ما هي التصورات الكلية التي كانت تحكم عقلية علماء التراث الإسلامي وكيف أثرت في فهم النصوص والعلوم؟
التصورات الكلية هي المنظومة الفكرية الشاملة التي كانت تحكم عقلية علماء التراث الإسلامي، وتشمل تصوراتهم للوجود وأقسامه من واجب وممكن ومستحيل، ومراتب الوجود الأربع في الأعيان والأذهان واللسان والبنان، وثنائية القوة والفعل. هذه التصورات لم تكن مجرد نصوص دراسية بل أصبحت مسلمات بديهية حاكمة في أذهان طلاب العلم، وأثرت في كل العلوم من كلام ونحو وفقه. فهمها ضروري لاستيعاب مدلولات العبارات التراثية في أي مؤلَّف إسلامي.
- •
كيف يمكن فهم النصوص الفقهية والكلامية دون استيعاب التصورات الكلية التي بنى عليها أصحابها تفكيرهم؟
- •
الإسلام يُقرّ أن الإنسان والكون والحياة مخلوقة لخالق، وأن الحياة إلى فناء، وأن الحساب والثواب والعقاب حقيقة راسخة.
- •
قسّم علماء التراث الوجود إلى واجب وممكن ومستحيل، وفرّقوا بين الجوهر والعرض، وبين ما هو بالقوة وما هو بالفعل.
- •
مراتب الوجود الأربع — في الأعيان والأذهان واللسان والبنان — كانت إطاراً مرجعياً مشتركاً عبر علوم الفقه والكلام واللغة.
- •
ثنائية الكلي والجزئي تكشف كيف أن مفهوم البيع واحد في الذهن وإن تعددت أنواعه في الخارج، وأن المسلم والمؤمن واحد بالذات مختلف بالاعتبار.
- •
الازدواجية التعليمية الحديثة التي أدخلها محمد علي في مصر أحدثت فجوة بين المسلمين وتراثهم وأذهبت هذه التصورات من أغلب العقول.
- 1
التصورات الكلية تبدأ بتصور الوجود، والإسلام يُقرّ أن الإنسان والكون مخلوقان لخالق وأن الحياة إلى فناء وحساب.
- 2
الفلسفات الغربية تُنحّي الجانب الغيبي، بينما يرى علماء التراث أن الوجود والحياة والإنسان مكوّنات مربوبة لخالق حكيم.
- 3
الوجود عند علماء التراث ثلاثة: واجب وممكن ومستحيل، والموجود إما جوهر متحيز أو عَرَض غير متحيز له تسعة أنواع.
- 4
القوة والفعل تمييز دقيق في وصف الأشياء: السكين قاطعة بالفعل أثناء القطع، وقاطعة بالقوة حين تكون على المنضدة.
- 5
ثنائية القوة والفعل استعملها المتكلمون والنحويون والفقهاء، وفهم مثال السكين يُمكّن من استيعاب المعاني التراثية المبنية عليها.
- 6
مراتب الوجود أربع: الأعيان والأذهان واللسان والبنان، والخارج مصطلح شائع يعني الأشياء الموجودة خارج الذهن.
- 7
اللغة وسيط بين الأذهان والأعيان، وعلاقة الدال بالمدلول تعني أن اللفظ يُحدث صورة ذهنية للشيء حتى في غيابه.
- 8
الوجود في البنان هو الخط المكتوب، وتتنوع العبارات التراثية للتعبير عن المراتب الأربع بين الخط واللفظ والعقل والخارج.
- 9
تعريف البيع الفقهي يجمع مراتب الوجود الثلاث: اللفظ على اللسان، والأعمال في الأعيان، والمصدر في الأذهان.
- 10
الماهية هي الصورة الذهنية للشيء، والهوية والما صدق هما وجوده في الأعيان، وكانت هذه التفرقة مسلّمة بديهية عند العلماء.
- 11
الكلي مفهوم ذهني لا وجود له في الخارج كالإنسان، والجزئي هو الفرد المشخَّص في الواقع كزيد، والبيع كلي في الذهن وأنواع في الخارج.
- 12
البائع والمشتري واحد بالذات مختلف بالاعتبار، وهذه العبارة تعكس قدرة الذهن على التفريق فيما هو متوحد في الخارج.
- 13
استخراج التصورات الكلية هو أول مؤشر لفهم التراث، لأنها تؤثر في فهم النصوص وتُمكّن من القبول والرفض والبناء عليها.
- 14
التصورات الكلية مشروحة في مقدمات علم الكلام وفي مصنفات الغزالي والرازي والتفتازاني التي تتوسع في قضايا الوجود والعلم.
- 15
التصورات الكلية تجاوزت النصوص الدراسية لتصبح مسلمات بديهية حاكمة في وعي طلاب العلم وسلوكهم وتعاملاتهم.
- 16
التصورات الكلية نشأت في القرنين الأول والثاني الهجريين استجابةً لتساؤلات الثقافات الأخرى، وبُنيت على الكتاب والسنة والعقيدة السليمة.
- 17
الإمام أحمد أصرّ على أن القرآن كتاب الله وصفته غير مخلوقة، وفصّل بين اللفظ المخلوق والمسموع والمكتوب غير المخلوق.
- 18
رجع الإمام أحمد عن عبارة لفظي بالقرآن مخلوق لما التبست على الناس، لأن صفة الله لا تكون مخلوقة وعدّ قائلها كافراً.
- 19
الازدواجية التعليمية التي أسسها محمد علي في مصر أحدثت فجوة بين المسلمين وتراثهم وأذهبت التصورات الكلية من أغلب العقول.
ما هي التصورات الكلية التي تحكم عقلية كاتبي التراث الإسلامي وما موقف الإسلام من قضية الوجود والإنسان والكون؟
التصورات الكلية هي المنظومة الفكرية الشاملة التي كانت تحكم عقلية كاتبي التراث الإسلامي، وتبدأ بتصورهم للوجود. الإسلام يُقرّ أن الإنسان والكون والحياة مخلوقة لخالق، وأن هذه الحياة إلى فناء وستقوم الساعة. ويفترق الفكر الإسلامي عن غيره بالإقرار المبدئي بأن الإنسان مردود لله للحساب والثواب أو العقاب.
كيف تختلف الفلسفات الغربية عن الرؤية التراثية الإسلامية في قضايا الوجود والحياة والإنسان؟
الفلسفات الغربية تُنحّي الجانب الغيبي المتعلق بالخالق والحساب، وهو جانب كان يُكوّن البنية الفكرية لكاتبي التراث الإسلامي. أما علماء التراث فكانت نظرتهم للوجود والحياة والإنسان تقوم على أنها مكوّنات مربوبة من لدن حكيم قدير حي قيوم، وهو ما يميز تصوراتهم الكلية عن غيرها.
كيف قسّم علماء التراث الوجود إلى واجب وممكن ومستحيل وما الفرق بين الجوهر والعرض؟
قسّم علماء التراث الوجود بأحكام عقلية إلى ثلاثة: واجب الوجود كالله تعالى، وممكن الوجود كسائر المخلوقات التي يرد عليها الوجود والعدم، والمستحيل كاجتماع النقيضين. والممكن منه موجود كالطائر ذي الجناحين ومنه معدوم كالطائر ذي الأجنحة الخمسة. أما الموجود فمنه متحيز يُسمى الجوهر أو العين، ومنه غير متحيز يُسمى العَرَض وله تسعة أنواع وسبعة أحكام.
ما المقصود بثنائية القوة والفعل في التراث الإسلامي وكيف يوضحها مثال السكين القاطعة؟
ثنائية القوة والفعل تعني التفريق في وصف الشيء بين حالتين: فالسكين أثناء القطع هي قاطعة بالفعل لأنها تقوم بالحركة الآن، أما وهي على المنضدة فهي قاطعة بالقوة لأن من خصائصها أن تقطع إذا استُخدمت. وهذا التفريق نشأ لأن من أحكام العَرَض أنه لا يكمُن، فاحتاج العلماء إلى هذا التمييز للتعبير الدقيق عن أوصاف الأشياء.
كيف استخدم علماء الكلام والنحو والفقه ثنائية القوة والفعل في علومهم؟
استعملت أذهان علماء حقول شتى من التراث — من متكلمين ونحويين وفقهاء — الفرق بين ما هو بالفعل وما هو بالقوة. فهم مثال السكين واستيعابه يجعله نموذجاً يُقاس عليه، ويُمكّن من فهم المعاني المبثوثة في النصوص التراثية التي تشير إلى هذا التصور الكلي المشترك.
ما هي مراتب الوجود الأربع عند علماء التراث وما الفرق بين الوجود في الأعيان والوجود في الأذهان؟
مراتب الوجود عند علماء التراث أربعة: وجود في الأعيان ويُسمى الخارج، ووجود في الأذهان، ووجود على اللسان، ووجود في البنان. الوجود في الأعيان هو الأشياء الخارجة عن الإنسان كالقلم والكرسي، أما الوجود في الأذهان فهو الصورة الذهنية التي يتصورها الإنسان حين يُغمض عينيه. وكلمة الخارج أصبحت مصطلحاً عاماً شائعاً في كتابات العلماء.
كيف فهم علماء التراث دور اللغة بوصفها وسيطاً بين الأذهان والأعيان وما علاقة الدال بالمدلول؟
اللغة عند علماء التراث هي الألفاظ الخارجة من الفم التي تدل على صور في الأذهان مطابقة لواقع في الخارج، فهي وجود ثالث يُسمى الوجود على اللسان. فلفظة قلم حين تُنطق تُحدث في ذهن السامع صورة القلم حتى لو كان القلم غائباً. والعلاقة بين لفظة قلم والقلم ذاته هي علاقة الدالّ بالمدلول: كلمة قلم دالّ، والقلم في ذاته مدلول.
ما المقصود بالوجود في البنان وكيف تتنوع العبارات التراثية للتعبير عن مراتب الوجود الأربع؟
الوجود في البنان هو الخط المكتوب الذي يقوم مقام الدالّ على الشيء، كما أن اللفظ المنطوق دالّ. فكتابة قلم بالحرف اللاتيني مثلاً قد تحجب المعنى عمن لا يعرف هذا الحرف رغم معرفته بالقلم ذهناً وواقعاً. وتتنوع العبارات التراثية في التعبير عن هذه المراتب: فالبنان يُعبَّر عنه بالخط، واللسان باللفظ، والأذهان بالعقل أو الفكر أو الداخلي، والأعيان بالخارج.
كيف تظهر مراتب الوجود الذهني والخارجي واللفظي في تعريف البيع عند الفقهاء؟
في تعريف كتاب البيع يتكلم المؤلف عن الوجود في اللسان والوجود في الأعيان ويشير إلى الوجود في الأذهان. فكلمة بيع لفظ إما محفوظ بخط في البنان أو ملفوظ بلسان، وهو في مقابل حدث الأعمال الذي هو وجود في الأعيان، والبيع بوصفه مصدراً هو وجود في الأذهان. هذا التحليل يكشف كيف تظهر التصورات الكلية في صياغات الفقهاء دون أن يصرحوا بها.
ما الفرق بين الماهية والهوية وما صدق في اصطلاح علماء التراث؟
ما في الأذهان يُسمى ماهية أو حقيقة أو مفهوماً، وهو الصورة الذهنية الواحدة للشيء. أما ما في الأعيان فيُسمى الهوية والما صدق: الهوية مشتقة من هو أي ما هو في الأذهان هو في الأعيان، والما صدق تعني صدّق عليه ما في الذهن. وكانت هذه التفرقة من المسلمات البديهية في أذهان العلماء التي لا تحتاج إلى نقاش.
ما الفرق بين الكلي والجزئي في التراث الإسلامي وكيف يتجلى ذلك في مفهوم البيع ومثال الإنسان وزيد؟
الكلي هو المفهوم الذهني الذي لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه، كمفهوم الإنسان الذي يشمل كل الأفراد دون تعيين، ولا وجود له في الخارج بل يقر في الذهن فقط. أما الجزئي فهو ما يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه كزيد أو عمرو، وهو ما يوجد في الخارج مضافاً إليه أعراض تجعله مشخَّصاً. وكذلك البيع واحد في الذهن في ماهيته وإن تعددت أنواعه في الخارج.
كيف يمكن أن يكون البائع والمشتري واحداً بالذات ومختلفَين بالاعتبار وما معنى هذه العبارة في الفقه الإسلامي؟
عبارة واحد بالذات مختلف بالاعتبار تعني أن الإنسان يمكنه أن يفرّق في ذهنه ما هو متوحد في الخارج. فالبائع والمشتري في عقد البيع يمكن إطلاق اسم أحدهما على الآخر اعتباراً أي من جهة معينة، لأن كليهما يقوم بالمقابلة والمبادلة. ومثله المسلم والمؤمن مختلفان في الذهن لكنهما في الخارج أمر واحد إذ لا مؤمن شرعاً إلا وهو مسلم.
لماذا يُعدّ استخراج التصورات الكلية أول مؤشر لفهم التراث الإسلامي؟
استخراج التصورات الكلية ضروري لأنها تؤثر في درجة فهم النص التراثي وفي القدرة على استيعاب مدلولات العبارات في أي مؤلَّف تراثي. فهي ليست مجرد خلفية فكرية بل هي الإطار الذي يُحدد معاني الألفاظ ومقاصد المؤلفين. وفهمها يُمكّن القارئ من القبول والرفض والانتقاد والبناء على هذا التراث.
أين يمكن دراسة التصورات الكلية للتراث الإسلامي وما أبرز المصنفات التي تشرحها؟
يمكن دراسة التصورات الكلية في مقدمات علم الكلام، وكذلك في الأربعين في أصول الدين للغزالي والأربعين في أصول الدين للرازي. كما تجدها في شرح المقاصد للتفتازاني الذي يتوسع في قضايا العلم وخريطته وقضايا الوجود. وفي هذه المصنفات مساحة لا بأس بها تشرح هذه التصورات شرحاً جيداً.
كيف تحولت التصورات الكلية من نصوص دراسية إلى مسلمات حاكمة في وعي طلاب العلم المسلمين؟
التصورات الكلية لم تكن محصورة في مقدمات الكتب بل كانت أسساً شائعة في الجو العلمي رُفعت إلى درجة المسلمات البديهية. كان طلاب العلم يتعاملون معها على أنها وصف للواقع يتعلق بمفهوم الإنسان الموجود في الكون وعلاقته بربه. وباختصار أصبحت التصورات الكلية هي المنظومة الحاكمة في حياة الإنسان المسلم وتصرفاته وسلوكه وتعاملاته مع الظواهر الاجتماعية.
متى نشأت التصورات الكلية الإسلامية وما الظروف التي دفعت المسلمين إلى تطويرها؟
بدأت التصورات الكلية تحكم نصوص صانعي الحضارة الإسلامية مبكراً في القرنين الأول والثاني للهجرة. وكان الدافع مواجهة تساؤلات غير المسلمين في البلدان المفتوحة، وهي تساؤلات من ثقافات ذات تصورات كلية مغايرة كحال المسلمين مع الغرب اليوم. فكّر المسلمون في هذه الأسئلة طبقاً للكتاب والسنة والعقيدة السليمة وقدموا إجاباتهم وفق هذه المصادر.
ما موقف الإمام أحمد بن حنبل من قضية خلق القرآن وكيف تعامل مع المصطلحات الكلامية الجديدة؟
أصرّ الإمام أحمد بن حنبل على ألا ينتقل إلى مصطلحات أو إجابات جديدة في قضية خلق القرآن، وأصرّ على الاقتصار على أن القرآن كتاب الله لا أكثر ولا أقل. فلما أُلح عليه أن يجيب بطريقة تقابل طريقة الآخر فصّل قائلاً إن صفة الله غير مخلوقة والسمع فينا مخلوق والمسموع غير مخلوق والكتابة مخلوقة والمكتوب غير مخلوق واللفظ بالقرآن مخلوق.
لماذا رجع الإمام أحمد عن عبارة لفظي بالقرآن مخلوق وعدّ قائلها كافراً؟
لما شاع بين الناس أن أحمد بن حنبل يقول لفظي بالقرآن مخلوق استنتجوا أن القرآن مخلوق، فرجع الإمام وقال من قال إن لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر. والسبب هو أن المصطلحات الجديدة لم تؤدِ مراده، فرجع إلى الأصل لأن صفة الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تكون مخلوقة، وهذا يُبيّن خطورة التباس المصطلحات الكلامية.
كيف أدت الازدواجية التعليمية الحديثة إلى ضياع التصورات الكلية من العقول الإسلامية؟
حين أُدخل التعليم العام في العالم الإسلامي تأسياً بتجربة محمد علي في مصر صار التعليم على نوعين: أحدهما يدرس التراث والدين والآخر يدرس العلوم الطبيعية والتجريبية. أدى ذلك إلى ازدواجية في التعليم والحياة وأحدث فجوة بين الناس والتراث. هذه الفجوة هي التي أذهبت التصورات الكلية من العقول الإسلامية إلا في أذهان من نذروا حياتهم لدراسة التراث وهم قليل.
التصورات الكلية هي المنظومة الحاكمة في التراث الإسلامي، ولا يمكن فهم نص تراثي دون استيعاب مراتب الوجود وثنائية القوة والفعل والكلي والجزئي.
التصورات الكلية في التراث الإسلامي ليست ترفاً فلسفياً بل هي مفاتيح لا غنى عنها لقراءة أي نص تراثي. فتقسيم الوجود إلى واجب وممكن ومستحيل، والتفريق بين الجوهر والعرض، وبين ما هو بالقوة وما هو بالفعل، كانت مسلمات بديهية في أذهان العلماء تؤثر في صياغاتهم الفقهية والكلامية واللغوية دون أن يصرحوا بها في الغالب.
مراتب الوجود الأربع — الأعيان والأذهان واللسان والبنان — وثنائية الكلي والجزئي تكشف كيف كان العلماء يفرّقون في الذهن ما هو متوحد في الخارج، ويوحّدون ما هو مفترق، كما في مثال البائع والمشتري الواحد بالذات المختلف بالاعتبار. وقد أدت الازدواجية التعليمية الحديثة إلى إذهاب هذه التصورات من أغلب العقول الإسلامية، مما أحدث فجوة حقيقية بين المسلمين وتراثهم.
أبرز ما تستفيد منه
- الوجود عند علماء التراث ثلاثة أحكام: واجب وممكن ومستحيل.
- مراتب الوجود أربع: الأعيان والأذهان واللسان والبنان.
- الكلي أمر ذهني لا وجود له في الخارج، والجزئي هو المشخَّص في الواقع.
- الازدواجية التعليمية الحديثة أذهبت التصورات الكلية من أغلب العقول الإسلامية.
- فهم التصورات الكلية هو أول مؤشر لفهم التراث الإسلامي واستيعاب عباراته.
التصور الإسلامي للوجود والإنسان والكون والحياة والآخرة
في هذه النقطة من تحليلنا لشفرة التراث نحاول أن نلقي الضوء على عنصر التصورات الكلية التي كانت تحكم عقلية الكاتبين للتراث الإسلامي بصفة عامة. هذه التصورات الكلية تبدأ عندهم بتصورهم للوجود. والإسلام يقر الحقيقة الأساسية؛ وهي أن الإنسان والكون والحياة مخلوقة لخالق، ويقر حقيقة أخرى وهي أن هذه الحياة والكون إلى فناء؛ ستقوم الساعة فيفنى البشر، ثم هناك بعد ذلك يوم القيامة الذي يحاسب فيه الناس، وإما أن يعاقبوا أو أن يُثابوا. ويفترق الفكر الإسلامي عن أفكار غيره من البشر بهذا الإقرار المبدئي بأن الإنسان مخلوق، وأنه مردود بعد ذلك لله سبحانه وتعالى وراجع إليه للحساب والعقاب أو الثواب.
اختلاف الفلسفات الغربية عن الرؤية التراثية لقضايا الوجود
الفلسفات الغربية الآن تنحِّي هذا الجانب، وهو جانب مهم كان يكوِّن البنية الفكرية لكاتبي هذا التراث. لقد كان موقفهم من قضايا الوجود له تصوراته واصطلاحاته التي ينبغي الوقوف عليها.
لقد عرضنا -من قبل- المعالم العامة لنظرة هؤلاء السالفين للوجود والحياة والإنسان، وتبين أن هذه الثلاث عندهم هي مكوَّنات مربوبة من لدن حكيم قدير, حي قيوم.
تقسيم الوجود إلى واجب وممكن ومستحيل وجوهر وعرض
لقد تصوروا الوجود بأحكام عقلية بين واجب الوجود (بذاته وهو الله تعالى، أو بغيره كآثار رحمته التي تتوجب عن صفته الحسنى اللازمة: الرحمن) وممكن الوجود (وهو ما يرد عليه الوجود ويرد عليه العدم، كسائر المخلوقات) والمستحيل (وهو المحال وجوده كاجتماع النقيضين أو كإيلاج الجمل في سم الخياط), وأن الممكن منه موجود (كالطائر ذي الجناحين) ومنه معدوم (كالطائر ذي الأجنحة الخمسة).
وأن الموجود منه متحيز ومنه غير متحيز: الأول هو العين والجوهر، أو الشيء الذي له حيز, وغير المتحيز هو العَرَض وهو تسعة أنواع، وله أحكام سبعة. وكل ذلك سبق التعرض له بما يغني عن التكرار, لكن كيف أثَّر هذا التصور الكلي الشامل في كل العلوم التي خلَّفها منتِجو التراث الإسلامي, وكيف انبثقت من هذا التصور الكلي بعض التصورات الأخرى التي يجب أن نستوعبها ونفهمها؟
مفهوم القوة والفعل وشرح مثال السكين القاطعة
من التصورات المولَّدة عن هذه الرؤية الكلية يمكن الإشارة أولاً إلى قضية القوة والفعل: ما هو بالقوة؟ وما هو بالفعل. وتمثيل ذلك "السكين قاطعة".
قلنا -من قبل- إن من أحكام العَرَض أنه لا يكمُن، فهل يكون كذبًا أن أقول إن السكين قاطعة في الوقت الذي لا أستخدمها فيه؟ ما الفرق بين السكين وهي على المنضدة، وبين السكين وهي تقوم بعملية القطع؟ قالوا هنا: إن ثَـمَّ ما يسمى "بالقوة"، وهناك ما يسمى "بالفعل"؛ أي إنهم فرقوا في وصف الشيء بين القوة وبين الفعل.
فالسكين أثناء القطع هي قاطعة "بالفعل"؛ لأنها تقوم بهذه الحركة الآن. أما وهي على المنضدة فهي قاطعة بالقوة؛ لأن من شأنها أي من خصائصها -وليس الآن- أن تقطع؛ أن أنها إذا ما استخدمت في القطع قطعت. والفرق هنا يمكن إدراكه وفهمه بسهولة ويسر.
استخدام ثنائية القوة والفعل في علوم الكلام واللغة والفقه
وهذا الأمر؛ أي الفرق بين ما هو بالفعل في حركة الشيء وما هو بالقوة، استعملته أذهان علماء حقول شتى من حقول التراث؛ من المتكلمين والنحويين والفقهاء وغيرهم. ولو أننا فهمنا مثال السكين واستوعبناه لأصبح في عقولنا مَثَلاً يُقاس عليه، ولأصبح من الممكن فهم ما نراه مبثوثًا في النصوص من المعاني التي تشير إلى ذلك التصور، كما سنشير.
مراتب الوجود الأولى التمييز بين الأعيان والأذهان والخارج والداخل
القضية الثانية لديهم والمتولدة عن التصور الكلي- هي قضية مراتب الوجود، وهي لديهم أربعة أشرنا إليها من قبل: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود على اللسان، ووجود في البنان. هذه المراتب -وإن اختلفت أسماؤها وما أطلق عليها لدى العلماء والتخصصات التراثية المختلفة- إلا أنها كانت تمثل أمرًا مهماً في تصوراتهم وآرائهم وكتاباتهم.
فهناك وجود في الأعيان ويسمونه بـ"الخارج"، وهي كلمة معناها الأشياء الخارجة عن الإنسان، مثل هذا القلم والكرسي والمنضدة والبيت؛ لأن الإنسان عنده قدرة أن يُغْمِض عينيه ويتصور كل هذا في ذهنه. فيكون لدينا وجودان للشيء: وجود خارجي يُسمى "ما في الأعيان": الخارج، ووجود داخلي يُسمى "ما في الأذهان". وأصبحت كلمة الخارج مصطلحًا عامًا يستخدم بسهولة، ويقولون في كلامهم عن هذا الشيء: "وذلك لأنه ليس في الذهن ولكن في الخارج".
اللغة كوسيط بين الأذهان والأعيان وعلاقة الدال بالمدلول
استمرت التفرقة لديهم بين ما هو في الأعيان "الخارجي" وما هو في الأذهان "الداخلي" حتى أدخلوا الصياغة اللغوية والفلسفة اللغوية في القضية، فقالوا: إن البشر من خصائصهم اللغة. هذه الألفاظ التي تخرج من الفم تدل على صور في الأذهان مطابقة لواقع في الخارج؛ وعلى ذلك فهناك وجود ثالث؛ هو وجود في اللسان.
فإذا ما تحرك اللسان ونطق بلفظة "قلم" مثلاً ليخرج صوتٌ يهز الهواء ويصل إلى أذن المخاطَب بلفظ "قلم", فحتى لو كان "القلم" نفسه غائبًا (عدم وجوده في الأعيان) فإن انتقال اللفظة إلى الأذن وسَماع المخاطَب لها يُحدِث في ذهنه صورة ذلك القلم. وهذه هي مهمة اللغة؛ لأننا بدلاً عن إحضار ما نريد التعبير عنه نستعيض عنه وندلل عليه بشفرة؛ بكلامٍ يُحدِث تصورًا في الذهن. فالعلاقة بين لفظة "قلم" وبين القلم بذاته هي علاقة "الدالّ" بـ"المدلول". كلمة "قلم" دالّ، وهذا الشيء الذي هو القلم في ذاته "مدلول".
الوجود في البنان ومفهوم الخط والدال والمدلول المكتوب
وهكذا، فإن من تصوراتهم الكلية المولَّدة أيضًا التفرقة بين الدال والمدلول. فمثلاً كلمة "قلم" يمكن كتابتها بطرق شتى، فمثلاً لو كتبتها qalam، فإن الذي يدرك الحرف اللاتيني قد يقرأها –صوتيًا- كما هي: "قلم", والذي لا يدرك هذا الحرف سيقع في حجاب حتى لو كان يعلم "القلم" ذهنًا وواقعاً؛ لأن هذا مجرد مُعًرِّف أو دالٍّ على الشيء. وبالتالي فالخط المكتوب يقوم مقام الدال، وكذلك اللفظ المنطوق.
وهكذا أصبح لديهم وجود في العيان، ووجود في الأذهان، ووجود على اللسان، ووجود في البنان، والأخيران يُترجِمان عن الأوليْن. وقد لا تجد التعبير عن هذه الوجودات في التراث بشكل مباشر؛ حيث تتفرع العلوم وتتضخم حصيلة هذا التراث. فقد نجد المؤلف التراثي يعبر عن الوجود في البنان بـ"الخط"، وقد يعبر عما في اللسان بـ"اللفظ"، ويعبر عما في الأذهان بـ"العقل" أو "الفكر" أو بـ"الداخلي" أو "ما عند الإنسان", أو يعبر عما في الأعيان بـ"الخارج". فتختلف العبارات.
ولكن هذه الصياغة الأخيرة التي مارسها العلماء -بعد تراكم تصورهم عبر القرون- أرادوا أن يضيفوا إليها لمسة جمالية بلاغية بديعية يكون فيها نوع سجع وجرس موسيقي، فقالوا: أعيان، أذهان، لسان، بنان، في حين أن الجميع لم يلتزم بذلك؛ لذا فعلينا أن نتجاوز الألفاظ إلى المعاني، وأن ندرك أننا في مراتب متدرجة ومختلفة للوجود.
قراءة تعريف البيع من خلال مراتب الوجود الذهني والخارجي واللفظي
والآن نحاول تحليل النص التراثي الذي بين أيدينا؛ لنكتشف كيف تظهر التصورات الكلية للمسلمين في كتاباتهم؛ حتى نفهم كيف كانوا يدركون الكون والعلاقات المختلفة فيه، وكيف كانوا يتعاملون معها. فيقول المؤلف:
"كتاب البيع، أخره عن العبادات؛لأنها أفضل الأعمال؛ ولأن الاضطرار إليها أكثر؛ ولقلة أفراد فاعله. ولفظه في الأصل مصدر".
هنا يتكلم عن الوجود في اللسان وعن الوجود في الأعيان، ويشير إلى وجود في الأذهان. فكلمة "بيع" تعد لفظًا [ولفظه[ إما أن يكون محفوظاً بخط في البنان أو يكون ملفوظًا بلسان، ولكنه في مقابل حدث ]الأعمال[ وهي وجود في الأعيان، والبيع ]مصدر] وهو وجود في الأذهان.
التمييز بين الماهية والهوية وما صدق في مفهوم البيع
"ولذا أفرده".
وذلك لأنه في ذهننا على ماهية واحدة وحقيقة واحدة. ما بالأذهان يسمونه "ماهية" أو "حقيقة" أو "مفهومًا", في حين أن ما بالأعيان يسمونه "الهوية" والـ"ما صدق". الهوية تأتي من كلمة "هو". "هو" أي ما هو في الأذهان هو في الأعيان، فحتى نفس الاشتقاق أتى من التصور. أما الـ"ما صدق" فتعني "صدَّق عليه ما في الذهن". كل هذا كان يعد من المسلمات البديهية في أذهانهم والتي لا تحتاج إلى نقاش.
الكلي والجزئي ومثال الإنسان وزيد في فهم أنواع البيع
"وإن كان تحته أنواع".
وهنا يشير إلى أنواع (من البيع) في الخارج، ولكنه أفرد "البيع" من قبيل "الذهني"؛ لأن حقيقته في ذهن البشر لا تختلف؛ وهي "المقابَلة", أما في الواقع أو في الأعيان فتحته "أنواع". ولو نظرنا إلى الأخير (حالة تعدد الأفراد) لأمكن أن يقال: "بيوع". فـ"البيع" واحد في الذهن؛ أي في الماهية، وإن اختلفت أفراده.
وفي الحالة الأولى يُسمى أيضًا بـ"الكليِّ", وأما ما في أفراد البيع وأنواعه فيسمي بـ"الجزئيِّ". و"الكليُّ" أمر ذهنيّ فقط، لا وجود له في الخارج، فهو ما لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة أو المشاركة فيه، كما سبقت الإشارة إليه. فأمام كلمة "إنسان" لو أغمضتُ عيني وتصورتُ في عقلي "الإنسان", فإنني لا أتصور "أفرادًا" بذواتهم مثل: زيد، أو عمرو أو..، ولكنني أتصور القدر المشترك بين كل أفراد "الإنسان". وبهذا أكون قد تصورت تصورًا (أو مفهومًا) "كليًا". هذا القدر المشترك لا وجود له في الخارج، فهو يقر في الذهن فقط. أما ما في الخارج فهذا الإنسان يتواجد مضافًا له بعض الأعراض التي تجعله معينًا مُشَخَّصًا. فبدلاً من كونه إنسانًا مجردًا، نجده زيدًا أو عمرًا، وذلك بعد أن أُضيف إلى هذا الكلي ما جعله جزئيًا مشخَّصًا. ولذلك كان الجزئي هو ما يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه، ويكون الكلي بذلك هو الإنسان، والجزئي هو زيد أو عمرو.
وهكذا يزداد فهمنا للنص عمقًا بعدما أدركنا "التصورات الكلية" لديهم؛ الأمر الذي يمكننا من القبول والرفض والانتقاد، وكذلك البناء على هذا التراث.
شقا عقد البيع ووحدة البائع والمشتري بالذات واختلافهما بالاعتبار
ويكمل: "ثم صار اسمًا لما فيه مقابلة على ما سيأتي. ثم إن أريد به أحد شقي العقد". المقصود بـ"إن أُريد به أحد شقي العقد" هو "المدخل" و"الاعتبار" أو "الجهة", ولذا يقول: "البيع الذي يسمى من يأتي به بائعاً، فيعرف بأنه تمليك بعوضٍ على وجه مخصوص"؛ أي من جهة معينة، " هو الشق الآخر الذي يسمى من يأتي به مشتريًا، وُيعرف بأنه تملُّك بعوضٍ كذلك. ويجوز إطلاق اسم البائع على المشتري وعكسه اعتباراً". اعتباراً: أي من جهة معينة.
وهنا نجده يوحّد بين البائع والمشتري في اللفظ على أساس المشترك (المقابلة أو المبادلة) "ويجوز إطلاق اسم البائع على المشتري وعكسه اعتباراً" وأن يفرّق بينهما: (تمليك وتملك): "البيع الذي... ويقابله الشراء الذي...". ولأننا قد استوعبنا أن هناك شيئًا في الأذهان، وأن هناك شيئًا في الأعيان، أصبح بإمكاننا أن نفهم ما وصلوا إليه بالتأمل من أن الإنسان يمكن أن يفرِّق في ذهنه ما هو متوحِّد في الخارج، وان يوحِّد في ذهنه ما هو مفترق في الخارج.
ومثال الحالة الأولى أنه يمكن للإنسان أن يفرق -في ذهنه- ما بين المسلم والمؤمن؛ الأول هو الذي يُظهر شعائر الإسلام, في حين أن المؤمن هو الذي يصدّق يقينًا بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولكنهما في الخارج أمر واحد؛ وذلك لأنه ليس هناك –شرعاً- مؤمن إلا ولابد أن يكون مسلمًا. والأخير عادة في الخارج مؤمن حتى لو كان ذلك بالدعوى. لذا فإن المسلم والمؤمن -في الحقيقة- مختلفان، لكنهما –بالذات- متحدان. وهنا يصوغون عبارة يمثلون بها هذه الحالة، هي: "واحد بالذات مختلف بالاعتبار".
وكلمة "بالاعتبار" هنا تعني "بالجهة", أو "وفقًا للمعيار الذي يفكر به الذهن في الحالة". ومن ذلك يتعمق فهمنا لقول المصنف -في النص الذي بين أيدينا- "وعكسه اعتبارًا".
ويُكمل: "والتعبير يالتمليك والتملك بالنظر للمعني الشرعي كما سيأتي. وإن أريد به المركب من الشقين معاً بمعنى العلقة الحاصلة من الشقين التي ترد عليها الإجازة والفسخ، فيقال له لغةً: مقابلة شيء بشيء على وجه المعاوضة.." إلى آخره.
الخلاصة الأولى لأهمية استخراج التصورات الكلية في فهم التراث
الخلاصة:
هذه إطلالة سريعة لا ندعي أننا قد حصرنا فيها التصورات الكلية التي في ذهن التراثيين، ولكنها مجرد مؤشر مبسط يدلنا إلى وجوب الاهتمام بهذه التصورات، واستخراجها، وإعادة صياغاتها، وفهم النص من خلالها؛ لأنها تؤثر في درجة هذا الفهم، كما نؤثر في القدرة على استيعاب مدلولات العبارات التراثية في أي مؤلَّف تراثي، باعتبارها أول مؤشر لفهم التراث.
أمثلة للتصورات الكلية ومصادر دراستها في كتب الكلام
فالوجود والعدم، والأحكام العقلية، والجوهر والعرض، والداخلي والخارجي، ومراتب الوجود، والقوة والفعل،.. وأمثال هذه من التصورات الكلية يمكن أن نجدها في مقدمات علم الكلام، وكذلك نجدها مشروحة شرحاً جيداً عند الغزالي في "الأربعين في أصول الدين", وكذلك عند الرازي في "الأربعين في أصول الدين" أيضًا، وكذلك في شرح المقاصد للتفتازاني مع توسعه في قضايا العلم وكيف كان يفهمونه أو خريطة العلم لديهم، وكذلك في قضايا الوجود. وفي هذه المصنفات نجد مساحة لا بأس بها تشرح هذه التصورات.
تحول التصورات الكلية إلى مسلمات حاكمة في وعي طلاب العلم
وفي الواقع، إن التصورات ليست محصورة في تلك المقدِّمات فحسب، بل إنها كانت تمثل أسسًا شائعة في الجو العلمي أكثر من مجرد نصوص دراسية؛ مما رفعها إلى درجة المسلّمات العلمية البدهية. أي إن طلاب علم كانوا يتعاملون معها على أنها وصف للواقع يتعلق بمفهوم الإنسان الموجود في هذا الكون حيث يعيش، وأن هناك ربَّا خلقه، ومازال يخلقه، وأنه لو انقطع عنه الإمداد لم يبقَ الاستعداد والإيجاد. وباختصار، لقد أصبحت التصورات الكلية هي المنظومة الحاكمة في حياة الإنسان المسلم وتصرفاته وسلوكه وتعاملاته مع الظواهر الاجتماعية.
نشأة التصورات الكلية في القرنين الأولين ومواجهة الثقافات الأخرى
لقد بدأت هذه التصورات تحكم النصوص التي يكتبها صانعو الحضارة الإسلامية ومفكروها مبكرًا في القرنين الأول والثاني للهجرة، وذلك عندما واجه المسلمون تساؤلات من غير المسلمين في البلدان التي فتحوها؛ تساؤلات من ثقافات ذات تصورات كلية مغايرة كحالنا مع الغرب اليوم. فكر المسلمون في هذه الأسئلة طبقًا للكتاب والسُّـنَّة والعقيدة السليمة؛ وقدموا إجاباتهم وفقًا لهذه المصادر، وواصلوا المسيرة إلى أن وقع الانفصال في الأمة عن هذه المصادر.
قضية خلق القرآن وموقف الإمام أحمد من المصطلحات المحدثة
وكانت قمة ذلك الانفصال في قضية "خلق القرآن" والتي أوذي فيها الإمام أحمد بن حنبل، وهو يصر على ألا ينتقل إلى مصطلحات أو إجابات جديدة؛ وأصر على الاقتصار على أن القرآن كتاب الله لا أكثر ولا أقل. فلما شاعت الفتنة وأُلح عليه أن يجيب بطريقة تقابل طريقة الآخر، قال:
"هو كتاب الله، صفته غير مخلوقة، والسمع فينا مخلوق، والمسموع غير مخلوق، والكتابة مخلوقة، والمكتوب غير مخلوق، واللفظ بالقرآن -أي الهواء الذي يخرج من الحلق- مخلوق".
التباس عبارة لفظي بالقرآن مخلوق وعودة الإمام أحمد للأصل
فلما شاع بين الناس أن أحمد بن حنبل يقول: "لفظي بالقرآن مخلوق", قالوا: إذًا "القرآن مخلوق". فرجع الإمام، وقال:
"من قال: إن لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كافر".
والسبب هو المصطلحات الجديدة، فلما لم تـؤدِ هذه المصطلحات مراد الإمام رجع إلى الأصل، وعدَّ غير ذلك كفرًا؛ لأن صفة الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تكون مخلوقة.
الازدواجية التعليمية الحديثة وأثرها على ضياع التصورات الكلية
وحين أُدخل التعليم (العام) في العالم الإسلامي تأسيًا بتجربة محمد علي في مصر، صار التعليم على نوعين: الأول- يدرس التراث والدين، والثاني- يدرس العلوم الطبيعية والتجريبية، الأمر الذي أدى إلى الازدواجية في التعليم والحياة العامة ثم الحياة الخاصة للمسلمين، وأحدث فجوة بين الناس وبين التراث. هذه الفجوة هي التي أدت إلى إذهاب التصورات والاعتقادات الكلية من العقول الإسلامية، اللهم إلا في أذهان هؤلاء الذين نذروا حياتهم لدراسة التراث والقيام عليه، وقليل ما هم.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الحكم العقلي الذي ينطبق على الله تعالى في تقسيم الوجود عند علماء التراث؟
واجب الوجود بذاته
ما الفرق بين السكين القاطعة بالفعل والسكين القاطعة بالقوة؟
القاطعة بالفعل تقطع الآن والقاطعة بالقوة من شأنها أن تقطع
كم عدد مراتب الوجود عند علماء التراث الإسلامي؟
أربع
ما الذي يُسمى الخارج في اصطلاح علماء التراث؟
الوجود في الأعيان
ما العلاقة بين لفظة قلم والقلم ذاته في فلسفة اللغة التراثية؟
علاقة الدالّ بالمدلول
ما الذي يُسمى الماهية أو الحقيقة أو المفهوم في اصطلاح علماء التراث؟
ما في الأذهان
ما الفرق بين الكلي والجزئي في التراث الإسلامي؟
الكلي أمر ذهني لا وجود له في الخارج والجزئي هو الفرد المشخَّص
ما معنى عبارة واحد بالذات مختلف بالاعتبار في التراث الإسلامي؟
أن الشيء واحد في الخارج لكن يمكن التفريق بين جهاته في الذهن
في أي القرنين الهجريين بدأت التصورات الكلية تحكم نصوص صانعي الحضارة الإسلامية؟
الأول والثاني
ما الموقف الأصلي للإمام أحمد بن حنبل من قضية خلق القرآن؟
أصرّ على أن القرآن كتاب الله لا أكثر ولا أقل
لماذا رجع الإمام أحمد عن عبارة لفظي بالقرآن مخلوق؟
لأن المصطلح لم يؤدِ مراده وأوهم أن القرآن مخلوق
ما الأثر الرئيسي للازدواجية التعليمية التي أدخلها محمد علي في مصر على التراث الإسلامي؟
إحداث فجوة بين الناس والتراث وإذهاب التصورات الكلية
أين يمكن دراسة التصورات الكلية للتراث الإسلامي بشكل موسع؟
في مقدمات علم الكلام ومصنفات الغزالي والرازي والتفتازاني
ما الذي يُسمى الهوية والما صدق في اصطلاح علماء التراث؟
ما في الأعيان
ما الذي يُعبَّر عنه بالخط في اصطلاح المؤلفين التراثيين؟
الوجود في البنان
ما الحقيقتان الأساسيتان اللتان يُقرّهما الإسلام في تصوره للوجود؟
الإسلام يُقرّ أن الإنسان والكون والحياة مخلوقة لخالق، وأن هذه الحياة إلى فناء وستقوم الساعة ثم يأتي يوم الحساب والثواب والعقاب.
ما المقصود بواجب الوجود بغيره في تقسيم الوجود التراثي؟
واجب الوجود بغيره هو ما يتوجب وجوده عن صفة الله الحسنى اللازمة كآثار رحمته، في مقابل واجب الوجود بذاته وهو الله تعالى.
ما مثال المستحيل الوجود عند علماء التراث؟
المستحيل هو المحال وجوده كاجتماع النقيضين أو إيلاج الجمل في سم الخياط.
ما الفرق بين العَرَض والجوهر في التراث الإسلامي؟
الجوهر هو المتحيز أي الشيء الذي له حيز ويُسمى العين، أما العَرَض فهو غير المتحيز وله تسعة أنواع وسبعة أحكام.
لماذا احتاج علماء التراث إلى التفريق بين القوة والفعل؟
لأن من أحكام العَرَض أنه لا يكمُن، فاحتاجوا إلى التفريق بين ما يقوم به الشيء الآن بالفعل وما هو من خصائصه دون أن يكون حاصلاً الآن وهو بالقوة.
في أي العلوم التراثية استُخدمت ثنائية القوة والفعل؟
استُخدمت في علوم شتى منها علم الكلام والنحو والفقه، وكانت مثالاً يُقاس عليه في فهم المعاني المبثوثة في النصوص.
ما الوجودات الأربعة التي يُعبَّر عنها بصياغة جمالية بلاغية في التراث؟
أعيان وأذهان ولسان وبنان، وهي صياغة ذات سجع وجرس موسيقي أراد بها العلماء التعبير عن مراتب الوجود الأربع.
ما مهمة اللغة في نقل المعنى بين الأذهان والأعيان؟
اللغة تنقل الصورة الذهنية للشيء إلى ذهن السامع عبر الألفاظ، فبدلاً من إحضار الشيء نستعيض عنه بشفرة لفظية تُحدث تصوراً في الذهن.
ما الفرق بين الدالّ والمدلول في فلسفة اللغة التراثية؟
الدالّ هو اللفظ أو الخط الذي يُشير إلى الشيء، والمدلول هو الشيء ذاته في الواقع، فكلمة قلم دالّ والقلم في ذاته مدلول.
كيف يُعبَّر عن الوجود في الأذهان بطرق مختلفة في التراث؟
يُعبَّر عنه بالعقل أو الفكر أو الداخلي أو ما عند الإنسان، وتختلف العبارات باختلاف التخصصات والمؤلفين.
ما معنى الما صدق في اصطلاح علماء التراث؟
الما صدق يعني ما صدّق عليه ما في الذهن، أي الأفراد الموجودون في الخارج الذين ينطبق عليهم المفهوم الذهني.
لماذا يُفرد الفقهاء مصطلح البيع بالإفراد رغم تعدد أنواعه؟
لأن حقيقة البيع في ذهن البشر لا تختلف وهي المقابلة، فهو واحد في الذهن في ماهيته وإن تعددت أنواعه وأفراده في الخارج.
ما الفرق بين المسلم والمؤمن في الذهن وفي الخارج؟
في الذهن يختلفان: المسلم من يُظهر شعائر الإسلام والمؤمن من يصدّق يقيناً بأمر الله ورسوله. أما في الخارج فهما أمر واحد لأنه لا مؤمن شرعاً إلا وهو مسلم.
ما الظروف التي دفعت المسلمين في القرنين الأول والثاني الهجريين إلى تطوير تصوراتهم الكلية؟
مواجهة تساؤلات غير المسلمين في البلدان المفتوحة، وهي تساؤلات من ثقافات ذات تصورات كلية مغايرة، فاضطر المسلمون إلى صياغة إجاباتهم وفق الكتاب والسنة والعقيدة السليمة.
ما الذي قاله الإمام أحمد بن حنبل حين فصّل في قضية خلق القرآن؟
قال إن القرآن كتاب الله وصفته غير مخلوقة، والسمع فينا مخلوق والمسموع غير مخلوق، والكتابة مخلوقة والمكتوب غير مخلوق، واللفظ بالقرآن أي الهواء الخارج من الحلق مخلوق.