اكتمل ✓
الفصل 5

ما هي المفاهيم الملتبسة بين التراث الإسلامي والعلوم الحديثة وكيف تؤثر إشكاليات الترجمة على فهم المصطلحات الإسلامية؟

المفاهيم الملتبسة بين التراث الإسلامي والعلوم الحديثة تشمل ثنائيات كالإطلاق والنسبية، والقيمية والمادية، والدين والعلم. الفارق الجوهري بين النموذج الإسلامي والغربي لا يكمن في القيمية أو الإطلاق، بل في مصدر المعرفة؛ إذ يعتمد الإسلام الوحي والوجود معًا بينما يقتصر الغرب على الوجود وحده. وتزيد إشكاليات الترجمة الأمر تعقيدًا، إذ لا يوجد قاموس إسلامي منهجي ينقل المصطلحات بدقة إلى اللغات الأخرى.

4 دقائق قراءة
  • هل يمكن وصف النموذج المعرفي الإسلامي بالإطلاق والغربي بالنسبية، وما الخطأ في هذه الثنائية الشائعة؟

  • الفارق الحقيقي بين النموذجين المعرفيين لا يتعلق بالقيمية أو المادية، بل بمصدر القيم؛ فالإسلام يعتمد الوحي والوجود بينما يقتصر الغرب على الوجود.

  • النموذج الغربي لا يرفض القيم بل يرفض الوحي مصدرًا للمعرفة، ويقصر العلم على التجربة المشاهدة فيخرج وجود الله من دائرة العلم.

  • مفهوم العلم في التصور الإسلامي أوسع من الساينس الغربية، إذ يشمل الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل عقلي أو حسي أو نقلي.

  • غياب قاموس إسلامي منهجي في اللغات الأخرى أفضى إلى ترجمات مشوهة كتعريف الجهاد بالإرهاب، وتبني مصطلحات هندوكية لوصف مفاهيم إسلامية.

  • المطلوب تجاوز دور الوسيط بين العلوم الشرعية والاجتماعية نحو تكوين دارس منتج للمعرفة قادر على ضبط المصطلحات ونقلها بدقة.

مدخل إلى المشكلات التي تواجه الباحث المعاصر مع التراث الإسلامي

هناك العديد من المشكلات التي تواجه عقل الباحث أو طالب العلم المعاصر عند الاقتراب من تراثه. لعل أولاها- تتعلق بالباحث نفسه؛ وتتمثل في ضآلة المعرفة بمعلومات التراث في جزئياته وكلياته، وثانيتها-وهي التي نقف عندها- تتعلق بالمسافة بين التراث وبين العلم الحديث؛ وتتمثل في كمّ المصطلحات الملتبسة بين لغة العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة وبين النصوص التراثية، بل ونصوص الأصليْن (الكتاب والسُّنة) نفسها.

الالتباس حول الإطلاق والنسبية في فهم النموذج المعرفي الإسلامي

إن ثمة أفكارًا ومفاهيم شائعة حول التراث الإسلامي ونموذجه المعرفي، ليست سوى تلبيسات طرأت من منهجيات العلوم الحديثة، من قبيل قضية الإطلاق والنسبية. فلا يمكن القول إن النموذج المعرفي الإسلامي مطلق وإن الغربي نسبي، هذا الكلام باطل. وبطلانه يتمثل في أن القول "بالنسبية" كأساس هو أيضًا إطلاق؛ حيث يمثل منطلقًا لا نقاش فيه. وبالتالي مهما أنكر هؤلاء الإطلاقَ فهم يقعون فيه، ولابد علينا من فك هذا الاشتباك!

ثنائية القيمية والمادية واختلاف مصادر القيم بين الإسلام والغرب

وكذلك قضية القيمية والمادّية، ودعوى أن النموذج الإسلامي قيمي، وأن النموذج الغربي مادي غير قيمي، هو كلام خطأ ملتبس؛ لأن النموذج الغربي قيمي أيضًا. الفارق بين النموذجين أن النموذج الإسلامي يعتمد الوحي مصدرًا لمعرفته والآخر لا يعتمد الوحي. أو أن المعرفة الإسلامية قائمة على مصدرين: الوحي والوجود..في حين أن المعرفة الأخرى قائمة على الوجود وحده. ليس الخلاف في التناول العلمي بقيم أو بدون، فالقيم لازمة والتحيز حتم، لكن الفارق يدور حول: من الذي سوف يحدّد هذه القيم؟ فالغربي -ومن على شاكلته- يصطدم معي فعلاً في نموذجي حين أقول: إنني اعتمد على الوحي في معرفتي. يقول: لا مانع أن تؤمن بالوحي؛ لأن نموذجي (أي الغربي) يقول: أنت حر في إيمانك، أما أن تجعل الوحي مصدرًا للمعرفة فلا.. فالوحي مصدر إيمان فقط.

ثنائية الدين أو الإيمان والعلم في التصور الغربي الحديث

ثم قضية الدين (أو الإيمان) والعلم: هم يفرقون بين المعرفة والإيمان، ويجعلونها ثنائية متقابلة، ويجعلون مسألة الإيمان خارج العلم، ويقصرون العلم على مفهوم الـ Science. والواقع أن العلم (الساينس) كلمة موضوعة بازاء "العلم التجريبي الذي لا يثبت إلا بالمشاهدة"، وإذا جرى تعميم هذا المفهوم على كل ما هو "علم وعلمي"، فإن مسألة وجود الله سبحانه وتعالى تعد مسألة غير علمية؛ لأننا لم نشهد الله سبحانه وتعالى وقضية الألوهية لا تدخل المعمل.

مفهوم العلم في التصور الإسلامي وإشكالية ترجمته إلى الساينس

أما عندنا فهذا غير مقبول؛ لأن "العلم" عندنا هو "الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، سواء كان في المعمل أو في العقل أو بالعادة…الخ". و"العلم" عندنا غير المعرفة؛ لأن العلم لا يستدعي سبق الجهل على خلاف "المعرفة" التي تستدعي ذلك.

فالمشكلة في اللبس الكائن من عدم إمكان ترجمة كلمة "علم" العربية إلى كلمة غير "ساينس" تؤدي المعنى الواسع عندنا، وبالتالي نحتاج إلى ترجمتها شرحًا في جُمَل لا في كلمة واحدة. وبالمثل يقع اللبس من أن "ساينس" التي تعني "العلم الإمبريقي" تترجم عندنا "العلم"!!

اختلاف أوعية اللغات ومقارنة الترمنولوجي الهندوكي بالمفاهيم الإسلامية

ومشكلة الترجمة واختلاف أوعية اللغات المختلفة مشكلة كبيرة لابد من الانتباه لها، سواء في تناول التراث الإسلامي أو تناول العلوم الحديثة ذات الارتباط الوثيق بالآخر. فالمفاهيم الإسلامية لم تُترجم إلى اللغات الأخرى، ولم يُبذَل فيها ما بُذل مثلاً في إعداد الترمنولوجي الهندوكي الذي نقل إلى فهم الآخرين في قواميس كبيرة؛ حيث إن دارس الفلسفة والأديان والمجتمعات في الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما يسهل عليه أن يفهم الترمنولوجي الهندوكي حتى بالحكاية الصوتية. وعندما جاء "رينيه جينو"[3 ] الفرنسي ليترجم عن الإسلام لم يجد ما يترجم به سوى الترمينولوجي الهندوكي. فكلمة "شيخ طريقة" مثلاً لم يجد لها مقابلاً فرنسياً فأخذ كلمة "جورو" الهندوكية. وعندما جئنا نحن لننقل عن الرجل لم نجد في القواميس الفرنسية هذه الكلمة "جورو".

مشروع ضبط المصطلحات الإسلامية بالإنجليزية وخطر الترجمة الصوتية للجهاد

هذا ما نحاول أن نقوم به نحن حاليًا إزاء نحو ثلاثمائة مصطلح دخلت الإنجليزية من قبيل Haj, Jihad, Umma, Ulama.... والترجمات الصوتية عن العربية الموجودة حاليًا في الغرب لم تؤخذ لا من اللغة العربية ولا من الأصول أو العلوم الإسلامية، إنما من الحياة المشهودة في بلاد المسلمين ومن العقليات القائمة.. وهذا مكمن خطر يزيد من تعميق هوة سوء الفهم المتبادل. هم يرون مسلمين يتقاتلون فيترجمون ذلك تحت كلمة JIHAD وهو نوع من التحريف، فلا يكون في تعريف الـ JIHAD إلا نوع من الإرهاب والإفساد في الأرض وحب سفك الدماء. وقِس على ذلك تعبيرات "الإيمان" و"الدين" و"السياسة" و"النبي" و"الخلافة" و"الأمة" و"العلم".

غياب القاموس الإسلامي وتبعية الجسر اللغوي والحضاري للغرب

والخلاصة أنه لا يوجد قاموس مفردات Vocabulary أو Glossary إسلامي.. هم صدّروا إلينا كلمات كثيرة سيما مع التقنيات المستوردة من قبيل الــ تي في، الكمبيوتر، البرلمان، التيك آواي.. نستعملها في العربية كما هي وبذات المعاني التي يقصدونها، فلماذا لا نقول عن العلم "ELM" إذا لم نجد في الإنجليزية ما يقابل ما عندنا..؟ المسلمون الأوائل صنعوا الجسر بينهم وبين الآخر على أساس مما عند المسلمين أنفسهم، فعرّبوا الآخرين، بينما نحن اليوم -وفي هذه اللحظة التاريخية- نصنع الجسر من عندهم، وندّعى أنه مزيج مما عندنا وعندهم. نحن نتوسل إلى لغاتهم كي تقبل كلماتنا ومفرداتنا لتوضع في أوعيتهم! هذه المشكلة الكبرى في عدم الفهم التام لهذه القضية. فالمطلوب الآن في ظل المغلوبية الحضارية، وتبعية حضارة المغلوب لحضارة الغالب، أن نـتعرف إلى الآخر الغالب وإلى لغته.

من الوسيط إلى الدارس المنتج للمعرفة في التعامل مع المصطلحات الملتبسة

وبالنسبة للمصطلحات الملتبسة بين دارس العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصر وبين النصوص التراثية، فقد يرى البعض أن ثمة ضرورة لوجود وسيط يقف بين دارس العلوم الاجتماعية ودارس العلوم الشرعية لفض مضامين هذه المفاهيم. لكننا –في هذا السياق الذي نحن بصدده- نسعى لما هو أعمق وأبعد من ذلك, نريد أن يكون الدارس هو المنتِج نفسه للمعرفة وللعلم وللمفهوم, والقادر على نقله والتعامل به، وإن كان الأمر مشتملاً على الكثير من العقبات والصعوبات.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الخطأ في وصف النموذج المعرفي الإسلامي بالإطلاق والغربي بالنسبية؟

القول بالنسبية هو نفسه إطلاق لا نقاش فيه

ما الفارق الجوهري بين النموذج المعرفي الإسلامي والغربي وفق هذا الطرح؟

الإسلام يعتمد الوحي والوجود مصدرًا للمعرفة بينما الغرب يعتمد الوجود وحده

لماذا تُعدّ مسألة وجود الله غير علمية في التصور الغربي الحديث؟

لأن العلم الغربي يقتصر على ما يثبت بالمشاهدة والتجربة

ما تعريف العلم في التصور الإسلامي؟

الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل

ما الفرق بين العلم والمعرفة في اللغة العربية وفق هذا الطرح؟

العلم لا يستدعي سبق الجهل بخلاف المعرفة

لماذا استعار رينيه جينو كلمة جورو الهندوكية عند ترجمته عن الإسلام؟

لأنه لم يجد مقابلًا فرنسيًا لمصطلح شيخ الطريقة

من أين أُخذت الترجمات الصوتية للمصطلحات الإسلامية الموجودة في الغرب؟

من الحياة المشهودة في بلاد المسلمين والعقليات القائمة

كيف صنع المسلمون الأوائل الجسر الحضاري مع الآخر؟

بتعريب الآخرين وبناء الجسر مما عندهم

ما الحل المقترح لإشكالية المصطلحات الملتبسة بين العلوم الشرعية والاجتماعية؟

تكوين دارس منتج للمعرفة قادر على ضبط المصطلحات ونقلها

ما الذي يقبله النموذج الغربي من الإيمان وما الذي يرفضه؟

يقبل الإيمان الشخصي لكن يرفض الوحي مصدرًا للمعرفة

ما المشكلة الرئيسية في ترجمة كلمة علم العربية إلى الإنجليزية؟

لا توجد كلمة إنجليزية تؤدي المعنى الواسع للعلم العربي

ما عدد المصطلحات الإسلامية التي دخلت الإنجليزية والتي يُعمل على ضبطها؟

ثلاثمائة مصطلح

ما المشكلتان الرئيسيتان اللتان تواجهان الباحث المعاصر عند تناول التراث الإسلامي؟

الأولى ضآلة المعرفة بمعلومات التراث في جزئياته وكلياته، والثانية كثرة المصطلحات الملتبسة بين لغة العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة وبين النصوص التراثية.

لماذا يقع أصحاب النسبية في الإطلاق رغم إنكارهم له؟

لأن القول بالنسبية كأساس هو نفسه إطلاق؛ إذ يمثل منطلقًا لا نقاش فيه، فهم يُطلقون حكم النسبية على كل شيء وهذا تناقض داخلي.

على ماذا يقوم النموذج المعرفي الإسلامي في مصادر المعرفة؟

يقوم على مصدرين: الوحي والوجود معًا، بينما يقتصر النموذج الغربي على الوجود وحده.

ما موقف النموذج الغربي من الوحي كمصدر للمعرفة؟

يقبل الإيمان الشخصي بالوحي لكنه يرفض أن يكون الوحي مصدرًا للمعرفة العلمية، ويعتبره مصدر إيمان فقط لا معرفة.

لماذا تُعدّ ثنائية القيمية والمادية وصفًا خاطئًا للفارق بين النموذجين؟

لأن النموذج الغربي قيمي أيضًا، والقيم لازمة والتحيز حتم في أي نموذج معرفي. الفارق الحقيقي يكمن في من يحدد هذه القيم ومن أي مصدر.

ما معنى الساينس في التصور الغربي؟

الساينس هي العلم التجريبي الذي لا يثبت إلا بالمشاهدة، وتعميم هذا المفهوم على كل ما هو علمي يُخرج قضايا الإيمان ووجود الله من دائرة العلم.

كيف يختلف العلم عن المعرفة في اللغة العربية؟

العلم لا يستدعي سبق الجهل، بينما المعرفة تستدعي ذلك. فالعلم أعم وأشمل من المعرفة في الاستخدام العربي.

ما الذي يميز الترمنولوجي الهندوكي عن المصطلحات الإسلامية في اللغات الغربية؟

الترمنولوجي الهندوكي نُقل في قواميس كبيرة تُيسّر فهمه للدارسين الغربيين، بينما المفاهيم الإسلامية لم تُترجم بالقدر الكافي ولم يُبذل فيها جهد مماثل.

ما مثال على تشويه مصطلح إسلامي في الترجمة الغربية؟

كلمة JIHAD باتت مرتبطة في الغرب بالإرهاب وسفك الدماء، لأن الترجمة استُقيت من مشاهدة مسلمين يتقاتلون لا من الأصول الإسلامية.

ما المصطلحات الإسلامية الأخرى التي تعاني من تشويه الترجمة الغربية؟

تشمل مصطلحات الإيمان والدين والسياسة والنبي والخلافة والأمة والعلم، وكلها تعاني من ترجمات مستقاة من الواقع المشهود لا من الأصول.

ما الفرق بين طريقة المسلمين الأوائل في بناء الجسر الحضاري وطريقة المسلمين اليوم؟

المسلمون الأوائل بنوا الجسر مما عندهم فعرّبوا الآخرين، بينما المسلمون اليوم يبنون الجسر من عند الغرب ويتوسلون إلى لغاتهم لتقبل مفرداتهم.

ما الذي يعكسه غياب القاموس الإسلامي في اللغات الأخرى؟

يعكس واقع المغلوبية الحضارية حيث تتبع حضارة المغلوب حضارة الغالب، وتُصدَر الكلمات والمفاهيم في اتجاه واحد من الغرب إلى المسلمين.

لماذا يقترح الكاتب تجاوز دور الوسيط بين العلوم الشرعية والاجتماعية؟

لأن الهدف الأعمق هو تكوين دارس منتج للمعرفة نفسه، قادر على ضبط المصطلحات الملتبسة ونقلها والتعامل بها، لا مجرد وسيط ناقل.

ما مقترح الكاتب لحل مشكلة ترجمة كلمة علم إلى الإنجليزية؟

يقترح استخدام الترجمة الصوتية ELM كما فعل الغرب مع كلماته التقنية التي نستعملها في العربية كما هي، بدلًا من اختزالها في Science.

ما الارتباط بين مشكلة الترجمة وسوء الفهم المتبادل بين الحضارات؟

الترجمات المشوهة المستقاة من الواقع لا من الأصول تعمّق هوة سوء الفهم المتبادل، وتُرسّخ صورًا مغلوطة عن الإسلام ومفاهيمه في الأوساط الغربية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!