ما هي مقاصد الشريعة الخمسة وما الضوابط التي يجب على المجتهد الالتزام بها عند التجديد الفقهي؟
مقاصد الشريعة الخمسة هي: حفظ النفس، والعقل، والدين، وكرامة الإنسان، والملك (المال)، وهي تمثل النظام العام للتشريع الإسلامي. ويجب على المجتهد أن يلتزم بسقف لا يتعداه يشمل: صريح النص من الكتاب والسنة، والإجماع، ودلالات اللغة العربية، ومراعاة هذه المقاصد والمصالح والقواعد الفقهية. والتجديد الصحيح يقوم على إدراك الواقع المعاصر وربطه بالمصادر الشرعية دون الخروج عن ثوابت الوحي.
- •
هل يجوز اتهام الأئمة السابقين بالتخلف عند الاختلاف معهم في المسائل المعاصرة؟ الجواب: لا، فقد أدركوا واقعهم بدقة وأدوا واجب وقتهم.
- •
التجديد الفقهي لا يعني الجمود على مسائل عصر السلف، بل يستلزم إدراك الواقع المعاصر بتحولاته الهائلة في التقنية والاتصالات والمال.
- •
أصول الفقه هو الأساس لفهم النص الشرعي وتحديد الحجة، غير أن فهم الواقع يحتاج إلى أداة مستقلة لا تزال غائبة في عصرنا.
- •
مقاصد الشريعة الخمسة هي حفظ النفس والعقل والدين والكرامة والملك، وترتيبها محل خلاف بين العلماء كالشاطبي والزركشي.
- •
سقف الاجتهاد المعتبر يشمل: صريح النص القطعي، والإجماع، ودلالات اللغة العربية، ومراعاة المقاصد والمصالح والقواعد الفقهية.
- •
الحاجة إلى التجديد أشد إلحاحًا في الجانب المالي، إذ شهد عالم المال مستحدثات ضخمة تستدعي اجتهادًا منضبطًا بهذه الضوابط.
- 1
يجب الالتزام الأخلاقي بالتراث الفقهي ورفض اتهام الأئمة بالتخلف، إذ أدركوا واقعهم بدقة وأدوا واجبهم وفق منهج علمي رصين.
- 2
يستلزم التجديد الفقهي التعلم من منهج السلف دون الجمود على مسائل عصرهم، مع إدراك الواقع المتغير للوصول إلى المقاصد الشرعية.
- 3
أصول الفقه أساس لإدراك النص وتوثيق الحجة الشرعية، ويقابله واقع معيشي متشعب بعوالم أربعة تتسم بالتطور والتغير.
- 4
المجتهد مطالب بفهم النص وفهم الواقع والوصل بينهما، مع التمييز بين الإبداع المشروع والابتداع المرفوض، مستندًا إلى الوحي والكون معًا.
- 5
النموذج المعرفي الإسلامي يختلف جوهريًا عن الغربي في قضايا الألوهية والغائية والآخرة، مما يُنتج اختلافًا تامًا في النظام والسلوك.
- 6
غياب أداة إسلامية لفهم الواقع يفسر اختلاف الفتوى المعاصرة، وبناؤها يحتاج صناعات فكرية ثقيلة على غرار ما أسسه علماء أصول الفقه.
- 7
بناء أداة لإدراك الواقع واجب عصري، وللواقع ثلاثون سمة منها السلبي الواجب تفاديه والإيجابي الواجب توظيفه لتمكين الدين.
- 8
سقف الاجتهاد المعتبر هو نص الكتاب وصحيح السنة القطعيين، ويُضاف إليهما الإجماع الفقهي الذي لا يجوز الخروج عليه.
- 9
دلالات اللغة العربية سقف اجتهادي لا يُتجاوز، ودعوى ما بعد الحداثة إلى التلاعب بها تفتح باب القول في الدين بلا ضابط.
- 10
مقاصد الشريعة الخمسة تمثل النظام العام للتشريع، وترتيبها محل خلاف بين العلماء، وهي تتسع للتعددية الحضارية لكونها قاسمًا مشتركًا بين البشر.
- 11
المبادئ القرآنية كعدم التعدي والجزاء بالمثل، والقواعد الفقهية كالضرر يزال والمشقة تجلب التيسير، تُشكّل الإطار الحاكم للعقل المسلم.
- 12
مراتب المقاصد ضرورية وحاجية وتحسينية، لكن العلاقات البينية بينها لم تُدرس بعد، وهي ضرورة لاكتمال منظومة ضوابط الاجتهاد.
- 13
الاجتهاد الصحيح يجمع إدراك النص والواقع والوصل بينهما، والتجديد أشد إلحاحًا في الجانب المالي الذي شهد مستحدثات ضخمة تستدعي اجتهادًا منضبطًا.
هل يجوز اتهام الأئمة السابقين بالتقصير أو التخلف عند الاختلاف معهم في المسائل المعاصرة؟
لا يجوز اتهام الأئمة السابقين بالقصور أو التخلف، فقد أدركوا واقعهم إدراكًا دقيقًا وأدى كل إمام واجب وقته. والمنهج العلمي الذي ساروا عليه يتلخص في ثلاثة أركان: إدراك مصادر البحث، وكيفية طرق البحث، وشروط الباحث. والواجب علينا أن نسير على هذا المنهج ذاته ونقوم بواجب وقتنا كما قاموا بواجب وقتهم.
كيف نتعامل مع تراث السلف الفقهي في ظل التغيرات الهائلة في الواقع المعاصر من تقنية وبنوك وشركات؟
يجب التعلم من منهج السلف في التفكير والتعامل مع المصادر، مع عدم الجمود على مسائل عصرهم التي ارتبطت بواقعهم. فالثورة الهائلة في الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة، ونشوء الشركات عابرة القارات وطرق التمويل عبر البنوك، كل ذلك غيّر الواقع المعيش تمامًا. والمطلوب إدراك هذا الواقع الجديد والتعامل معه بمنهج السلف للوصول إلى المقاصد الشرعية.
ما دور علم أصول الفقه في فهم النص الشرعي وتحديد الحجة؟
علم أصول الفقه هو الأساس لفهم النص الشرعي وتحديد الحجة، والحجة هي الكتاب والسنة. ويجيب هذا العلم عن أسئلة التوثيق كالفرق بين القراءة المتواترة والشاذة، وبين الحديث الصحيح والضعيف، وما يكون محل قطع وما يكون محل ظن. وإلى جانب النص، هناك واقع معيشي بعوالم أربعة: الأشخاص والأشياء والأحداث والأفكار، تتسم بالتطور والتركيب والتعقد والتغير.
ما المهام الثلاث التي يجب على المجتهد القيام بها، وما الفرق بين الإبداع والابتداع في الاجتهاد؟
على المجتهد ثلاث مهام: النظر في النص وطريقة فهمه، والنظر في الواقع وطريقة فهمه، ثم كيفية الوصل بينهما. والواقع يدفع العالم أن يُبدع لا أن يبتدع؛ فالإبداع هو إنشاء ما لم يكن قد نشأ من قبل، أما الابتداع فهو الخروج عن مقتضيات النص الشريف وهو الوحي. ومصادر المعرفة الإسلامية هما الوحي والكون معًا، ولا تناقض بينهما لأن كليهما صادر عن الله تعالى.
كيف يختلف النموذج المعرفي الإسلامي عن النموذج الغربي وما أثر ذلك على المسلم؟
النموذج المعرفي الإسلامي يتمسك بقضايا الألوهية والغائية والإطلاق والآخرة، بينما ينحي النموذج الغربي هذه القضايا ويقول بالنسبية ويعيش للدنيا فقط. هذا الاختلاف يُفضي إلى اختلاف تام في النظام والتحليل والسلوك. والمسلم المتشبع بنموذجه المعرفي يكون صاحب قضية يلتزم بالعمل من أجلها أمام الله ثم أمام الناس.
لماذا تدرس جامعاتنا العلوم الإنسانية على النموذج الغربي وما أثر غياب أداة فهم الواقع على الفتوى؟
جامعاتنا تدرس العلوم الاجتماعية والإنسانية على النموذج المعرفي الغربي لأن بناء النموذج الإسلامي يحتاج إلى صناعات فكرية ثقيلة تستلزم تأسيسًا مؤسسيًا قويًا كما فعل علماؤنا مع أصول الفقه. وأصول الفقه يوفر للمجتهد ما يحتاجه لفهم النص، لكن ليس هناك ما يوفر فهم الواقع. وغياب هذه الأداة يفسر كثيرًا من أسباب اختلاف العلماء في المجامع الفقهية، إذ إن مدى إدراك الواقع هو أساس اختلاف الفتوى في العصر الحديث.
ما واجب العلماء في بناء أداة لإدراك الواقع وما أبرز سمات هذا العصر؟
واجب وقتنا هو بناء أداة لإدراك الواقع، وبتأمل الواقع نجد ثلاثين سمة أساسية منها: التجاوز، والجوار، والنسبية، والتغير، والتركب، والتقاطع، والتطور. وهذه السمات منها السلبي ومنها الإيجابي؛ فينبغي إدراك المساحة السلبية لتنحيتها أو تفاديها، وإدراك المساحة الإيجابية لاستعمالها في تمكين الدين والمنهج الرباني في الحياة.
ما السقف الذي لا يجوز للمجتهد تجاوزه عند الاجتهاد وما مكانة الإجماع فيه؟
سقف الاجتهاد الذي لا يجوز تجاوزه هو نص الكتاب وصحيح السنة بعد توثيقهما، فلا يمكن قبول الخروج عن القطعي الثابت فيهما. ويُضاف إلى ذلك الإجماع الذي يُعدّ ضابطًا مهمًا جدًا لا يجوز الخروج عليه بحال من الأحوال.
لماذا تُعدّ اللغة العربية ودلالاتها من أسقف الاجتهاد التي لا يجوز تجاوزها؟
اللغة العربية التي نزل بها النص ركيزة أساسية في الاجتهاد، لأن القدح في دلالاتها يفتح المجال لكل من شاء أن يقول في دين الله ما شاء. ومعسكر ما بعد الحداثة يدعو إلى التلاعب باللغة بجعل وظيفتها مجرد التلقي، مما يُفضي إلى تفسير النص حسب انطباعات المفسر دون الالتزام بدلالاته. لذلك فإن النص الشريف والإجماع ودلالات اللغة هي أسقف ينبغي للمجتهد ألا يتعداها.
ما هي مقاصد الشريعة الخمسة وما ترتيبها وهل تصلح أساسًا للتعددية الحضارية؟
مقاصد الشريعة الخمسة هي: حفظ النفس، والعقل، والدين، وكرامة الإنسان (العِرض أو النسل قديمًا)، والملك (المال قديمًا). وترتيبها ليس متفقًا عليه؛ فالشاطبي بدأ بالدين، والزركشي يورد الخلاف في ذلك. وهذا النظام يصلح لغير المسلمين أيضًا لأنه متفق عليه بين البشر، مما يجعله يتسع للتعددية الحضارية التي مارسها المسلمون تاريخيًا بإبقاء غير المسلمين بكافة طوائفهم.
ما أبرز المبادئ القرآنية والقواعد الفقهية الحاكمة للعقل المسلم في الاجتهاد؟
من المبادئ القرآنية الحاكمة: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، و﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، و﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾. أما القواعد الفقهية الكبرى فتشمل: الأمور بمقاصدها، والضرر يزال، واليقين لا يرفع بالشك، والعادة محكمة، والمشقة تجلب التيسير.
ما مراتب مقاصد الشريعة وما الفجوة المعرفية التي لم تُعالَج بعد في علم المقاصد؟
مراتب المقاصد ثلاث: الضرورية والحاجية والتحسينية. وكتب المقاصد تتكلم عن هذه المراتب لكنها لا تتكلم عن العلاقات البينية بينها، وهذا ما لم يتم إلى الآن ويحتاج إلى عمل كثير. واكتمال ضوابط الاجتهاد يستلزم إدراك النص وإدراك الواقع والوصل بينهما تحت سقف صريح النص والإجماع واللغة والمقاصد والمصالح والمبادئ والقواعد.
ما شروط الاجتهاد الصحيح ولماذا يُعدّ الجانب المالي أشد المجالات حاجةً إلى التجديد؟
الاجتهاد الصحيح هو الذي يقوم على إدراك النص والواقع والوصل بينهما تحت مظلة الضوابط الشرعية المعتبرة. والجانب المالي هو أشد المجالات حاجةً إلى التجديد لأن العبادات ليس فيها فجوات كبيرة ولا مستحدثات تعطل مقاصدها، بخلاف عالم المال الذي شهد تحولات ضخمة. ومفهوم التجديد المقصود يتحدد بإدراك الواقع بعوالمه المختلفة وربطه بالمصادر مع الالتزام بالحدود الأساسية للمجتهد المسلم.
مقاصد الشريعة الخمسة وضوابط الاجتهاد من نص وإجماع ولغة ومصالح هي الإطار الثابت لكل تجديد فقهي صحيح.
مقاصد الشريعة الخمسة — حفظ النفس والعقل والدين والكرامة والملك — تمثل النظام العام للتشريع الإسلامي الذي يتسع للتعددية الحضارية، إذ لا يوجد نظام قانوني في العالم يبيح القتل أو السرقة، مما يجعل هذه المقاصد قاسمًا مشتركًا بين البشر جميعًا. وقد اختلف العلماء في ترتيبها؛ فالشاطبي بدأ بالدين، فيما يورد الزركشي الخلاف في هذا الترتيب.
الاجتهاد الصحيح يقوم على ثلاثة أركان: إدراك النص الشرعي عبر أصول الفقه، وإدراك الواقع المعاصر بسماته الثلاثين من تغير وتركب وتقاطع، والوصل بينهما تحت سقف ثابت يشمل صريح الكتاب والسنة والإجماع ودلالات اللغة العربية والقواعد الفقهية كـ'الضرر يزال' و'المشقة تجلب التيسير'. وتبقى الحاجة إلى التجديد أشد إلحاحًا في الجانب المالي نظرًا للمستحدثات الضخمة في عالم البنوك والشركات عابرة القارات.
أبرز ما تستفيد منه
- مقاصد الشريعة الخمسة هي: حفظ النفس والعقل والدين والكرامة والملك.
- سقف الاجتهاد: النص القطعي والإجماع ودلالات اللغة والمقاصد والقواعد الفقهية.
- غياب أداة لفهم الواقع هو السبب الرئيسي لاختلاف الفتوى في العصر الحديث.
- التجديد الفقهي لا يعني اتهام الأئمة السابقين، بل أداء واجب العصر الحاضر.
- الحاجة للتجديد أشد إلحاحًا في الجانب المالي من سائر أبواب الفقه.
الالتزام الأخلاقي تجاه التراث الفقهي ورفض اتهام الأئمة بالتخلف
تعرض للمجددين من علماء المسلمين قضيتان؛ الأولى: هي التزامنا الأدبي والأخلاقي بعد أو قبل التزامنا الديني أمام الله، بأننا ورثة لهذا التراث الطيب الذي قام به أئمتنا وعلماؤنا عبر التاريخ من لدن الصحابة الكرام وإلى يومنا هذا، وهذا التراث والنتاج الفكري عاش عصره وأدى كل إمام واجب وقته، ولا ينبغي إطلاقًا إذا ما رأينا اختلافًا في المسائل التي نعيشها أن نتهمهم بالقصور أو التخلف، أو مثل هذه الدعاوى التي تخالف الواقع والحقيقة.
فهم أدركوا واقعهم إدراكًا دقيقًا، وساروا في المنهج العلمي الذي يتلخص عندهم كما تقرر في تعريف مدرسة الرازي لأصول الفقه بأنه أولا: إدراك مصادر البحث، ثانيًا: كيفية طرق البحث، ثالثًا: شروط الباحث، وهي الثلاثة التي أشار إليها "روجرز بيكون" بعد ذلك، فإن أصحاب الرازي يعرفون أصول الفقه بأنه: "معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة، وحال المستفيد" هذا كلام البيضاوي في "المنهاج" والرازي في "المحصول".
فهذا هو المنهج الذي ينبغي علينا أن نسير عليه كما سار أسلافنا، ونقوم بواجب وقتنا كما قاموا بواجب وقتهم.
التعلم من منهج السلف مع مراعاة تغير الواقع المعاصر
فيجب علينا أن نتعلم منهم كيف كانوا يفكرون؟ وكيف تعاملوا مع هذه المصادر؟ وما الضوابط والخطوط والأطر التي لا يمكن أن نتعداها؟ وما المجالات التي يمكن فيها الخلاف؟ وفي نفس الوقت لا نجمد على مسائل عصرهم التي ارتبطت بواقعهم، والتي لا تنسجم مع واقعنا بسبب الثورة الهائلة في الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة، وخاصة بعد نشوء الشخصية الاعتبارية واستقرارها بهذا الشكل، وبعد وجود هذه الشركات عابرة القارات، وهذه الطرق السريعة والحديثة في التمويل عبر البنوك.
كل تلك الأشياء تسببت في تغير الواقع المعيش تمامًا عما كان، مما يحتم علينا إدراك هذا الواقع الجديد، والتعامل معه بمنهج السلف الصالح؛ حتى نصل إلى المقاصد الشرعية التي ينبغي أن نصل إليها.
أصول الفقه كأساس لإدراك النص وتوثيق الحجة الشرعية
إذا انطلقنا من العلم الموروث - وهو أصول الفقه - نجد أن الأساس فيه هو إدراك النص وتحديد الحجة، فالحجة هي الكتاب والسنة؛ ولا يمكن التعامل مع الحجة إلا من خلال علوم التوثيق الخاصة بهذين الأصلين "الكتاب والسنة". وعلم أصول الفقه يجيب عن أسئلة مهمة خاصة بتوثيق تلك الحجة مثل: ما الفرق بين القراءة المتواترة والشاذة؟ وما الفرق بين الحديث الصحيح والضعيف؟ ما الذي يكون محل قطع؟ ما الذي يكون محل ظن؟
فعلم أصول الفقه - بعد هذا التوضيح - هو الأساس لفهم النص الذي هو مصدر البحث، وهو تحصيل حكم الله في أعمال البشر، ولكن هناك واقع معيشي بعوامل متشابكة له سمات: عالم الأشخاص، والأشياء، والأحداث، والأفكار، هذه العوالم الأربعة متصفة بالتطور والتركيب والتعقد والتغير والتجاوز والنسبية والتقاطع في نحو ثلاثين صفة لهذا العصر.
قدرة المجتهد على فهم النص والواقع والربط بينهما دون ابتداع
ينبغي على المجتهد أن يكون عنده القدرة على النظر في النص وطريقة فهمه وفي الواقع وطريقة فهمه، ثم عليه أمر ثالث وهو كيفية الوصل بينهما، كيف يغير هذا الواقع بمؤسسات وبأفكار وبعقود تتواءم مع هذه الأحكام التي قد حصلها من النص؟ هذا الواقع يدفع العالم أن يبدع ولا يبتدع، فيبدع بمعنى أن ينشئ ما لم يكن قد نشأ من قبل، ولا يبتدع بمعنى ألا يخرج عن مقتضيات ذلك النص الكريم الشريف وهو الوحي؛ إذ إن هذا يحتاج منا أن نعرف أن مصادر معرفتنا هي: الوحي والكون معا، وأن الوحي هو كتاب الله المسطور، والكون هو كتاب الله المنظور، وكلاهما قد صدر عن الله تعالى هذا عالم الخلق وهو الكون، وذلك عالم الأمر وهو الوحي، ولذلك لا تناقض بينهما، فهما مصدران من مصادر المعرفة لدى المسلم، وقد أشار الكتاب العزيز إلى هذين المصدرين فقال تعالى:
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [1]
أما القضية الثانية:
التمسك بالهوية الإسلامية واختلاف النموذج المعرفي عن الغرب
وهي أننا متمسكون بالحفاظ على هويتنا، ولا نريد محو ثقافتنا وتراثنا، فنستعمل أصول الفقه لفهم النص المقدس، ونستعمل عقولنا بأدوات شتى قد لا تكون معنا الآن لإدراك واقعنا، فإن عناصر النموذج المعرفي الإسلامي تختلف وتتقاطع مع بعض الأديان والمذاهب الأخلاقية، هذا الذي ينحي قضية الألوهية، ولا أقول ينكرها، وينحي قضية الغائية، وينحي قضية الإطلاق ويقول بالنسبية، وينحى قضية الآخرة، ويعيش للدنيا فقط.
مما يترتب عليه اختلاف في النظام والتحليل والسلوك اختلافًا تامًّا عن النموذج المعرفي الإسلامي، فالمسلم عندما يكون متشبعًا بهذا النموذج المعرفي يكون صاحب قضية يلتزم بالعمل من أجلها أمام الله ثم أمام الناس.
نقد تبني النموذج الغربي في العلوم الإنسانية والحاجة لصناعات فكرية إسلامية
فكان ينبغي أن تكون أداتنا لفهم الواقع مختلفة، ولكن جامعاتنا تدرس العلوم الاجتماعية والإنسانية على نفس النموذج المعرفي الغربي، وليس على النموذج المعرفي الإسلامي؛ لأن إدخال هذا النموذج إلى حيز التدريس في الجامعات يحتاج إلى ما يمكن أن نسميه بالصناعات الفكرية الثقيلة، التي تحتاج إلى بناء أسس هذه العلوم بناءً مؤسسًا على الواقع وإدراكه بصورة قوية صناعية كأصول الفقه الذي وضعه علماؤنا، وتوَّجه الشافعي بالرسالة ثم بعد ذلك توجه بهذا التراث الضخم.
ونحن في عصرنا هذا نفتقد هذه الأداة، فإن أصول الفقه يوفر للمجتهد ما يحتاجه لفهم النص، ولكن ليس هناك ما يوفر فهم الواقع، فغياب هذه الأداة يفسر لنا كثيرًا من أسباب اختلاف العلماء في المجامع الفقهية، وإنكار بعضهم على بعض، فمدى إدراك الواقع هو أساس اختلاف الفتوى في العصر الحديث.
بناء أداة لإدراك الواقع وبيان سمات العصر السلبية والإيجابية
إن واجب وقتنا هو بناء أداة لإدراك الواقع، وبتأمل الواقع نجد سمات أساسية واضحة تصل إلى ثلاثين سمة منها: التجاوز، والجوار، والنسبية، والتغير، والتركب، والتقاطع، والتطور... إلخ، وهذه السمات منها السلبي، ومنها الإيجابي، فينبغي أن ندرك المساحة السلبية في تلك السمات حتى نتمكن من تنحيتها بقدر الإمكان، أو تفاديها، وكذلك ندرك المساحة الإيجابية التي يمكن أن نستعملها لتمكين الدين والمنهج الذي أمرنا الله به في حياتنا الدنيا.
سقف الاجتهاد بين نصوص الكتاب والسنة والإجماع الفقهي
كما يجب على المجتهد في أثناء الاجتهاد أن يكون له سقف وخط لا يتعداه، ألا وهو نص الكتاب وصحيح السنة بعد توثيقهما وقبول هذا التوثيق، فلا يمكن أن نقبل الخروج عن القطعي الذي في الكتاب والسنة، ولذلك لابد أن نضيف من ضوابط الاجتهاد الفقهي الإجماع، فالإجماع ضابط مهم جدًّا، فلا يجوز لنا الخروج عليه بحال من الأحوال.
أهمية اللغة العربية وخطورة التلاعب بدلالاتها في فهم النص الشرعي
كذلك ينبغي الاهتمام باللغة العربية التي نزل بها النص، لأن هناك طوائف من الذين ادعوا التجديد قدحوا في دلالات اللغة، ومن هنا يبدأ الخطأ؛ حيث يتسع المجال لكل من شاء أن يقول في دين الله ما شاء، فلا نقبل دعوى التلاعب باللغة، وهي ما يدعو إليها معسكر ما بعد الحداثة، حيث تمثل هذه الدعوى القدح في دلالات اللغة، وليست اللغة العربية وحدها إنما أي لغة يريدون جعل وظيفة اللغة مجرد التلقي، واللغة في الحقيقة الأداة والتلقي، فالاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما، وبذلك فإنهم يسعون إلى تفسير النص الشريف حسب انطباعات المفسر، دون الالتزام بدلالات اللغة، فنستطيع أن نقول: إن النص الشريف، والإجماع، ودلالات اللغة، وهي مع ما يأتي أسقف ينبغي للمجتهد ألا يتعداها.
مقاصد التشريع الخمسة وترتيبها واتساعها للتعددية الحضارية
ينبغي على المجتهد كذلك مراعاة مقاصد التشريع؛ إذ تمثل النظام العام وهي: حفظ النفس، والعقل، والدين، وكرامة الإنسان - حسب التسمية المعاصرة وكانت تسمى قديمًا بالعِرض أو النسل - والملك - وهي تسمية معاصرة كذلك والتسمية القديمة المال - وإنما رَتبتُ هذه المقاصد بهذا الترتيب؛ لأنه ليس مُتفق على ترتيبها بشكل معين، فالشاطبي بدأ بالدين، والزركشي يورد الخلاف في هذا الترتيب، وهذا الترتيب أراه مناسبًا للتفكير وللعصر كذلك، فالإنسان يحافظ على نفسه ثم على عقله ثم يكلَّف فيحافظ على دينه ثم يحافظ على كرامته وملكه.
وعلى هذا الترتيب نكون قد جعلناه نظامًا يصلح لغير المسلمين أيضا؛ لأنه متفق عليه بين البشر، فليس هناك نظام قانوني يبيح القتل العدوان، أو يبيح السرقة إلى يومنا هذا في أي مكان، مما يجعل هذا النظام العام يتسع للتعددية الحضارية التي فعلها المسلمون عندما أبقوا غير المسلمين بكافة طوائفهم.
المبادئ القرآنية والقواعد الفقهية الحاكمة للعقل المسلم
والمبادئ الدينية التي تبين أنه
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [2]
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [3]
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [4]،
وهو ما يسمى بفورية القوانين و....إلخ من المبادئ الحاكمة للعقل المسلم، والقواعد الفقهية مثل: الأمور بمقاصدها، والضرر يزال، واليقين لا يرفع بالشك، والعادة محكمة، وكذا المشقة تجلب التيسير.
مراتب المقاصد والحاجة لدراسة العلاقات البينية وتفعيل القواعد
فبعض هذه القواعد خلاصة الفقه، وهذه القواعد يتفرع منها قواعد أخرى، لابد لنا من إدراك المنهج، ولابد لنا من عملية التجريب التي تسقط المشخصات، وتبقي المعنى لابد لنا من النظر إلى المآل، لابد لنا من النظر إلى المصالح، لابد لنا من إدراك مراتب هذه المقاصد وأن منها ضرورية وحاجية وتحسينية ودرجات العلاقات البينية بينها وهو ما لم يتم إلى الآن.
فكتاب المقاصد نجده يتكلم عن المقاصد ومراتبها، ولكن لا يتكلم عن العلاقات البينية، فإن هذا محتاج إلى عمل كثير حتى نستطيع أن نُفعلها، أي نجعلها أداة أو آلة بيننا، إذا حدث هذا فهذه بعض ضوابط الاجتهاد، ولابد أن تكتمل من إدراك النص وإدراك الواقع، ومن الوصل بينهما، لابد أن يكون تحت سقف صريح النص والإجماع واللغة والمقاصد والمصالح والمبادئ والقواعد.
شروط الاجتهاد الصحيح والحاجة الملحة للتجديد في المجال المالي
فإذا كان الاجتهاد على هذا الشكل من إدراكه للنص والواقع ومن الوصل بينهما تحت هذه المظلة، فإن اجتهاده اجتهاد صحيح خاصة في الجانب المالي الذي نحن في أشد الحاجة إليه؛ لأن العبادات - والحمد لله - ليس هناك فجوات كبيرة فيها ولا هناك مستحدثات تعكر صفوها أو تعطل مسائلها ومقاصدها وثمرتها بقدر ما حدث في عالم المال.
وبعد ذلك العرض يتضح لنا مفهوم التجديد الذي نقصده وكيفيته، وهو بإدراك الواقع بعوالمه المختلفة، وربط الواقع بالمصادر، مع الالتزام بالحدود الأساسية للمجتهد المسلم.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الأركان الثلاثة التي يُعرَّف بها علم أصول الفقه عند مدرسة الرازي؟
إدراك مصادر البحث، وكيفية طرق البحث، وشروط الباحث
ما الذي يُميّز الإبداع عن الابتداع في الاجتهاد الفقهي؟
الإبداع إنشاء ما لم يكن قد نشأ من قبل دون الخروج عن الوحي، والابتداع الخروج عن مقتضيات النص
ما السبب الرئيسي لاختلاف الفتوى بين العلماء في المجامع الفقهية المعاصرة وفق ما يُقرره هذا المنهج؟
مدى إدراك الواقع وغياب أداة إسلامية لفهمه
بأيٍّ من المقاصد الخمسة بدأ الشاطبي في ترتيبه لمقاصد الشريعة؟
الدين
ما مراتب مقاصد الشريعة الثلاث المذكورة؟
الضرورية والحاجية والتحسينية
ما الفجوة المعرفية التي لم تُعالَج بعد في كتب المقاصد؟
العلاقات البينية بين مراتب المقاصد
لماذا يُعدّ نظام مقاصد الشريعة الخمسة صالحًا لغير المسلمين أيضًا؟
لأنه متفق عليه بين البشر ولا يوجد نظام قانوني يبيح القتل أو السرقة
ما الذي يدعو إليه معسكر ما بعد الحداثة فيما يخص اللغة؟
القدح في دلالات اللغة وجعل وظيفتها مجرد التلقي وتفسير النص حسب انطباعات المفسر
ما العوالم الأربعة التي يتكون منها الواقع المعيشي وفق هذا المنهج؟
عالم الأشخاص والأشياء والأحداث والأفكار
أيٌّ من المجالات الفقهية يُعدّ أشد حاجةً إلى التجديد في العصر الحديث؟
الجانب المالي
ما مصادر المعرفة الإسلامية التي لا تناقض بينهما؟
الوحي والكون
ما القاعدة الفقهية التي تعني أن الأحكام تُبنى على النيات والغايات؟
الأمور بمقاصدها
ما الاسم القديم لمقصد 'كرامة الإنسان' في تصنيف مقاصد الشريعة؟
العِرض أو النسل
ما الذي يُميّز النموذج المعرفي الغربي عن الإسلامي وفق هذا المنهج؟
ينحي قضايا الألوهية والغائية والإطلاق والآخرة ويقول بالنسبية
ما الضابط الذي يُضاف إلى الكتاب والسنة ليكتمل سقف الاجتهاد الأساسي؟
الإجماع
ما الالتزام الأخلاقي الواجب تجاه الأئمة السابقين عند الاختلاف معهم؟
لا يجوز اتهامهم بالقصور أو التخلف، فقد أدركوا واقعهم إدراكًا دقيقًا وأدى كل إمام واجب وقته، والواجب علينا أداء واجب وقتنا كما أدوا واجبهم.
ما الأسباب التي أوجبت عدم الجمود على مسائل فقه السلف في عصرنا؟
الثورة الهائلة في الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة، ونشوء الشركات عابرة القارات، والطرق الحديثة في التمويل عبر البنوك، كل ذلك غيّر الواقع المعيش تمامًا.
ما الفرق بين القطعي والظني في علم أصول الفقه؟
القطعي هو ما ثبت بدليل لا يحتمل التأويل ولا يقبل الخلاف، أما الظني فهو ما يحتمل أكثر من وجه في الفهم أو الثبوت، وعلم أصول الفقه يُحدد ما يكون محل قطع وما يكون محل ظن.
ما المقصود بـ'الصناعات الفكرية الثقيلة' في سياق بناء النموذج المعرفي الإسلامي؟
هي بناء أسس العلوم الإنسانية والاجتماعية بناءً مؤسسًا على الواقع وإدراكه بصورة قوية، على غرار ما فعله علماؤنا في بناء علم أصول الفقه الذي توّجه الشافعي بالرسالة.
ما الآية القرآنية التي تُشير إلى مصدري المعرفة: الخلق والأمر؟
قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، حيث الخلق هو الكون وهو كتاب الله المنظور، والأمر هو الوحي وهو كتاب الله المسطور.
ما سمات الواقع المعاصر التي يجب على المجتهد إدراكها؟
للواقع نحو ثلاثين سمة منها: التجاوز، والجوار، والنسبية، والتغير، والتركب، والتقاطع، والتطور، وهي منها السلبي الواجب تفاديه والإيجابي الواجب توظيفه.
ما القاعدة الفقهية التي تعني أن الأذى والضرر يجب رفعه؟
قاعدة 'الضرر يزال'، وهي من القواعد الفقهية الكبرى الحاكمة للعقل المسلم في الاجتهاد.
ما القاعدة الفقهية التي تعني أن الصعوبة تستدعي التخفيف؟
قاعدة 'المشقة تجلب التيسير'، وهي من القواعد الفقهية الكبرى التي تُيسّر على المكلفين عند وجود الحرج.
ما الاسم المعاصر لمقصد 'المال' في مقاصد الشريعة الخمسة؟
يُسمى في التسمية المعاصرة 'الملك'، بينما كانت تسميته القديمة 'المال'.
ما الأسقف التي يجب على المجتهد ألا يتعداها وفق هذا المنهج؟
صريح النص من الكتاب والسنة القطعيين، والإجماع، ودلالات اللغة العربية، ومقاصد الشريعة، والمصالح، والمبادئ القرآنية، والقواعد الفقهية.
ما المبدأ القرآني الذي يُقرر أن الإنسان لا يُحاسَب إلا على عمله هو؟
قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، وهو من المبادئ الحاكمة للعقل المسلم التي تُقرر المسؤولية الفردية.
ما المبدأ القرآني الذي يُقرر عدم تحمل الإنسان وزر غيره؟
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وهو من المبادئ الحاكمة للعقل المسلم في باب المسؤولية والجزاء.
لماذا يختلف اختلافًا تامًا النظام والسلوك بين من يتبع النموذج المعرفي الإسلامي ومن يتبع الغربي؟
لأن النموذج الغربي ينحي قضايا الألوهية والغائية والإطلاق والآخرة ويقول بالنسبية ويعيش للدنيا فقط، مما يُنتج اختلافًا جذريًا في التحليل والسلوك عن المسلم المتشبع بنموذجه المعرفي.
ما القاعدة الفقهية التي تعني أن العرف والعادة السائدة لها اعتبار في الحكم الشرعي؟
قاعدة 'العادة محكمة'، وهي من القواعد الفقهية الكبرى التي تُعطي للعرف السائد اعتبارًا في استنباط الأحكام.
ما الذي يُميّز التجديد الفقهي المقصود عن مجرد التغيير؟
التجديد المقصود هو إدراك الواقع بعوالمه المختلفة وربطه بالمصادر الشرعية مع الالتزام بالحدود الأساسية للمجتهد المسلم، لا الخروج عن ثوابت الوحي أو اتهام السلف.