اكتمل ✓
الفصل 3

ما هي معجزات النبي محمد ومظاهر محبة المخلوقات له من حيوان ونبات وجماد وما قصة معجزة انشقاق القمر؟

معجزات النبي محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة وشاملة لعوالم الحيوان والنبات والجماد والسماء، فقد شكا الجمل لرسول الله وحنّ جذع النخلة لفراقه، وسلّم عليه الحجر والشجر قبل البعثة، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكلمت الذراع المسمومة تحذيره. وكانت معجزة انشقاق القمر من أعظم هذه الآيات لأنها ظهرت في ملكوت السماء خارجة عن طباع عناصر هذا العالم.

9 دقائق قراءة
  • هل يمكن للحيوان أن يشكو ظلم صاحبه؟ جمل الأنصاري بكى أمام النبي وشكا إليه الجوع والإرهاق فأنّبه النبي على ذلك.

  • الإحسان إلى البهائم فريضة إسلامية، وفي كل ذات كبد رطبة أجر، والنبي نهى عن وسم الحيوان في وجهه وأمر بإحسان الذبح وإراحة الذبيحة.

  • النبات أيضاً تفاعل مع النبي، إذ أخبرته شجرة بحضور الجن ليلة استماعهم القرآن، وتوعد النبي من يقطع شجرة السدر ظلماً بعقوبة شديدة.

  • جذع النخلة حنّ وأنّ بصوت مسموع حين تحول النبي إلى المنبر، فنزل إليه والتزمه حتى سكن، وهو مشهد يُخجل قلوباً أشد قسوة من الجماد.

  • معجزة انشقاق القمر آية سماوية عظمى وصفها الخطابي بأنها لا يعادلها شيء من آيات الأنبياء لأنها ظهرت في ملكوت السماء خارجة عن طباع عناصر هذا العالم.

  • التراب استجاب لرسول الله في بدر وحنين فعشي أعين المشركين، والسحابة ظللته في الصحراء، والسماء استجابت لدعاء الاستسقاء فأمطرت ثم انفرجت بإشارة يده.

شكوى الجمل لرسول الله وموقف النبي من صاحب الجمل

وأما عن الحيوان فإن قصة الجمل الذي شكا صاحبه لرسول الله رواها البخاري ومسلم فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ، قَالَ: فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ، فَسَكَتَ، فَقَالَ:

مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ ؟

فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ:

أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا ؟ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ.

الأجر في الإحسان للبهائم وقصة الوحش في بيت النبي

وقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ يَوْمًا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِى الْبَهَائِمِ أَجْرًا ؟ فَقَالَ:

« فِى كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ».

وَتَحْكِي أُمُّ المؤمِنِينَ عَائِشَةُ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ لآلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحْشٌ، فَإِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَعِبَ وَاشْتَدَّ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا أَحَسَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ دَخَلَ، رَبَضَ فَلَمْ يَتَرَمْرَمْ مَا دَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى الْبَيْتِ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُؤْذِيَهُ.

أي أن الوحش أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يخاف أن يتأذى بلعبه وحركته أو صوته، أحبه الحيوان الأعجم وحرم من حبه بعض البشر ؟!

النهي عن وسم البهيمة والإحسان في القتل والذبح

وَعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم مُرَّ عَلَيْهِ بِحِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِى وَجْهِهِ، فَقَالَ:

«أَمَا بَلَغَكُمْ أَنِّى قَدْ لَعَنْتُ مَنْ وَسَمَ الْبَهِيمَةَ فِى وَجْهِهَا أَوْ ضَرَبَهَا فِى وَجْهِهَا». فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:

«إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».

(فَإِذَا قَتَلْتُمْ) أي قَوَدًا قِصَاصًا، (فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ) أي هيئة القتل، والإحسان فيها اختيار أسهل الطرق وأقلها إيلاما (وَإِذَا ذَبَحْتُمْ) أي بهيمة تحل (فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ) الذبح بالرفق بها، فلا يصرعها بعنف، ولا يجرها للذبح بعنف، ولا يذبحها بحضرة أخرى (وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) وإراحتها تحصل بسقيها وإمرار السكين عليها بقوة ليسرع موتها فتستريح من ألمه.

قال الإمام النووي: وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ الْأَحَادِيث الْجَامِعَة لِقَوَاعِد الْإِسْلَام. وَاللَّهُ أَعْلَم.

ليلة الجن وإخبار الشجرة ووعيد قطع شجرة السدر

وأما عن النبات:

في ليلة الجن التي خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن مسعود، اجتمع نفر من الجن يستمعون القرآن ثم انصرفوا إلى قومهم منذرين، سئل ابن مسعود: من أخبر رسول الله بحضورهم ؟ فقال: آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِى النَّارِ ».

يَعْنِى: مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً فِى فَلاَةٍ يَسْتَظِلُّ بِهَا ابْنُ السَّبِيلِ وَالْبَهَائِمُ عَبَثًا وَظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ يَكُونُ لَهُ فِيهَا صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِى النَّارِ.

فضل غرس الشجر والصدقة الجارية حتى قيام الساعة

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلاَّ كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةً، وَلاَ يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ ».

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ نَصَبَ شَجَرَةً فَصَبَرَ عَلَى حِفْظِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا حَتَّى تُثْمِرَ كَانَ لَهُ فِى كُلِّ شَىْءٍ يُصَابُ مِنْ ثَمَرَتِهَا صَدَقَةٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ وَفِي يَدِهِ فَسْلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا".

إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم يحب النبات ويخاف عليه ويتهدد من يقطعه ظلما ويبشر من يحفظه ويقوم على رعايته ويغرسه في الأرض وإن قامت القيامة.

حنين جذع النخلة لرسول الله ومقارنة قسوة القلوب

وقد حن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجذع ومال حتى سمع الصحابة في المسجد صوت أنينه، فَعَنْ جَابِرٍ: كَانَ الْمَسْجِدُ مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَخْلٍ، فَكَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ، وَكَانَ عَلَيْهِ، فَسَمِعْنَا لِذَلِكَ الْجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ الْعِشَارِ، حَتَّى جَاءَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، فَسَكَنَتْ.

فالجذع يحزن لتحول رسول الله عنه إلى المنبر ورسول الله يتجاوب معه فينزل عن منبره ويذهب إليه فيلتزمه ويمسح عليه ولولا ذلك لما سكن أو سكت. فهذا الجماد يحب رسول الله فما بال قلوب أحدنا أشد قسوة من الجماد لا تحن إلى رسول الله وتهفو إليه.

حب جبل أحد للنبي وثباته بأمره مع أصحابه

وأما عن الجماد:

مر النبي صلى الله عليه وسلم على جبل أحد، وعلى الرغم من أنه كان موطنا أصاب المسلمين فيه قرح وأصاب النبيَّ جرح، واستشهد عليه عمه حمزة بن عبد المطلب فحزن النبي لذلك، إلا أنه أشار إليه وقال:

هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ.

وفي موقف آخر مع جبل أحد نجد النبي صلى الله عليه وسلم يغمزه برجله حينما اهتز من تحته، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُحُدٍ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ قَالَ:

"اثْبُتْ أُحُدُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدَانِ".

تسليم الحجر والشجر على النبي قبل البعثة كرامةً له

ولم يكن هذا الأمر من التفاعل مع الجماد في البيئة الإنسانية مقصورا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثته، بل وقبلها فقد قال صلى الله عليه وسلم:

«إِنِّى لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّى لأَعْرِفُهُ الآنَ »

ومثل ذلك أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ أَرَادَهُ اللّهُ بِكَرَامَتِهِ وَابْتَدَأَهُ بِالنّبُوّةِ كَانَ إذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَبْعَدَ حَتّى تَحَسّرَ عَنْهُ الْبُيُوتُ وَيُفْضِي إلَى شِعَابِ مَكّةَ وَبُطُونِ أَوْدِيَتِهَا، فَلَا يَمُرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إلّا قَالَ: السّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللّهِ.

نبع الماء من أصابعه وتسبيح الطعام بين يديه

ولقد نبع الماء بين أصابعه الشريفة صلى الله عليه وسلم وسبح الطعام بين يديه فسمعه أصحابه، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى سَفَرٍ، فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ:

«اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ».

فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ:

«حَىَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ».

فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْوَ يُؤْكَلُ.

قصة الشاة المسمومة في خيبر وكلام الذراع لرسول الله

والذراع المطهية تحدثت لرسول الله تحذره من السم الذي دستها اليهودية فيها، فَإِنَّ يَهُودِيَّةً مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاةً مَصْلِيَّةً ثُمَّ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الذِّرَاعَ فَأَكَلَ مِنْهَا وَأَكَلَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

«ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ».

وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَدَعَاهَا فَقَالَ لَهَا:

«أَسَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ؟».

قَالَتِ الْيَهُودِيَّةُ: مَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ:

«أَخْبَرَتْنِى هَذِهِ فِى يَدِى».

لِلذِّرَاعِ. قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ:

«فَمَا أَرَدْتِ إِلَى ذَلِكَ؟».

قَالَتْ: قُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَنْ يَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اسْتَرَحْنَا مِنْهُ. فَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

التراب سلاحا مع رسول الله في بدر وحنين وهزيمة الكفار

وقد كان التراب سلاحا ناجعا استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر وغزوة حنين فعشي أعين المشركين.

فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِى الْحِجْرِ فَتَعَاقَدُوا بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الأُخْرَى وَنَائِلَةَ وَإِسَافٍ لَوْ قَدْ رَأَيْنَا مُحَمَّداً لَقَدْ قُمْنَا إِلَيْهِ قِيَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَمْ نُفَارِقْهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَتِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ تَبْكِى، حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: هَؤُلاَءِ الْمَلأُ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ تَعَاقَدُوا عَلَيْكَ لَوْ قَدْ رَأَوْكَ لَقَدْ قَامُوا إِلَيْكَ فَقَتَلُوكَ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْ دَمِكَ. فَقَالَ:

«يَا بُنَيَّةُ أَرِينِى وَضُوءًا».

فَتَوَضَّأَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمُ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَا هُوَ ذَا. وَخَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ وَسَقَطَتْ أَذْقَانُهُمْ فِى صُدُورِهِمْ، وَعَقِرُوا فِى مَجَالِسِهِمْ فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ بَصَراً، وَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ فَقَالَ:

«شَاهَتِ الْوُجُوهُ».

ثُمَّ حَصَبَهُمْ بِهَا فَمَا أَصَابَ رَجُلاً مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْحَصَى حَصَاةٌ إِلاَّ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِراً.

وعن العباس بن عبد المطلب: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ ثُمَّ قَالَ:

«انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ».

فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلاً وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا.

وقال سلمة بن الأكوع وقد شهد مع رسول الله حنينا: فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَقَالَ:

«شَاهَتِ الْوُجُوهُ».

فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلاَّ مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ.

معجزة انشقاق القمر وعظمتها بين آيات الأنبياء

ولم يكن تفاعل عالم الجماد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصورا على العالم الأرضي، بل والسماوي فنجد القمر ينشق نصفين معجزة له، فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ.

قال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة لا يعادلها شيء من آيات الأنبياء؛ لأنه ظهر في ملكوت السماء، والخطب فيه أعظم، والبرهان به أظهر؛ لأنه خارج عن جملة طباع ما في هذا العالم من العناصر.

استجابة السماء لدعاء الاستسقاء وتحويل المطر عن المدينة

وقد استجاب الله لنبيه فسخر السماء والسحاب لاستسقاءه صلى الله عليه وسلم من حينها، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَبَيْنَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فِى يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِىٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِى السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ صلى الله عليه وسلم، فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الْغَدِ، وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِى يَلِيهِ، حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِىُّ - أَوْ قَالَ غَيْرُهُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا.

فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:

«اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلاَ عَلَيْنَا».

فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلاَّ انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ الْوَادِى قَنَاةُ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ. وفي رواية: وَخَرَجْنَا نَمْشِى فِى الشَّمْسِ.

السحابة التي تظل النبي وخلاصة محبة المخلوقات كلها له

وكذلك السحابة التي كانت تظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحراء وما فارقته في بادية ولا حضر وما فارقته قبل البعثة وبعدها فإن أمرها مشهور شهدها كل من عاصره.

إذن فالخلاصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبته المخلوقات جميعها وكانت حياته وتعاليمه تعج بالحب للمخلوقات جميعها.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الذي فعله النبي حين رأى الجمل يبكي في حائط الأنصاري؟

مسح ذفراه حتى سكن ثم سأل عن صاحبه

ما المقصود بقول النبي: في كل ذات كبد رطبة أجر؟

الأجر في الإحسان لكل حيوان حي

ما عقوبة من يقطع شجرة السدر في الفلاة ظلماً وعبثاً؟

أن يصوّب الله رأسه في النار

من أخبر النبي بحضور الجن في ليلة استماعهم القرآن؟

شجرة في المكان

ما الذي حدث لجذع النخلة حين تحول النبي إلى المنبر؟

صدر منه صوت كصوت العشار من الحنين

ماذا قال النبي لجبل أحد حين اهتز بمن عليه؟

اثبت أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان

متى كان الحجر والشجر يسلمان على النبي؟

قبل البعثة حين كان يخرج لحاجته

ما الذي سمعه الصحابة بجانب معجزة نبع الماء من أصابع النبي؟

تسبيح الطعام وهو يُؤكل

كيف علم النبي أن الشاة في خيبر مسمومة؟

أخبرته الذراع نفسها

ما الذي حدث لكل من أصابته حصاة التراب التي رماها النبي على قريش؟

قُتل يوم بدر كافراً

لماذا وصف الخطابي معجزة انشقاق القمر بأنها لا يعادلها شيء من آيات الأنبياء؟

لأنها ظهرت في ملكوت السماء خارجة عن طباع عناصر هذا العالم

ما الذي طلبه النبي من الله حين شكا الناس كثرة المطر بعد الاستسقاء؟

اللهم حوالينا ولا علينا

ما الذي كان يفعله الوحش في بيت النبي حين يدخل النبي؟

يربض ولا يتحرك كراهية أن يؤذيه

ما الإحسان في الذبح الذي أمر به النبي؟

تحديد السكين والرفق بالذبيحة وعدم ذبحها بحضرة أخرى

ما الذي قاله النبي لصاحب الجمل الذي شكا إليه؟

قال له: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك الله إياها؟ فإنه شكا إليّ أنك تجيعه وتُدئبه.

ما معنى قول النبي: في كل ذات كبد رطبة أجر؟

يعني أن الإحسان إلى أي حيوان حي يُثاب عليه المسلم، سواء أكان إنساناً أم حيواناً.

لماذا نهى النبي عن وسم البهيمة في وجهها؟

لأن الوجه موضع شريف ووسمه فيه إيذاء وتشويه، وقد أعلن النبي أنه لعن من يفعل ذلك.

ما معنى إراحة الذبيحة في الذبح؟

تحصل بسقيها وإمرار السكين عليها بقوة ليُسرع موتها فتستريح من ألم الذبح.

من أخبر النبي بحضور الجن ليلة استماعهم القرآن؟

أخبرته شجرة في المكان، وهذا ما أجاب به ابن مسعود حين سُئل عن ذلك.

ما الحديث الذي يحثّ على الغرس حتى في آخر لحظة من الدنيا؟

قال النبي: إن قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسلة فليغرسها.

ما الذي فعله النبي حين سمع أنين جذع النخلة؟

نزل عن منبره وذهب إلى الجذع فالتزمه ومسح عليه حتى سكن.

ما الذي قاله النبي عن جبل أحد؟

قال: هذا جبل يحبنا ونحبه، وذلك على الرغم مما أصاب المسلمين فيه من قرح وجرح.

متى بدأ الحجر والشجر يسلمان على النبي؟

قبل البعثة، حين كان النبي يخرج لحاجته ويبتعد عن البيوت، فكان كل حجر وشجرة يقول: السلام عليك يا رسول الله.

ما الذي قاله ابن مسعود عن موقف الصحابة من معجزة نبع الماء؟

قال: كنا نعدّ الآيات بركة وأنتم تعدّونها تخويفاً، مما يدل على أن الصحابة كانوا يستبشرون بهذه المعجزات.

ما الذي قالته اليهودية حين سُئلت عن سبب تسميم الشاة؟

قالت: إن كان نبياً فلن يضره، وإن لم يكن استرحنا منه. فعفا عنها النبي.

ما الذي حدث لكل من أصابته حصاة التراب في غزوة بدر؟

قُتل يوم بدر كافراً، ولم يُفلت منهم أحد أصابته تلك الحصاة.

ما الذي حدث في غزوة حنين حين رمى النبي التراب على وجوه الكفار؟

ملأ الله عيني كل إنسان منهم تراباً بتلك القبضة فولّوا مدبرين.

لماذا تُعد معجزة انشقاق القمر فريدة بين معجزات الأنبياء؟

لأنها ظهرت في ملكوت السماء لا على الأرض، وهي خارجة عن طباع عناصر هذا العالم، مما يجعل البرهان بها أظهر.

كيف استجابت السماء لدعاء النبي في الاستسقاء؟

ثار السحاب كالجبال قبل أن يضع النبي يديه، وأمطرت المدينة أسبوعاً كاملاً حتى الجمعة التالية.

ما الذي كانت تفعله السحابة مع النبي قبل البعثة وبعدها؟

كانت تظلله في الصحراء ولم تفارقه في بادية ولا حضر، وكان أمرها مشهوراً شهده كل من عاصره.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!