اكتمل ✓

كيف يُسهم الاعتقاد والامتثال لأمر الله في بناء الحضارة الإسلامية وتشكيل النفسية الحضارية للمسلم؟

الاعتقاد والامتثال لأمر الله هما الأساس الذي تقوم عليه الحضارة الإسلامية، إذ لا انفصال بين ما يقر في القلب وما يصدر من عمل. الأحكام الشرعية كتحريم الدم والميتة ولحم الخنزير ليست قيوداً على الحرية بل هي نظام إلهي يبني نفسية حضارية للمسلم تؤهله لعمارة الأرض. هذه النفسية هي التي جعلت المسلمين عبر تاريخهم لا يبيدون الشعوب ولا يستعمرون الناس استعمار هيمنة واستغلال.

كيف يُسهم الاعتقاد والامتثال لأمر الله في بناء الحضارة الإسلامية وتشكيل النفسية الحضارية للمسلم؟
كيف يُسهم الاعتقاد والامتثال لأمر الله في بناء الحضارة الإسلامية وتشكيل النفسية الحضارية للمسلم؟
3 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن تكون الأحكام الشرعية المحرِّمة للطعام والدم هي السر الحقيقي وراء بناء الحضارة الإسلامية وصمودها؟

  • الاعتقاد والامتثال لأمر الله ليسا منفصلين، فما يقر في القلب لا بد أن يصدّقه العمل لتكتمل صورة الإصلاح الحضاري.

  • حرّم الله الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وجاء التحريم في آيات متعددة من القرآن الكريم تؤكد هذا المعنى.

  • تحريم الغيبة والنميمة جاء مجازاً بصورة أكل لحم الأخ ميتاً، مما يكشف عمق الربط بين الأخلاق والتشريع في الإسلام.

  • تحريم أذية الحيوان وتسبيح الكون لله يُرسّخان في نفس المسلم احترام الوجود كله لا الإنسان وحده.

  • حضارة الإسلام لا تقبل سلطان الكم معياراً للتقويم، بل تُبنى على الاعتقاد والامتثال لأمر الله وحده.

وحدة الاعتقاد والامتثال كأساس لبناء الحضارة الإسلامية

من أدوات بناء الحضارة: الاعتقاد والامتثال لأمر الله

من القواعد المهمة التي تؤسس بناء الحضارة الإسلامية أن الأحكام الشرعية لدين الإسلام تؤثر في الروح وفي القلب، فليس هناك انفصال بين دائرة الاعتقاد ودائرة الامتثال، فالاعتقاد هو الأساس، وهو ما وقر في القلب، لكن لابد أن يصدقه العمل وهو الامتثال، وبناء الإنسان الذي يعكس فعله ما وقر في قلبه هو أولى خطوات الإصلاح الحضاري، والمثال العملي لهذا التوافق يظهر جلياً في امتثال المؤمن لما حرمه الله تعالى، فهذا الامتثال الذي قد يظنه البعض حداً للحرية الشخصية هو في واقعه تربية لنفسية المسلم ليكون النموذج الذي استخلفه الله عز وجل في الأرض ليعبد ربه ويعمر كونه ويزكي نفسه.

تحريم الدم والميتة ولحم الخنزير وأثره في تربية المسلم

فقد حرم الله تعالى الدم، فقال سبحانه: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة:١٧٣]، وقال عز وجل: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [المائدة:٣]، وقال: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النحل:١١٥].

تحريم أكل لحم البشر مجازاً من خلال الغيبة والنميمة

وحرم كذلك أكل لحم البشر حقيقةً ومجازًا في قوله تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) [الحجرات:١٢]، فحرّم علينا الغيبة والنميمة.

تحريم الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه وتأكيد توحيد الإله

وحرَّم أيضاً أكل الميتة، وأكل ما لم يذكر عليه اسم الله، وأن ذلك كله يؤكد توحيد الإله وتعاليه عن البشر، قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإِخلاص:١-٤]، وقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى:١١]، وقال تعالى: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) [الأنعام:١٠٣].

تحريم أذية الحيوان وتسبيح الكون وسجوده لله تعالى

وحرم الله علينا أيضا في أحكامه الشرعية أذية الحيوان، فقال صلى الله عليه وسلم: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (رواه البخاري ومسلم)، وعلمنا أن الكون من حولنا ليس محض جماد فقال تعالى: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء:٤٤]. وقال تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) [الرعد:١٥].

السؤال عن علاقة التحريم بعمارة الدنيا وبناء الحضارة أو خرابها

والسؤال الذي يثير الفكر ويدعو إلى التأمل هو: ما الرابطة بين الاعتقاد والامتثال لتحريم الدم والميتة وغيرها من المحرمات وبين عمارة الدنيا وبناء الحضارة، وبين استباحة الدم والميتة وبين خراب الدنيا وضياع الحضارة؟

البعد الأخلاقي لتحريم الدم المسفوح وأثره في النفس والمجتمع

فتحريم الدم المسفوح، على سبيل المثال، ليس من أجل أنه يسبب ضررًا من ناحية الطب بقدر ما أنه يسبب ضررًا من ناحية الأخلاق، والتجرؤ على شكل الدم، وعلى رفع الحاجز النفسي بين الإنسان وسفك دماء البشر، ويحاول بعضهم -وقد يكون صادقا، وقد يكون غير دقيق- أن يربط بين التحريم والضرر الجسدي، وأن يبحث في حكمة التحريم بالمسائل الطبية، إلا أن التحريم لا يقتصر على هذا الجانب، بل إنه يبني نفسًا، ويُعَمِّق شعورًا لدى الإنسان يساعده في نشاطه الاجتماعي، وفي عمارته للدنيا.

الأحكام الشرعية كنظام إلهي لصناعة نفسية حضارية للمسلم

ومن ثم فالأحكام الشرعية هي نظام إلهي يُنشئ ويؤسس نفسية حضارية للمسلم يجعلها هي أبجديته التي يتعامل بها في حياته في جميع مناحيها السياسية، والاقتصادية، والحضارية، والفكرية، والاجتماعية، وغيرها، وظهر هذا في تاريخ المسلمين في كل بلادهم شرقا وغربا، ولذلك لم نر المسلمين عبر تاريخهم يبيدون الشعوب، أو يستعمرون الناس استعمار هيمنة واستغلال، أو يدخلون البلاد لرفع الطغيان وصد العدوان فيحوِّلونها إلى حمام دم يهون معه الطغيان، ويُستصغَر بإزائه العدوان.

رفض الحلول الكمية المحرمة وسلطان الكم وبناء حضارة الإسلام

لذلك - وبناء على هذه النفسية الحضارية - لا يقبل المسلم حلولاً لأزماته الكمية بتحليل الحرام، فقد يقترح بعضهم إذا ما وقع مجتمع ما في أزمة لحوم، أن يربي ذلك المجتمع الخنزير وأن يأكله، فالخنزير كثير التناسل، ونفقته قليلة، ويمكن أن يحل المشكلة بطريقة كمية، ولكن (سلطان الكم) ليس هو كل شيء في هذه الحياة، ولقد كتب في هذا المعنى رينيه جينو (عبد الواحد يحيى، رحمه الله تعالى) في كتابه الماتع (سلطان الكم وعلامات الزمان) وهو في نسخته الإنجليزية (The Reign of Quantity & the Signs of the Times) وفيه يبين أن من سمات عصرنا سيطرة الكم على معيار التقويم، فأصبح الكم هو المسيطر على السوق وعلى الاستهلاك، ونشأ من ذلك مفهوم العقد في العلاقات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية. وحضارة الإسلام لا تفهم هذا ولا تقبل هذا المعيار الكمي، لكنها تُبنى وتؤسس على الاعتقاد والامتثال لأمر الله تعالى، فالحكم له وحده، والأمر منه وإليه وحده.

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الذي يُعدّ أولى خطوات الإصلاح الحضاري في الإسلام؟

بناء الإنسان الذي يعكس فعله ما وقر في قلبه

في أي سورة وردت الآية: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)؟

سورة الحجرات

ما الحكمة الأساسية من تحريم الدم المسفوح وفق المنظور الإسلامي؟

رفع الحاجز النفسي والأخلاقي بين الإنسان وسفك الدماء

ما الحديث النبوي الذي يدل على تحريم أذية الحيوان؟

دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل

من هو المفكر الذي كتب كتاب (سلطان الكم وعلامات الزمان)؟

رينيه جينو (عبد الواحد يحيى)

ما الذي يُميّز استعمار المسلمين تاريخياً عن غيرهم وفق النفسية الحضارية الإسلامية؟

عدم إبادة الشعوب أو استعمارها استعمار هيمنة واستغلال

ما المقصود بـ(سلطان الكم) في سياق نقد الحضارة المعاصرة؟

جعل الكمية والإنتاج المعيار الوحيد للتقويم في الحياة

ما الآية التي تدل على أن كل شيء في الكون يسبح بحمد الله؟

(وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)

ما الموقف الإسلامي من اقتراح تربية الخنزير لحل أزمة اللحوم في مجتمع مسلم؟

يُرفض لأن سلطان الكم ليس المعيار الوحيد وحضارة الإسلام لا تحل الأزمات بتحليل الحرام

ما الآية التي تُثبت أن لله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً؟

سورة الرعد آية 15

ما الفرق بين الاعتقاد والامتثال في الإسلام؟

الاعتقاد هو ما وقر في القلب من إيمان، والامتثال هو العمل الذي يصدّق هذا الاعتقاد، ولا انفصال بينهما في المنظومة الإسلامية.

ما المحرمات الغذائية التي ذكرتها سورة المائدة الآية الثالثة؟

حرّمت الآية الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكله السبع وما ذبح على النصب.

ما الصورة المجازية التي استخدمها القرآن لتحريم الغيبة؟

شبّه القرآن الغيبة بأكل لحم الأخ ميتاً في قوله: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ).

ما الدليل القرآني على تنزيه الله عن المثيل؟

قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) وقوله: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ).

ما قصة المرأة والهرة الواردة في الحديث الصحيح؟

روى البخاري ومسلم أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها فلم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض، وهو دليل على تحريم أذية الحيوان.

ما معنى قوله تعالى: (وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)؟

يدل على أن كل شيء في الكون يسبح بحمد الله تسبيحاً حقيقياً لكن البشر لا يفهمون كيفية هذا التسبيح.

كيف تختلف النفسية الحضارية للمسلم عن غيره في التعامل مع الشعوب المفتوحة؟

لم يُبِد المسلمون الشعوب ولم يستعمروها استعمار هيمنة واستغلال، ولم يحوّلوا البلاد التي دخلوها لرفع الطغيان إلى حمام دم.

ما عنوان كتاب رينيه جينو الذي يتناول سيطرة الكم على الحضارة المعاصرة؟

كتاب (سلطان الكم وعلامات الزمان) وعنوانه الإنجليزي (The Reign of Quantity & the Signs of the Times).

ما الاسم الإسلامي لرينيه جينو؟

عبد الواحد يحيى رحمه الله تعالى.

ما المناحي التي تشملها النفسية الحضارية التي تُنشئها الأحكام الشرعية؟

تشمل جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والحضارية والفكرية والاجتماعية وغيرها.

ما الحكم الشرعي لمن اضطر إلى أكل المحرمات غير باغٍ ولا عادٍ؟

لا إثم عليه، إن الله غفور رحيم، كما نصّت على ذلك آيات سورة البقرة والمائدة والنحل.

ما الأثر الاجتماعي لتحريم الدم المسفوح وفق المنظور الإسلامي؟

يبني نفساً ويُعمّق شعوراً لدى الإنسان يساعده في نشاطه الاجتماعي وعمارته للدنيا، ويرفع الحاجز النفسي بين الإنسان وسفك الدماء.

على ماذا تُبنى حضارة الإسلام بدلاً من سلطان الكم؟

تُبنى وتُؤسس على الاعتقاد والامتثال لأمر الله تعالى، فالحكم له وحده والأمر منه وإليه.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!