واسع في ظروف الأصل، وشروط حكم الأصل، وشروط العلة، وشروط الفرع؛ بحيث تتم عملية القياس بشكل مفهوم وواضح، وبحيث تبتعد –قدر الإمكان والطاقة- بالمجتهد أو القضية عن مواطن اللبس وعن التضليل.
اعتراض منكري القياس بأمثلة الخمر والمسكرات ومال اليتيم
إلا أن بعض الناس أنكروا القياس، وقالوا: إن مَن قاسَ فقد شَرَعَ وأوجد حكمًا لشيء مسكوت عنه. وأن هذه الأمثلة التي أوردها الجمهور من السهل معالجتها دون اللجوء إلى القياس. فالجمهور يقول: نقيس النبيذَ على الخمر، فالخمر حرام لأنه مسكر، والنبيذ مسكر إذن فهو حرام. ذلك لأن الخمر -في اللغة- هو عصير العنب، بينما عصير التفاح المسمى بـ"الشمبانيا"، أو عصر البصل المسمى بـ"الويسكي" فلا يسميان خمرًا في اللغة، كذلك عصير التمر أو الأنبذة المختلفة لا يسمى خمرًا وإن كان مسكرًا. والأصولي -وفقًا لذلك- يقيس الويسكي أو الشمبانيا على الخمر كمسكر، ويُمضي حكم الحرام عليها.
لكن منكري القياس يرون أن ذلك لا حاجة إليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
(كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) [5]
وبهذا القول أصبح للخمر معنًى اصطلاحي في الشرع أوسع من معناه في اللغة؛ وبالتالي فالويسكي والشمبانيا والعَرَق والبيرة تكون -كما يراها منكرو القياس- مندرجة تحت تعريف الخمر شرعيًا، ولها حكم واحد. وحديث آخر يقدمونه كدليل على عدم أهمية القياس في هذه القضية؛ وهو:
(ما أسكر كثيره فقليله حرام [6]، وقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: ( كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق، فملء الكف منه حرام) [7]
؛ أي لو أن سائلًا شُرب منه كمية كبيرة أدت إلى سُكر الشارب، فإن شُرب ملء الكف منه حرام.
وكذلك في أكل مال اليتيم، يدفع المنكرون للقياس بأن قياس الحرق على الأكل أمر لا معنى له؛ حيث إن الحرق ينطوي على إثمين، وليس على إثم واحد؛ حيث إن الأكل تعبير بليغ تتميز به لغة العرب، فيندرج تحته الإهلاك. وبالتالي فالمعنى هنا هو التصرف بالإهلاك فيه؛ ومن ثم كان المنع ليس على الأكل بمعنى الأخذ منه، ولكن بمعنى الإهلاك.
موقف الجمهور من الجدل حول القياس واتساع الخلاف في الربا
في هذا الجدل الدائر بين جمهور العلماء الذين يعتدون بالقياس وهؤلاء الذين ينكرونه، يدفع الجمهور بأن الاختلاف مرجعه خلاف لفظي، ولكن كلامنا (أي الجمهور) ينطوي على قواعد أكثر انضباطًا حتى لو توصلنا الفريقان إلى نفس الأحكام. ولكن عند هذه النقطة يتجدد ويزداد الخلاف؛ ذلك لأن الأحكام التي يتم التوصل إليها من خلال القياس وقواعده المنضبطة، لن تتطابق في كل مرة مع الأحكام التي يستخرجها هؤلاء الذين ينكرون القياس.
فإذا اتفق هؤلاء وأولئك على أن كل مُسكر حرام، وأن ضرب الوالدين من العقوق فهو حرام، فإن الخلاف قائم ويزداد اتساعًا في أحكام أخرى، مثل: تعيين دائرة الربا؛ أي الأمور التي يحُرم فيها التعامل بالزيادة. فبينما يرى الجمهور الآخذ بالقياس أن الربا في المعاملات التجارية الثنائية كلها حرام، يرى الظاهرية حصر الربا في الأصناف الستة المنصوص عليها في الحديث دون سواها، غير معتبرين بكافة آراء الجمهور باختلاف مذاهبهم ومشاربهم. وهنا يقول الجمهور إن قواعدهم وكلامهم في القياس أقرب إلى السير على منهج الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من كلام وأساليب منكري القياس من الظاهرية وغيرهم, ذلك لأنها (أي هذه القواعد) تبحث عن المقاصد والعلل وتتحراها، فالمنهج أكثر دقة وتفصيلاً وبيانًا.
التمييز بين العلة والحكمة وأثره في دوران الحكم الشرعي
العلة والحِكمة:
من القضايا التي اهتم بها الأصوليون أيما اهتمام؛ قضية التفرقة بين العلة والحكم. فهناك –بدايةً- فارق لديهم بين العلة وبين الحكمة، رغم أن كلاً منهما قد ورد في الإجابة عن تساؤل: "لماذا؟" ولكن العلة بها صفتان: أنها ظاهرة، وأنها منضبطة، والحكمة ليست كذلك، قد تكون الحكمة ظاهرة، ولا تكون منضبطة، أو تكون منضبطة ولكنها ليست ظاهرة. وصفة "ظاهرة" هنا تعني الظهور أو الرؤية بالعين؛ أي يمكن رؤيتها بالعين، أما "منضبطة" فيعني أنها واضحة محددة لا اختلاف فيها.
فمثلًا "لماذا" شرع الله سبحانه وتعالى العقدَ بين المتعاقدين؛ سواء عقد البيع أو عقد الزواج أو غيرهما؟ الإجابة أنه لبيان التراضي. فالعقد -في جوهره- هو توافق بين إرادتين، ولكن هل الرضا علة أم حكمة؟ للإجابة عن هذا لابد أن يُطرح سؤال آخر: أين محل الرضا؟ والإجابة أنه في القلب. وهنا يقول الأصولي: إن الرضا –هنا- ليس ظاهرًا، فما في القلب أمور مخفية؛ وبالتالي فالرضا -هنا- ليس بعلة ولكنه حكمة. كما أن الرضا أمر غير منضبط؛ فلو أني أردت بيع شيئًا ما أملكه للحاجة إلى ثمنه، وهو -في نفس الوقت- عزيز عليَّ أن أفارقه، فإن الرضا بالبيع يتردد وجوده في نفسي؛ وبالتالي فهو ليس ثابتًا لدى الكافة، بل قد يتواجد في عقود، وقد يضطرب تواجده في عقود أخرى.
الألفاظ كعلة في العقود وقاعدة دوران الحكم مع علته لا مع حكمته
ولكن ما العلة في العقد؟ يبحث الأصولي –هنا- حتى يتبين العلة، يبحث عن الظاهر المنضبط فلا يجده إلا في الألفاظ كما: "بعثُكَ"، و"اشتريتُ منكَ". هذه الألفاظ محددة، وظاهرة يمكن الشهادة عليها؛ كأن يقول الشاهد لها: نعم، رأيتُ وسمعتُ فلانًا يقول لآخر: "بعتك", ورأيتُ وسمعتُ الآخر يقول: "اشتريتُ". وحتى لو ادعى البائع أنه لم يكن في قلبه رضا، فإن القاضي لا يأخذ إلا بالظاهر المنضبط. وبالتالي لا يأخذ بهذا الدفع إلا إذا أقام عليه ظاهر يفيد بأن البيع تم بالإكراه أو بالتغرير مثلاً.
وبالتالي فالألفاظ تقوم كعلة لأنها ظاهرة منضبطة، بينما الحكمة –هنا- قد تخفى أو لا تنضبط. وهنا استخلص الأصوليون قاعدة مهمة بنوا عليها علاقة الحُكم بكل من العلة والحكمة، فقالوا: الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته لا مع حكمته. فقد تتخلف الحكمة، ولكن يظل الحكم الشرعي ساريًا لوجود علته.
حكمة تحريم الخمر وعلاقتها بعبادة الله وعمارة الأرض
مثلًا، لماذا حرم الله سبحانه وتعالى الخمر؟ الإجابة هنا لأنها تُذهب العقل المنوط به العبادة وعمارة الكون، والتي هي مقصود الخالق سبحانه وتعالى من خلق الإنسان. وبالتالي لابد من الحفاظ على العقل حتى يتحقق مقصود الخلق، وهو الحكمة أو الحِكَم التي تتضح في الآيات:
[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]- الآية 56, سورة الذاريات،
وفي قوله سبحانه وتعالى:
[إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]- الآية 30, سورة البقرة،
وفي قوله سبحانه وتعالى
[هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا]- الآية 61, سورة هود.
وبالخمر تنتفي العبادة لقوله سبحانه وتعالى:
[ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ]- الآية 43, سورة النساء،
ولقوله سبحانه وتعالى:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ]- الآيتان 90، 91 سورة المائدة.
والخمر تضعف قدرة الإنسان على استعمار الأرض وخلافة الله سبحانه وتعالى فيها.
العلة في تحريم الخمر هي الإسكار لا مجرد ذهاب العقل الفعلي
ولكن قد يأتي من يقول إنه يمكنه أن يشرب كأسًا وأكثر دون أن يقع في السُّكر، فهل الشُّرب الذي لا يؤدي إلى السُّكر وذهاب العقل حرام؟ هنا يجيب الأصولي بأنه حرامٌ قطعًا، وإن لم يحدث السكر؛ وذلك لأن ذهاب العقل حكمة، وليس علة. بهذا يسد الأصوليون مداخل شياطين الإنس والجن التي يدخلون بها إلى الناس منها ليلْبسوا عليهم دينهم، يغلقونها بالتفرقة بين الحِكَم والعِلَل.
وفي قضية الخمر، وتأسيسًا على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(ما أسكر كثيره فقليله حرام) [8]
فإن العلة -هنا- هي الإسكار، وهو صفة للشيء لا لمستعمله. فليس تحقق السكر من الشارب، إنما كون الشيء في -ذاته- مسكرًا، سواء أُسكر البعض من قليله أم لم يُسكروا، وبالتالي فهو حرام بغض النظر عن الحكمة؛ وهي ضياع العقل.
المشقة في السفر كحكمة والمسافة كعلة لرخصة القصر والإفطار
وكذلك في قضية قصر الصلاة والإفطار في رمضان كرخصة للمسافر أو من هو على سفر. إذا طرح الأصولي تساؤله: "لماذا؟" لماذا هذا الحكم بالترخيص، فإنه يجيب بأن ذلك للمشقة. فرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقول:
(صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) [9]
فهي نوع من أنواع التيسير.
وهنا تثار تساؤلات أخرى في عقل الأصولي: أليست المشقة هذه تختلف باختلاف الأجساد والقدرة على تحمل السفر، بل وباختلاف المسافات، واختلاف البلدان وأحوال الطُّرق، واختلاف الأزمان (كأثر المواسم المناخية المختلفة)، بل وباختلاف درجة الرفاهة المتوفرة في الأسفار بين الناس بحسب إمكانياتهم؟ فهذا الذي سافر من القاهرة إلى الإسكندرية في قطار الدرجة الأولى (المكيَّف السريع) في ساعتين فقط، يختلف عن هذا الذي سافر في قطار الدرجة الثالثة! أليس السفر يختلف بالنسبة للصغير عنه للكبير؟..
هذه التساؤلات إنما تعبر عن أن المشقة -وإن كانت مضطردة بين الناس وبين أنواع الأسفار (أي ظاهرة)، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
(السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليُعَجِّل إلى أهله) [10]
إلا أنها غير منضبطة؛ فلا تظهر على شكلٍ واحد، ولا على درجة واحدة، ولا يمكن قياسها بمقياس واحد دقيق. وهنا يجد الأصولي نفسه مدفوعًا للبحث -مرة أخرى- عن أمر ظاهر منضبط، فلا يجد أمامه إلا "المسافة" لكونها محسوبة (منضبطة)، وقبل ذلك ظاهرة، فهي تصلح لأن تكون علة؛ بمعنى أنه إذا ما ابتعد المسافر مسافة معينة ثابتة (وهي 89 كيلو مترًا) أصبح داخلًا في الرُّخصة، وأقل من ذلك لا يدخل فيها. وبالتالي فالمسافة تصلح كعلة، بينما المشقة هي الحكمة. وهكذا تدور الأحكام وجودًا وعدمًا مع العلة لا مع الحكمة.
هذه إطلالة سريعة على نظرية اكتملت أركانها في ذهن الأصولي أدت وظيفة معينة وبطريقة معينة؛ وهي نظرية الإلحاق.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما هي أنواع القياس الثلاثة في أصول الفقه؟
قياس الأولى وقياس المساواة وقياس الأدنى
ما أركان القياس الأربعة في أصول الفقه؟
الأصل وحكم الأصل والعلة والفرع
في قياس الأولى، كيف تكون العلة في الفرع مقارنةً بالأصل؟
أقوى وأظهر منها في الأصل
ما الفرق الجوهري بين العلة والحكمة في أصول الفقه؟
العلة ظاهرة منضبطة، والحكمة قد تخفى أو لا تنضبط
ما علة تحريم الخمر وفق أصول الفقه؟
الإسكار كصفة للشيء ذاته
ما علة رخصة قصر الصلاة في السفر وفق الأصوليين؟
المسافة المحددة لانضباطها وظهورها
ما القاعدة الأصولية المتعلقة بعلاقة الحكم بالعلة والحكمة؟
الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته لا مع حكمته
لماذا قال جمهور الأصوليين بوجوب العمل بالقياس شرعًا؟
لأنه يُحدث ظنًا راجحًا بحكم الله في المسألة
ما مثال قياس المساواة في مال اليتيم؟
إحراق مال اليتيم قياسًا على أكله لتساوي علة الضياع
ما موقف الظاهرية من القياس في تحديد دائرة الربا؟
يحصرون الربا في الأصناف الستة المنصوص عليها فقط
ما الذي يُميز العلة عن الحكمة في عقد البيع؟
الألفاظ كـ(بعتك) و(اشتريت) هي العلة لظهورها وانضباطها
كم عدد آيات الأحكام في القرآن الكريم تقريبًا؟
لا تتجاوز المائتين من مجموع نحو ستة آلاف آية
ما رأي الإمام مالك في علة تحريم الربا؟
أن العلة هي حفظ الأقوات الرئيسية المدخرة في البلاد
ما الاحتمال المحال عقلًا في الحكم الشرعي على الأفعال؟
أن يقول الشارع افعلوا ولا تفعلوا في نفس الوقت
ما تعريف القياس اصطلاحًا في أصول الفقه؟
القياس هو تشبيه فرع بأصل في حكم للعلة الجامعة بينهما، وهو الآلية التي يُعدّي بها الأصولي الحكم من الأصل المنصوص إلى الفرع المستجد.
ما الفرق بين قياس الأولى وقياس الأدنى؟
في قياس الأولى تكون العلة في الفرع أقوى وأظهر منها في الأصل، بينما في قياس الأدنى تكون العلة في الفرع أقل وأضعف من العلة في الأصل.
لماذا يُعدّ الرضا حكمةً لا علةً في عقد البيع؟
لأن الرضا في القلب فلا يُرى ولا يُشهد عليه، وهو غير منضبط لأنه يتفاوت من شخص لآخر، والعلة يشترط فيها أن تكون ظاهرة منضبطة.
ما الدليل النبوي الذي استند إليه منكرو القياس في مسألة المسكرات؟
استندوا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر خمر وكل خمر حرام)، مما يجعل للخمر معنى اصطلاحيًا شرعيًا أوسع من معناه اللغوي يشمل كل مسكر.
ما الذي يُثبت أن القياس ظني لا قطعي؟
اختلاف الأئمة في تحديد علة تحريم الربا يُثبت ظنية القياس، إذ اختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة في العلة فاختلفت أحكامهم في الأصناف غير المنصوص عليها.
ما المقصود بـ(النصوص المحصورة) عند الأصوليين؟
هي الآيات والأحاديث المتعلقة بالأحكام وهي محدودة العدد، إذ لا تتجاوز آيات الأحكام المائتين ولا أحاديث الأحكام ثلاثة آلاف، في مقابل الوقائع المتجددة التي لا تنتهي.
ما مثال قياس الأولى في النهي عن إيذاء الوالدين؟
تحريم ضرب الوالدين قياسًا على النهي عن قول أف، لأن علة الإيذاء أقوى وأظهر في الضرب منها في قول أف، فيكون الضرب أولى بالتحريم.
لماذا تُعدّ المسافة علةً لرخصة السفر لا المشقة؟
لأن المسافة ظاهرة ومنضبطة يمكن قياسها بمقياس واحد دقيق، بينما المشقة تتفاوت باختلاف الأجساد والأزمان ووسائل السفر فلا تنضبط.
ما الفرق بين موقف الجمهور والظاهرية من دائرة الربا؟
الجمهور يرى أن الربا حرام في المعاملات التجارية الثنائية كلها بناءً على القياس، بينما الظاهرية يحصرون الربا في الأصناف الستة المنصوص عليها في الحديث فقط.
ما معنى قول الأصوليين: الحكم يدور وجودًا وعدمًا مع علته لا مع حكمته؟
يعني أن الحكم الشرعي يثبت بوجود العلة ويزول بزوالها، وقد تتخلف الحكمة ويظل الحكم ساريًا لوجود علته، كتحريم الخمر الذي يسري حتى لو لم يُسكر الشارب.
ما الاحتمالات العقلية الأربعة التي يواجهها المجتهد في الحكم؟
نعم، أو لا، أو لا نعم ولا لا (السكوت)، أو نعم ولا في آنٍ واحد. الأخير محال، والثالث مؤداه السكوت، فتنحصر الاحتمالات المعقولة في نعم أو لا.
ما رأي الإمام الشافعي في علة تحريم الربا؟
يرى الإمام الشافعي أن علة تحريم الربا هي التماثل الضامن للعدل في البيع والشراء، أي معاملة المطعوم كله معاملة واحدة حتى لا يقع الربا.
ما الذي دفع الأصوليين إلى ابتناء نظرية الإلحاق؟
محدودية النصوص الشرعية في مقابل تجدد الوقائع، وعدم كفاية استصحاب أصل الإباحة وحده للوصول إلى أحكام تتوافق مع مقاصد الشريعة ومبادئها الكلية.
ما الجامع الذي ربط بين تحريم البيع على بيع الأخ وتحريم الاستئجار على استئجاره؟
العلة الجامعة هي إفضاء الفعل إلى التنازع والخصام بين الناس، وهو ما نهت عنه الشريعة لترسيخ التراحم والأخوة في المجتمع المسلم.
ما رأي أبي حنيفة في علة تحريم الربا؟
يرى الإمام أبو حنيفة أن علة تحريم الربا هي المماثلة في الجنس والقدر، وهو أوسع من رأي الشافعي ومالك في تحديد ما يدخل في تحريم الربا.