اكتمل ✓
الفصل 14

ما نظرية الدلالة في أصول الفقه وكيف تُفهم علاقة الألفاظ بالمعاني واستنباط الأحكام من النصوص الشرعية؟

نظرية الدلالة في أصول الفقه هي العلم الذي يبحث في علاقة الألفاظ بمعانيها من حيث الوضع اللغوي والشرعي والعرفي، وتشمل مباحث الأمر والنهي والمنطوق والمفهوم والعام والخاص والمطلق والمقيد. يهدف الأصولي من خلالها إلى معرفة مراد المتكلم من كلامه لاستنباط الحكم الشرعي من القرآن والسنة. وهي تُعدّ النظرية القلب في علم أصول الفقه لما تحتويه من أبعاد منهجية عميقة.

29 دقيقة قراءة
  • كيف يقرأ الأصولي النصوص الشرعية ويستنبط منها الأحكام، وما الفرق بين الاستثمار والاستنباط؟

  • الأسلوب العربي مقسَّم إلى خبر وإنشاء، والفقيه يعنى بمساحة الطلب في الكتاب والسنة لاستخراج الأحكام.

  • الوضع اللغوي والشرعي والعرفي والاصطلاحي يُشكّل طبقات متعددة للمعنى الواحد، وعلم الوضع أسسه عضد الدين الإيجي.

  • نظرية الدلالة تشمل مباحث الكلي والجزئي، والمتواطئ والمشكك والمشترك، ودلالات المطابقة والتضمن والالتزام.

  • مباحث الأمر والنهي تتناول التكرار والفور والنهي عن الضد والأمر بالأمر، وهي قواعد تُطبَّق في الفقه العملي.

  • المنطوق والمفهوم والعام والخاص والمجمل والمبيَّن والمطلق والمقيد أدوات أصولية تُفسّر النصوص وترفع الخلاف الفقهي.

من الحجة والثبوت الى سؤال كيفية قراءة النص الشرعي

عرفنا أن الحجة هي القرآن والسُّنة طبقًا لنظرية الحجَّة؛ وعرفنا أنهما ثابتان في المصحف وفي كتب الأحاديث ومن الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها تبعًا لنظرية الثبوت، لكن كيف نقرأ القرآن والسُّنَّة حتى نستثمر، ونستنبط منهما؟ والاستثمار يأتي من الثمرة التي تأتي من الشجرة برعايتها، والاستنباط هو محاولة الحصول على الماء من الأرض حتى ننتفع به. وعلى ذلك فالاستنباط هو استجلاب الحكم من النصوص الشرعية. وهذا القرآن وهذه السُّنة ألفاظ أمامنا، جمل مفيدة، ينبغي علينا أن نعرف كيف نستفيد ونستنبط منهما الحكم الشرعي؛ الذي يصف أفعال البشر فتتكون الجملة المفيدة في الفقه (أي الحكم)، كما ذكرنًا سابقًا.

ذهب الأصولي يقرأ في الكتاب والسُّنة فوجدهما أدلة لفظية: أي عبارة عن أقوال وألفاظ تُقرأ باللسان وتُسمع بالآذان؛ (بلا فارق هاهنا بين الكتاب والسُّنَّة باعتبارها أدلة لفظية). ومن هنا تساءل الأصولي عن الدلالة: كيف أفهم هذين الأصلين؟ هذا السؤال يتبادر إلى أذهان كثير من الناس ومن طلبة العلم، وهذا هو الجانب الثاني في تعريف أصول الفقه ؛ فهذا هو جانب الاستفادة من الدلالة وشروط المستفيد (المجتهد من لدن الصحابة وعبر مسيرة العلم). ذهب المجتهد يتأمل ويتساءل فيما هو أمامه. أمامه جمل مفيدة، في سياق الشريعة وجد الأصولي هذه الجمل على قسمين: قسم "يفيد" الطلب، وقسم يفيد غير الطلب كالخبر والاستفهام.

تقسيم الاسلوب العربي الى خبر وانشاء وتعريف الخبر

والأصل في المسألة أن الأسلوب العربي - الذي اعتنى به المجتهد الأصولي- مقسَّم إلى الخبر والإنشاء. الخبر هو عبارة عن الجملة التي تحتمل الصدق أو الكذب لذاتها؛ مثل: "نحن الآن في المسجد" فإن صادقت الواقع فهي صادقة، وإن كانت غير ذلك تكون كاذبة؛ هي في ذاتها "تحتمل" الصدق و"تحتمل" الكذب. وقد اختلف المجتهدون في أن الكذب هل هو مخالفة الواقع أم الاعتقاد أم الاثنين معًا؟ فكيف فكّروا في هذا الاختلاف؟

اشكال تحديد الكذب بين مخالفة الواقع ومخالفة الاعتقاد

البعض قال: إن الكذب مخالفة الواقع حتى لو وافق المعتقد؟ وردوا عليهم بأن لو قلت: في حقيبتي نقود؟ أنا أعتقد ذلك، فهل إذا لم يكن فيها نقود هل أكون - عند العرب وفي دلالات كلامهم- كاذبًا؟ رغم أنني لم أقصد الكذب وكنت أعتقد ما أقول فعلًا؟ فالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نسي في صلاته مرة، وبعد الانتهاء قال له رجل يدعى ذا اليدين:

قال له رجل يدعى ذا اليدين:

"يا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: أقصرت الصلاة أم أنك نسيت؟"

قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

"كل ذلك لم يكن"

؛ أي لم تقصر الصلاة (أي لم تتحول من أربع إلى ركعتين) ولا نسيت. فقالوا:

بل بعض ذلك كان يا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم!

فهل يُعد ذلك اتهامًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وحاشا لله- بالكذب؟ فقام الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فصلي بهم ركعتين إذًا لا أستطيع أن أقول إن الكذب هو مجرد مخالفة الواقع، أو أنه مجرد مخالفة الاعتقاد.

محاولة الجمع بين الواقع والاعتقاد وحدود الصدق والكذب

فقالوا لا، لابد أن نجعل الكذب كل مخالف للواقع والاعتقاد معًا. لكنهم توقفوا أمام مسألة مهمة: لو قلنا إن الصدق هو ما وافق الاثنين معًا، والكذب هو ما خالف الاثنين معًا؛ فإذا ما وافق أحدهما وخالف الآخر كقول غير المسلم: (محمد رسول الله)صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فهو مطابق للواقع في عقيدتي، ومخالف لعقيدته (كذب). فهل هناك شيء ثالث وسط بين الكذب والصدق؟ هل في لغة العرب مثل هذا الشيء؟ قالوا لا، قالوا إذن هذا ليس حقيقة.

ثم ذهب بعض جماهيرهم في النهاية إلى أن الكذب هو مخالفة الواقع، وأن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إن كان كلامه مخالفًا للواقع إلا أنه لا يسمى كذبًا، وأن الكذب يطلق ويراد منه "الخطأ"؛ أي عدم التعمد. فعند فتح مكة، قال سعد بن عبادة:

"اليوم يوم الملحمة"

؛ فقال الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

"كذب سعد"!

فقال:"كذب"؛ وقصد أنه "أخطأ" بلغة أهل مكة.

تمييز المجموع عن الجميع وتمرين العقول على حل مشكلات الدلالة

وقال بعضهم إن ما خرج من فم رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان صدقًا لأنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:

"كل ذلك لم يكن"

؛ أي إن مجموع الأمرين لم يكن؛ فالذي كان هو "بعض" ذلك وليس الأمرين معًا

هذه كلها أمثلة على مشكلات علمية ومحاولات مرّنت عقول أهل تراثنا على طرائق التفكير والعمل على إيجاد حلول سواء كانت ضعيفة - في بادئ الأمر- أو كانت قوية.

والقسم الثاني من الكلام العربي هو الإنشاء، وهو ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته مثل: "اسقني ماء". وعندما ذهبوا إلى القرآن يتأملونه وجدوا منه الخبر ووجدوا منه الإنشاء، ووجدوا أن الإنشاء مقسَّم إلى طلب وسؤال وغير ذلك. و ووجدوا أن الذي يهمهم هو "الطلب"، ووجدوا أيضًا أن بعض الخبر يُراد منهْ "الطلب"، ولكنهم ركزوا على "الطلب"، فقالوا إن المسألة بين "الطلب" و"غير الطلب". فالإنشاء منه ما يفيد الطلب ومنه ما يفيد غير الطلب، والخبر منه ما يراد به الطلب ومنه ما يراد به غير الطلب. والفقيه يريد هذه المساحة وهي الطلب في "الدليل": في الكتاب والسُّنَّة.

صيغ الطلب في النصوص الشرعية وبداية مباحث الامر والنهي

والطلب في الدليل وجدوه أنه الفعل (افعل) مثل (أقم الصلاة)، (فاكتبوه) أو اسم الفعل مثل: [عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ]- الآية 105, سورة المائدة, أو المصدر [فَضَرْبَ الرِّقَابِ]- الآية 4, سورة محمد, [فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ]- الآية 3, سورة المجادلة, أو الفعل المضارع المقترن باللام [لَتُبَيِّنُنَّهُ]- الآية 187, سورة آل عمران. وكذلك في الخبر مثل قوله سبحانه وتعالى:

[وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا]- الآية 97, سورة آل عمران

هذا في ظاهره خبر يحتمل الصدق والكذب أو الوقوع وعدم الوقوع، لكنهم اهتموا بما فيه من طلب، فقالوا: ليس المقصود هنا الإخبار، بل المقصود: "أمِّنوا من دخل البيت الحرام"؛ أي إنه مفيد للإنشاء. وعلى ذلك تكون معصيةً أيةُ أفعال يكون من نتيجتها ترويع أو عدم تأمين من دخل البيت الحرام.

وكل ما سبق سموه "الأمر"، وأصبح من مباحث علوم أصول الفقه. ورأوا أنه قد يكون على شكل "لا تفعل"، وسموه "النهي"، ووجدوا أن الأمر والنهي يقعان تحت كلمة (افعل، ولا تفعل) لها معنى واحد محدد، ولها فرد واحد، وسموا هذا الفرد (الخاص) ووجدوا أن بعض الكلمات تشتمل فيها أفرادها وتستغرقها، فسموها (العام)، وأصبح "الخاص" و"العام" قسمين من أقسام الكلام الأصولي؛ الأمر الذي يدخل فيه الأمر والنهي، ولما رأوا هذا بدءوا في بناء نظرية الدلالة: (ما علاقة الألفاظ التي أمامنا بمعانيها؟)، وبدأ البحث يأخذ خطواته إلى الوراء؛ فبدأ السؤال عندهم: ما قصة العلاقة التي بين الألفاظ والمعاني؟

الوجودات الاربعة وعلاقة الالفاظ بالمعاني الخارجية والذهنية

تأمل الأصوليون في الوجود المشهود (الأشياء) وعلاقته بالوجود المكتوب (النص)، فوجدوا أنفسهم أمام ما أسموه بالوجودات الأربعة: فالشيء له تعيُّن (وجود معيَّن) في الخارج، سواء رأيته أم لم أره، لكنه أيضًا له صورة في الذهن، وإذ به له لفظ على لساني، وإذ بي أكتبه ببناني:

  1. وجود في الأعيان.
  • وجود في الأذهان.
  1. وجود على اللسان.

  2. وجود في البنان.

فهناك شيء (أو أصل)، وهناك درجات لهذا الشيء (أو صوره)، أو وجودات أخرى لهذا الشيء: ثلاثة منه تدل على الرابع، فالكتابة تدل على اللفظ، واللفظ يدل على ما قام في الأذهان، وهذا ليس إلا صورة لما قام في الخارج. ومن هنا بدأ اختلاف المفكرين في الدلالة: هل اللفظ وُضِع للدلالة على ما في الخارج، أم على ما في الذهن الذي هو صورة ما في الخارج؟

ولنضرب لذلك مثالاً: لو أنني رأيت شبحًا يتحرك من بعيد؛ لا أعرف ما هو بالضبط: هل هو جماد أم حيوان أم إنسان؟ يبدأ الذهن في محاولة الاقتراح. فيقول: هذا "عمود إنارة" مثلًا! فهل هذا اللفظ معبرّ عما هو في الخارج أم ما هو في الذهن؟ إنه يعبر بالطبع عما هو في الذهن. فلو رأيته يتحرك لعرفتُ أنه ليس كذلك. قلت: قد يكون "شجرة" تهتز،... فلما اقتربت منه وجدته "سيارة" مثلًا. إذن هذه الألفاظ تدل على ما في الأذهان، لا على ما في الخارج. لكن يأتي آخر ويقول له: إنك تصورت الأشياء التي رأيتها من قبل في الخارج، فقلتَ: "عمود إضاءة" على أساس أنك تصورته بعدما رأيته من قبل؛ فتلك تصورات لأشياء في الواقع سبق معرفتها. هكذا يفكرون في كل جزئية من الجزئيات.

مفهوم الوضع اللغوي ومصدر اللغة بين الوحي والبشر

إذن فهناك ألفاظ موضوعة بإزاءٍ معانٍ؛ مثال "الأسد" وُضع للحيوان المفترس، و"الإنسان" وُضع للكائن الأرضي المفكر. فما هو الوضع؟ قالوا: جعل لفظ بإزاء معنى.

فتساءلوا: من الذي وضع اللغة؟ قالوا هو الله سبحانه وتعالى، لقوله سبحانه وتعالى:

[وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا] الآية 31, سورة البقرة.

وقال البعض الثاني: واضع اللغة هو البشر! وبعضهم قال: إن الله سبحانه وتعالى واضع القوانين الأساسية للغة: مثل أن اسم الفاعل هو الذي فَعَل، واسم المفعول هو ما وقع عليه الفعل، ثم البشر ولَّدوا منها أشياءً. وبعضهم قال: لا نعرف، في مذاهب أربعة نجدها في أصول الفقه؛ لأنها تؤصل لقضية الدلالة، وتجيب عن أسئلة جوهرية.

بل وجدنا الوضع لم يقتصر على اللغة؛ لأننا لاحظنا أن الشرع الشريف جاء فوضع ألفاظًا بإزاء معانٍ ليست هي معانيها اللغوية. مثلًا الصلاة - في اللغة- تعنى العطف، وانعطف أي انثنى، والشرع أطلقها مجازًا على الدعاء؛ لأن الدعاء فيه نوع من أنواع العطف؛ خالق يعطف على المخلوق. والفرس الثاني في السباق يسمى المصلِّي، والأول المجلي؛ فالثاني ثنَّى أي عُطف على الأول. والشرع الذي وضع لفظ "الصلاة" إزاء المعنى الشرعي المشهور (هيئة تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم)، لم ينفٍ علاقة دلالة اللفظ باللغة العربية، لكنه أعطى اللفظ أيضًا معنًى جديدًا. إذن فقد يكون الوضع لغويًا وقد يكون شرعيًا.

الوضع الاصطلاحي والعرفي وتعدد طبقات المعنى للفظ الواحد

ثم لما جاءت العلوم وُدِّونت، وجدوا اصطلاحات جديدة؛ فكلمة "فقه" نفسها تعني "الفهم" عند العرب، لكن أصبحت تطلق على "الحكم المخصوص وعلمه"؛ فهذا الذي وضعه ليس العرب ولا الشرع؛ إنما اصطلح عليه الفقهاء؛ لذلك فهناك وضع لغوي ووضع شرعي ووضع اصطلاحي.

كذلك يمكن أن يتفق أهل بلد معين على معنًى معين للفظ غير المعنى اللغوي، فأهل مصر –مثلًا- يتفقون على تخصيص كلمة "لحم" لغير السمك بل يصرفونه إلى لحم الحيوان دون لحم السمك، كذلك كلمة "السقف": عند الناس للبيت، وعند الله تدل على "السماء". والفراش هو ما يفرش الأسِرَّة في عُرف الناس، والله سبحانه وتعالى سمى الأرض فراشًا. فهناك فارق بين الوضع اللغوي والوضع الشرعي، و الوضع العرفي العام (لأهل بلد مثلًا) والوضع العُرفي الخاص (الاصطلاحي عند أهل فن أو علم ما).

كل هذا نتج عن تفكيرهم؛ لأنهم توقفوا قليلًا عند اللفظ إزاء المعنى، وتساءلوا حتى أقاموا "علم الوضع"، وأول من ألَّف فيه كان أحد الأصوليين الكبار (عضد الدين الإيجي) ، وضع فيه كتابًا سمَّاه (الرسالة العضدية) في القرن السابع، ثم أصبح بعد ذلك علمًا مولَّدًا مستقلًا.

الكلي والجزئي واستثمار الكليات الخمس في خدمة الشريعة

سأل الأصولي نفسه في نظرية الدلالة: ما علاقة اللفظ بالمعنى؟ وما أنواع هذه العلاقات وتقسيماتها؟ وبحثها من عدة مداخل، ووجد أشياء عجيبة ودوَّنها.

فمن مدخل أول وجد ما أطلق عليه بالكل والجزء، أو الكلي والجزئي على أساس دلالة الشيء على معنى واحد أو متعدد: الكلي: هو ما لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشَّرِكة فيه. الجزئي: هو ما يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشَّرِكة فيه.

فوجد فارقًا بين "إنسان"، وبين "فاطمة". فـ"الإنسان" لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشَّرِكة فيه، فنتصور في "إنسان" رجلًا أو امرأةً، أسود أو أبيض...وهكذا. أما فاطمة فيمنع نفس تصور معناها من وقوع الشَّرِكة فيه، فهي شخص معين واحد لا يمكن تكراره، له شكل معين، وهو شخص واحد له مكان معين. فالأول نسميه "كليًا"، والثاني نسميه "جزئيًا".

استعانوا في ذلك بالفكر الإغريقي؛ لأنهم وجدوا أن هذا المبحث عند أرسطو في البحث في الكليات الخمسة التي سماها "الجنس/الفصل/النوع/العرض العام/الخاصة" فأخذوها منه، وحاول الأصولي أن يحولها تحويلًا تامًا بما يتفق مع ذهن العرب واللسان العربي وبما يخدم الشريعة.

تكوين المنطق العربي وتقسيم الالفاظ الى متواطئ ومشكك ومشترك

وبذلك كان "المنطق العربي" -وهو علم من العلوم التي أخذت كثيرًا عن المنطق الصوري لأرسطو– مثالًا يُحتذى في كيفية التعامل مع الفكر الغربي. لأن الأصولي ذهب إلى فكر الغير، ففصل فيه بين التجربة الإنسانية العامة والتجربة الخاصة التي تميز قيم الغير. وأخذ التجربة البشرية (المجردة) وطورّها وأدخلها في نسيجه بما يخدم أغراضه في قضية الدلالة.

ووجد من مدخل ثانٍ وقريب أن اللفظ –في علاقته بالمعنى- قد يكون "متواطئًا"، وقد يكون "مشكِّكًا" أو "مشتركًا":

فـ"المتواطئ" تتساوى أفراده فيه، مثل كلمة "إنسان". أفراد "الإنسان" متساوية في الإنسانية، كل إنسان عبارة عن حيوان قابل لأن يفكر، يتساوى أفراده في تحقيق المعنى؛ فهو لفظ واحد ومعناه واحد.

لكن "المشكِّك" يتفاوت أفراده في تحقيق المعنى. ككلمة "النجاح" قد يكون بنسبة 50% أو 70% أو أكثر. كذلك كلمة "البياض" يختلف بين الثلج والقطن واللبن ولون الإنسان، درجات متفاوتة. فهذا لفظ واحد وله معانٍ متدرجة متقاربة لكنها ليست واحدة.

ثم "المشترك"، وهو الذي يكون اللفظ الواحد فيه له معانٍ عديدة مختلفة، مثل لفظ "العين"؛ يطلق ويقُصد به "العين الجارحة من جوارح الإنسان"، أو يقصد بها "الجاسوس" أو حرف الهجاء (ع)، أو الشمس، أو البئر، أو البستان، أو الذهب، أو الرجل الغني (عين من الأعيان). ولا علاقة ضرورية بين هذه المعاني، فهي معانٍ متعددة.

المفرد والمركب ودلالة الاضافة والاسناد في اللغة

ومن مدخل ثالث في علاقة اللفظ بالمعنى؛ قالوا إن اللفظ إما أن يكون "مفردًا" أو يكون "مركبًا".

فـ"المفرد" هو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه مثل "زيد" لا تدل الزاى على رأسه ولا الياء على جذعه ولا الدال على أطرافه مثلًا. بل الكلمة كلها تدل عليه كله. و"المركب" هو ما يدل جزؤه على جزء معناه، مثل: "غلامُ زيدٍ" يدل جزءاها على شيئين.

ومن وحي "المركب" يبحثون في "الإسناد"، فيقولون: "عبد الله" نسبة إضافية (إضافة) كما سبقت الإشارة في الفلسفة اللغوية. وهكذا, فهناك تفكير وأسئلة دائمة؛ فالتفكير يستوجب أسئلة لنصل إلى حقيقة الأمور.

فيبدو له –مثلًا- أن الإضافة تأتي في لغة العرب بمعنى "اللام"؛ فـ"كتاب على" فكأننا نقول: (كتاب "لــــ"على) بمعنى الملكية، وعندما نقول حافر الفرس، فالفرس لا يملك حافره. الإنسان هو الوحيد الذي يمتلك؛ لأن له ذمة، إذن هناك اختلاف. وبالتالي، فالإسناد علاقة لها وجوه متعددة أو بتعبير نظرية الدلالة: "له دلالات متعددة".

دلالة الاختصاص وادنى ملابسة في تراكيب الاضافة

أعملوا الفكر في دلالة الإضافة غير الملكية، فقالوا إنها دلالة الاختصاص: حافر خاصٌّ بالحصان، أو غلاف مختصٌ بالكتاب...وهكذا. ثم جرَّبوا الإضافات الأخرى، فقالوا: "صلاة الليل" لا تعبر عن ملكية ولا اختصاص، إنما عن ملابسة أو ما أسموه "أدنى ملابسة": ملابسة ظرفية زمانية، وهناك ملابسة ظرفية مكانية.

الآن خرج بنظرية في المركب والإضافة. (فالإضافة يعبَّر عنها باللام، واللام تأتي للملكية والاختصاص أو أدنى ملابسة). ليكوِّن بذلك صورة متكاملة عن الموجودات بصفة عامة، لكنه في النهاية يخدم -بهذه النظرية- غرضه في فهم دلالة اللفظ على المعنى.

دلالات المطابقة والتضمن والالتزام وانواع اللزوم

ثم يمضي إلى دلالة رابعة للفظ من حيث علاقته بالمتصوَر الممكن، فقال هناك ثلاث دلالات: دلالة كلٍّ، ودلالة جزءٍ، ودلالة لا كل ولا جزء إنما شيء ضروري أو لازم الاتصال بالمتصوَر من اللفظ، وسماها دلالات: المطابقة، والتضمُّن، والالتزام.

فحين نتلفظ بلفظ "عِمَارة" فقد تطلق ويراد بها: مجمل العمارة فتسمى دلالة مطابقة؛ لأن اللفظ يدل على كامل معناه.

وقد يراد بها "شقة من العمارة" أو يتبادر إلى ذهن "الطابق الأرضي منها"، فهذه دلالة تضمُّن، ودلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء من معناه.

وقد يتبادر إلى الذهن "من شاركوا في بناء هذه العمارة من مهندسين وعمال"، وهم لا يمثلون مجمل العمارة ولا جزءًا من مكوناتها، إنما هم من اللوازم الضرورية لوجودها، هذه علاقة "لزوم".

ثم يتساءلون: ما معنى اللزوم؟ إنه عدم الانفكاك، أي إن شيئًا يلازم آخر لا ينفك عنه، يقولون: إذن هناك لازم، وهناك ملزوم، وهناك اللزوم نفسه: ثلاث قضايا. فيتساءلون عن مصادر علاقة اللزوم في الموجودات: هل هو مما استلزمه الوجود أم مما تستلزمه العادة؟ أم مما يستلزمه العقل؟ فيكون اللزوم ثلاثة:

لزومًا عاديًا: كقولنا: الغراب أسود، لأن العقل لا يحتم أن يكون الغراب أسود، إنما الواقع يدل عليه.

ولزومًا عقليًا: كقولنا: "العشرة عدد زوجي"؛ يحتمها العقل، وإن لم يشهد لها واقع.

ولزومًا عُرفيًا:- كقولنا: القائد مهاب الجناب: لا يحتمها عقل ولا وجود، إنما عُرف الناس وعادتهم.

ثم تكلم عن اللزوم بالمعنى الأعم، واللزوم بالمعنى الأخص، واللزوم البيّن، واللزوم غير البيّن، وتوسعوا في ذلك.

اشتراك مباحث الدلالة بين العلوم وقضية الاستعمال والحقيقة والمجاز

الغريب أنك تجد نفس هذه المباحث في علوم أخرى كالمنطق والبلاغة كما هي أيضًا في علم الأصول، لكن كلًا يتناولها لغرضه؛ لخدمة علمه.

ثم تكلموا عن قضية خامسة في نظرية الدلالة، وهي قضية "الاستعمال":

فلفظ "أسد" معلوم أنه يستعمل للدلالة على "الحيوان المفترس" ذي الأوصاف المعروفة. لكننا نلاحظ أن العرب "تستعملها" أيضًا "لدلالات" أخرى؛ كمعنى الرجل الشجاع، وهنا يفرقون بين استعمالين: الحقيقة والمجاز.

وقضية "الحقيقة والمجاز" تتداخل بشدة مع قضية الوضع ومع الموقف من هذه الأخيرة. فالحقيقة: هي استعمال اللفظ فيما "وُضع له أولًا". مثل: رأيت أسدًا في الغابة. والمجاز: هو استعمال اللفظ في غير ما وضُع له أولاً؛ مثل قولك: رأيت أسدًا في المعركة يقهر الأعداء، أو كان حمزة أسدًا من أُسُد الله سبحانه وتعالى.

الاستعمال والحمل والوضع كأساس لنظرية الاتصال اللغوي

ومن مدخل سادس -ومن قضية الاستعمال- استخرجوا قضية أخرى ربطوها بها، وهي قضية "الحمْل"، وبهما تكتمل نظرية "الاتصال" أو "التواصل اللغوي" عند الأصوليين:

فحين أتلفظ أمامك باللفظ وأستعمله بمعنى، وأنت قد تسمعه بمعنى مختلف، يكون التفاهم بيننا متعسّرًا، وينقطع التواصل، وتضيع فائدة اللغة، فماذا فعلوا؟ وضعوا قاعدة تقول: "الاستعمال من صفة المتكلم، والحملُ من صفة السامع، والوضعُ قبلهما". و"الوضع قبلهما": يعني ضرورة الاستعمال والحمل بناءً على وضع سابق للفظ إزاء معناه أو معانيه المحتملة؛ إما وضعًا لغويًا، أو وضعًا شرعيًا، أو عرفيًا، أو وضعيًا اصطلاحيًا.

وعند هذا الحد بدأت نظرية الدلالة تنتقل إلى مستوى أكثر نضوجًا واختمارًا، حين اشتبكت وتراكمت فيها القضايا والتفريعات من الوضع والاستعمال والحمل والاتصال....إلخ. كل ذلك بهدف أساسي؛ وهو معرفة مراد المتكلم من كلامه، وهو حقيقة الفقه.

الانتقال من اللفظ المفرد الى الجملة ومداخل مباحث الاحكام

وبعد هذا الإجمال والشعور باكتمال النظرية على مجملها، اتجهوا مع المفرد والمركب إلى دراسة "الجملة" والنِّسب أو العلاقات التي تحتويها الجملة. ففضلوا القول في قضايا الأمر والنهي، وقضايا الخصوص والعموم، وقضايا المطلق والمقيد، والمجمل والمبيَّن، والظاهر والمأوَّل، والنص والظاهر، والخفي، والمشكِل و...إلخ.

وضع الأصولي "الجملة العربية المفيدة" أمامه وراح يطرح أسئلته عليها على كافة المستويات: على مستوى اللفظ المفرد، وعلى مستوى التركيب، وأخذ في السؤال من كل جهة. كان يهدف بداية إلى "الفهم"، ثم انطلق إلى مهمة أعلى: كيف يحيل هذا الفهم إلى قواعد أو أحكام تصف الأفعال البشرية وتُطبَّق في الوقع (وهو ما سنراه في نظرية الإفتاء)!

بداية مبحث الامر والنهي وتطور تعريف الامر

مثال- قضية الأمر والنهي: كيف رتب الأصوليون مباحث هذه القضية؟

البداية -عند الأصولي- تأتي من التحديد أو التعريف. يبدأ بتعريف أولىّ ثم يأخذ التعريف -مع كثرة الترداد والتحاور حوله- ينضج حتى يصير أكثر متانة ودقةً. ففي البداية، قالوا: إن "الأمر" هو طلب (أن تطلب شيئًا من شخص ما أو كائن ما). ثم قيل لهم إن النهي أيضًا يُعد طلبًا، فقالوا: إن الأمر -إذن- هو طلب الفعل (على أساس أن النهي هو طلب التَّرْك).

فقيل: وما صيغتها؟ قالوا: "افعلْ" مثل اضربْ، اذهبْ،.... فقيل: إن في اللغة أفعالًا للأمر على نفس الصيغة "افعل" لكنها لا تفيد الطلب، بل تفيد "التَّرْك" كالنهي؛ مثل قولهم: اتركْ، دعْ، ذرْ،... فهل هي أمر أم هي نهي؟!

فقالوا: إن "الترك" فعل، وليس كـ" عدم الفعل" الذي هو محل النهي. فهناك فارق بين عدم شرب الخمر وبين "الإحجام" عن شربها مع الدعوة إليها أو القدرة عليها أو حضورها. وقالوا: والفارق بين "الترك" و"عدم الفعل" هو "النية"، وتوسعوا في مباحثها.

الصياغة النهائية لتعريف الامر وفلسفة العبارة الاصولية

فطورَّوا التعريف مع تزايد الأخذ والرد، ومع الروح المنفتحة على كل جديد من الطروحات والأسئلة، فصار تعريف "الأمر" هو: "طلب فعل غير كَفٍّ مدلول عليه بغير كُف ونحوها".

ويشار هنا إلى أنه رغم أن هذه العبارة هي عبارة رائعة توضح مدى عمق الصياغة ومدى الخدمة التي لاقاها هذا العلم، فإن طرائق التدريس التي وقفت عند تحليل العبارة فقط دون بحث ما وراءها قد قصَّرت أكثر مما خدمت.

هذه العبارة تتضح فيها فلسفة الصياغة عند الأصوليين حين نضجَ علمهم أو كان في مسار نضوجه، حين كانوا يعنون في الصياغة بـ"التحقيق والتدقيق والترفيق والتنميق والتزويق". فعلى سبيل المثال نجد قولهم: "كَفِّ" و"كُفْ" من قبيل التزويق. ولو لاحظت تكرار "غير" في التعريف فهي تعبر عن تعقُّد المسألة، مما تطلب منهم أن "يثبتوا" دخول فعل "كُفْ" في الأمر بنفي نفيه، وتفي النفي "إثبات". فالأمر هو طلب بغير "الكفّ"، والكفّ يخرج منه فعل "كُفْ" ونحوه.

هذا نموذج على تحليل العبارات عندهم، لكن ليس هذا هو المطلوب من الباحثين اليوم.

مسائل التكرار والفور وعلاقة الامر بضده في الفقه

لكن الشيء المهم أنهم بعد التعريف ظلوا يستخرجون مسائلهم وأجوبتها من قبيل:

  • هل الأمر يفيد التكرار؟ والذي عليه الجمهور أن الأمر لا يفيد التكرار.

  • هل الأمر يفيد الفوْر؟ والذي عليه الجمهور أن الأمر لا يفيد الفوْر.

  • هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ والذي عليه الجمهور أن الأمر بالشيء يفيد النهي عن أضداده.

  • هل الأمر بالأمر بالشيء يفيد الأمر بذلك الشيء؟

وتفصيل ذلك كما يلي:

لو أنك قلت "أقم الصلاة"، فهل هذا الأمر يفيد التكرار أم لا؟ الجمهور قالوا لا يفيد إلا فعل الشيء للمرة الواحدة، وإذا كان الشرع يريد التكرار فليأتِ بما يدل على إرادة التكرار من القرائن والأمارات، مثل:

[أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْر]ِ- الآية 78, سورة الإسراء،

وكقوله سبحانه وتعالى:

[حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى]- الآية 238, سورة البقرة،

وغيرها من الآيات والأحاديث التي أوضحت تكرار ومواقيت الصلاة. وهذا غير أن يقال لك: اسقني ماءً، فهي لا شك لا تفيد التكرار.

الفور والتراخي واليمين والتعليق في ضوء دلالة الامر

فقالوا: وماذا عن "الفوْر"؟ فقوله سبحانه وتعالى:

[وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت]ِ- الآية 97, سورة آل عمران،

هل يفيد الفوْر؟ الجماهير على أنه يفيد التراخي. والخلاف قائم بين الحنفية والشافعية في ذلك.

وبخصوص الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده، قالوا إن هناك أشياء لها ضدٌ واحد، فيكون الأمر بالشيء نهي عن هذا الضد المعروف، كالأمر باليقظة هو نهي عن النوم؛ لأنه ليس ضد اليقظة إلا النوم. وإذا كان للشيء أضداد متعددة، فالأمر به نهي عن مجموع أضداده لا عن ضدٍّ معين منها. ومن ثم قالوا: (الأمر بالشيء نهي عن ضده لا عن أضداده، والنهي عن الشيء أمر بضده لا بأضداده).

وهذه القاعدة - في أصول الفقه- لا تتعلق فقط بفهم النص إنما أيضًا تتعلق بتطبيقه.

فقضية "الأيمان والتعاليق" من أهم القضايا التي شغلت الفقه الإسلامي فترة طويلة تجد امتدادات لها في هذه القاعدة. فالأيمان هي الأقسام جمع "يمين"؛ بمعنى قَسَم أو حَلِف. والتعاليق تظهر في الطلاق والعتِاق: تعليق الطلاق/ العتِاق على فعل أو حدث ما. فإن قال الرجل لامرأته (إن خالفتِ أمري فأنتِ طالق) فإذا فعلت نهيًا له ولم تخالف أمرًا له، هنا يتحرك المذهبان بين المؤيد لهذه القاعدة والمخالف لها.

الامر بالامر بالشيء وتكليف من وقع عليه الامر الثاني

ثم هل الأمر بالأمر بالشيء يفيد الأمر بذلك الشيء؟ قيل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أمرَ عمر أن يأمر ابنه عبد الله أن يُرجع زوجته هنا عمر مأمور بأمر ابنه أن يُرجع زوجته، فهل عبد الله هنا مكَّلَّف من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؟ بمعنى أن أمر الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لأبيه بأن يأمره يعّد أمرًا لابن عمر نفسه؟ هل واجب على عبد الله أن يطيع؟ اختلفوا، لكنهم على كل حال كانوا يسعون للاقتراب من الحق كما يتصورونه.

وقد جرّنا إلى هذا التفصيل أن نظرية الدلالة تعد هي النظرية القلب في علم أصول الفقه، وهي تحتاج إلى مزيد ومزيد من التفاصيل، كما أن تفاصيلها مشحونة بأبعاد منهجية كثيرة.

دلالة الامر على الوجوب والنهي على التحريم تمهيدا للمنطوق والمفهوم

ثم قال الأصولي: لابد أن أفكر في "الأمر" وما يقتضيه، فقال: إن الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة تدل على غير ذلك، والنهي للتحريم ما لم تصرفه قرينة.. وغير ذلك من المباحث الأخرى.

ثم تكلموا –من مدخل سابع أو ثامن- عن المنطوق والمفهوم ودلالاتهما:

أريد –كأصولي- أن أستدل بالألفاظ التي أمامي لأتوصل إلى معناها على مستوى اللفظ والجملة. وهنا يأتينا تصور نشأ عندهم بالتفكُّر، وكأنه منهج للتعامل مع اللغة العربية، وهو قضية "المنطوق والمفهوم".

وعندهم "المنطوق" قسمان: صريح وغير صريح، و"المفهوم" قسمان هما مفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة. والفارق الأساس بين المنطوق والمفهوم أن المنطوق ما كان محل النطق، والمفهوم ما كان في محل السكوت؛ أي المعنى الذي جاء إلى ذهنك، فقد جاء في معنًى مسكوتٍ عنه في اللفظ، ولكنه مفهوم من الكلام. وقد يكون المفهوم موافقًا للمنطوق وقد يكون مخالفًا له.

مثال الزكاة في سائمة الغنم وتطبيق مفهوم الموافقة والمخالفة

ومثال ذلك أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقول:

"في سائمة الغنم الزكاة"

والسائمة هي التي ترعي في المراعي تأكل من العشب الخصب والجدب؛ وضدها المعلوفة، وهي التي تحبس في الحظائر ونأتي لها بأكلها. والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يجعل الزكاة في السائمة؛ فهي التي لا تكلف صاحبها شيئًا، في حين أن المعلوفة تتكلف عليه؛ لأنه يحبسها، (وهذا الحبس له مؤنة أو كلفة)؛ فعفا الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عن أخذ شيء منها.

الذي أمامنا (النص) هنا هو المنطوق، وهو يفرض الزكاة على السائمة، هذا ما نقرأه أو نسمعه. ولكن المعلوفة مسكوت عنها. ولذلك عندما آتي فأحكم على المسكوت عنه بـ"ضد" المذكور أمامي فهو مفهوم المخالفة، أو "مع" المذكور فهذا هو مفهوم الموافقة.

دلالة الاقتضاء واختلاف الفقهاء في تقدير المحذوف

والمنطوق صريح وغير صريح. المنطوق الصريح هو أيضًا الذي سمعته كالقول السابق، ولكن غير الصريح قالوا إنه ثلاث دلالات: دلالة الاقتضاء، ودلالة الإيماء، ودلالة الإشارة. فما هذه الدلالات؟

دلالة الاقتضاء تعني أنه لابد على أن أكمل النص حتى يتفق مع الواقع أو مع الشرع. فلو حملت الكلام الذي أسمعه على حقيقته الصُّلبة الجافة لكان كذبًا. فالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عندما يقول

(لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)

، والحقيقة المجردة التي وضع من أجلها النفي في اللغة العربية هي نفي الوجود، وبناء عليها فإذا صليتُ ولم أقرأ الفاتحة، فإن الذي رآني وجد أنني أصلي، بينما المعنى الجاف الصلب الحاد في الحديث هو أنني لم أصلَّ، فهل هذا صحيح في الواقع؟ لا، فمعنى هذا الكلام أن هناك محذوفًا يقتضيه الواقع والشرع؛ وهو أنه لا صلاة "صحيحة" أو "كاملة" إلا بأم الكتاب؛ ومنبع هذا اليقين أن ثم شيئًا محذوفًا، وقد وجَّهني إليه الشرع أو الواقع.

ولأجل أن هناك دلالة اقتضاء في اللغة سنجد أن هناك اختلافًا بين الفقهاء، وسنجدهم انتبهوا لما هو "القطعي" وما هو "الظني"؛ لأنهم تأكدوا هنا (في المثال السابق) أن الأمر ظنيّ، و أنني عندما أقدِّر أن المحذوف هو "صحة" الصلاة وليس "كمالها" فذلك لاعتبارات عقلية وليست نقلية.

اختلاف الفقهاء في المحذوف بين صحة العبادة وكمالها

ولأن الأمر ظنيّ فلا يكفّر بعضهم بعضًا ولا يفسقون؛ لأن الإطار المرجعي واحد، وهو أنهم حكَّموا الكتاب والسُّنة في القضية؛ فقضيته قضية فَهْم الدلالة، وليست قضية حجية أو ثبوت.

وهذا التنوع أمر أراده الله سبحانه وتعالى لعل فيه تدريبًا للفكر، وبناءً لمناهج اختلاف التنوع وتعدد الفروع، والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقول:

(من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)

، وهنا يختلف الأئمة: هل هي في كل ليلة أو في أول رمضان، اختلفوا في محذوف قد يقتضيه الأمر. الشافعي -هو والجمهور- يقول في كل ليلة؛ لأن النفي هو نفي صحة. والحنفية يقولون بل نفي كمال. فالفقه اختلف لاختلاف الأدوات، وهي التي نسميها أصول الفقه.

دلالة الايماء وبناء الحكم على المشتق لاستنباط العلة

أما عن دلالة الإيماء فقد وجدنا في هذه الألفاظ أن الله سبحانه وتعالى بنى الأحكام الشرعية على أوصاف قائمة بذواتٍ كما في قوله سبحانه وتعالى:

[وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا]- الآية 38, سورة المائدة.

ودلالة الإيماء تعني أن الله سبحانه وتعالى يرتب الحكم (وهو القطع) على وصف السرقة. فلو لم يكن الوصف علة للحكم لما كان لذكره معنىً، فهو رتب القطع وجعله مبنيًا على "السرقة"، لا يمكن أن يكون "القطع" إلا وسببه السرقة؛ ولذلك أخرجوا قاعدة لهذه القضية: (إن بناء الحكم على المشتق يؤذن بعلِّيَّة ما منه الاشتقاق).

دلالة الإيماء هي مسلك من مسالك إدراك العلية: يفيدنا في نظرية الإلحاق (القياس).

دلالة الاشارة واستنباط الاحكام من لوازم النصوص

ثم يتكلمون بعد ذلك عن دلالة الإشارة؛ وذلك أن اللفظ يشير إلى شيء ليس من صميم مراد المتكلم ولا قصده الأساسي. فعندما أقول (السارق...) فالسرقة علة للقطع، أنا أقصد -هنا- أن السرقة علة القطع. لكن ماذا يكون الحال لو أنني قلت لك في نص شرعي: "تُعقد النية في أول العمل"؟ فلابد أن أفهم أن هذا متعذِّر في الصيام؛ لأن أول العمل يقتضي ضرورة تبيُّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر كل يوم، وهذا شيء شبه مستحيل: أن يخرج المسلمون إلى الصحراء كل يوم حتى يتبين لهم مطلع الفجر وعند ذلك ينوون الصيام؛ فهذا غير ممكن – فهنا "يشير" ذلك اللفظ أو ذلك التركيب إلى أن الليل كله موطن لهذه النّــيّة.

من أين أتيت بهذا؟ من الواقع، ومن التصور العقلي، ومن سؤالي: كيف أنــفِّذ هذا الأمر الإلهي، فإن لم أستطع بهذه الكيفية المباشرة؛ فلا بد أن آخذ إشارة من هذا بهذا.

تعريف العام والخاص وصيغ العموم في اللغة

يتكلمون –تاسعًا- عما يسمى بالخاص والعام، ويقولون إن هناك ألفاظًا تستغرق جميع ما تصلح له بالوضع - وضع اللغة- وهذا هو "العام"، والخاص بعكسه، كأنه ذلك الذي يدل على شيء واحد. فجعلوا يفكرون: هل هناك ألفاظ معينة للعموم؟ فوجدوا ألفاظًا مثل (مَن)، مثل: مَن جاءك فأكرمه. ولفظة (ما): "عفوت عمَّا فعلت"، ومثل الجمع المُحلّى بالألف واللام؛ مثل: "المسلمون تتكافأ دماؤهم": أي كل المسلمين، ومثل الجمع المضاف: "أولاد زيد"... وهكذا.

ثم من تلك الصيغ يتكلمون عن أحكامها: ماذا لو حدث أن خُصِّص العام؟ هل الباقي يكون قطعيًا في معناه أم يكون ظنيًا؟ فبدأ العلماء يكتبون في كيفية هذا التخصيص أبوابًا:

أولًا- اللفظ العام كيف أعرف أنه "عام"؟ قالوا: "إذا جاز منه الاستثناء". فالاستثناء هو معيار العموم، فالآيةٍ التي يجوز لي فيها الاستثناء وتبقى كما هي تامة المعنى، تكون آية عامة، وما دامت هي عامة فهي تستغرق كل ما وُضعت له، فإذا ما خُصِّصت فالباقي فيه خلاف: هل هو قطعي أو ظني.

والمهم –في هذا المقام- أن نفهم كيف كانوا يفكرون. فلماذا قالوا: الذي يخصص هو الاستثناء؟ المثال يوضح: فقوله سبحانه وتعالى:

[َأَقِمِ الصَّلاَةَ]- الآية 78, سورة الإسراء،

عام لأنه يجوز أن يقال: (أقم الصلاة إلا صلاة العصر). "الصلاة" جنس للصلاة فهي عام.

المجمل والمبين والنص والظاهر والتأويل في الصفات

ثم يتكلم العلماء –عاشرًا- عما أسموه بــ"المجمل" و"المبين". ويقولون إن هناك تقسيمًا للألفاظ على الوجه التالي:

  • النص: هو ما لا يحتمل إلا المراد منه، مثل قوله سبحانه وتعالى:

[فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ]-الآية 196, سورة البقرة،

فقوله: "عشرة" منعَ الخلاف. وقوله سبحانه وتعالى:

[الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ]-الآية 229, سورة البقرة،

تقضي أن الطلاق ثلاث مرات، ولم يختلفوا في ذلك. وهذا من المبــيــَّن.

  • الظاهر والمؤول: ما يحتمل المراد وغيره، فله معنيان، لكنه في المراد أرجح. لكن لو كان المراد هو المرجوح يسمى المؤوَّل.

هذا كله فيما له دلالة واضحة: لا تحتمل غير الراجح، أو تحتمل الراجح أكثر، أو تحتمل المرجوح:

[الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى]- الآية 5, سورة طه.

ما معنى "استوى"؟ في الذهن عند العرب معناها يجلس – ولكن الله سبحانه وتعالى يقول:

[لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ]- الآية 11, سورة الشورى،

ويقول:

[لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ]- الآية 4, سورة الإخلاص.

هل هناك معني مرجوح في كلمة "استوى"؟ نعم، وهو الاستيلاء، أي قهرَ واستولَى. إذًا لا نستطيع أن نأخذ بالظاهر الراجح؛ لأن هذا سيصف الله سبحانه وتعالى بما لا يليق بجلاله، فلا بد أن نخرج من ذلك، ويسمونه "التأويل"، وهو ترك الظاهر، لماذا؟ لأدلة عقلية ونقلية.

المجمل في آية قطع يد السارق ودور السنة والاجماع في البيان

كل هذا في مقابل ما له دلالة غير واضحة، وهو الذي يسمى "بالمجمل". الآية التي ذكرناها

[وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا]- الآية 38, سورة المائدة,

هذه الآية في ذاتها مجملة في موضعين: "فاقطعوا": القطع يُطلق ويراد منه الشق، ويُطلق ويراد منه الإبانة أو الانفصال. إذن ماذا يقصد هنا؟ هل هناك ما يدل على هذا أو ذاك؟ لا، إذن فهو من قبيل المجمل الذي يحتاج إلى مبيِّن.

المعضلة الثانية أنه سبحانه وتعالى قال: "أيديهما". واليدُ تطلق من أطراف الأصابع إلى نهاية الكف، أومن بداية الأصابع إلى نهاية الكتف. فمن أين تقطع اليد؟ فهذا مجمل أيضًا؛ فأصبح عندي أربعة احتمالات لتنفيذها: جرح في الكف، أو جرح في اليد، أو فصل الكف، أو فصل الذراع كله.

فهنا نرجع إلى الحجية، إلى السُّنة؛ خاصة أن الأمر فيه قطع جزء من جسم إنسان، وهذا في ظاهره مخالف للدين الذي ينهاني عن الاعتداء على جسم الآدمي، إذن فلابد أن ألجأ للسُّنة، ولا يصح أن أسارع بتحكيم عقل أو بتقديم رأي مجرَّد عن الهدى.

وسنحتاج إلى قضية الإجماع التي تقول إننا نقطع من الكف، ونفصل ولا نشق. فقد حدد الإجماع واحدة من الاحتمالات الأربعة. وهذا مهم لفهم دور الإجماع الأصولي؛ فهو لا ينشئ حكمًا، ولكنه ينفي الظن، ويرفع الجدال والخصام، فيحول الظني إلى قطعي.فهل هناك من يخالف في ذلك؟ أبدًا!

اسباب الاجمال والضمير والاشتراك ومقدمة المطلق والمقيد

ما سبب أو أسباب الإجمال؟

في بعض الأحيان يكون الضمير، لا نعرف أين مرجعه فيقع الإجمال. كقوله سبحانه وتعالى:

[أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ]- الآية 237, سورة البقرة.

من هو الذي بيده عقده النكاح ؟ الولي- وهو أبو العروس؟ أم الزوج؟ لا نعلم على سبيل القطع من النص؛ لأنه يحتمل ويحتمل؛ لأن المرجع للضمير يجوز على الاثنين. وسبب الإجمال قد يكون أيضاً الاشتراك أو تردد العبارة؛ يعني بما شاع أو بما كان حقيقة مهجورة.

أيضًا يتكلمون -أخيرًا- عن قضية المطلق والمقيد، والتي يلحقها بعض العلماء بقضية العام والخاص، ويجعلها بعضهم موضوعًا مستقلًا. ويقولون: المطلق هو ما دل على ماهية بلا قيد، والشرع يقول: اعتق رقبة. "رقبة" تدل على الرق، وفي هذا المجال فهي مطلقة، أما لو قال رقبة مؤمنة فقد قيدها بصفة الإيمان. أو يقول: يحرم عليك أن تأكل الدم؛ فهذا مطلق أيضًا؛ لأنه لم يحدد هل هو دمٌ لحيوان أو لطير، أو هو المسفوح أو غيره, والمقيَّد على ذلك هو: ما دل على الماهية بقيد زائد.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما تعريف الاستنباط في أصول الفقه؟

استجلاب الحكم من النصوص الشرعية

ما تعريف الخبر في الأسلوب العربي؟

الجملة التي تحتمل الصدق أو الكذب لذاتها

ما الوجودات الأربعة التي تأمل فيها الأصوليون؟

في الأعيان والأذهان واللسان والبنان

من أول من ألّف في علم الوضع من الأصوليين؟

عضد الدين الإيجي

ما الفرق بين الكلي والجزئي في نظرية الدلالة؟

الكلي لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه والجزئي يمنعها

ما اللفظ المشترك في علم الدلالة؟

اللفظ الواحد الذي له معانٍ عديدة مختلفة لا علاقة ضرورية بينها

ما قاعدة التواصل اللغوي عند الأصوليين؟

الاستعمال من صفة المتكلم والحمل من صفة السامع والوضع قبلهما

ما موقف الجمهور من مسألة هل الأمر يفيد التكرار؟

الأمر لا يفيد التكرار إلا بقرينة

ما دلالة الاقتضاء في المنطوق غير الصريح؟

تقدير محذوف في النص حتى يتفق مع الواقع أو الشرع

ما السائمة في حديث زكاة الغنم؟

الغنم التي ترعى في المراعي ولا تكلّف صاحبها

ما دور الإجماع في رفع الإجمال عن آية قطع يد السارق؟

حدّد أن القطع من الكف فصلًا لا شقًا فرفع الظن وحوّله إلى قطعي

ما الفرق بين الوضع اللغوي والوضع الشرعي؟

اللغوي ما وضعته العرب والشرعي ما وضعه الشرع بإزاء معانٍ غير لغوية

ما الصياغة النهائية لتعريف الأمر في أصول الفقه؟

طلب فعل غير كفٍّ مدلول عليه بغير كُفْ ونحوها

ما مفهوم المخالفة في أصول الفقه؟

الحكم على المسكوت عنه بضد حكم المذكور

ما معيار العموم عند الأصوليين؟

جواز الاستثناء من اللفظ

ما تعريف الوضع في علم الدلالة الأصولي؟

الوضع هو جعل لفظ بإزاء معنى، كوضع لفظ 'الأسد' للحيوان المفترس و'الإنسان' للكائن الأرضي المفكر.

ما الفرق بين الإنشاء والخبر في الأسلوب العربي؟

الخبر يحتمل الصدق والكذب لذاته، أما الإنشاء فلا يحتملهما لذاته كقولنا 'اسقني ماء'.

ما أنواع الوضع الأربعة في نظرية الدلالة؟

الوضع اللغوي ما وضعته العرب، والشرعي ما وضعه الشرع، والعرفي العام ما اتفق عليه أهل بلد، والاصطلاحي ما اتفق عليه أهل فن أو علم.

ما الفرق بين المتواطئ والمشكّك في الألفاظ؟

المتواطئ تتساوى أفراده في تحقيق معناه كـ'إنسان'، والمشكّك يتفاوت أفراده في تحقيق معناه كـ'البياض' الذي يتفاوت بين الثلج والقطن واللبن.

ما دلالة التضمن في نظرية الدلالة؟

دلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء من معناه، كإطلاق 'عمارة' ويُراد بها شقة منها أو طابق أرضي.

ما الفرق بين الحقيقة والمجاز في استعمال الألفاظ؟

الحقيقة استعمال اللفظ فيما وُضع له أولًا كـ'رأيت أسدًا في الغابة'، والمجاز استعماله في غير ما وُضع له كـ'رأيت أسدًا في المعركة' بمعنى الرجل الشجاع.

ما الفرق بين المفرد والمركب في الدلالة؟

المفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه كـ'زيد'، والمركب ما يدل جزؤه على جزء معناه كـ'غلام زيد'.

ما أنواع اللزوم الثلاثة في دلالة الالتزام؟

اللزوم العادي كالغراب الأسود يدل عليه الواقع، والعقلي كالعشرة عدد زوجي يحتمه العقل، والعرفي كالقائد المهاب الجناب يقتضيه عرف الناس.

ما الفرق بين مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة؟

مفهوم الموافقة هو الحكم على المسكوت عنه بنفس حكم المذكور، ومفهوم المخالفة هو الحكم عليه بضد حكم المذكور.

ما دلالة الإيماء وما القاعدة المستخرجة منها؟

دلالة الإيماء هي بناء الحكم على وصف مشتق، والقاعدة المستخرجة: 'إن بناء الحكم على المشتق يؤذن بعلّية ما منه الاشتقاق'، وتُفيد في القياس.

ما دلالة الإشارة وكيف تختلف عن دلالة الاقتضاء؟

دلالة الإشارة هي ما يشير إليه اللفظ دون أن يكون مقصود المتكلم الأساسي، بينما دلالة الاقتضاء تقتضي تقدير محذوف لازم لصحة الكلام أو اتفاقه مع الشرع.

ما موقف الجمهور من مسألة هل الأمر يفيد الفور؟

الجمهور على أن الأمر يفيد التراخي لا الفور، والخلاف قائم بين الحنفية والشافعية في ذلك.

ما المطلق والمقيد في أصول الفقه؟

المطلق ما دل على ماهية بلا قيد كـ'اعتق رقبة'، والمقيد ما دل على الماهية بقيد زائد كـ'رقبة مؤمنة'.

ما النص في تقسيم الألفاظ من حيث الوضوح والإجمال؟

النص هو ما لا يحتمل إلا المراد منه ولا يقبل الخلاف، كقوله تعالى 'تلك عشرة كاملة' الذي منع الخلاف في العدد.

لماذا لا يُكفَّر الفقهاء بعضهم بعضًا في مسائل الدلالة الظنية؟

لأن الإطار المرجعي واحد وهو تحكيم الكتاب والسنة، والخلاف في مسائل الدلالة الظنية هو خلاف في فهم الدلالة لا في الحجية أو الثبوت.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!