ما وقت رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق وهل يجوز الرمي قبل الزوال لحفظ النفس؟
وقت رمي الجمرات في أيام التشريق يبدأ بعد الزوال عند جمهور العلماء، غير أن المسألة خلافية وليست إجماعية، إذ ذهب عدد من العلماء المعتبرين كابن عباس وطاووس وعكرمة وبعض الشافعية والحنابلة إلى جواز الرمي قبل الزوال. وفي ضوء ما يقع من حوادث وفيات بسبب الزحام، يترجح الأخذ بهذا القول صيانةً للنفس البشرية التي حرّم الله قتلها، فيجوز الرمي في سائر ساعات اليوم.
- •
هل يجوز رمي الجمرات قبل الزوال في أيام التشريق أم أن التقيد بما بعد الزوال واجب لا يُخالَف؟
- •
رمي الجمرات منسك واجب في الحج يُؤدَّى في يوم النحر وثلاثة أيام التشريق، وتُرمى كل جمرة بسبع حصيات على الترتيب.
- •
وقت رمي الجمرات في أيام التشريق يبدأ بعد الزوال عند الجمهور، لكن المسألة خلافية وليست محل إجماع.
- •
ذهب ابن عباس وطاووس وعكرمة وبعض الشافعية والحنابلة إلى جواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق قياسًا على يوم النحر.
- •
الأدلة على الجواز تشمل عموم الآيات القرآنية وحديث لا حرج ورخصة الرعاة وآثار الصحابة والقياس على يوم النحر.
- •
الأخذ بقول جواز الرمي قبل الزوال واجب عملي في عصرنا لصيانة النفس البشرية، ومن أصرّ على الزحام حتى أفضى إلى موت نفسه أو غيره فهو آثم شرعًا.
- 1
حوادث وفاة الحجاج مرتبطة بالتقيد بوقت محدد لرمي الجمرات، والحج مبني على حفظ النفس لا على ما يؤدي إلى قتلها.
- 2
رمي الجمرات منسك واجب بالإجماع يُؤدَّى في يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة، وتُرمى كل جمرة بسبع حصيات.
- 3
يوم النحر لجمرة العقبة فقط، وأيام التشريق للجمار الثلاث بالترتيب، ويجوز النفر بعد رمي اليوم الثاني مع سقوط رمي الثالث.
- 4
وقت رمي الجمرات يوم النحر متسع عند جميع المذاهب ويمتد من الفجر أو منتصف الليل حتى آخر أيام التشريق عند الشافعية والحنابلة.
- 5
وقت رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق يبدأ بعد الزوال عند الجمهور، والبحث في كون هذا إجماعًا أم مسألة خلافية هو محور المسألة.
- 6
جواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق قول معتبر عند صحابة وتابعين وعلماء من الشافعية والحنابلة، وليست المسألة إجماعية.
- 7
الآيات القرآنية وحديث لا حرج يدلان على عدم اشتراط وقت محدد للرمي، ولو كان المنع قطعيًا لبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم صراحةً.
- 8
رخصة الرعاة وأثر ابن عمر وفعل ابن عباس والقياس على يوم النحر كلها أدلة تؤيد جواز رمي الجمرات في أيام التشريق قبل الزوال.
- 9
حديث خذوا عني مناسككم لا يُثبت وجوب الرمي بعد الزوال، لأن المناسك تتفاوت بين أركان وواجبات وهيئات مستحبة.
- 10
القياس على هيئات الصلاة والآيات الناهية عن التهلكة يؤكدان أن التقيد بوقت الزوال في الرمي لا يجوز أن يُفضي إلى هلاك النفس.
- 11
قاعدة التيسير في الحج وحديث افعل ولا حرج يؤكدان أن الشريعة لا تُلزم بوقت يُفضي إلى الضرر والهلاك.
- 12
الإصرار على الرمي في وقت الزحام القاتل إثم شرعي، لأن حرمة دم المسلم أعظم من أي مصلحة أخرى، ويُخشى على الحج من عدم القبول.
- 13
الفتوى المعاصرة تُجيز رمي الجمرات في سائر ساعات اليوم في أيام التشريق، وهو واجب عملي لحفظ أرواح الحجاج من الهلاك.
لماذا يتسبب رمي الجمرات في وفاة حجاج كل عام وما علاقة ذلك بمقصد حفظ النفس في الحج؟
يرتبط موت كثير من الحجاج بحرصهم على الالتزام بوقت محدد لرمي الجمرات مما يُفضي إلى زحام قاتل. والحج شُرع لإقامة الدين وترسيخ مقاصد الشرع ومنها حفظ النفس، فلا ينبغي أن يتحول إلى سبب لقتل النفس التي حرّم الله قتلها. والمساهمة في بيان جواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق تُسهم في تقليل الزحام وتفادي تلك الحوادث.
ما معنى رمي الجمرات وكيف يُؤدَّى وفي أي أيام الحج يكون؟
رمي الجمرات منسك من مناسك الحج أجمعت الأمة على وجوبه، ومعناه لغةً القذف بالأحجار الصغيرة. وكيفيته أن تُرمى كل جمرة بسبع حصيات. ويرمي الحاج في أربعة أيام: يوم النحر العاشر من ذي الحجة، وثلاثة أيام التشريق التي تليه.
ما ترتيب رمي الجمار في أيام التشريق ومتى يجوز النفر من منى؟
في يوم النحر يرمي الحاج جمرة العقبة وحدها بسبع حصيات، ثم في اليومين التاليين يرمي الجمار الثلاث على الترتيب: الصغرى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، كل جمرة بسبع حصيات. وإذا رمى الحاج ثاني أيام التشريق جاز له النفر إلى مكة قبل غروب الشمس عند الأئمة الثلاثة، ويسقط بذلك رمي اليوم الثالث اتفاقًا.
ما وقت رمي الجمرات يوم النحر عند المذاهب الفقهية المختلفة؟
وقت رمي الجمرات يوم النحر يبدأ من طلوع الفجر عند الحنفية والمالكية ورواية عند الحنابلة، ومن منتصف ليلة يوم النحر عند الشافعية والحنابلة لمن وقف بعرفة. وآخر وقته عند الحنفية فجر اليوم التالي، وعند المالكية المغرب، وعند الشافعية والحنابلة يمتد إلى آخر أيام التشريق. وبهذا فلا إشكال في توقيت رمي يوم النحر لاتساع وقته.
ما وقت رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق وأين يكمن الإشكال الفقهي؟
الإشكال في وقت رمي الجمرات يتمثل في يومي التشريق الأوليين، حيث يرى الجمهور أن وقت الرمي يبدأ بعد الزوال. أما نهاية الوقت فقيّده الحنفية والمالكية بيومه، وذهب الشافعية والحنابلة إلى امتداده حتى غروب شمس آخر أيام التشريق. والسؤال المطروح هو هل بدء الرمي بعد الزوال مسألة إجماعية أم خلافية، وما فائدة القول بجواز الرمي قبل الزوال؟
هل الرمي قبل الزوال في أيام التشريق مسألة خلافية وما أقوال العلماء فيها؟
مسألة وقت رمي الجمرات في أيام التشريق ليست إجماعية بل خلافية معتبرة، فقد ذهب إلى جواز الرمي قبل الزوال ابن عباس وابن الزبير وطاووس وعكرمة وأبو جعفر الباقر وعطاء، وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف. كما قال به بعض الشافعية كإمام الحرمين والرافعي والإسنوي، وبعض الحنابلة كابن الجوزي وابن الزاغوني. وقد نقل ابن عبد البر وابن المنذر الخلاف في هذه المسألة صراحةً.
ما الأدلة من القرآن والسنة على جواز رمي الجمرات قبل الزوال في أيام التشريق؟
من أدلة جواز الرمي قبل الزوال: قوله تعالى ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ إذ الرمي من الذكر وقد جعل اليوم كله محلًا له. وحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سُئل يوم النحر عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال: افعل ولا حرج، مما يدل على عدم اشتراط زمن معين. ولو كان وقت النهي قطعيًا لبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم بنص جلي خاصة أنه خطب الناس أوسط أيام التشريق ولم ينههم.
ما الأدلة من السنة وآثار الصحابة على جواز رمي الجمرات في أيام التشريق قبل الزوال؟
من الأدلة حديث إرخاص النبي صلى الله عليه وسلم للرعاة بالرمي ليلًا أو أية ساعة من النهار، وقد قاس ابن قدامة كل ذي عذر على الرعاة. وقول ابن عمر لمن سأله عن وقت الرمي: إذا رمى إمامك فارم، دون تقييد بما بعد الزوال. وما روي عن ابن عباس أنه رمى عند الظهيرة قبل الزوال. فضلًا عن القياس على يوم النحر الذي يجوز فيه الرمي قبل الزوال، إذ الكل أيام نحر.
هل حديث خذوا عني مناسككم يوجب التقيد بوقت الزوال في رمي الجمرات؟
حديث خذوا عني مناسككم عموم لا يدل بذاته على وجوب التقيد بوقت الزوال في رمي الجمرات، إذ المناسك منها أركان ومنها واجبات ومنها سنن وهيئات. والقول بالوجوب استدلالًا بهذا العموم محل نظر واجتهاد منذ القديم، فليس كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الحج ركنًا أو واجبًا، بل منه ما هو هيئة تاركها لا إثم عليه.
كيف يُستدل بالقياس على الصلاة وبالآيات القرآنية على عدم وجوب التقيد بوقت الزوال في الرمي؟
كما أن قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي لا يعني أن كل هيئات الصلاة أركان أو أن تركها يستوجب إثمًا، فكذلك هيئة الرمي في الزمان لا تُلزم بما يُهلك النفس. وقد نهى الله تعالى عن الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة وعن قتل النفس وعن قتل النفس التي حرّم الله، فلا يجوز التمسك بهيئة زمنية مختلف فيها على حساب حفظ الأرواح.
كيف تدل قاعدة التيسير في الحج وحديث افعل ولا حرج على جواز الرمي في أوقات مختلفة؟
الحج مبني على التيسير، فلم يُسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال: افعل ولا حرج. ولم يُسأل عن شيء فيه عذر من تأخير في الزمان أو ضيق في المكان إلا أباحه. وهذا يدل على أن الحج لا يُغلق على نفسه بعقلية تمنع التيسير وتُفضي إلى الهلاك.
ما الحكم الشرعي لمن أصرّ على الرمي في وقت الزحام الشديد حتى أفضى ذلك إلى موت نفسه أو غيره؟
من فضّل المزاحمة التي تؤدي إلى موت نفسه أو موت غيره على العمل بقول جواز الرمي قبل الزوال فهو آثم شرعًا، ويُخشى عليه من عدم قبول حجه. ذلك أن قتل النفس من الكبائر اتفاقًا، وحرمة دم المسلم الواحد أعظم عند الله من حرمة الكعبة. والخروج من الخلاف مستحب لا واجب، لكن الإصرار على قول مختلف فيه مع تيقن موت المسلمين لا يجوز بحال.
ما الفتوى المعاصرة في وقت رمي الجمرات في أيام التشريق لتفادي كوارث الزحام؟
الفتوى المعاصرة تُجيز رمي الجمرات في ساعات اليوم كله في أيام التشريق، وليس الرمي في وقت محدد واجبًا شرعيًا على الحجاج. وهذا الأخذ بقول جواز الرمي قبل الزوال واجب عملي لصيانة النفس البشرية وحماية المسلمين من القتل، إذ لا يخفى ترجّح منع مفسدة موت النفس على أي مصلحة أخرى.
وقت رمي الجمرات في أيام التشريق مسألة خلافية معتبرة، والأخذ بجواز الرمي قبل الزوال واجب عملي لصيانة النفس البشرية.
وقت رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق ليس محل إجماع بين العلماء، فرغم أن الجمهور يرى البدء بعد الزوال، فإن ابن عباس وطاووس وعكرمة وبعض الشافعية كإمام الحرمين والرافعي، وبعض الحنابلة كابن الجوزي، ذهبوا إلى جواز الرمي قبل الزوال، مستدلين بعموم الآيات القرآنية وحديث لا حرج وآثار الصحابة والقياس على يوم النحر.
يترتب على هذا الخلاف الفقهي المعتبر أن الأخذ بقول جواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق بات ضرورة شرعية في عصرنا، إذ إن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة كما ثبت في الحديث، ومن أصرّ على الرمي في وقت الزحام الشديد حتى أفضى ذلك إلى موت نفسه أو غيره فهو آثم شرعًا، ويُخشى على حجه من عدم القبول.
أبرز ما تستفيد منه
- وقت رمي الجمرات في أيام التشريق مسألة خلافية وليست إجماعية.
- جواز الرمي قبل الزوال قول معتبر عند الصحابة والتابعين وبعض المذاهب.
- حفظ النفس البشرية مقصد شرعي يُرجَّح على التقيد بوقت مختلف فيه.
- من أصرّ على الزحام حتى أفضى لموت نفسه أو غيره فهو آثم شرعًا.
- الفتوى المعاصرة تُجيز الرمي في سائر ساعات اليوم تفاديًا للكوارث.
طرح مشكلة حوادث رمي الجمرات ومقصد حفظ النفس في الحج
س 26: علمنا أن من أسباب قتل أعداد كثيرة في الحج كل عام هو حرص المسلمين على الالتزام بوقت محدد في رمي الجمار، فما حقيقة هذا الأمر ؟ وهل هناك متسع في الفقه الإسلامي لعصمة هذه الدماء؟
الجواب
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد فالحج شُرِع لإقامة الدين، وإعلان التوحيد، وترسيخ مقاصد الشرع الشريف، والتي منها حفظ النفس في كل صورها، فلا ينبغي أن يتحول بأي حال من الأحوال إلى ما يدعو إلى قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق.
وقد ارتبط منسك رمي الجمرات بموت كثير من المسلمين في موسم الحج في عصرنا الحديث وذلك لزيادة أعداد الحجيج الذي هو من ثمرات زيادة تعداد السكان في العالم، ونريد أن نساهم في وقف هذا الفساد ببيان أن توقيت رمي الجمرات في أيام التشريق جائز قبل الزوال؛ وذلك إسهاما في تقليل الزحام، تفاديا لوقوع تلك الحوادث التي تدمي القلب.
تعريف رمي الجمرات وكيفية أدائه وأيامه في الحج
في البداية نتكلم بإيجاز عن معنى رمي الجمرات وكيفية تأديته، ثم ننقل الخلاف في وقت رمي الجمرات، وندلل على القول بجواز الرمي قبل الزوال، لعلنا بذلك نساهم في حفظ النفس البشرية التي جاء الشرع الشريف بحفظها.
فما المقصود برمي الجمار ؟ الرمي لغة: القذف. والجمار: الأحجار الصغيرة, جمع جمرة, وهي الحصاة. ورمي الجمار أحد مناسك الحج وقد أجمعت الأمة على وجوبه. وكيفيته أن ترمى كل جمرة بسبع حصيات، ويرمي الحاج في أربعة أيام هي يوم النحر العاشر من ذي الحجة, وثلاثة أيام بعده وتسمى أيام التشريق.
ترتيب رمي الجمار وأحكام التعجل والنفر من منى
ويوم النحر يرمي الحاج جمرة العقبة وحدها فقط, يرميها بسبع حصيات، ثم في اليومين التاليين يرمي الجمار الثلاث على الترتيب: أولا الجمرة الصغرى, التي تلي مسجد الخيف بمنى, ثم الوسطى, بعدها, ثم جمرة العقبة, يرمي كل جمرة منها بسبع حصيات.
وإذا رمى الحاج الجمار ثاني أيام التشريق يجوز له أن ينفر - أي يرحل - إلى مكة, إن أحب التعجل في الانصراف من منى, ويسمى هذا اليوم يوم النفر الأول, وبه يسقط رمي اليوم الثالث من أيام التشريق اتفاقا. ومذهب الأئمة الثلاثة: له أن ينفر قبل غروب الشمس, ومذهب الحنفية: له أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع من أيام النحر.
أوقات رمي جمرة العقبة يوم النحر واختلاف المذاهب
أما توقيت رمي الجمار ففي يوم النحر يبدأ من طلوع فجر يوم النحر عند الحنفية والمالكية ورواية عند الحنابلة. ومن منتصف ليلة يوم النحر لمن وقف بعرفة قبله عند الشافعية والحنابلة. وآخر وقت الرمي عند الحنفية إلى فجر اليوم التالي, وعند المالكية إلى المغرب. حتى يجب الدم في المذهبين بتأخير رمي يوم عن الوقت المذكور. وآخر وقت الرمي عند الشافعية والحنابلة. يمتد إلى آخر أيام التشريق.
وبهذا فليس هناك إشكال في توقيت الرمي يوم النحر؛ لأن وقته متسع فيمكن أن يبدأ من منتصف ليلة يوم النحر ويمتد إلى آخر أيام التشريق كما هو مذهب الشافعية والحنابلة.
أوقات رمي الجمار في أيام التشريق وموضع الإشكال
أما الإشكال يتمثل في وقت الرمي في يومي التشريق الأوليين؛ حيث يبدأ وقت الرمي في هذين اليومين بعد الزوال عند الجمهور، وأما نهاية وقت الرمي: فقيده الحنفية والمالكية في كل يوم بيومه, كما في يوم النحر. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن آخر الوقت بغروب شمس اليوم الرابع من أيام النحر, وهو آخر أيام التشريق.
وما نريد بحثه في هذا الموضع هو هل بدء وقت الرمي بعد الزوال مسألة إجماعية لا يجوز الخلاف فيها، أم أن المسألة خلافية ؟ وإن كانت خلافية فما فائدة الأخذ بالقول الذي يرى جواز بدء الرمي قبل الزوال ؟
إثبات الخلاف في جواز رمي الجمار قبل الزوال وأقوال العلماء
والجواب أن هذه المسألة ليست مسألة إجماعية والخلاف فيها مستساغ، وبرهاننا على أن هذه المسألة خلافية أن هناك من العلماء المعتمدين المعتبرين من ذهبوا إلى جواز الرمي قبل الزوال، وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة [1]، ورواية عن أبي يوسف، وهو مذهب ابن عباس، وابن الزبير، رضي الله عنهما، وطاووس بن كيسان، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر، وعطاء بن أبي رباح في إحدى الروايتين، وعكرمة. قال الماوردي: «ووقتُ الرمي في هذه الأيام الثلاثة بعد زوال الشمس فإن رمى قبله لم يجز، وقال طاوس و عكرمة يجوز أن يرمي قبل الزوال كيوم النحر» [2].
وهو وجه في مذهب الشافعية، قال به بعض الشافعية كإمام الحرمين والرافعي والإسنوي، بل عده الشرواني مقابل الأصح في المذهب، وهو قول لبعض الحنابلة كابن الجوزي وابن الزاغوني، وما ورد من أقوال في مذهب الحنابلة تؤيد الرمي قبل الزوال في أيام التشريق، ما نقل في الفروع وجوزه ابن الجوزي قبل الزوال [3]. وفي الإنصاف نقله عن الفروع ثم قال: «وفي الواضح: ويجوز الرمي بطلوع الشمس إلا ثالث يوم، وأطلق في منسكه أيضاً أن لـه الرمي من أول يوم، وأنه يرمي في اليوم الثالث كاليومين قبله ثم ينفر، وعنه يجوز رمي المتعجل قبل الزوال وينفر بعده، ونقل ابن منصور إن رمى عند طلوعها متعجل، ثم نفر كأنه لم ير عليه دماً، وجزم به الزركشي [4]. وفي الذيل على طبقات الحنابلة قال ابن الزاغوني في مناسكه: «أن رمي الجمار أيام منى ورمي جمرة العقبة يوم النحر يجوز قبل الزوال وبعده والأفضل بعده» [5].
قال ابن عبد البر: «واختلفوا إذا رماها قبل الزوال في أيام التشريق: فقال جمهور العلماء: من رماها قبل الزوال أعاد رميها بعد الزوال» [6]. ما يعني أنها مسألة خلافية وهذا قول الجمهور.
وقال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من رمى الجمار في أيام التشريق بعد زوال الشمس أن ذلك يجزئه» [7] وفُهم من قوله أنهم اختلفوا فيما إذا رماها قبل الزوال، وإن لم يصرح به كابن عبد البر.
أدلة جواز الرمي قبل الزوال من القرآن وحديث لا حرج
وقد استدل من ذهب إلى جواز الرمي قبل الزوال بأدلة عديدة منها:
- قوله تعالى:
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:203]
والرمي من الذكر، كما صح عن عائشة عند الدارمي وغيره، فجعل اليوم كله محلاً للذكر ومنه الرمي [8].
-
من استدل على المنع بفعله صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يقول بمنع تأخير طواف الإفاضة عن يوم العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم العيد.
-
حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:
«كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل يوم النحر بمنى فيقول لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح ؟ فقال: اذبح ولا حرج. وقال آخر: رميت بعدما أمسيت ؟ فقال: لا حرج، وأنه صلى الله عليه وسلم ما سئل في ذلك اليوم عن شيء قدِّم أو أُخر إلا قال: «افعل ولا حرج»» [9].
وفيه إشارة ظاهرة إلى عدم اشتراط زمن معين بالنسبة للتقديم والتأخير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم العيد وبين للناس ما يحتاجون إليه فنفى صلى الله عليه وسلم وقوع الحرج من كل ما يفعله الحاج من التقديم والتأخير لأعمال الحج التي تفعل يوم العيد وأيام التشريق، فلو كان يوجد وقت نهي غير قابل للرمي لبينه بنص جلي قطعي، خاصة أنه خطب الناس بعد ذلك أوسط أيام التشريق والناس مظنة للتقديم والتأخير في بقية أيام التشريق كما كانوا يوم النحر، ومع ذلك لم ينههم النبي -صلى الله عليه وسلم- ببيان ظاهر وإنما أبقاهم على ما فهموه يوم النحر من نفي الحرج من التقديم والتأخير.
أدلة جواز الرمي قبل الزوال من رخصة الرعاة وآثار الصحابة
- حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
«أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاة أن يرموا جمارهم بالليل أو أية ساعة من النهار» [10].
وفي إسناد هذا الحديث ضعف وله شواهد عن ابن عباس وابن عمر ضعيفة أيضاً قال ابن قدامة «وكل ذي عذر من مرض أو خوف على نفسه أو ماله كالرعاة في هذا لأنهم في معناهم» [11].
- قول ابن عمر لمن سأله عن وقت الرمي، فقال:
«إذا رمى إمامك فارم» [12].
ولو كان المتعين عنده الرمي بعد الزوال لبينه للسائل.
- ما روي عن ابن أبي مليكه قال:
«رمقت ابن عباس رماها عند الظهيرة قبل أن تزول» [13].
-
إن أيام التشريق كلها ليلها ونهارها أيام أكل وشرب، وذكر لله، وكلها أوقات ذبح ليلها ونهارها وكلها -على القول الصحيح- أوقات حلق كلها يتعلق بها على القول المختار طواف الحج وسعيه في حق غير المعذور، وإنما تتفاوت بعض هذه المسائل في الفضيلة فكذلك الرمي.
-
القياس يقتضي جواز الرمي قبل الزوال وهو قياس ما قبل الزوال في أيام التشريق على ما قبل الزوال في يوم النحر، فكما أنه يجوز الرمي قبل الزوال في يوم النحر فكذا ما بعده؛ لأن الكل أيام للنحر.
تحليل دلالة خذوا عني مناسككم ودرجة وجوب هيئات الرمي
فظهر لنا إذن أن الرمي بعد الزوال ليس محل اتفاق أو إجماع بين العلماء، وعلى ذلك فهو من المسائل المجتهد فيها التي يجوز لنا أن نفهم النص لتحقيق مصلحة الواقع، كما أنه ليس في هذه المسألة نص بذاتها، بل إنه مأخوذ من عموم قوله صلى الله عليه وسلم:
«خذوا عني مناسككم» [14]
مع أنه صلى الله عليه وسلم قد رمى الجمرة عند الزوال قبل الصلاة.
وهذا العموم مع ذلك الفعل لا يدل على الوجوب الذي ذهب إليه كثير من العلماء عبر التاريخ، فالمناسك منها ما هو ركن كالوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة والسعي، ومنها ما هو ركن وفيه خلاف في ركنيته كالحلق والتقصير لشعر الرأس، ومنها ما هو واجب لو فاته في الحج بعذر فلا إثم عليه ويجب عليه أن يذبح ذبيحة لله، ولو تركه بغير عذر فهو آثم، ويذبح نفس الذبيحة أيضًا، ومنها ما هو سنة أو هيئة من سنن أو هيئات الحج تاركها لا إثم عليه ولا ذنب، فالقول بالوجوب استدلالا بعموم ذلك الحديث محل نظر واجتهاد منذ القديم.
القياس على الصلاة وبيان أن كل الهيئات ليست أركانًا واجبة
كما أن ليس معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
«صلوا كما رأيتموني أصلي»
أن كل هيئات الصلاة وسننها من أركان الصلاة، بل ولا أن تركها يستوجب إثمًا، ولكن الإثم الصحيح هو أن يشتغل بهذه الهيئات حتى يذهب خشوعه، وحتى تصير الصلاة مجرد شعيرة ظاهرية لا علاقة لها بأن يترك الفحشاء أو المنكر التي يمارسها خارج الصلاة، فتفقد الصلاة بهذا الاهتمام الزائد هدفها ومراد الله فيها.
وكذلك واجب الرمي، له هيئة في الزمان لا تجعلنا نهلك أنفسنا، ولم يأمرنا الله بذلك، بل أمرنا بخلافه فقال تعالى:
﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:195]
وقال:
﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:29]
وقال:
﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء:33].
قاعدة التيسير في الحج وحديث افعل ولا حرج
فإذا انضم إلى ذلك أن الحج بُنِيَ على التيسير، فلم يُسأل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء قُدِّم أو أُخِّر إلا قال:
«افعل ولا حرج» [15]،
ولم يُسأل عن شيء فيه عذر من تأخير في الزمان أو ضيق في المكان، أو حال اعترت من حج معه إلا وقد أباح له ذلك، فأين هذا من عقلية قد أغلقت على نفسها.
ترجيح حفظ النفس في اختيار القول الفقهي بجواز الرمي قبل الزوال
أما ما يخص الشق الأخير في السؤال وهو ما الفائدة بالأخذ بقول من قال بجواز الرمي قبل الزوال ؟
فالجواب الفائدة هي صيانة النفس البشرية وحماية المسلمين من القتل ولا يخفى ترجح منع مفسدة موت النفس على أي مصلحة أخرى.
فإن من فَضَّل المزاحمة التي تؤدي إلى موت نفسه أو موت غيره على العمل بقول وإن كان مرجوحا قديما إلا أنه ترجح في أيامنا هذه صيانة للنفس البشرية فهو آثم شرعًا، ويخشى عليه من عدم قبول حجه، إذ لا يجوز له بحال الإصرار على قول مختلف فيه إذا تيقن موت كل هؤلاء المسلمين، فإن الخروج من الخلاف مستحب وليس بواجب، وقتل النفس من الكبائر اتفاقا، وحرمة دم امرئ مسلم واحد أعظم عند الله من حرمة الكعبة، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه نظر إلى الكعبة فقال لها:
«أنت حرام، ما أعظم حرمتك وأطيب ريحك! وأعظم حرمة عند الله منك المؤمن» [16]،
فما بالك بكل هؤلاء المسلمين الذين يموتون كل عام.
الفتوى المعاصرة بوجوب العمل بجواز الرمي في سائر اليوم
وعلى ذلك فإن الأخذ بفتوى إجازة رمي الجمرات في ساعات اليوم كله وليس الرمي في وقت محدد واجب شرعي على الحجاج؛ تفاديًا لحدوث تلك الكوارث سلمنا الله والمسلمين منها، والله تعالى أعلى وأعلم.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما تعريف الجمار في اللغة العربية؟
الأحجار الصغيرة
كم عدد الأيام التي يرمي فيها الحاج الجمرات؟
أربعة أيام
ما الجمرة التي يرميها الحاج منفردةً في يوم النحر؟
جمرة العقبة
ما موقف جمهور العلماء من وقت بدء رمي الجمرات في أيام التشريق؟
يبدأ بعد الزوال
من الصحابي الذي روي عنه أنه رمى الجمرات عند الظهيرة قبل الزوال؟
ابن عباس
ما الآية القرآنية التي استُدل بها على أن اليوم كله وقت للرمي باعتباره ذكرًا لله؟
﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾
ما الحكم الشرعي لمن أصرّ على الرمي في وقت الزحام الشديد حتى أفضى إلى موت غيره؟
آثم شرعًا ويُخشى على حجه من عدم القبول
ما الذي يسقط برمي الحاج الجمار في ثاني أيام التشريق ونفره قبل الغروب؟
رمي اليوم الثالث من أيام التشريق
ما موقف الشافعية والحنابلة من آخر وقت رمي الجمرات في أيام التشريق؟
يمتد إلى آخر أيام التشريق
ما الذي استدل به ابن قدامة لتوسيع رخصة الرمي في أوقات مختلفة لغير الرعاة؟
القياس على الرعاة بجامع العذر
ما الذي يدل عليه قول ابن المنذر: أجمعوا على أن من رمى بعد الزوال أجزأه؟
أن الرمي قبل الزوال مسألة خلافية
ما الحكم الذي يترتب على تأخير رمي يوم عن وقته عند الحنفية والمالكية؟
وجوب الدم
ما الفرق بين الأركان والهيئات في مناسك الحج وفق ما ورد في المحتوى؟
الأركان لا يجوز تركها والهيئات تاركها لا إثم عليه
ما معنى الرمي لغةً؟
الرمي لغةً هو القذف.
على كم حصاة تُرمى كل جمرة؟
تُرمى كل جمرة بسبع حصيات.
ما ترتيب رمي الجمار في أيام التشريق؟
تُرمى أولًا الجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة.
ما يوم النفر الأول وما أثره الفقهي؟
يوم النفر الأول هو ثاني أيام التشريق، ومن نفر فيه قبل الغروب سقط عنه رمي اليوم الثالث اتفاقًا.
ما موقف الحنفية من آخر وقت رمي الجمرات يوم النحر؟
عند الحنفية يمتد آخر وقت الرمي يوم النحر إلى فجر اليوم التالي.
من العلماء الذين قالوا بجواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق من الشافعية؟
قال بجوازه من الشافعية إمام الحرمين والرافعي والإسنوي، وعدّه الشرواني مقابل الأصح في المذهب.
ما دلالة حديث لا حرج على مسألة وقت رمي الجمرات؟
يدل على عدم اشتراط زمن معين للرمي، إذ نفى النبي صلى الله عليه وسلم الحرج عن كل تقديم أو تأخير في أعمال الحج.
ما الرخصة التي أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم للرعاة في رمي الجمرات؟
أرخص لهم أن يرموا جمارهم بالليل أو أية ساعة من النهار.
ما الآيات القرآنية التي استُدل بها على تحريم التعرض للهلاك في الرمي؟
﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ و﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ و﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾.
ما الفرق بين الخروج من الخلاف والإصرار على قول مختلف فيه في مسألة الرمي؟
الخروج من الخلاف مستحب لا واجب، لكن الإصرار على قول مختلف فيه مع تيقن موت المسلمين لا يجوز بحال.
ما الذي يُفهم من قول ابن عبد البر في مسألة الرمي قبل الزوال؟
يُفهم منه أن المسألة خلافية، إذ نقل أن جمهور العلماء يرون إعادة الرمي بعد الزوال لمن رمى قبله، مما يعني وجود خلاف.
لماذا لا يدل حديث خذوا عني مناسككم على وجوب الرمي بعد الزوال تحديدًا؟
لأنه عموم يشمل جميع المناسك المتفاوتة بين أركان وواجبات وهيئات، وليس نصًا خاصًا بتوقيت الرمي.
ما القياس الذي استُدل به على جواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق؟
القياس على يوم النحر الذي يجوز فيه الرمي قبل الزوال، إذ الكل أيام نحر فيتساوى حكمها.
ما الحكمة الشرعية من الأخذ بقول جواز الرمي قبل الزوال في عصرنا؟
صيانة النفس البشرية وحماية المسلمين من القتل، إذ لا يخفى ترجّح منع مفسدة موت النفس على أي مصلحة أخرى.
ما الحديث الذي يدل على أن حرمة دم المسلم أعظم من حرمة الكعبة؟
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى الكعبة وقال: أنت حرام ما أعظم حرمتك، وأعظم حرمة عند الله منك المؤمن.