اكتمل ✓
الفصل 2

ما هي صفات الرسول الخلقية وشمائله التي جعلت كل من رآه يحبه حتى قبل الإيمان؟

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل الناس وأصدقهم وأرأفهم، وكان قلبه مليئاً بالحب والرحمة والحنان. وصفت أم معبد شمائله الخلقية بأنه ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق، إذا صمت علاه الوقار وإن تكلم علاه البهاء. وقد أوقعت هذه الصفات المحبة في قلوب كل من رآه، مؤمناً كان أم مشركاً، حتى إن بعضهم دافع عنه قبل أن يُعلن إسلامه.

10 دقائق قراءة
  • كيف أوقعت صفات الرسول الخلقية وشمائله المحبة في قلوب المشركين قبل إسلامهم، بل وفي قلوب من لم يؤمن قط؟

  • أبو سفيان قبل إسلامه أقرّ بحلم النبي وكرمه وصلته حين واجهه في فتح مكة، وهو لا يزال مشركاً.

  • أبو لهب أعتق جاريته ثويبة محبةً في النبي، فخُفِّف عنه العذاب كل يوم اثنين بسبب فرحه بمولده.

  • سراقة بن جعشم تحوّل من مطارد للنبي يبغي المائة ناقة إلى حامٍ له ومضلِّل للمشركين عنه في رحلة الهجرة.

  • وصفت أم معبد شمائل النبي الخلقية بأدق وصف وأبلغه، وهي لم تكن قد أسلمت بعد، مما يدل على أن جماله كان يتجاوز الإيمان.

  • الخلاصة أن كل من رأى رسول الله وترك روحه تتأمل جماله وحكمته آمن به واتبعه، ولم يكفر إلا من لم يرَه حقاً.

أسباب محبة الصحابة العظيمة لرسول الله وشمول حبه للكائنات

لماذا أحب الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحب العظيم؟

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل الناس، وأنظف الناس، وأصدق الناس، وأرأف الناس، كان قلبه مليئا بالحب، والرحمة، والحنان، والانشراح، والمرح والطمأنينة. ولهذا أحبه كل من حوله حبا جما، وشمل حبه الإنسان والحيوان والشجر والجماد أيضا.

أحبه الإنسان مطلق الإنسان سواء من آمن به أو من لم يؤمن، صرح من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقف كثيرة عن حبه الكبير لرسول الله وشغفه به وشوقه إليه وعدم الصبر على الابتعاد عنه ومفارقته، وكذلك بان بالقول والفعل من المشركين حبهم لرسول الله في مواقف عدة.

محبة ابي سفيان للنبي قبل اسلامه وتوقيره له في فتح مكة

فنرى حب رسول الله صلى الله عليه وسلم واحترامه وتوقيره يغلب على أبي سفيان حال شركه قبيل فتح مكة، حينما أتى به العباس رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:

وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ، أَمَّا هَذِهِ فَإِنَّ فِي النَّفْسِ حَتَّى الْآنَ مِنْهَا شَيْئًا.

محبة ابي لهب للنبي واثر فرحه بالمولد في تخفيف العذاب

ونرى أبا لهب عم رسول الله والذي أصر على معاداته حتى آخر يوم في حياته، يغلبه حب رسول الله صلى الله عليه وسلم والشفقة عليه وعلى مرضعته ثويبة، وكانت أمة عنده، آمنت ثويبة برسول الله رضيعها وظلت بمكة لرقها، وكان رسول الله يرسل إليها بكسوة وحلة ويكرمها، فلما رآى أبو لهب ذلك أعتق ثويبة محبة في رسول الله.

قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّى سُقِيتُ فِى هَذِهِ بِعَتَاقَتِى ثُوَيْبَةَ.

ويقول الإمام السهيلي صاحب "الروض الأنف":

وَفِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الذِي رَآهُ مِنْ أَهْلِهِ هُوَ أَخُوهُ الْعَبَّاسُ قَالَ: مَكَثْت حَوْلًا بَعْدَ مَوْتِ أَبِي لَهَبٍ لَا أَرَاهُ فِي نَوْمٍ ثُمَّ رَأَيْته فِي شَرِّ حَالٍ، فَقَالَ: مَا لَقِيت بَعْدَكُمْ رَاحَةً إلَّا أَنَّ الْعَذَابَ يُخَفَّفُ عَنِّي كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ. وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ قَدْ بَشَّرَتْهُ بِمَوْلِدِهِ، قَالَتْ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ آمِنَةَ وَلَدَتْ غُلَامًا لِأَخِيكَ عَبْدِ اللهِ ؟ فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي، فَأَنْتِ حُرَّةٌ. فَنَفَعَهُ ذَلِكَ.

أي فنفعه فرحه بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تاثر الوليد بن المغيرة بالقران ووصفه البليغ لكلام الله

قبل ذلك نرى الوليد بن المغيرة حين انتدبه مشركو قريش أن يذهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتيهم بخبره، ويروا بأي تهمة يرموه بالسحر أو بالكهانة أو بالجنون، فذهب الوليد بوجه ورجع بوجه غير الذي ذهب به؛ فإنه حين سمع من في رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى:

(إن الله يأمر بالعدل والإحسان)

عاد فقال للمشركين:

والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر.

عبد الله بن اريقط ودوره العجيب في الهجرة رغم بقائه مشركا

وكذلك نرى عبد الله بن أريقط يصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة وَكَانَ مُشْرِكًا يَدُلّهُمَا عَلَى الطّرِيقِ، استأجره رسول الله وأبو بكر الصديق فَدَفَعَا إلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، فَكَانَتَا عِنْدَهُ يَرْعَاهُمَا لِمِيعَادِهِمَا.

ولا مبرر في العقل لعبد الله ـ الذي لم يثبت بأي طريق أنه أسلم قط ـ أن يحفظ سر رسول الله ويعرض نفسه للخطورة في رحلة الهجرة، ويَصْدُقَ رسولَ الله في الدلالة على الطريق، والتعمية على المشركين، والتفريط في الجائزة الثرية التي جعلها مشركو قريش لمن يدل على رسول الله وصاحبه حيا أو ميتا وهي مائة ناقة؛ إلا أنه كان متيما برسول الله صلى الله عليه وسلم ومستشعرا لقدره ومكانته، ومقدرا للدور الذي يقوم به من هداية الناس إلى الخير.

ومهما كثر الأجر الذي رصده له رسول الله أو أعطاه إياه لم يكن لينافس ما رصدته قريش للدلالة على رسول الله.

تحول سراقة بن جعشم من مطاردة النبي الى حمايته بالحب

وكذلك يظهر في طريق الهجرة سراقة بن جعشم يسعى وراء ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغية أن يمسك به أو يرشد عنه ويفوز بالمائة ناقة التي رصدتها قريش لذلك، ولكنه وبعد أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكتشف ركبه ويكلمه رسول الله، يرجع فَيُخَذِّل عن رسول الله ويرد الطلب عن ركبه، ويقوم بدور مهم في الهجرة حيث ضلل المشركين في السبل المختلفة حتى اطمأن أن رسول الله وصل إلى الأمان، وسراقة رضي الله عنه لم يكن حينئذ مسلما، ولم يخرج إلى رسول الله ليعلن إسلامه إلا بعد فتح مكة وحنين والطائف.

ويحكي سراقة بن جعشم ما دار بينه وبين رسول الله حينما تعثرت به فرسه في التراب وأبت أن تُلْحِقَهُ برسول الله،

قَالَ: فَنَادَيْت الْقَوْمَ فَقُلْت: أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ اُنْظُرُونِي أُكَلّمْكُمْ فَوَاَللّهِ لَا أَرَيْبُكُمْ وَلَا يَأْتِيكُمْ مِنّي شَيْءٌ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: وَمَا تَبْتَغِي مِنَّا؟ فقُلْت: تَكْتُبُ لِي كِتَابًا يَكُونُ آيَةً بَيْنِي وَبَيْنَك. قَالَ: اُكْتُبْ لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ.

فوعده رسول الله وكتب له أن يُلْبَسَ سواري كسرى، فلا بد أن سراقة رآى من رسول الله في هذا اللقاء القصير ما أوقع في قلبه حبا لشخصه الشريف، مما جعل سراقة يحتفظ برقعة يعده فيها رجل هارب من قومه على طريق موحش مهدد بأن يلبس سواري كسرى ملك الفرس، وكذلك ينذر نفسه لنصرة هذا الرجل، ويخذل عنه ويشتت عنه كل من يريده بسوء.

وفي المنطق والعقل لا يوجد سوى الحب والعاطفة هي الشيء الوحيد القادر على تحريك النفس بهذا الشكل والحب هو المحرك الذي جعل سراقة يخاف على رسول الله ويبغي سلامته ويصدقه بوعده قبل أن يؤمن بنبوته، كل ذلك بعد أن كان ساعيا في اللحاق به وقتله أو الإمساك به ورده إلى المشركين.

قصة اسلام عمر بن الخطاب والتحول من العداء الى المحبة والايمان

وفي قصة إسلام عمر بن الخطاب مثل التحول غير أن عمر وقع في قلبه الحب والإيمان في آن واحد حتى قبل أن يلقى رسول الله، وبمجرد أن قرأ آيات القرآن التي أوحي بها لرسول الله في صحيفة عند أخته فاطمة.

فبعد أن كان عمر ساعيا لقتل رسول الله بغضا وكراهية صار ساعيا للقائه حبيبا مشوقا مؤمنا.

حب عداس النصراني للنبي منذ اللقاء الاول بالطائف

وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول لقاء ذلك الغلام النصراني عداس الذي أرسله سيداه عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ بقطف من عنب لما رأوا مَا لَقِيَه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الطائف وتَحَرَّكَتْ لَهُ رَحِمُهُمَا، أَقْبَلَ على رسول الله وَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْه ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُلْ.

فَلَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ يَدَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ. ثُمَّ أَكَلَ، فَنَظَرَ عَدَّاسٌ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: وَاَللهِ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبِلَادِ.

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"وَمِنْ أَهْلِ أَيِّ الْبِلَادِ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ؟ وَمَا دِينُكَ؟"

قَالَ: نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"مِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى".

فَقَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى؟

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"ذَاكَ أَخِي، كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ".

فَأَكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ.

فَلَمَّا جَاءَهُمَا عَدَّاسٌ قَالَا لَهُ: وَيْلَك يَا عَدَّاسُ مَا لَكَ تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ ؟ قَالَ: يَا سَيِّدِي مَا فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ هَذَا. لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِأَمْرٍ مَا يَعْلَمُهُ إلَّا نَبِيٌّ

قصة ام معبد في الهجرة ومعجزة حلب الشاة العجفاء

ونرى مثل هذا الحب من أم معبد الخُزَاعِيَّةِ رضي الله عنها قبل إسلامها، فإنه لما مَرَّ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بركبه وفيه أبو بكر الصديق وابن أريقط وعامر بن فهيرة في رحلة الهجرة بِخَيْمَتَيْهَا فَسَأَلَاهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ ؟ فَقَالَتْ: وَاَللهِ لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ مَا أَعْوَزَكُمُ الْقِرَى، وَالشَّاءُ عَازِبٌ.

وَكَانَتْ مُسِنَّةً شَهْبَاءَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ صلى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى شَاةٍ فِي كِسْرِ الْخَيْمَةِ فَقَالَ:

"مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ ؟"

قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ.

فَقَالَ:

"هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ ؟"

قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ.

فَقَالَ:

"أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا ؟"

قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي وَأُمِّي إنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا فَاحْلُبْهَا.

فَمَسَحَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا وَسَمَّى اللهَ وَدَعَا** فَتَفَاجَّتْ عَلَيْهِ وَدَرَّتْ**، فَدَعَا بِإِنَاءٍ لَهَا يُرْبِضُ الرَّهْطَ، فَحَلَبَ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ الرَّغْوَةُ، فَسَقَاهَا فَشَرِبَتْ حَتَّى رَوِيَتْ، وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوَوْا، ثُمَّ شَرِبَ، وَحَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا حَتَّى مَلَأَ الْإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا فَارْتَحَلُوا.

وصف ام معبد لشمائل النبي البديعة وتعجب زوجها من بركته

فَقَلَّمَا لَبِثَتْ أَنْ جَاءَ زَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا يَتَسَاوَكْنَ هُزْلًا لَا نِقْيَ بِهِنَّ، فَلَمَّا رَأَى اللَّبَنَ عَجِبَ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا وَالشَّاةُ عَازِبٌ ؟ وَلَا حَلُوبَةَ فِي الْبَيْتِ؟ فَقَالَتْ: لَا وَاَللهِ إِلّا أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ، كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَمِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: وَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ صَاحِبَ قُرَيْشٍ الَّذِي تَطْلُبُهُ، صِفِيهِ لِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ.

قَالَتْ: ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ أَبْلَجُ الْوَجْهِ حَسَنُ الْخَلْقِ، لَمْ تَعِبْهُ نُحْلَةٌ وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ، وَسِيمٌ قَسِيمٌ، فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ، وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ، وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ، أَحْوَرُ، أَكْحَلُ، أَزَجُّ، أَقْرَنُ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، إِذَا صَمَتَ عَلَاهُ الْوَقَارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ عَلَاهُ الْبَهَاءُ، أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَاهُمْ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْسَنُهُ وَأَحْلَاهُ مِنْ قَرِيبٍ، حُلْوُ الْمَنْطِقِ فَصْلٌ، لَا نَزْرٌ وَلَا هَذْرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ، رَبْعَةٌ لَا تُقْحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ وَلَا تَشْنَؤُهُ مِنْ طُولٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِذَا قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ، وَإِذَا أَمَرَ تَبَادَرُوا إلَى أَمْرِهِ، مَحْفُودٌ، مَحْشُودٌ، لَا عَابِسٌ وَلَا مُفْنِدٌ.

فَقَالَ أَبُو مَعْبَدٍ: وَاَللهِ هَذَا صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي ذَكَرُوا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذَكَرُوا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبُهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ إنْ وَجَدْتُ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.

فأم معبد رضي الله عنها تصف رجلا مسافرا في البادية مر عليها في ركب لم تلقه من قبل ولم تعرف من هو، وما يخرج مثل هذا الوصف إلا من محب متيم.

محبة عبد المطلب للنبي وتسميته محمدا وكفالته له صغيرا

وكذلك فإن جده عبد المطلب هو من سماه محمدا، وهذا الاسم لم يكن العرب يألفونه، لذلك سألوه: لم رغب عن أسماء آبائه. فأجاب: أردت أن يحمده الله في السماء، وأن يحمده الخلق في الأرض.

وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد المطلب بن هاشم هو الذي كفله بعد موت أبيه وأمه، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة وكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي حتى يجلس عليه، فيذهب أعمامه يؤخرونه فيقول جده: دعوا ابني. فيمسح ظهره ويقول: إن لابني هذا لشأنا.

ويوما أرسله جده في طلب إبل له شردت، ولم يرسله في حاجة قط إلا جاء بها، ولكنه احتبس عليه ثم جاء بها، فقال له جده: يا بني لقد حزنت عليك حزنا؛ لا تفارقني أبدا.

غيرة حمزة بن عبد المطلب على النبي واثرها في اسلامه

وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه وأخيه من الرضاعة حمزة بن عبد المطلب، وكان هذا الحب سببا في هداية حمزة ودخوله في الإسلام.

روى ابن إسحاق أَنَّ أَبَا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الصَّفَا، فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ وَنَالَ مِنْهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مِنَ الْعَيْبِ لِدِينِهِ وَالتَّضْعِيفِ لِأَمْرِهِ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَوْلَاةٌ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ، ثم عَمَدَ إلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَجَلَسَ مَعَهُمْ.

فَلَمْ يَلْبَثْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنْ أَقْبَلَ مُتَوَشِّحًا قَوْسَهُ رَاجِعًا مِنْ قَنْصٍ لَهُ، وَكَانَ صَاحِبَ قَنْصٍ يَرْمِيهِ وَيَخْرُجُ لَهُ، وَكَانَ إذَا رَجَعَ مِنْ قَنْصِهِ لَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، وَكَانَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَمُرَّ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا وَقَفَ وَسَلَّمَ وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ، وَكَانَ أَعَزَّ فَتًى فِي قُرَيْشٍ، وَأَشَدَّ شَكِيمَةً.

فَلَمَّا مَرَّ بِالْمَوْلَاةِ وَقَدْ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَيْتِهِ قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عُمَارَةَ لَوْ رَأَيْتَ مَا لَقِيَ ابْنُ أَخِيك مُحَمَّدٌ آنِفًا مِنْ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، وَجَدَهُ هَاهُنَا جَالِسًا فَآذَاهُ وَسَبَّهُ وَبَلَغَ مِنْهُ مَا يَكْرَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فَاحْتَمَلَ حَمْزَةَ الْغَضَبُ لَمَّا أَرَادَ اللهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ فَخَرَجَ يَسْعَى وَلَمْ يَقِفْ عَلَى أَحَدٍ، مُعِدًّا لِأَبِي جَهْلٍ إذَا لَقِيَهُ أَنْ يُوقِعَ بِهِ فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ نَظَرَ إلَيْهِ جَالِسًا فِي الْقَوْمِ فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ حَتَّى إذَا قَامَ عَلَى رَأْسِهِ رَفَعَ الْقَوْسَ فَضَرَبَهُ بِهَا فَشَجَّهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً، ثُمَّ قَالَ: أَتَشْتِمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ أَقُولُ مَا يَقُولُ ؟ فَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيَّ إنْ اسْتَطَعْتَ. .

الخلاصة العامة لمحبة من رأى النبي وحرمان من حجب عن حقيقته

وبالخلاصة: فإنه لم ير رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ إلا آمن به وصدقه واتبعه، ولم يطق صبرا على فراقه، حبا له ولجماله ولعقله ولهديه، ولا يقدح في ذلك كفر من كفر في عصره ولا نفاق من نافق؛ لأن أولئك النفر في الحقيقة لم يروه، ولم يتركوا لأرواحهم العنان ولا لنفوسهم ولا لعقولكم أن ترى رسول الله وتتأمل جماله وحكمته، ولم يروا إلا صورة ليتيم بني هاشم.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ماذا قال أبو سفيان للنبي حين واجهه العباس به قبيل فتح مكة وهو لا يزال مشركاً؟

بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك

لماذا خُفِّف العذاب عن أبي لهب كل يوم اثنين رغم شدة عداوته للنبي؟

لأنه أعتق ثويبة فرحاً بمولد النبي يوم الاثنين

ما الذي قاله الوليد بن المغيرة للمشركين بعد أن سمع القرآن من رسول الله؟

والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وما يقول هذا بشر

ما المبرر الوحيد الذي يفسر تصرف عبد الله بن أريقط المشرك في حماية النبي أثناء الهجرة؟

الحب والتيّم بشخص النبي وتقدير مكانته

ما الذي كتبه النبي لسراقة بن جعشم حين طلب منه كتاباً يكون آية بينهما؟

وعده بأن يُلبَس سواري كسرى ملك الفرس

ما الذي جعل عمر بن الخطاب يتحوّل من السعي لقتل النبي إلى محبته والإيمان به؟

قراءة آيات القرآن في صحيفة عند أخته فاطمة

ما الذي قاله عداس النصراني لسيديه حين سألاه لماذا يقبّل رأس النبي ويديه وقدميه؟

ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي

ما المعجزة التي شهدتها أم معبد في خيمتها حين مرّ بها النبي في رحلة الهجرة؟

حلب شاة عجفاء لا لبن فيها فدرّت حتى ملأ إناءً كبيراً وسقى الجميع

كيف وصفت أم معبد صوت النبي في وصفها لشمائله الخلقية؟

في صوته صحل

لماذا سمّى عبد المطلب حفيده محمداً وهو اسم لم تألفه العرب؟

أراد أن يحمده الله في السماء ويحمده الخلق في الأرض

ما الذي فعله حمزة بن عبد المطلب حين علم أن أبا جهل آذى النبي وشتمه عند الصفا؟

ذهب إلى المسجد وضرب أبا جهل بقوسه شجة منكرة وأعلن إسلامه

ما تفسير كفر من كفر في عصر النبي رغم أن كل من رآه حقاً آمن به؟

لأنهم في الحقيقة لم يروه ولم يتركوا لأرواحهم أن تتأمل جماله وحكمته

من هو الذي رأى أبا لهب في المنام بعد وفاته وسأله عن حاله؟

أخوه العباس بن عبد المطلب

من أي مدينة كان عداس النصراني الذي أحب النبي من أول لقاء في الطائف؟

نينوى

ما الذي قاله أبو معبد حين رأى اللبن في خيمته وعلم بأمر الرجل المبارك الذي مرّ بهم؟

لقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً

ما الصفات التي جعلت كل من حول النبي يحبه حباً جماً؟

كان النبي أجمل الناس وأصدقهم وأرأفهم، وكان قلبه مليئاً بالحب والرحمة والحنان والانشراح والمرح والطمأنينة، مما جعل حبه يشمل الإنسان والحيوان والشجر والجماد.

ما الذي أعتقه أبو لهب محبةً في النبي وما الأثر الذي ترتب على ذلك؟

أعتق أبو لهب جاريته ثويبة مرضعة النبي محبةً فيه، فخُفِّف عنه العذاب كل يوم اثنين جزاءً على فرحه بمولد النبي يوم الاثنين.

ما الجملة التي سمعها الوليد بن المغيرة من القرآن فأثّرت فيه؟

سمع قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، فرجع إلى المشركين قائلاً: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وما يقول هذا بشر.

ما الجائزة التي تنازل عنها عبد الله بن أريقط بحمايته للنبي في الهجرة؟

تنازل عن مائة ناقة رصدتها قريش لمن يدل على رسول الله وصاحبه حياً أو ميتاً، وآثر حماية النبي وحفظ سره.

ما الوعد الذي كتبه النبي لسراقة بن جعشم في رحلة الهجرة؟

وعده النبي بأن يُلبَس سواري كسرى ملك الفرس، وكتب له أبو بكر كتاباً بذلك، فاحتفظ سراقة بهذه الرقعة وأنذر نفسه لنصرة النبي.

ما النبي الذي ذكره رسول الله لعداس النصراني فكان سبباً في إيقاع المحبة في قلبه؟

ذكر له يونس بن متى وقال: ذاك أخي كان نبياً وأنا نبي. فأكبّ عداس على رسول الله يقبّل رأسه ويديه وقدميه.

ما الشاة التي حلبها النبي في خيمة أم معبد وما وصفها؟

كانت شاة مسنّة شهباء عجفاء خلّفها الجهد عن الغنم ولا لبن فيها، فمسح النبي ضرعها وسمّى الله ودعا فدرّت حتى ملأ إناءً كبيراً وسقى الجميع.

كيف وصفت أم معبد منطق النبي وكلامه في وصفها لشمائله؟

قالت: حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن.

ما الذي قاله عبد المطلب حين أرسل النبي في طلب إبل شاردة واحتبس عليه؟

قال له: يا بني لقد حزنت عليك حزناً، لا تفارقني أبداً. وكان يقول عنه: إن لابني هذا لشأناً.

ما الذي كان يفعله عبد المطلب حين يجلس النبي الصغير على فراشه في ظل الكعبة؟

كان أعمام النبي يذهبون ليؤخروه عن الفراش إجلالاً لعبد المطلب، فيقول جده: دعوا ابني. ثم يمسح ظهره ويقول: إن لابني هذا لشأناً.

ما الذي جعل سراقة بن جعشم يتحوّل من مطارد للنبي إلى حامٍ له في نفس الرحلة؟

الحب والعاطفة التي وقعت في قلبه من لقاء واحد قصير مع رسول الله، إذ رأى منه ما جعله يخاف على سلامته ويصدقه بوعده قبل أن يؤمن بنبوته.

ما الذي قالته أم معبد لزوجها حين سألها عن مصدر اللبن؟

قالت: لا والله إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك، كان من حديثه كيت وكيت ومن حاله كذا وكذا.

ما الصفة التي ذكرتها أم معبد عن هيئة النبي حين يصمت وحين يتكلم؟

قالت: إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلم علاه البهاء.

ما الذي جعل حمزة بن عبد المطلب يُعلن إسلامه في تلك اللحظة أمام أبي جهل؟

احتمله الغضب لما أراد الله به من كرامة حين علم بإيذاء أبي جهل للنبي، فضربه بقوسه وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فكان الحب هو الباب الذي دخل منه إلى الإيمان.

ما الخلاصة التي يمكن استخلاصها من مواقف المشركين مع النبي؟

كل من رأى رسول الله حقاً وترك روحه تتأمل جماله وحكمته آمن به واتبعه، ومن كفر فلأنه لم يرَه إلا يتيم بني هاشم ولم يترك لروحه أن تتأمل حقيقته.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!