اكتمل ✓
الفصل 30

ما مكانة الإجماع في مصادر التشريع الإسلامي وكيف يحول الظني إلى قطعي ويثبت حجية السنة النبوية؟

الإجماع أحد أهم مصادر التشريع الإسلامي، وهو ضابط لهوية الدين يحول الظني في ثبوته أو دلالته إلى قطعي، فيخرجه من مجال الاجتهاد ويحافظ على ثوابت الإسلام. وقد أجمع الأئمة الكبار كالشافعي والغزالي والجويني على قطعية حجية الإجماع، كما أن الأمة مجمعة منذ عهد الصحابة على حجية السنة النبوية ومرجعيتها التشريعية.

5 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن يتحول الدليل الظني في الإسلام إلى قطعي لا يقبل الاجتهاد؟ نعم، وذلك عبر الإجماع الذي يُعدّ ضابطاً لهوية الدين وثوابته.

  • الإجماع أحد مصادر التشريع الإسلامي الكبرى، يحفظ دلالة النصوص ويحميها من المعاني الباطلة التي تهدم أصول الإسلام.

  • أطلق كبار الأصوليين كالشافعي والغزالي والجويني وصف القطعية على حجية الإجماع، ونقل غير واحد منهم الاتفاق على ذلك.

  • خالف الإمام الرازي في ظنية الإجماع، فردّ عليه الإمام القرافي مبيناً أن الإجماع قطعي وأصله قطعي وإن كان بعض مدركه ظنياً.

  • الصحابة الكرام أجمعوا منذ الصدر الأول على حجية السنة النبوية ومرجعيتها التشريعية، وكانوا يرونها كالقرآن سواء بسواء.

  • فضل الصحابة ثابت بالكتاب والسنة، وشهد لهم النبي ﷺ بأنهم خير القرون، وحرّم سبّهم، مما يجعل إجماعهم حجة بالغة.

الاجماع كضابط لهوية الاسلام وتحويل الظني الى قطعي

الإجماع ضابط لهوية دين الإسلام حيث يحول الظني- في ثبوته أو دلالته- إلى قطعي فيخرج بذلك من مجال الاجتهاد، ويحافظ على ما اتفق عليه المسلمون من الثوابت التي لا تختلف باختلاف الزمان والمكان أو الأشخاص أو الأحوال، فعن طريق الإجماع تم إدراك نسق هذا الدين وثوابته وقلبه ومنابعه ومعالمه، ثم بعد ذلك حفظ لنا الإجماع دلالة النصوص التي تحمل أصول الإسلام ومعاني المعلوم من الدين بالضرورة، فقام بحمايتها من أن يدخل عليها من المعاني الباطلة ما يهدمها من الأساس.

ولو نظرنا إلى مسألة حجية السنة النبوية وموقعها من الإجماع العام أو الخاص، وقمنا باستقراء الواقع العلمي والعملي للأمة الإسلامية منذ عهد الصحابة الكرام، لتبين لنا أن الأمة المسلمة خاصتها وعامتها مجمعة منذ الصدر الأول وعلى مر القرون على حجية السنة النبوية ومرجعيتها وأثرها التشريعي، ولظهر لنا أن هذا الأمر لم يحدث فيه خلاف حقيقي بين أمة الإسلام في وقت من الأوقات.

اقرار الائمة بقطعية حجية الاجماع ونقل الاتفاق على ذلك

قطعية الإجماع:

قد أطلق القطعية على حجية الإجماع إمام الأصوليين الإمام الشافعي، وأبو بكر الصيرفي، وأبو إسحاق الشيرازي، والخطيب البغدادي، وإمام الحرمين الجويني، وابن برهان، والغزالي، والدبوسي.

بل نقل غير واحد إجماع القائلين بحجية الإجماع على أنه قطعي، ومنهم الإمام الرازي مع أنه خالف ذلك، ونسبه الأصفهاني إلى الأكثرين.

قال ابن النجار: هذا مذهب الأئمة الأعلام، منهم الأربعة وأتباعهم وغيرهم من المتكلمين .

مخالفة الرازي في ظنية الاجماع ورد القرافي ببيان قطعيته

وخالفهم الإمام الرازي فذهب إلى أنه ظني، صرح بذلك في عدة مواضع، حتى قال إن أدلة أصل الإجماع ليست مفيدة للعلم، فما تفرع عليها أولى ألا يفيد العلم، بل غايته الظن.

وأجاب الإمام القرافي عليه، فقال رحمه الله: «تقدم أن مدرك أصول الفقه قطعي، وأن كل دليل ذكرنا، فنحن نريد مضافًا لما معه في الشريعة في الكتاب والسنة، وقرائن الأحوال، وأقضية الصحابة، وذلك إذا حصل بالاستقراء أفاد القطع.

فالإجماع قطعي، وأصله قطعي، لكن بعض مدركه ليس قطعيًّا، كما تقدم بيانه في أن الحكم معلوم، والظن واقع في طريقه، ويثبت هنالك أن المبني على الشك معلوم، فضلًا عن المبني على الظن» .

وسوف يكون النظر لدليل الإجماع على حجية السنة النبوية وأثرها التشريعي من خلال:

  1. الصحابة الكرام والإجماع على حجية السنة ومرجعيتها.

  2. علماء الأمة والإجماع على حجية السنة.

تعريف الصحابة وفضلهم ومكانتهم في الشريعة الاسلامية

أولا: الصحابة الكرام والإجماع على حجية السنة ومرجعيتها:

إن فضل الصحابة الكرام ومنزلتهم ومكانتهم في شريعتنا الإسلامية ثابت بنصوص الكتاب والسنة، ودورهم في خدمة الإسلام ونشره جلي بارز، واجتمع لهم ما لم يجتمع لغيرهم من الفضائل، فقد خصَّهم الله سبحانه وتعالى بصحبة نبيه ﷺ، وجعلهم له أعوانًا أنصارًا، وكفى بذلك شرفًا وفخرا، وتميزوا بالسبق للإسلام، والجهاد في سبيل نشر الدين وتبليغه والصبر على الشدائد، والإمامة في العلم والعمل، وبذل مهجهم وأموالهم في سبيل نصرة رسول الله ﷺ ونصرة دينه، هم الواسطة بين رسول الله ﷺ وبين أمته في تبليغ الشريعة، ففازوا بكل فضيلة وسبقوا الأمة في الخيرية، وفازوا برضوان الله.

ثناء القرآن على الصحابة وبيان رضا الله عنهم وصدقهم

قال الله عز وجل في شأنهم:

﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسانٍ رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ [التوبة: 100].

وقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في التوراة والإنجيل وأخبرنا عن ذلك:

﴿محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا﴾ [الفتح: 29].

ووصفهم سبحانه بالصدق والفلاح:

﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر:8-9].

خيرية قرن الصحابة وتحريم سبهم واثر ابن مسعود في تفضيلهم

أنهم خير القرون في جميع الأمم؛ وذلك بشهادة النبي ﷺ، فقد وصف النبي ﷺ القرن الذي بعث فيه فقال:

«خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» .

وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ:

«لا تسبوا أصحابي؛ فلوا أن أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهبًا، ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه» .

قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه:

«إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمدٍ ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد - ﷺ - فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه» .

وما تواتر في الكتاب والسنة من فضائلهم ومناقبهم، والشهادة لهم بعلو الدرجات وكمال الصفات أمرٌ مشهور معلوم من دين الإسلام.

حب الصحابة للنبي وتعظيمهم للسنة مساوية للقرآن في المرجعية

وقد كان هؤلاء الصحابة الكرام يحبون رسول الله ﷺ حبًّا شديدًا ويعظمون أمره وأفعاله وأقواله، وكانوا أحرص الناس على طاعته، ويفرون من مخالفة أمره ويستبشعون ذلك، وقد وردت النصوص التي توضح أن الصحابة الكرام كانوا يرون السنة المطهرة كالقرآن الكريم سواء بسواء من حيث المرجعية والأثر التشريعي.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الوظيفة الأساسية للإجماع في مصادر التشريع الإسلامي؟

تحويل الظني إلى قطعي وإخراجه من مجال الاجتهاد

من أول من أطلق وصف القطعية على حجية الإجماع من الأصوليين؟

الإمام الشافعي

ما موقف الإمام الرازي من حجية الإجماع؟

قال إنه ظني لأن أدلته ليست مفيدة للعلم

كيف ردّ الإمام القرافي على الإمام الرازي في مسألة قطعية الإجماع؟

قال إن الإجماع قطعي وأصله قطعي وإن كان بعض مدركه ظنياً

ما تعريف الصحابي عند الحافظ ابن حجر العسقلاني؟

من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على الإسلام

ما الحديث النبوي الذي يدل على تحريم سب الصحابة الكرام؟

لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم

ما الذي يميز الإجماع عن سائر الأدلة الظنية في مصادر التشريع الإسلامي؟

أنه يحول الدليل الظني إلى قطعي ويحفظ ثوابت الدين

ما الآية القرآنية التي وصفت الصحابة بالصدق والفلاح؟

آيتا سورة الحشر 8-9

ما الذي قاله عبدالله بن مسعود في شأن قلوب الصحابة؟

إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلوب الصحابة خير القلوب فجعلهم وزراء نبيه

كيف كان الصحابة الكرام ينظرون إلى السنة النبوية مقارنةً بالقرآن الكريم؟

كانوا يرون السنة المطهرة كالقرآن سواء بسواء في المرجعية والأثر التشريعي

من نقل إجماع القائلين بحجية الإجماع على أنه قطعي مع أنه خالف ذلك؟

الإمام الرازي

في أي سورة أثنى الله على الصحابة بذكر مثلهم في التوراة والإنجيل؟

سورة الفتح

ما معنى تحويل الإجماع للظني إلى قطعي؟

يعني أن المسألة التي كانت محل اجتهاد لظنية دليلها تصبح بعد الإجماع عليها قطعية لا تقبل الاجتهاد ولا الخلاف، وتنضم إلى ثوابت الدين.

ما الدور الذي يؤديه الإجماع في حماية النصوص الشرعية؟

يحمي الإجماع دلالة النصوص الحاملة لأصول الإسلام من أن تدخل عليها معانٍ باطلة تهدمها من الأساس.

ما الفرق بين موقف الرازي والقرافي من قطعية الإجماع؟

ذهب الرازي إلى أن الإجماع ظني لأن أدلته لا تفيد العلم، بينما أجاب القرافي بأن الإجماع قطعي وأصله قطعي، وأن الظن واقع في طريقه لا في الحكم ذاته.

ما الأئمة الذين أطلقوا القطعية على حجية الإجماع غير الشافعي؟

أبو بكر الصيرفي، وأبو إسحاق الشيرازي، والخطيب البغدادي، وإمام الحرمين الجويني، وابن برهان، والغزالي، والدبوسي.

ما شرط دخول الجن في تعريف الصحابي عند ابن حجر؟

يدخل في تعريف الصحابي كل مكلف من الجن والإنس ممن لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على الإسلام.

ما الذي يخرج من تعريف الصحابي بقيد الإيمان؟

يخرج من لقي النبي ﷺ كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى، ومن لقيه مؤمناً ثم ارتد ومات على ردته.

ما الذي جعل الصحابة واسطة بين النبي ﷺ والأمة؟

كونهم الحلقة المباشرة في تبليغ الشريعة، إذ تلقّوا الدين عن النبي ﷺ مباشرة ونقلوه إلى الأمة بعلمهم وعملهم.

ما الآية التي تدل على أن الله أثنى على الصحابة في الكتب السابقة؟

قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه﴾.

ما دلالة حديث «خير الناس قرني» على مكانة الصحابة؟

يدل على أن قرن الصحابة هو خير القرون في جميع الأمم بشهادة النبي ﷺ نفسه، وهو حديث متفق عليه من حديث ابن مسعود.

ما الذي يثبته إجماع الصحابة على حجية السنة النبوية؟

يثبت أن حجية السنة النبوية ومرجعيتها وأثرها التشريعي أمر قطعي لم يحدث فيه خلاف حقيقي في الأمة منذ الصدر الأول.

ما الفضائل التي اجتمعت للصحابة ولم تجتمع لغيرهم؟

السبق إلى الإسلام، والجهاد في سبيل نشر الدين، والإمامة في العلم والعمل، وبذل المهج والأموال في نصرة الرسول ﷺ، وصحبة النبي ﷺ مباشرة.

ما الذي يعنيه قول القرافي: «الحكم معلوم والظن واقع في طريقه»؟

يعني أن الإجماع نفسه قطعي الثبوت، وأن الظن قد يكون في بعض الأدلة الموصلة إليه لا في الحكم المُجمَع عليه ذاته.

ما الذي يدل على أن الصحابة كانوا يرون السنة كالقرآن في المرجعية؟

وردت نصوص توضح أن الصحابة الكرام كانوا يرون السنة المطهرة كالقرآن الكريم سواء بسواء من حيث المرجعية والأثر التشريعي، وكانوا يفرون من مخالفة أمر النبي ﷺ.

ما الذي نسبه الأصفهاني إلى الأكثرين في مسألة قطعية الإجماع؟

نسب الأصفهاني إلى الأكثرين القول بأن حجية الإجماع قطعية، وهو ما نقله الإمام الرازي أيضاً وإن خالفه.

ما الثوابت التي يحافظ عليها الإجماع في الإسلام؟

يحافظ الإجماع على الثوابت التي لا تختلف باختلاف الزمان والمكان أو الأشخاص أو الأحوال، وهي أصول الإسلام ومعالمه ومنابعه.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!