اكتمل ✓
الفصل 21

كيف أحب الصحابة النبي وكيف كانوا يتبركون بذاته وآثاره؟

أحب الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حبًا عميقًا تجلّى في تبركهم بكل ما مسّه أو كان متصلًا به، من يده الشريفة وشعره وعرقه ووضوئه وثيابه وآنيته. وقد شهد على هذا الحب أعداؤه قبل أصحابه، إذ قال عروة بن مسعود بعد أن رأى الصحابة في الحديبية: ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدًا. وهذه الصور تكشف أن حبهم للنبي تجاوز حبهم لأمهاتهم وأبنائهم وأنفسهم.

10 دقائق قراءة
  • كيف يمكن أن يكون التبرك بآثار النبي تعبيرًا حقيقيًا عن الحب لا مجرد طقس؟ هذا ما تجيب عنه صور الصحابة مع رسول الله.

  • كانت أم المؤمنين عائشة تمسح النبي بيده هو لا بيدها في مرضه الأخير، لأنها كانت أعظم بركةً من يدها.

  • تبرّك أبو أيوب الأنصاري بموضع يد النبي في الطعام، وكان خالد بن الوليد يضع ناصية شعره في مقدم قلنسوته ليُفتح له في المعارك.

  • جمع الصحابة شعر النبي لحظة حلقه حتى لا تقع شعرة إلا في يد رجل، وكان الإمام أحمد يقبّل شعرة النبي ويضعها على عينيه.

  • شهد عروة بن مسعود وهو من أعداء المسلمين أن أصحاب محمد يعظمونه تعظيمًا لم يره لقيصر ولا كسرى ولا النجاشي.

  • يُشبّه الكاتب حب الصحابة للنبي بحب الأم لرضيعها في تجاوز كل حرج، ويدعو من لا يفهم هذا الحب إلى محاكمة الحب نفسه لا أصحابه.

تبرك عائشة بيد النبي الشريف والنفث بالمعوذات للشفاء

1 – التبرك بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم:

كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تتبرك بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلتمس منها الشفاء.

فعَنْهَا رضى الله عنها أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِى الْمَرَضِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، قَالَتْ: فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا.

قال الزهري: كَانَ يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ.

وفي رواية لمسلم قالت:

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِى مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِى.

استضافة أبي أيوب للنبي والتبرك بفضل طعامه وموضع يده

وكان أَبُو أَيُّوبَ الأنصاري رضي الله عنه والذي اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل في بيته لما قدم إلى المدينة مهاجرا يقول: لَمَّا نَزَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي، نَزَلَ فِي السُّفْلِ وَأَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ فِي الْعُلْوِ، وذات يوم أهريق ماء في الغرفة، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا نتتبع الماء شفقا أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نزلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مشفق، فَقُلْت لَهُ: يَا نَبِيّ اللّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، إنّي لَأَكْرَهُ وَأُعْظِمُ أَنْ أَكُونَ فَوْقَك، وَتَكُونَ تَحْتِي، فَاظْهَرْ أَنْتَ فَكُنْ فِي الْعُلْوِ وَنَنْزِلَ نَحْنُ فَنَكُونَ فِي السّفْلِ.

فَقَالَ: "يَا أَبَا أَيّوبَ إنّ أَرْفَقَ بِنَا وَبِمَنْ يَغْشَانَا، أَنْ نَكُونَ فِي سُفْلِ الْبَيْتِ". قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُفْلِهِ، وَكُنَّا فَوْقَهُ فِي الْمَسْكَنِ. وَكُنَّا نَصْنَعُ لَهُ الْعَشَاءَ ثُمَّ نَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِ، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْنَا فَضْلَهُ تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يَدِهِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ.

تبرك أبي محذورة بشعره وتقبيل ثابت ليد أنس التي مست النبي

وكان لأبي محذورة قُصَّةٌ في مقدم رأسه إذا قعد وأرسلها أصابت الأرض. فقيل له: ألا تحلقها ؟ فقال: لم أكن بالذي أحلقها، وقد مسها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده. ولَمْ يَحْلِقْهَا حَتَّى مَاتَ.

وكان التابعون الذين لم يشهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبركون بما مسته يد رسول الله.

فَقَدْ كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه يحدث تلاميذه وأتباعه يوما فَقَالَ: إِِنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ بِحَلْقَةِ بَابِ الْجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُهَا ».

قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحَرِّكُهَا.

فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: مَسِسْتَ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَعْطِنِيهَا أُقَبِّلْهَا.

التبرك بملامسة جلد النبي في مواقف أسيد وسواد بن غزية

2 – التبرك بملامسة جلده صلى الله عليه وسلم:

فَعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ وَكَانَ فِيهِ مِزَاحٌ بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ فَطَعَنَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فِى خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ فَقَالَ: أَصْبِرْنِى. فَقَالَ:

« اصْطَبِرْ ».

قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَىَّ قَمِيصٌ. فَرَفَعَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَمِيصِهِ، فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ، قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.

أَصْبِرْنِى: أَقِدْنِي مِنْ نَفْسِكَ. وكَشْحَهُ أَيْ خَصْرَهُ.

وفي كتب السيرة: أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَدّلَ صُفُوفَ أَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِي يَدِهِ قِدْحٌ يُعَدّلُ بِهِ الْقَوْمَ فَمَرّ بِسَوَادِ بْنِ غَزِيّةَ وَهُوَ مُسْتَنْتِلٌ مِنْ الصّفّ، فَطُعِنَ فِي بَطْنِهِ بِالْقِدْحِ، وَقَالَ:

"اسْتَوِ يَا سَوّادُ".

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَوْجَعْتنِي وَقَدْ بَعَثَك اللّهُ بِالْحَقّ وَالْعَدْلِ، فَأَقِدْنِي. فَكَشَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ: اسْتَقِدْ. قَالَ: فَاعْتَنَقَهُ فَقَبّلَ بَطْنَهُ.

فَقَالَ:

"مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا يَا سَوّادُ ؟"

قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهَ حَضَرَ مَا تَرَى، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْعَهْدِ بِك أَنْ يَمَسّ جِلْدِي جِلْدَك. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِخَيْرِ.

حرص الصحابة على شعر النبي وقصة خالد بن الوليد والناصية

3 - التبرك بشعر رسول الله:

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْحَلاَّقُ يَحْلِقُهُ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلاَّ فِى يَدِ رَجُلٍ.

واعتمر خالد بن الوليد مع رسول الله عمرة، فلما حلق رسول الله شعره استبق الناس إلى شعره، واستبق خالد إلى الناصية فأخذها، فجعلها في مقدم قلنسوته فما وجَّهها في وجه إلا فُتح له.

فسقطت قلنسوته في بعض حروبه، فشد عليها شدة أنكر عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كثرة من قتل فيها، فقال: لم أفعلها بسبب القلنسوة، بل لما تضمنته من شعره صلى الله عليه وسلم؛ لئلا أسلب بركتها، وتقع في أيدي المشركين.

مكانة شعرة النبي عند السلف وتبرك الإمام أحمد بها

وعن التبرك بشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء عند ترجمة عبيدة بن عمر السلماني أنه قيل له: إن عندنا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من قبل أنس بن مالك، فقال: لأن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء على ظهر الأرض.

ويعلق الذهبي على هذا القول يقول: هذا القول من عبيدة هو معيار كمال الحب، وهو أن يؤثر شعرة نبوية على كل ذهب وفضة بأيدي الناس.

وأثر عن أحمد بن حنبل أنه كان يتبرك بشعرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه يقبلها.

وأحسب أني رأيته يضعها على عينه، ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به.

ورأيته أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها في حب الماء، ثم شرب فيها.

التبرك بعرق النبي عند أم سليم واعتباره من أطيب الطيب

4 - التبرك بعرقه صلى الله عليه وسلم:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عِنْدَنَا، فَعَرِقَ، وَجَاءَتْ أُمِّى بِقَارُورَةٍ فَجَعَلَتْ تَسْلُتُ الْعَرَقَ فِيهَا، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:

« يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا الَّذِى تَصْنَعِينَ ».

قَالَتْ: هَذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِى طِيبِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ.

وفي رواية قَالَ:

« مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ».

فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا. قَالَ:

« أَصَبْتِ ».

تعظيم الصحابة لنخامته ووضوئه في الحديبية بشهادة عروة

5 - التبرك بنخامته صلى الله عليه وسلم:

لما أتى عروة مسعود في الحديبية، جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم بِعَيْنَيْهِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَتْ فِى كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ.

فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَىْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِىِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ، يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدًا...وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، فَاقْبَلُوهَا.

التبرك بموضع فم النبي في القربة عند أم سليم وكبشة

6 – التبرك بما مسه بفمه صلى الله عليه وسلم:

أم سليم تتبرك بموضع فمه صلى الله عليه وسلم من السقاء.

عَنْ أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَتْ دَخَلَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا وَقِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَشَرِبَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم قَائِماً مِنْ فِى الْقِرْبَةِ فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى فِى الْقِرْبَةِ فَقَطَعَتْهُ.

فعلت ذلك أم سليم كي تحتفظ بفي القربة ويكون آخر من شرب منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعلت ذلك تبركا بموضع فمه الشريف منها.

وفي رواية أخرى أن صحابية يقال لها: كَبْشَةُ الأَنْصَارِيَّةُ رَوَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَشَرِبَ مِنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ فَقَطَعَتْ فَمَ الْقِرْبَةِ تَبْتَغِى بَرَكَةَ مَوْضِعِ فِى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

فيمكن أن تكون هذه حادثة وتلك أخرى.

التبرك بدم النبي في الحجامة عند ابن الزبير وسفينة

7 - التبرك بدم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أَتَى عَبْدُ الله بْنُ الزُّبَيْرِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَحْتَجِمُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: "يَا عَبْدَ الله، اذْهَبْ بِهَذَا الدَّمِ فَأَهْرِقْهُ حَيْثُ لاَ يَرَاكَ أَحَدٌ". فَلَمَّا بَرَزَ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَمَدَ إِلَى الدَّمِ فَشَرِبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "يا عَبْد الله، مَا صنعت ؟" قَالَ: جعلته أخفى مكان علمت أَنَّهُ يخفى عَنْ النّاس، قَالَ: "لعلك شربته". قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "وَلِمَ شَرِبْتَ الدَّمَ" ؟ قال: أحببت أن يكون دم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوفي. قال: "وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ، وَوْيُلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ".

وفي مرة أخرى قَالَ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْتَجَمَ رسول الله، فَقَالَ:" خُذْ هَذَا الدَّمَ، فَادْفِنْهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ وَالنَّاسِ". فَتَغَيَّبْتُ فَشَرِبْتُهُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَضَحِكَ.

قصة شرب بول النبي والبشارة بالاحتظار من النار

8 – التبرك ببوله الطاهر صلى الله عليه وسلم:

عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ. فَبَالَ فَوُضِعَ تَحْتَ سَرِيرِهِ، فَجَاءَ فَأَرَادَهُ، فَإِذَا الْقَدَحُ لَيْسَ فِيهِ شَىْءٌ، فَقَالَ لاِمْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا: بَرَكَةُ. كَانَتْ تَخْدِمُهُ لأُمِّ حَبِيبَةَ جَاءَتْ مَعَهَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ: "أَيْنَ الْبَوْلُ الَّذِى كَانَ فِى هَذَا الْقَدَحِ ؟" قَالَتْ: شَرِبْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَقَالَ:

"لَقَدِ احْتَظَرْتِ مِنَ النَّارِ بِحِظَارِ".

وَفِي رِوَايَةٍ: بِجُنَّةٍ.

وهذه الحادثة يستصعبها كثير من الناس وينكرونها، ولكنها واقعة وحدثت، نعم شربت هذه المرأة بول النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يأمرها بذلك ولم يأذن لها ولا لغيرها فيه، ولكنها إذ فعلت ذلك ساهية أو ملتمسة للبركة فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليها أو ينذرها بسوء تصاب به بل على العكس.

تأملات في محبة الصحابة للنبي وتشبيهها بمحبة الأم لولدها

وهذه المرأة إذ فعلت ذلك دون أن تصاب بتأفف أو كراهية قبلت ذلك لأنها كانت محبة، وشعرت بطهر النبي صلى الله عليه وسلم وطهر كل ما كان منه، وإنها حين فعلت لم تشعر إلا أنه ماء عذب، حيث كان كل شيء في رسول الله صلى الله عليه وسلم أو منه له رائحة طيبة زكية، ولما أخبرها رسول الله بحقيقة ما شربت لم تتأفف، فبشرها بالنجاة من النار حيث خالط جسمها شيء كان خالط جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولو تأملنا حياتنا لوجدنا الأم لا تأنف أو تتأذى من ابنها تنظفه وتذيل عنه بوله وغائطه وذلك لشدة تعلقها به وحبها له، وكذلك الزوج وزوجته من شدة الارتباط بينها والمقاربة لا يوجد بينهما حرج أو تأفف.

فما بالنا وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أحبه أصحابه واقتربوا منه وأصبح مقربا لديهم أكثر من أمهاتهم وزوجاتهم وأبنائهم.

وأما الذين بعدت الشقة بينهم وبين رسول الله ولم ينظروا إلى حياته وصحبته نظرة الحب فنقول لهم: هذا ما حدث فإن أردتم أن تحاكموا أحدا فحاكموا الحب واعدموه هذا إن وجدتموه بينكم أو عرفتموه.

التبرك بوضوء النبي في حديث أبي جحيفة وابتدار الصحابة له

9 - التبرك بِوَضُوئِهِ:

عَنْ أبي جحيفة، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ فِى قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلاَلاً أَخَذَ وَضُوءَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسُ يَبْتَدِرُونَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ.

التبرك بثوب النبي وجعل البردة كفنا لأحد الصحابة

10 - التبرك بثوبه:

عَنْ سَهْلٍ رضى الله عنه أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا ـ أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ. قَالَ: نَعَمْ. ـ قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِى، فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا. فَأَخَذَهَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلاَنٌ فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا. قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ.

قَالَ: إِنِّى وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لأَلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِى. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ.

وفِيهَا حَاشِيَتُهَا أَيْ جَدِيدَةٌ لَمْ يُقْطَعْ شَيْءٌ مِنْ جَانِبَيْهَا.

جبة النبي عند أسماء بنت أبي بكر والاستشفاء بغسلها للمرضى

11 – التبرك بجبة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قَالَتْ أسماء بنت أبي بكر: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَأَخْرَجَتْ إِلَىَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ.

فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى نَسْتَشْفِى بِهَا.

التبرك بقدح النبي وبالصلاة في مسجده مع عبد الله بن سلام

12 – التبرك بقدح شرب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عَنْ أَبِى بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ فَقَالَ لِى: انْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ فَأَسْقِيَكَ فِى قَدَحٍ شَرِبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَتُصَلِّى فِى مَسْجِدٍ صَلَّى فِيهِ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَسَقَانِى سَوِيقًا، وَأَطْعَمَنِى تَمْرًا، وَصَلَّيْتُ فِى مَسْجِدِهِ.

التبرك بمنبر النبي ورمانته وبيان ابن تيمية للفرق عن القبر

13 - التبرك بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال القاضي عياض: رُؤِيَ ابنُ عمر رضي الله عنهما واضعا يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه.

وعن أبي قسيط والعتبي كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خلا المسجد حسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامينهم ثم يستقبلون القبلة يدعون. اهـ

يقول ابن تيمية: رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي صلى الله عليه و سلم ويده، ولم يرخصوا في التمسح بقبره، وقد حكى بعض أصحابنا رواية في مسح قبره؛ لأن أحمد شيع بعض الموتى فوضع يده على قبره يدعو له، والفرق بين الموضعين ظاهر.

وذكر أن ابن عمر وسعيد بن المسيب ويحي بن سعيد من فقهاء المدينة كانوا يفعلون ذلك.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

لماذا كانت عائشة تمسح النبي بيده هو لا بيدها في مرضه الأخير؟

لأن يده كانت أعظم بركةً من يدها

ما الذي فعله أبو أيوب الأنصاري بفضل طعام النبي حين كان ينزل في بيته؟

كان يتيمم هو وأم أيوب موضع يد النبي فيه ويأكلان منه ابتغاءً للبركة

لماذا لم يحلق أبو محذورة قُصّته حتى مات؟

لأنه كان يتبرك بها إذ مسّها النبي بيده

ما الحيلة التي لجأ إليها سواد بن غزية يوم بدر ليتمكن من ملامسة جلد النبي؟

طلب القصاص منه حين طعنه بالقدح ليعدّل الصف

أين وضع خالد بن الوليد ناصية شعر النبي؟

في مقدم قلنسوته

ما الذي قاله الذهبي تعليقًا على قول عبيدة السلماني بأن شعرة النبي أحب إليه من كل ذهب وفضة؟

قال إن هذا القول هو معيار كمال الحب

ما الذي كان يفعله الإمام أحمد بن حنبل بشعرة النبي؟

كان يقبّلها ويضعها على عينيه ويغمسها في الماء ويشربه

ما ردّ النبي على أم سليم حين أخبرته أنها تجمع عرقه في قارورة لتجعله في طيبها؟

قال لها: أصبتِ

ما الذي قاله عروة بن مسعود لقومه بعد أن رأى الصحابة في الحديبية؟

قال إنه لم ير ملكًا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدًا

لماذا قطعت أم سليم فم القربة بعد أن شرب منها النبي؟

تبركًا بموضع فم النبي الشريف منها

ما الذي قاله النبي لعبد الله بن الزبير حين اعترف بشرب دم الحجامة؟

قال: ويل للناس منك وويل لك من الناس

ما البشارة التي أعطاها النبي للمرأة التي شربت من قدحه بالليل؟

بشّرها بأنها احتظرت من النار بحظار

ما الذي فعله الصحابي الذي طلب بردة النبي حين سأله القوم عن سبب طلبه؟

قال إنه أراد أن تكون كفنه

كيف كانت أسماء بنت أبي بكر تستخدم جبة النبي للاستشفاء؟

كانت تغسلها للمرضى يستشفون بماء غسلها

ما موقف ابن تيمية من التمسح بمنبر النبي ورمانته؟

أجازه لأنه موضع مقعد النبي ويده، مع تمييزه عن التمسح بالقبر

بماذا كانت عائشة تنفث على النبي في مرضه الأخير؟

كانت تنفث عليه بالمعوذات، وكان النبي نفسه ينفث بهن على نفسه قبل أن يثقل مرضه.

لماذا كان أبو أيوب الأنصاري يكره أن يكون في الطابق العلوي فوق النبي؟

لأنه كان يعظّم النبي ويرى أنه لا ينبغي أن يكون فوقه، فطلب منه أن ينتقل للعلو ويبقى هو في السفل.

ما الذي طلبه ثابت البناني من أنس بن مالك حين أخبره أنه مسّ يد النبي؟

طلب منه أن يعطيه يده ليقبّلها، تبركًا بها لأنها مسّت يد رسول الله.

ما الذي قاله أسيد بن حضير للنبي حين احتضنه وقبّل خاصرته؟

قال: إنما أردت هذا يا رسول الله، أي أنه استغل طلب القصاص ذريعةً للتبرك بملامسة جلد النبي.

ما الذي قاله سواد بن غزية للنبي حين سأله عن سبب تقبيله بطنه يوم بدر؟

قال: يا رسول الله حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك.

ما الذي حدث لخالد بن الوليد حين سقطت قلنسوته في المعركة؟

شدّ عليها شدةً قُتل فيها كثيرون، فأنكر عليه أصحابه، فأخبرهم أنه فعل ذلك لما تضمنته من شعر النبي خشية أن تقع في أيدي المشركين.

ما الذي قاله عبيدة السلماني عن شعرة من شعر النبي؟

قال: لأن يكون عندي منه شعرة أحب إليّ من كل صفراء وبيضاء على ظهر الأرض.

ما الذي كان يفعله الإمام أحمد بقصعة النبي؟

كان يغسلها في حب الماء ثم يشرب منها تبركًا.

ما الذي جمعته أم سليم في القارورة وما تفسيرها لذلك؟

جمعت عرق النبي في قارورة لتجعله في طيبها، وقالت إنه من أطيب الطيب، وفي رواية قالت: نرجو بركته لصبياننا.

ما الملوك الذين ذكرهم عروة بن مسعود في شهادته عن تعظيم الصحابة للنبي؟

ذكر قيصر وكسرى والنجاشي، وقال إنه لم ير أحدًا منهم يُعظَّم من أصحابه كما يُعظَّم محمد من أصحابه.

ما الفرق بين حادثة أم سليم وحادثة كبشة الأنصارية مع القربة؟

كلتاهما قطعت فم القربة بعد شرب النبي منها تبركًا بموضع فمه، لكنهما حادثتان منفصلتان في بيتين مختلفين.

ما ردّ فعل النبي حين أخبره سفينة بأنه شرب دم الحجامة؟

ضحك النبي صلى الله عليه وسلم.

ما التشبيه الذي يُستخدم لتفسير تصرفات الصحابة في التبرك بالنبي؟

يُشبَّه بحب الأم لرضيعها الذي يجعلها لا تتأفف من شيء منه لشدة تعلقها به، وكذلك الزوج وزوجته من شدة الارتباط.

كيف كان الصحابة يتصرفون حين لا يصيب أحدهم شيء من وضوء النبي؟

كان يأخذ من بلل يد صاحبه الذي أصاب من الوضوء.

ما الذي أخبر به عبد الله بن سلام أبا بردة حين قدم المدينة؟

دعاه إلى منزله ليسقيه في قدح شرب فيه رسول الله وليصلي في مسجد صلى فيه النبي.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!