اكتمل ✓
الفصل 4

كيف تعاملت العقلية التراثية مع قضايا الوجود والمطلق وما هي مصادر المعرفة عند العقل المسلم؟

تعاملت العقلية التراثية مع قضايا الوجود والمطلق من خلال أمثلة كونية كالدائرة والنقطة والشمعة والمرآة، لإثبات وحدانية الله وصفاته وإمكان الخلق من العدم. ومصادر المعرفة عند العقل المسلم هي الوحي والوجود، حيث يشمل الوجود العقل والعرف والحس والفطرة. وفهم هذه العناصر يُمكّن من الاستفادة من التراث في معالجة قضايا العصر.

10 دقائق قراءة
  • كيف يمكن التصديق بإله لا يمكن تصوره، وهل يشترط التصور للتصديق بالوجود؟

  • ضرب علماء الكلام أمثلة من الواقع المشهود كالدائرة والنقطة والشمعة والمرآة لحل إشكاليات عقدية فلسفية عميقة.

  • مثال الدائرة يبرهن على أن الله ذات واحدة وصفات متعددة، ومثال النقطة يوضح إمكان الخلق من العدم.

  • مصادر المعرفة عند العقل المسلم هي الوحي والوجود، ويشمل الوجود العقل والعرف والحس والفطرة والعادة.

  • قضية خلق القرآن القديمة تعود اليوم بمصطلح تاريخانية النص، مما يدل على أن القضايا الكلامية لم تنعدم بل تبدلت أسماؤها.

  • فهم عناصر تكوين العقلية التراثية يستلزم التتبع والاستقراء ثم التجريد والتفعيل لربط النص بالواقع المعاصر.

تعدد الثنائيات الوجودية واعتراض تصور الإله في العقلية التراثية

ولمزيد من بيان هذه الرؤية أو لرؤى ومصادرها وخصائصها المتفتحة، نعرض لنماذج من تعامل العقلية التراثية مع المطلق وبعض قضاياه:

لقد توقفوا - في التراث - إزاء عدد من الظواهر الشبيهة بقضايا الدور ومسائل النسبي والمطلق، والتي تتضمن ثنائيات عقلية، وازدواجيات وجودية عقيدية تبدو متعارضة، كقضايا الأول والآخر، والعدم والوجود، والذات والصفات، والمتناهي وغير المتناهي، والتي غالبًا ما طُرحت من قبل الآخر الذي اطلعوا عليه مبكرًا، وقد جاءت إجاباتهم عن هذه المسائل مؤشرات جلية على رؤيتهم الكلية للوجود.

فقد قال الآخر المحاوِر: إن إدراك الشيء فرع عن تصوره (وهذا صحيح)، لكنه (الآخر) أراد بكلامه أن يتصور الإله، يريد التجسيد والتصوير.. وهذا منبع الوثنية؛ [فلأجل هذا صنعَ إلهه وجسَّده في حجر أو شجر (أو حتى من العجوة حتى إذا جاع أَكَلَه)، أو في صورة اللورد (يقصد: عيسى عليه السلام).. أو قال إنه حلّ في بوذا أو كونفوشيوس..أو قال: إن هذا الكون ومواده هو ربنا، فيعبدون الطوطم وخلافه..] لذلك دفع بالقول: إن التصديق بالشيء وبوجوده فرع عن تصوره.. فهل يمكن لك -أيها المسلم- أن تصدّق بمن ليس كمثله شيء، لا تدركه الأبصار، ولم يكن له كُفُوًا أحد؟

الرد التراثي بالعقل والوجود وتمهيد استعمال الأمثلة الكونية

فردَّ التراثي المسلم من خلال يقينه أن الوجود دال على الواجد والموجِدسبحانه وتعالى، وأن صريح العقل لا يتعارض مع واقع الوجود ولا مع صحيح النقل، فمثلاً قال لهذا الآخر: إنك تصدق -رغمًا عنك- بوجود أشياء كثيرة دون أن تكوِّن تصورًا عنها على الحقيقة، سواء لا تتصوره ابتداء أو انتهاء أو في الحالتين.

فعندما يطرق أحدهم الباب طرقات منتظمة.. فإنك تصدّق أن ثمة إنسانًا عاقلًا يقف بالباب..تصدق بوجوده وأنت لا تتصور ذاته أو شخصه. وبالمثل فالكون أبدعه خالق بديع يدلّ عليه خلقه، أومن به دون أن أتصور ذاته.

وزاد أهل تراثنا: إن الله سبحانه وتعالى ضرب في الوجود أو الواقع المشهود أمثلة لفهم أشياء يصعب على العقل فك الاشتباك فيها، وهي تردُّ على الذين ينكرون وجود الإله أو صفاته العليا. هذه الأمثلة الوجودية والعقلية اكتشفوا فيها أدوات لحل مشكلات فلسفية وعقدية، وإن كانت هي حقائق من الواقع الملموس أو حقائق رياضية (والحقائق الرياضية عند الكافة تنزل منزلة المسلّمات العقلية).. لقد تمت هذه الإجابات من خلال عملية جماعية تحاورية عبر الزمان. وكانت غاية هذه الأمثلة أو المتصور منها أن تُقرّب المطلق المجرد من المشهود النسبي وتبيِّن الكلي الذهني باستخدام الجزئي المشخَّص..ونمر على بعض من هذه الأمثلة مثل "الدائرة"، و"الشمعة"، و"النقطة"، و"المرآة"، لبيان كيف تضافرت مصادر العقل المسلم، وكيف استخدم كل مصادره –تحت مظلة الوحي والرؤية الكلية المنبثقة عنه- في بناء أفكاره ومناهج علومه.

مثال الدائرة وتوضيح وحدة الذات الإلهية وتعدد الصفات

الدائرة وقضية الذات الواحدة والاعتبارات العديدة: ضرب الكلاميون هذا المثال من الوجود المشهود ليبرهنوا على حقيقة "الغيب": أن الله سبحانه وتعالى ذاته واحدة وصفاته متعددة، فتساءلوا أمام معارضيهم: أين بداية الدائرة؟ بدايتها هي نهايتها! نفس نقطة البداية هي نقطة النهاية؛ أي إن هناك نقطة جمعت بين صفتين تبدوان متعارضتين (كالأول والآخر).. قال القدماء: (هي واحدة بالذات مختلفة بالاعتبار: أي باعتبار اتجاه الحركة على محيط الدائرة يمينًا أو يسارًا)، وهذا نفسه حل المشكلة في الرياضة الحديثة والهندسة التحليلية بفكرة "الاتجاه": سالب وموجب.

ولله المثل الأعلى، فله –سبحانه- ذات واحدة

(قل هو الله أحد)

، وصفات وأسماء -هي الحسنى- متعددة.

مثال النقطة لشرح علاقة العدم بالوجود وإمكان الخلق

النقطة وقضية العدم والوجود: ضرب الكلاميون هذا المثال من الوجود المشهود أيضًا ليبينوا "كيف أوجد الله سبحانه وتعالى الموجودات من العدم"، فقالوا: "النقطة" لها خصائص غريبة جدًا؛ فهي لا اتجاه لها، وإذا سارت أحدثت أشكالًا مختلفة، قد تصنع خطًا (فالخط عبارة عن استمرار نقطة) وقد صنع خطوطًا من أشكال شتى.

والنقطة –في حقيقتها- أشبه بـ"العدم"؛ لأنه لا شيء أصغر منها، فكيف يتحول هذا العدم أو شبه العدم إلى وجود وموجودات؟ بهذا يمكن أن نقول إن الكون كان عدمًا ثم تحول إلى الوجود بإرادة عليا، فالشيء العدم قد يستحيل إلى الوجود. ومثال ذلك "النقطة".

مثال الشمعة للإيضاح المستمر للإيجاد من العدم دون تغير في الخالق

الشمعة واستمرار قضية الإيجاد من العدم دون أثر في الموجٍد: قالوا: إن الأشياء إذا أخذنا أجزاء منها تكون بين أمرين: إما أن تنقص بالأخذ منها، وهذه عامة الأحوال، وإما أن تزيد بالأخذ منها كالحُفرة، فكيف يقع الأخذ من (أو عن) شيء دون تغير بزيادة أو نقصان في المأخوذ منه؟ أو كيف أوجدَنا الله سبحانه وتعالى ولسنا منه وليس منا؟ كيف ولم يطرأ تغيُّر على الإله U؟ هنا جاء مثال الشمعة (وهو مثال من الوجود الملموس)ليجيب عن حالة الشيء الذي يمكن أن يؤخذ منه فلا تقع زيادة ولا نقصان..فعندنا نقرّب فتيل الشمعة غير مشتعل من فتيل أخرى مشتعل، تضيء الأولى دون نقص ولا زيادة في وزن أو حجم أو شكل الثانية.

وهذا أيضًا جاء ردًا على من سأل مجادلاً: أين الله؟ هل هو خارج الكون؛ فيكون الإله محدودًا بحدود الكون وله نهاية؟ أم هو داخل الكون؟ أم الكون هو الذي يتواجد في الإله؟ بين مزاعم الحلول ومزاعم الاتحادية..الخ.

مثال المرآة والعلم الإلهي وبيان الفرق بين اللانهائي الذهني والنهائي الواقعي

المرآة وقضية المتناهي وغير المتناهي (اللانهائي): قالوا: إنه لا يوجد في هذا الوجود الحقيقي (المنظور) شيء غير متناهٍ على الحقيقة، فكل شيء في الوجود معدود أو موزون أو يقاس بأي أدوات القياس.. فكيف نصدِّق بالمطلق اللامتناهي الذي هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخِر فليس بعده شيء، وهو بكل شيء محيط؟ فأجاب أهل التراث بسؤال: ماذا إذا وضعنا مرآة في مواجهة أخرى؟ في هذه الحال نجد صورًا "لانهائية" حتى إن العين تكلّ من متابعة هذه الصور، فإذا كان ذلك من صفات المرآة المخلوقة، فكيف الحال في صفات الله الخالق سبحانه وتعالى؟

هكذا وقف الإنسان المسلم التراثي مواقف غريبة، وهو يحاول الإجابة عن هذه التساؤلات وعن أخرى غيرها نجمت عن الاحتكاك الحضاري والتفاعل مع الآخر.. فقال مثلًا: أنا أرى صفات نفسي، وعلمي أتعلمه وأكتسبه كل يوم:

(إنما العلم بالتعلم) .

فهل يفعل الإله ذلك؟ هل ينظر إلى الأحداث -كما يشيع في أساطير اليونان التي تصور آلهة تتابع مسرحية كبيرة.. وتجعل جوبيتر- كبير الآلهة عندهم- مثلًا يتعلم كما يفعل البشر..؟ قال هذا المسلم المتفكر: لا، بل الله بكل شيء عليم..

[عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ]- الآية 3, سورة سبأ،

[مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ]- الآية 22, سورة الحديد.

قيل: ذلك يعني أن علمه غير نهائي! وهل هناك في حقائق الدنيا ما هو "غير نهائي"؟ إن الـ"مالا نهاية" هي مجرد تصور ذهني.. أي مقدّر، فهل يمكن أن يكون الأمر المقدّر مثل الـ"مالا نهاية" أمرًا محققًا؟ والمقدّر غير محدود، والمحقّق الموجود محدود، وبالتالي له نهاية (نهائي)!

وظيفة الأمثلة الكلامية وتعريف عناصر التكوين العقلي في التراث

لقد طُرِحت هذه الأمثلة لحل مشكلات فلسفية عقيدية؛ ولإلزام الخصم المجادل بحُجة من مصدره للمعرفة (الوجود المشهود)، علاوة على ما تعكسه هذه الأمثلة من تطور للعقلية التراثية.‍

فمن أجل مزيد من فهم أعمق للعلم الموروث، فلابد من إدراك عناصر تكوين العقلية التي أفرزت هذا النتاج أو العلم! ونفضِّل كلمة "عناصر التكوين العقلي" على كلمة "الرؤية الكلية"؛ إذ أن الأخيرة تعد إحدى تلك العناصر بالإضافة إلى مكونات أخرى للعقلية التراثية. وهذه المكونات ليس يحويها كتاب بعينه، إنما كان يضمرها كافة الناس. ومن ثم فهي لا تعبر عن -ولا تمثل- علم الفقه أو علم الكلام أو علمًا بذاته من العلوم التراثية، إنما تمثل الخلفية التي كانت وراء عقلياتهم وعلومهم. أعتقد أن فهم هذه المكونات يسهم في نقلنا نقلة نوعية في فهم تراثنا، وفي فهم ذاتنا، وكذلك في فهم الآخر.

استمرار جزئيات الموروث وتجدد قضية خلق القرآن في ثوب تاريخانية النص

ومع أن المقصود تتبع العناصر المنهجية في العقلية التراثية دون الوقوف على الجزئيات، فيمكن القول-كذلك- إن كثيرًا من جزئيات هذا الموروث لا تزال مهمة لنا ومطروحة الآن، وضرورية في بناء نموذجنا المعرفي، على الرغم من الزعم السائد بأن عصرنا لم يعد يتحملها الآن!

فما الرأي في أن قضية "خلْق القرآن" التي أثيرت في الربع الثاني من القرن الثالث الهجري لا تزال مطروحة بكل قوة، لكن بألفاظ وعناوين مستجدة. فلدينا توجّه معاصر يتبناه أناس من أمثال نصر حامد أبو زيد، سعيد عشماوي، محمد أركون.. يرى أن القرآن زمنيّ تاريخاني!! أليس هذا هو عين القول بمخلوقية القرآن؟ "فالقرآن مخلوق" تعني أنه حادث، والحادث كائن بعد أن لم يكن؛ وبالتالي كان له مكان، فإذا ذهب المكان والمكين (وهما عَرَضان)..بقى القرآنُ تاريخًا، فيقولون: "تاريخانية النصّ".. نفس القصة بعنوان أو مدخل آخر، كأن القضايا لم تنعدم تمامًا..إنما تبدلت الأسماء والمداخل.

مطلقية القرآن وإمكان توظيف علم الكلام في معالجة قضايا العصر

ونحن نقول: إن القرآن العظيم مطلق، ليس زمانيًا ولا تاريخيًا.. فالقرآن غض طرىّ كأنه نزل الساعة، يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحداث والأحوال.

ومن ثم، يمكن أن نستفيد-مثلًا- من علم الكلام –كما في الأصل المقرر هنا- من الكليات، كما يمكن ألا نعدم فائدة جزئياته في قضايانا الحالية. بل يمكن الزعم أن كل سمات العصر يمكن التعاطي معها من خلال "علم الكلام" التراثي.. لكن ما نحتاج إليه فعلًا هو "ضبط الصياغة الملائمة" كما أشير أعلاه، فالنموذج المعرفي والمداخل والمشكلات..كلها أسماؤها وصياغاتها صارت مختلفة!!

سؤال مصادر المعرفة عند العقل المسلم وتمييز الوحي والوجود

والسؤال الآن: من أين جاء العقل المسلم التراثي بهذه الردود والأحكام التي حكم بها على الوجود بل والغيب من ورائه؟

هذا يدخل فيما نعرفه اليوم بـ"مصادر المعرفة" أو ما يسمى "الابستمولوجي". فمصادر المعرفة عندنا تتمثل في الوحي والوجود. إن المسلم كان يأتي لموضوع العلم ويقبل التعرض لأي موضوع.. مع خصوصية إجاباته عن مسائل هذا العلم.. مستندًا في ذلك إلى مرجعيته ومستفيدًا من القواعد العقلية التي تتوافق مع الإطار الذي يتحرك فيه، فيستخرج أحكامه على المسائل من مصادر متعددة.

أنواع الأحكام من النقل والعقل والوجود وأزمة الازدواجية المعاصرة

فهناك أحكام استخرجها هذا الموروث من النقل (الوحي)، وأخرى من العقل، وأخرى من العُرف، ومن العادة أو الحس، ومن الفطرة،..الخ، وكل هذه العناصر والمصادر المذكورة - عدا النقل أو الشرع- تسمَّى "الوجود". فـ"الصلاة واجبة": حكم شرع ونقل، و"النار محرقة": حكم عادة أو حسٍّ أو تجربة، و[واحد زائد واحد يساوي اثنين]: حكم عقل، وكذا "عدم اجتماع النقيضين" هو حكم عقل،.. وهكذا.

وتوقُّف عملية المزج والوصل الجميل بين هذين المصدرين (الوحي والوجود) في الزمن الراهن هو الذي أوجد عندنا ازداوجية الفكر والتعليم والثقافة. وافتقادنا لمعرفة عناصر الإدراك العقلي عند هؤلاء المنتجين لهذه العلوم الموروثة (أي كيف كانوا يبنون تصوراتهم؟ كيف كانوا يكتبون ما يتصورونه..؟) هو الذي نراه عند أصحاب العلوم الاجتماعية اليوم، ونسعى لتجاوزه.

العقل كمصدر للمعرفة وجدال المنطق الأرسطي والمنطق العربي

ثم إن القول بأن علماء التراث الإسلامي كانوا يجعلون العقل من بين مصادرهم للمعرفة والحكم على الأشياء، يطرح التساؤل حول ما يُقال من إدخالهم المنطق الأرسطي على العلوم الإسلامية، وهذا يحتاج لوقفة مهمة.

ففي كتاب "المقابسات" أورد أبو حيان التوحيدي مناظرات بين أبي سليمان المنطقي وبين أهل النحو واللغة (الذين تميزوا بتأسيسهم علومهم اللغوية على علم عقليّ ما، لكنه من داخل الدائرة الإسلامية، غير مستورد لا عن أرسطو ولا غيره). وجرى في هذه المناقشات جدال، وكانت الغلبة غالبًا لأهل العربية. وبالتأمل نجد أن الذي قاله أهل العربية، هذا هو "المنطق" الذي أخذناه بعد ذلك، وأن منطق أرسطو تقاطعَ معه في مساحة هي "مشترك العقل البشري"، وأن الباقي من أرسطو رُفض، وأن الباقي من قبل علماء العربية استقرَّ.. إلا أن الاسم الذي غلب على ما نستعمله من هذه القواعد، هو الاسم الذي نُقل عن أرسطو: "المنطق".. فالذي بقى من قواعد أرسطو هو الاسم فقط.

لبس مصطلح المنطق ومحاولة الأخضري في السلم لبيان حكمه

لقد أورثنا هذا لبسًا قائمًا إلى الآن، حيث أصبحت كلمة "منطق" تُطلق ويُقصد بها المنطق الأرسطي، وتُطلق ويُقصد بها المنطق العربي، كما تُطلق ويُقصد بها المشترك بين المنطقيْن.. وهكذا. فكأن الأسماء ضاقت علينا فلم نجد للقواعد العقلية العربية اسمًا آخر غير كلمة "المنطق". وقد لاحظ بعض العلماء ذلك، فقام الشيخ الشاب الأخضري بتلخيص المسألة في كتاب اسمه "السُّلَّم"- وكان عمره واحدًا وعشرين عامًا- فقال مثلًا:

وابن الصلاح والنوويُّ حرَّما وقال غيرٌ: ينبغي أن يُعلما

والقولةُ المشهورةُ الصحيحةْ جوازُهُ لكامـــــــــلِ القريحةْ

ممارسِ السُّـــنَّةِ والكــــــتابِ ليهتدي بـــــــهِ إلى الصوابِ

تمييز الكلام المستورد واستقرار موقف أهل السنة من تعلم المنطق

ففرَّق الرجلُ بين الكلام المستورد الفارغ، وبين هذه القواعد المقررة التي اشترك فيها العقلاء، والتي ينبغي أن تكون منضبطة بالقرآن والسنَّة وقواعد العربية والقريحة الصحيحة.

وعندما استقر الحال بعد أبي حيان وغيره، استقر العمل لدى أهل السُّـنّة على الأخذ بهذا المنطق، ودخل في الكثير من صياغات الأصول والعلوم الإسلامية بعد القرن السابع بهذا المعنى، وحُمِل كلام المعترضين كابن تيمية وغيره على نقض المنطق الأرسطي، وحُمِل كلام غيرهم من المؤيدين على المنطق العربي، وقد سُمىّ "منطقًا"؛ لأنه تكلم في الموضوع ذاته الذي تكلم فيه المنطق الأرسطي؛ أي تصحيح وترشيد الفهم: التفكير السليم المستقيم:

تشبيه المنطق بالنحو والتحذير من طلب الحقائق من الألفاظ

فنسبة المنطقِ للجَنانِ كنسبةِ النحوِ إلى اللسانِ

فالمنطق يمنع الخطأ في الفهم كما يفعل النحو في المنطق اللفظي. فأرسطو أعطانا الفكرة؛ أن نضع آلة قانونية تعصم مراعاتُها الذهنَ عن الخطأ- ثم وضعها المسلم من عنده ومن لغته، وهو يمارس السُّـنَّة والكتاب ليهتدي به إلى الصواب. فتنبَّه! إنك تتعامل مع إطار زمنيّ واسع، مع تغيرات متتابعة مستعرضة، مع مدارس متعددة، مع اصطلاحات قد تتضارب.. فإياك إياك والألفاظ، إياك أن تتوقف إلا عند المعاني..

(من طلب الحقائق من الألفاظ هَلَك)

هكذا عبَّر الغزالي، فانظر في معنى المنطق: ما هو حق؟ وما هو باطل؟

خطوات الاستفادة من الموروث عبر التتبع والتجريد وربط النص بالواقع

والخلاصة أن فهم الموروث الحضاري الإسلامي يحتاج إلى إدراك عناصر تكوين العقلية التراثية أولًا، وهذه المرحلة تحتاج إلى جهد ومثابرة! ثم تتوالى مراحل الاستفادة من: التتبع والاستقراء، ثم التجريد فالتفعيل، في تسلسل بموجبه يمكن أن نستفيد لحياتنا المعاصرة. بعد ذلك لابد من إدراك الواقع وربط النص المفهوم به، فيكون التشغيل أو التطبيق.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الحجة التي استخدمها العلماء المسلمون للرد على من اشترط تصور الإله للتصديق بوجوده؟

أن الإنسان يصدق بوجود أشياء كثيرة دون أن يكوّن تصوراً حقيقياً عنها

ما الحقيقة التي يبرهن عليها مثال الدائرة في علم الكلام الإسلامي؟

أن الله ذات واحدة وصفات متعددة

لماذا شبّه الكلاميون النقطة بالعدم في سياق إثبات الخلق من العدم؟

لأنه لا شيء أصغر منها وهي تستحيل إلى أشكال متعددة

ما الإشكالية العقدية التي يجيب عنها مثال الشمعة؟

كيف أوجد الله الخلق دون أن يطرأ عليه تغيير

كيف استخدم علماء التراث مثال المرآتين المتقابلتين؟

لتوضيح أن العلم الإلهي غير نهائي خلافاً للعلم البشري المكتسب

ما الفرق بين مصطلح عناصر التكوين العقلي والرؤية الكلية في التراث؟

عناصر التكوين العقلي أشمل والرؤية الكلية إحدى تلك العناصر

ما العلاقة بين قضية خلق القرآن في التراث وتوجه تاريخانية النص المعاصر؟

تاريخانية النص هي إعادة طرح لقضية خلق القرآن بمصطلح جديد

ما مصادر المعرفة عند العقل المسلم التراثي؟

الوحي والوجود

ما الذي أوجد ازدواجية الفكر والتعليم والثقافة في العصر الراهن وفق التحليل التراثي؟

توقف عملية المزج بين الوحي والوجود

ما نتيجة مناظرات المقابسات بين أبي سليمان المنطقي وأهل النحو واللغة؟

كانت الغلبة غالباً لأهل العربية وبقي من أرسطو الاسم فقط

ما الشرط الذي وضعه الأخضري في السلم لجواز تعلم المنطق؟

أن يكون كامل القريحة ممارساً للسنة والكتاب

ما تشبيه الأخضري لعلاقة المنطق بالعقل؟

نسبة المنطق للجنان كنسبة النحو إلى اللسان

ما تحذير الغزالي المتعلق بالتعامل مع المصطلحات والألفاظ؟

من طلب الحقائق من الألفاظ هلك

ما الترتيب الصحيح لمراحل الاستفادة من الموروث الحضاري الإسلامي؟

إدراك عناصر التكوين العقلي ثم التتبع والاستقراء ثم التجريد والتفعيل ثم ربط النص بالواقع

ما الذي يعنيه القول بأن القرآن مطلق في السياق المطروح؟

أن القرآن يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحداث والأحوال

ما منبع الوثنية وفق التحليل التراثي الإسلامي؟

منبع الوثنية هو اشتراط تصور الإله وتجسيده، مما دفع الأمم إلى صنع آلهة في أحجار أو صور أو تجسيدات بشرية.

ما الغاية من الأمثلة الوجودية والعقلية التي ضربها علماء الكلام؟

غايتها تقريب المطلق المجرد من المشهود النسبي، وتبيين الكلي الذهني باستخدام الجزئي المشخص، وإلزام الخصم بحجة من مصدره للمعرفة.

ما المقصود بقول القدماء إن الدائرة واحدة بالذات مختلفة بالاعتبار؟

يعني أن نقطة البداية والنهاية واحدة بالذات، لكنها تختلف باعتبار اتجاه الحركة على المحيط يميناً أو يساراً، وهذا يوضح وحدة الذات الإلهية مع تعدد الصفات.

كيف تستحيل النقطة من شبه العدم إلى الوجود؟

النقطة لا اتجاه لها وهي أشبه بالعدم لأنه لا شيء أصغر منها، لكنها إذا سارت أحدثت خطوطاً وأشكالاً متعددة، مما يدل على إمكان تحول العدم إلى وجود.

ما الدلالة العقدية لمثال الشمعة على الإيجاد من العدم؟

تقريب فتيل شمعة غير مشتعلة من أخرى مشتعلة يضيء الأولى دون نقص أو زيادة في الثانية، مما يوضح أن الله أوجد الخلق دون أن يطرأ عليه أي تغيير.

ما الفرق بين اللانهائي الذهني واللانهائي الحقيقي في الوجود المنظور؟

لا يوجد في الوجود الحقيقي المنظور شيء غير متناهٍ على الحقيقة، فكل شيء معدود أو موزون. أما اللانهائي فهو مجرد تصور ذهني مقدّر لا محقق، والمحقق الموجود محدود وله نهاية.

لماذا فضّل الباحث مصطلح عناصر التكوين العقلي على مصطلح الرؤية الكلية؟

لأن الرؤية الكلية تُعدّ إحدى عناصر التكوين العقلي وليست مرادفة له، فعناصر التكوين العقلي أشمل وتضم مكونات أخرى للعقلية التراثية.

ما الدليل على أن قضايا التراث الكلامية لم تنعدم بل تبدلت أسماؤها؟

قضية خلق القرآن التي أثيرت في القرن الثالث الهجري تعود اليوم بمصطلح تاريخانية النص عند بعض المعاصرين، وهي في حقيقتها نفس القضية بعنوان مختلف.

ما الفرق بين حكم الصلاة واجبة وحكم النار محرقة من حيث مصدر الحكم؟

الصلاة واجبة حكم شرع ونقل مصدره الوحي، أما النار محرقة فحكم عادة وحس وتجربة مصدره الوجود، وكلاهما من مصادر المعرفة التراثية.

ما كتاب أبي حيان التوحيدي الذي يتضمن مناظرات المنطق والنحو؟

كتاب المقابسات الذي أورد فيه مناظرات بين أبي سليمان المنطقي وأهل النحو واللغة، وكانت الغلبة غالباً لأهل العربية.

ما مشترك العقل البشري الذي تقاطع فيه المنطق الأرسطي مع المنطق العربي؟

هو القواعد العقلية العامة التي يشترك فيها العقلاء من كل الأمم، وقد تقاطع فيها منطق أرسطو مع ما أسسه علماء العربية من داخل الدائرة الإسلامية.

في أي عمر ألّف الأخضري كتاب السلم وما موضوعه؟

ألّفه وهو في الحادية والعشرين من عمره، وموضوعه تلخيص مسألة المنطق وبيان حكم تعلمه وتمييز الكلام المستورد عن القواعد العقلية الصحيحة.

كيف حُمل كلام ابن تيمية في نقض المنطق بعد استقرار الحال؟

حُمل كلام ابن تيمية على نقض المنطق الأرسطي المستورد تحديداً، لا على القواعد العقلية العربية التي استقر العمل بها لدى أهل السنة.

ما وظيفة المنطق بالنسبة للعقل كما شبّهه الأخضري؟

المنطق للجنان كالنحو للسان، فهو يمنع الخطأ في الفهم والتفكير كما يمنع النحو الخطأ في اللفظ والكلام.

ما الخطوة الأولى الضرورية لفهم الموروث الحضاري الإسلامي والاستفادة منه؟

إدراك عناصر تكوين العقلية التراثية أولاً، وهي مرحلة تحتاج جهداً ومثابرة، ثم تتوالى مراحل التتبع والاستقراء والتجريد والتفعيل وربط النص بالواقع.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!