ما نظرية الثبوت في أصول الفقه وكيف يوثق علم مصطلح الحديث الأسانيد والروايات؟
نظرية الثبوت هي التحقق من صحة نسبة الأدلة إلى مصادرها، سواء القرآن أو السنة أو الإجماع. وقد أسس العلماء لهذه النظرية علوماً متكاملة كعلم مصطلح الحديث وعلم الرجال، التي تدرس الأسانيد وتصنف الأحاديث إلى صحيح وحسن وضعيف. والقرآن الكريم نُقل بأكثر من ألف سند متصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بينما السنة تحتاج إلى فحص دقيق للرواة وشروط العدالة والضبط.
- •
هل يمكن التيقن من أن القرآن الذي بين أيدينا هو ذاته المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرناً؟
- •
نظرية الثبوت تعني التحقق من صحة نسبة الأدلة إلى مصادرها، وتشمل القرآن والسنة والإجماع وقول الصحابي.
- •
القرآن الكريم نُقل بأكثر من ألف سند متصل جمعها ابن الدوسري في القرن الثامن الهجري، والقراءات العشر موثقة بأسانيد متصلة إلى النبي.
- •
أسس العلماء علم مصطلح الحديث وعلم الرجال لتصنيف الأحاديث إلى متواتر ومشهور وعزيز وغريب، وإلى صحيح وحسن وضعيف.
- •
الصحابة كلهم عدول رواية بالاتفاق، وإن رُدَّت شهادة بعضهم، ولم يُقدح في روايتهم إلا خمسة من أصل 1700 صحابي راوٍ.
- •
نظرية الثبوت تتكامل مع نظرية الحجية وتمهد لنظرية الدلالة، وهي تعم جميع الأدلة النقلية لا السنة وحدها.
- 1
نظرية الثبوت في أصول الفقه تعني التحقق من صحة نسبة الأدلة كالقرآن والسنة والإجماع إلى مصادرها الصحيحة.
- 2
انقطاع العصور وعدم مصاحبة أحد الصحابة للنبي في كل أحواله يجعل فحص النقل والرواية ضرورة لا غنى عنها.
- 3
القرآن الحالي هو العرضة الأخيرة لجبريل على النبي، نزل مفرقاً في ثلاثة وعشرين عاماً وترتيبه مجمع عليه.
- 4
نقل القرآن شفهياً جيلاً بعد جيل مع الحفاظ على الغرائب النحوية دليل قاطع على أمانة الحفظ والرواية.
- 5
القراءات العشر موثقة بأسانيد متصلة من القرن الثاني الهجري إلى النبي صلى الله عليه وسلم عبر سلسلة من الأئمة.
- 6
ابن الدوسري في القرن الثامن الهجري جمع أسانيد القرآن في الروايات العشر فبلغت أكثر من ألف سند.
- 7
التيقن من صحة المصحف يستند إلى أكثر من ألف سند متصل، كل راوٍ فيه معروف تاريخاً وسيرةً وصولاً إلى النبي.
- 8
السنة احتاجت إلى الإسناد أكثر من القرآن لاحتمالات الخطأ في السمع والرواية بالمعنى والخلط بين الوقائع.
- 9
علم مصطلح الحديث وعلم الرجال أسسا نظرية الثبوت في السنة، وصنّف العلماء الأسانيد وفق عدد الرواة في كل طبقة.
- 10
حديث الأعمال بالنيات رواه عمر وحده ثم بلغت أسانيده سبعمائة، بينما حديث الكذب رواه مائة وعشرون صحابياً.
- 11
الأحاديث تُصنف إلى متواتر وهو 250 حديثاً، ومشهور وعزيز وغريب، بحسب عدد الأسانيد في كل طبقة.
- 12
نسبة الحديث للصحابي تعكس أنه غير معصوم من الخطأ، وقد استدلت عائشة بخطأ السمع في رواية ابن عمر.
- 13
شروط الراوي الضبط والعدالة، والحديث الصحيح ظني لا قطعي، ورد الحديث بحجة مقبول أما بلا حجة ففسق.
- 14
الحديث أقسام ثلاثة: صحيح وحسن وضعيف، ويُصنف أيضاً إلى مرفوع وموقوف ومقطوع بحسب منتهى السند.
- 15
الحديث الصحيح يشترط سلامة السند والمتن من الشذوذ والعلل، وهو أعلى مرتبة من صحيح الإسناد فقط.
- 16
علم الرجال وثّق القرآن والسنة بدراسة كل راوٍ، لكن الإجماع لم يُوثَّق بنفس الطريقة فشكك فيه الإمام أحمد.
- 17
تشتت المجتهدين حال دون توثيق الإجماع، فحُصرت حجيته فيما هو معلوم من الدين بالضرورة كالحدود الشرعية.
- 18
قول الصحابي دُوِّن لكن توثيقه أقل من الحديث، واختلف العلماء في حجيته وهو دون مرتبة القرآن والسنة.
- 19
الجمهور يعرّف الصحابي بمن لقي النبي مؤمناً ومات على الإيمان، وسعيد بن المسيب يشترط المصاحبة الفعلية.
- 20
التعريف الغالب للصحابي يشترط اللقاء والإيمان والوفاة عليه، ولم يكن في الـ114 ألف صحابي منافق.
- 21
الصحابة 114 ألفاً رأوا النبي، و1700 منهم رواة، وكلهم عدول رواية وإن رُدَّت شهادة بعضهم لأسباب خاصة.
- 22
الوليد بن عقبة وغيره رُدَّت شهادتهم لكن بقيت عدالتهم في الرواية لأن الرواية تتعلق بالأمور العامة لا الخاصة.
- 23
خمسة فقط من 1700 صحابي راوٍ قُدح فيهم، ومجموع مروياتهم 20 إلى 30 حديثاً من أصل ستين ألفاً.
- 24
الصحابة الذين اقترفوا ذنوباً لا تُنفى عنهم الصحبة ولا يُسبُّون، ولا يُحكم على مجمل حياتهم بخطأ واحد.
- 25
الحديث الحسن يرتقي إلى صحيح لغيره بتعدد الطرق، والتدرج بين أقسام الحديث يفك التعارض ويرفع الدرجات.
- 26
شرع من قبلنا ملزم للمسلمين ما لم يُنسخ في القرآن أو السنة، وصوم مريم عن الكلام مثال على ذلك.
- 27
الكتب السابقة لا سند لها عند أهلها، وتناقض ترجماتها دليل على أهمية الإسناد الذي تميزت به الشريعة الإسلامية.
- 28
نظرية الثبوت تُذكر في كتب الأصول تحت باب الإسناد وهي تعم جميع الأدلة النقلية لا السنة وحدها.
- 29
نظرية الثبوت تأتي بعد الحجية وتمهد لنظرية الدلالة، وهي تجيب عن كيفية الوصول إلى الأدلة على وجهها الصحيح.
ما المقصود بنظرية الثبوت في أصول الفقه ولماذا نحتاج إلى التحقق من نسبة الأدلة؟
نظرية الثبوت تعني التحقق من صحة ثبوت الحجة ونسبتها إلى مصدرها الصحيح. فالقرآن والسنة والإجماع وغيرها من الأدلة تحتاج إلى نقل ورواية، لذا وجب التأكد من صحة ما بين أيدينا وأنه منسوب نسبة صحيحة إلى مصدره سواء كان النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي أو الأئمة المجتهدين.
لماذا لا يمكن لأحد الصحابة أن يدعي سماع القرآن كله مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم؟
لأن كل جيل تسبقه أجيال لم يرها ولم يسمع من أهلها مباشرة، وحتى الصحابة أنفسهم لم يصاحب أحدهم النبي صلى الله عليه وسلم في كل أوقاته وأحواله من أول البعثة إلى نهايتها. لذلك لا يستطيع أحد أن يدعي أنه سمع القرآن كله وشاهد أسباب النزول كلها في صحبة رسول الله.
ما العرضة الأخيرة وكيف ثبت ترتيب المصحف الحالي؟
القرآن الذي بين أيدينا هو العرضة الأخيرة لجبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل جملة واحدة بل نزل مفرقاً عبر ثلاثة وعشرين عاماً. كان جبريل ينزل بالمقطع ويحدد موضعه بين الآيات والسور، واستمر هذا حتى وفاة النبي. وقد أجمع الأصوليون على أن ترتيب القرآن الحالي في سوره وآياته مجمع عليه ولا اختلاف فيه.
كيف يدل النقل الشفهي للقرآن والغرائب النحوية فيه على أمانة الحفظ والرواية؟
نُقل القرآن شفهياً بين الأستاذ والتلميذ والأب والابن جيلاً بعد جيل كما تُلقِّي. ودليل الأمانة أن العرب كانوا ينقلون الغرائب النحوية في النص القرآني كما سمعوها حتى لو خالفت آراءهم النحوية أو لغة قبائلهم، مما يؤكد التزامهم الدقيق بما سمعوه دون تغيير.
كيف نشأت القراءات العشر وكيف وُثِّقت بالأسانيد المتصلة؟
القراءات العشر كانت موجودة منذ عصر الصحابة، وفي القرن الثاني الهجري قام كبار العلماء بضبطها فنُسبت إليهم. وكل قراءة تُنسب إلى إمامها الأول لأنه التزم بقراءة معينة تلقاها عن شيخه، وشيخه تلقاها عن شيخه، وهكذا بسند متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كم عدد الأسانيد التي جُمعت لروايات القرآن العشر وفي أي قرن تم ذلك؟
في القرن الثامن الهجري جمع محمد بن محمد بن محمد بن الدوسري الأسانيد التي سُمع بها القرآن في الروايات العشر، فجاءت أكثر من ألف سند.
كيف يمكن التيقن من أن المصحف الحالي هو ذاته المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم؟
يمكن التيقن من ذلك عبر سلسلة الأسانيد المتصلة؛ إذ يروي كل شيخ عن شيخه المعروف تاريخاً وسيرةً، وهكذا بضعة وعشرون شخصاً بين القارئ والنبي صلى الله عليه وسلم، وليس بسند واحد بل بأكثر من ألف سند. وكل من يقرأ القرآن في الإذاعة أو يصحح المصحف قد تلقى القرآن كلمة كلمة وحرفاً حرفاً عن شيوخه وصولاً إلى النبي.
لماذا احتاجت السنة إلى نظرية الثبوت والإسناد أكثر من القرآن؟
القرآن بطبيعة نظمه وقداسة نصه وتحديده تواترت الناس على تلاوته وحفظه ونقله كما هو. أما السنة فمنهم من سمع ومنهم من لم يسمع، ومنهم من سمع فأخطأ السمع، ومنهم من روى بالمعنى ومنهم من التزم النص، ومنهم من خلط بين واقعتين. كل هذه الاحتمالات لا وجود لها في نقل القرآن، مما جعل السنة تحتاج إلى نظرية الثبوت والإسناد بصورة أشد.
ما العلوم التي أسسها العلماء لخدمة نظرية الثبوت في السنة وكيف صنفوا الأسانيد؟
أسس العلماء علم الرجال وعلم مصطلح الحديث وعلم الحديث دراية ورواية لخدمة نظرية الثبوت في السنة. ودرسوا الأسانيد فوجدوا أحاديث لها سند واحد في كل طبقة، وأخرى يتضاعف رواتها من جيل إلى جيل حتى يصل الحديث الواحد إلى مئات الأسانيد. ثم شرعوا في تنميط هذا الخضم الهائل من المعلومات وفق معايير دقيقة.
ما مثال على حديث رواه صحابي واحد ثم تضاعفت أسانيده وما مثال على حديث رواه مائة وعشرون صحابياً؟
حديث (إنما الأعمال بالنيات) لم يروه عن النبي سوى عمر رضي الله عنه، ثم وصل منفرداً إلى يحيى بن سعيد الذي عدّ له الحافظ ابن حجر أكثر من سبعمائة سند. أما حديث (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) فقد رواه مائة وعشرون صحابياً عن النبي. وكذلك رفع اليدين بالتكبير في الصلاة رواه أكثر من عشرين صحابياً.
ما الفرق بين الحديث المتواتر والمشهور والعزيز والغريب وكم عدد الأحاديث المتواترة؟
الحديث المتواتر هو ما تواتر عليه جمع كثير من الصحابة، وعددها لا يزيد عن 250 حديثاً من أصل ستين ألف حديث. والحديث المشهور له أربعة أو خمسة أسانيد أو طرق، والعزيز له سندان فقط لندرته، والغريب له سند واحد. وإن كان صحابي واحد هو الذي رواه عن النبي سُمي الغريب المطلق لأنه لن يتحول إلى سندين أبداً.
لماذا ينسب المحدثون الحديث إلى الصحابي وما دليل أن السمع قد يخطئ في الرواية؟
ينسب المحدثون الحديث إلى الصحابي لأن الصحابي ليس معصوماً من الخطأ والنسيان. والدليل على ذلك أن عائشة رضي الله عنها لما سمعت ابن عمر يروي حديث (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) قالت: إن السمع يخطئ، واستدلت بقوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) مبينةً أن الرواية الصحيحة هي أن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله لا المؤمن.
ما شروط الراوي في نظرية الثبوت وهل الحديث الصحيح يفيد اليقين أم الظن؟
يشترط في الراوي أن يكون ضابطاً غير مغفل وعدلاً غير كاذب ولا فاسق. والحديث الصحيح ذو السند الواحد يُسمى صحيحاً لكنه يبقى ظنياً لاحتمال خطأ السمع أو النسيان أو الفهم الخطأ من أحد الثقات. ومن رد حديثاً بحجة كمعارضته للقرآن أو لحديث آخر فلا يُفسَّق، أما من رده بلا حجة فقد خرج عن المعقول وفسق.
ما أقسام الحديث من حيث القبول وما الفرق بين المرفوع والموقوف والمقطوع؟
الحديث الصحيح ما رواه الثقة العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه. والحديث المرفوع ما نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والموقوف ما وقف على الصحابي، والمقطوع ما انتهى إلى التابعي. والحديث الحسن ما كان في سنده عدل أقل ضبطاً، والضعيف ما كان في سنده شخص غير عدل أو غير ضابط أو كلاهما.
ما الفرق بين صحيح الإسناد والحديث الصحيح وما المقصود بالشذوذ والعلة القادحة؟
صحيح الإسناد أقل مرتبة من الحديث الصحيح؛ لأن صحيح الإسناد لم ينظر فيه المحدث بعد إلى المتن، بينما الحديث الصحيح يشترط سلامة السند والمتن معاً. والشذوذ هو أن يروي الثقة ما يخالف من هو أوثق منه، والعلة هي أن يشتمل الحديث على ما يخالف أصول الدين أو الأحاديث المتواترة المشتهرة.
كيف خدم علم رجال الحديث إثبات القرآن والسنة ولماذا قصّر في توثيق الإجماع؟
علم رجال الحديث تكلم عن كل راوٍ على حدة من حيث مولده ووفاته وسيرته، للتأكد من اتصال السند وأن الراوي قد قابل من روى عنه. وبذلك خدم إثبات القرآن والسنة خدمة عظيمة. أما الإجماع فلم يُنقل بنفس الطريقة، مما دفع الإمام أحمد بن حنبل إلى التشكيك فيه بالجملة وقوله: من ادعى الإجماع فقد كذب.
لماذا تعذر توثيق الإجماع كما وُثِّقت السنة وما الإجماع الحجة المعتمد؟
تعذر توثيق الإجماع لتشتت المجتهدين في الآفاق وعدم توفر وسائل مواصلات تمكنهم من الاجتماع في مكان واحد. لذا اتفق العلماء على أن الإجماع الحجة هو ما هو معلوم لدى الكافة من الدين بالضرورة، كتحريم السرقة وحد الخمر وعقوبة الزنا.
هل وُثِّق قول الصحابي كما وُثِّق الحديث النبوي وما موقف العلماء من حجيته؟
كُتبت أقوال الصحابة ودُوِّنت بجهود أبي يوسف ومحمد بن حزم وابن شيبة وابن عبد الرازق، لكن تلك المجهودات لم تبلغ مستوى توثيق الحديث. وقد تأرجحت الأقوال في كون قول الصحابي حجة أو ليس بحجة، وهو ليس في مرتبة القرآن أو السنة بلا خلاف، مما لم يدفع الأصوليين إلى إعطائه نفس الاهتمام.
ما تعريف الصحابي عند الجمهور وما رأي سعيد بن المسيب في ذلك؟
تعريف الجمهور للصحابي هو من كان موافقاً للنبي والتقى به في حياته ومات على الإيمان. أما سعيد بن المسيب فرأى أن ليس كل من رأى النبي يكون صحابياً، بل الصحابي من غزا معه الغزوة والغزوتين وصاحبه السنة والسنتين، مستنكراً أن يُعدَّ صحابياً كل من رآه من أهل البوادي.
ما الشروط الدقيقة للتعريف الغالب للصحابي وهل كان في الصحابة منافقون؟
التعريف الغالب يشترط اللقاء لا مجرد الرؤية، وأن يكون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لا بعد وفاته، وأن يكون موافقاً له في الدين والإيمان وأن يموت على ذلك. وعلى الرغم من القول بأن بعض المنافقين كانوا ضمن الـ114 ألف صحابي، فإن الواقع أنه لم يكن أحد منهم من المنافقين.
ما الفرق بين عدالة الرواية وعدالة الشهادة وهل الصحابة كلهم عدول؟
الصحابة الذين رأوا النبي بلغوا 114 ألفاً، لكن الذين وصلت روايتهم إلينا نحو 1700 صحابي فقط. والصحابة كلهم عدول رواية بالاتفاق، أما عدالة الشهادة فقد رُدَّت شهادة بعضهم. ورد الشهادة لا يستلزم رد الرواية لأن الرواية تأتي على أمر عام موضوعي بينما الشهادة تأتي على أمر خاص تتأثر فيه الأهواء والمصالح.
من الصحابة الذين رُدَّت شهادتهم مع بقاء عدالتهم في الرواية ولماذا؟
ممن رُدَّت شهادتهم ابن علقمة وعامر بن أبي سفيان والوليد بن عقبة، وهو صحابي جليل وصفه الله بالفسق في قوله (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا). فرُدَّت شهادته لكن لم تُرد روايته، لأن الرواية أمر يتعلق بالصدق والكذب في الأمور العامة وهذا مما حفظ الله الأمة منه.
كم عدد الصحابة الذين قُدح فيهم من الرواة وكم رووا من الأحاديث؟
لم يُقدح في روايتهم من الـ1700 صحابي إلا خمسة: بشير بن الخصاصية ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة وبُسر بن أرطاة وعمرو بن العاص. وعلى الرغم من الجرائم المنسوبة إليهم، فإن مجموع ما رووه من أحاديث النبي لا يتجاوز 20 إلى 30 حديثاً من أصل ستين ألف حديث.
ما موقف العلماء من الصحابة الذين اقترفوا ذنوباً وهل يُسلب عنهم وصف الصحبة؟
العلماء قالوا إن هؤلاء الخمسة لا تُنفى عنهم صفة الصحبة، ويجب ألا يُسبَّوا لأن النبي نهى عن سب الصحابة، ولأنهم التقوا بالنبي وماتوا مؤمنين وبعضهم جاهد في سبيل الله. ويجب ألا نسحب خطأً واحداً على مجمل حياة الصحابي فهذا ليس من العدل.
كيف يمكن تقوية الحديث الحسن أو الضعيف وما معنى الصحيح لغيره؟
إذا جاء الحديث الحسن من طريق آخر يعضده قوي القول بأنه حسن أو صحيح لغيره، وإذا أتى من طرق صحيحة كثيرة أصبح صحيحاً بشواهده. والتدرج بين الصحيح والحسن والضعيف يفك التعارض بينها، وقد يتحول الضعيف إلى حسن والحسن إلى صحيح عند اقترانه بالقرائن وتقوية الأسانيد ببعضها.
هل شرع من قبلنا ملزم للمسلمين وما الضابط في ذلك؟
شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يكن في شرعنا ما ينسخه. فإذا خاطب الله إبراهيم بفعل فهذا يعني أن الله يرضى عنه، وإذا لم يُنسخ في القرآن فلا مانع من العمل به. ومثاله أن مريم عليها السلام أُمرت بالصوم عن الكلام ولم يرد في القرآن ما ينهى عنه.
لماذا لا يمكن الاعتماد على الكتب المقدسة السابقة كمصدر موثوق لشرع من قبلنا؟
لأن أهل تلك الأديان لا يملكون أي سند لكتبهم، وترجمة الكتاب المقدس التي أُنجزت سنة 1848 تخالف تماماً النسخة العربية التي كانت تُطبع وتُوزع في الأديرة قبل ذلك. وهذا يكشف أهمية نظرية الثبوت والإسناد في التثبت من أن ما بين أيدينا هو ذاته المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم.
أين تُذكر نظرية الثبوت في كتب أصول الفقه وهل هي مختصة بالسنة فقط؟
نظرية الثبوت لم تُذكر بتوسع في كتب الأصول وإنما يذكرها بعض المحدثين، وتُناقش في كتب الأصول تحت مبحث باب الإسناد بعد الأدلة النقلية المتفق عليها. وهي ليست مختصة بالسنة فحسب بل تعم جميع الأدلة النقلية المتفق عليها والمختلف فيها، وهذا ما أكده الفتوحي في شرح الكوكب المنير.
كيف تتكامل نظرية الثبوت مع نظرية الحجية وما العلاقة بينها وبين نظرية الدلالة؟
بعد أن يتيقن المجتهد من الحجية أي من مصادر دينه، يطرح على نفسه سؤالاً منطقياً: كيف يصل إلى تلك الأدلة على وجهها الصحيح؟ وهنا تبرز نظرية الثبوت التي بذل فيها الفقهاء والعلماء والمحدثون جهوداً جبارة. وبعد الثبوت تأتي نظرية الدلالة التي تبحث في كيفية فهم الأدلة واستنباط الأحكام منها.
نظرية الثبوت في أصول الفقه تضمن صحة نسبة الأدلة إلى مصادرها عبر علم مصطلح الحديث والأسانيد المتصلة.
علم مصطلح الحديث ركيزة أساسية في نظرية الثبوت؛ إذ أسس العلماء منظومة علمية متكاملة تشمل علم الرجال ودراية الحديث ورواياته، لضمان صحة نسبة كل دليل إلى مصدره. والقرآن الكريم وصلنا بأكثر من ألف سند متصل جمعها ابن الدوسري في القرن الثامن الهجري، فيما نُقلت القراءات العشر جيلاً بعد جيل بأسانيد موثقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
أما السنة النبوية فقد صنّفها العلماء إلى متواتر ومشهور وعزيز وغريب، وإلى صحيح وحسن وضعيف، مع اشتراط خلو الحديث الصحيح من الشذوذ والعلل القادحة في المتن والسند معاً. وقد امتدت النظرية لتشمل الإجماع وقول الصحابي وشرع من قبلنا، وإن ظل توثيق الإجماع أضعف حلقات السلسلة لتشتت المجتهدين في الآفاق وصعوبة جمعهم.
أبرز ما تستفيد منه
- علم مصطلح الحديث وعلم الرجال أسسا نظرية الثبوت وأكداها.
- القرآن وصلنا بأكثر من ألف سند متصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
- الحديث الصحيح يشترط سلامة السند والمتن معاً من الشذوذ والعلل.
- الصحابة كلهم عدول رواية، وإن رُدَّت شهادة بعضهم في القضايا الخاصة.
تعريف نظرية الثبوت والحاجة إلى التحقق من نسبة الأدلة
النظرية الثانية التي نراها مبثوثة في كتب أصول الفقه هي نظرية "الثبوت": بمعنى ثبوت الحُجَّة. فإذا كان القرآن والسُّنة و الإجماع وغير ذلك من أدلة تحتاج إلى نقل ورواية، فإنه ينبغي علينا التأكد من صحة ثبوت ما بين يدينا في هذا العصر، ومن أنه منسوب نسبة صحيحة إلى مصدره؛ سواء كان هذا المصدر هو النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في قرآنية القرآن (أي إن هذا الذي صدر من فم النبي كان قرآنًا) أو في نسبة الحديث إليه، أو في نسبة الحديث أو الأثر إلى الصحابي، أو في نسبة قول معين إلى بعض الأئمة من المسلمين، وحتى يمكن أن نحكم بأن هناك جماعة من المجتهدين في عصر معين قد اتفقوا على حكم معين.
انقطاع العصور وأثره في ضرورة فحص النقل والرواية
كل هذا لأننا لم نحضر تلك العصور، وكل جيل تسبقه أجيال لم يرها ولم يسمع من أهلها مباشرة، بل إن الصحابة أنفسهم لم يصاحب واحد منهم النبي صلى الله عليه وسلم -وهو ينطق بالقرآن- من أول البعثة إلى نهاية المطاف، في الليل و النهار، وفي السفر والحضر، وفي البيت وخارج البيت، وفي الأرض والسماء، وفي كل أحيانه- مصاحبة يستطيع أن يدعي بها أنه قد سمع القرآن كله وشاهد أسباب النزول كلها في صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
العرضة الأخيرة وترتيب سور القرآن وثبوت المصحف الحالي
الثبوت والقرآن:
ولما كان الأمر كذلك فلقد أجمع الأصوليون على أننا لا نستطيع -ولو اجتمعت الإنس والجن كما أقر الإمام النحّاس- أن نرتب القرآن طبقًا لنزوله؛ فذلك القرآن الذي بين أيدينا إنما هو العرضة الأخيرة لجبريل على النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولكنه لم ينزل هكذا جملة واحدة، بل نزل مفرقًا عبر ثلاثة وعشرين عامًا؛ حيث كان ينزل جبريل بالمقطع ويقول له ضعه ما بين آية كذا، وآية كذا، في سورة كذا، واستمر هذا الحال إلى أن انتقل الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلى الرفيق الأعلى. فهذا أمر قد سُد، وأصبح الترتيب الذي نرى القرآن عليه الآن في سوره وآياته مجمعًا عليه ولا اختلاف فيه.
النقل الشفهي للقرآن والغرائب النحوية دليلا على أمانة الحفظ
وهذا القرآن سمعه الصحابة في عرضته الأخيرة وتم نقله شفهيًا بين الأستاذ والتلميذ، وبين الأب والابن، وبين الجيل والجيل الذي بعده؛ ينقلون فيه القرآن كما تلقوه. وإرادة الله سبحانه وتعالى أن يحدث بعض الغرائب والعجائب النحوية في النص القرآني؛ فإذا بالعربي ينقلها كما سمعها، وهذا يعد تأكيدًا على التزامهم بما ذهبوا إليه وبما سمعوه،حتى ولو كان مخالفًا لآرائهم النحوية، أو كان مخالفًا للغة قبيلتهم وهذا في القرآن كثير.
نشأة القراءات العشر وتوثيقها عبر الأسانيد المتصلة
ونحن الآن نركز على كيفية نقل القرآن؛ فقد نقل إلينا جيلًا فجيل، وفي كل جيل كان يقوم الحفَّاظ بتعليمه للصغار كما هو، وكانت القراءات العشر موجودة منذ عصر الصحابة، حتى أتينا إلى القرن الثاني الهجري فوجدوا أنها ينبغي أن تحفظ كما هي؛ فقام أكبر العلماء في كل قراءة ليضبطوها فنسبت إليهم (قراءة حفص عن عاصم، وقراءة ورش، وقراءة حمزة الزيات، وقراءة أبي عمرو، وقراءة الكسائي، وقراءة ابن عامر، وقراءة أبى جعفر،وقراءة يعقوب، وقراءة...)، وعُرفت بأسماء أئمتها الأوائل تخفيفًا ورمزًا؛ فنقول: قراءة نافع؛ لأن نافعًا هذا كان قد التزم بقراءة معينة تلقاها عن شيخه أبي جعفر، وأبو جعفر تلقاها عن شيخه، وهكذا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
جمع أسانيد القراءات في القرن الثامن وتكاثر طرق النقل
وفي القرن الثامن الهجري جاء محمد بن محمد بن محمد بن الدوسري، وجمع الأسانيد التي سمعنا بها القرآن في الروايات العشر، فجاءت أكثر من ألف سند.
حجة الأسانيد المتعددة في إثبات مطابقة المصحف للمنزل على النبي
فلو أن أحدًا من البشر جاء وسألني: كيف تتيقن من أن ما بين دفتي المصحف الذي بين يديك هو الذي نزل على محمدصلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؟ أو هو الذي صدر منه؟ أقول: إنني سمعت فلانًا (وهو شخص معروف لدينا: معلوم متى ولد، وأين عاش، وكيف تعلم، وسيرته كلها معلومة لدينا)، وهذا الشيخ قال إنه سمعها من شيخه (وهو شخص معروف كذلك)، وهكذا إلى أن يعدد بضعًا وعشرين شخصًا بينه وبين الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وليس بسند واحد، بل بألف سند.
وكل هؤلاء الذين نسمعهم في الإذاعة، والذين يكتبون أسماءهم في المصحف في لجنة تصحيح المصحف الشريف بالأزهر قد تلقوا هذا القرآن كلمةً كلمة، وحرفًا حرفًا، وتلقّوا كيفية أداء النطق لكل حروفه عن شيوخهم وصولًا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وكل طريق من هذه الطرق يسمى "سندًا"، وكل سند مكون من "حلقات"، وكل حلقة تمثل شخصًا عالمًا، وكل عالم من هذه العلماء معروف لدينا تمام المعرفة.
تميّز ثبوت السنة عن القرآن وظهور الحاجة الحادة للسند
الثبوت والسُّـــنَّة:
هذا "السند" ظهرت فائدته أكثر وأكثر في قضية السُّنّة؛ لأن القرآن بطبيعة نظمه، ولقداسة نصه ولأنه محدد (يبدأ بالفاتحة وينتهي بالناس)، فقد تواترت الناس على تلاوته، وعلى حفظه، وعلى نقله كما هو. ولكن السُّنة ليست هكذا؛ فمنهم من سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومنهم من لم يسمع، ومنهم من سمع فأخطأ السمع، ومنهم من فهم ما سمعه ومنهم من لم يفهم، ومنهم من كان متيقظًا ومنهم من خلط بين واقعتين، ومنهم من روى بالمعنى ومنهم من التزم النص،... وكل هذه الأشياء لا وجود لها في نقل وثبوت القرآن الكريم.
نشأة علوم الحديث وتنميط الأسانيد في رواية السنة
فاحتجنا إلى نظرية الثبوت في السُّنَّة، واهتم العلماء بوضع علوم لتلك السُّنَّة -كعلم الرجال، وعلم مصطلح الحديث، وعلم الحديث (دراية ورواية)، وهكذا- بأكثر مما اهتموا في نقل القرآن؛ فأقاموا مجموعة من العلوم كونت في مجملها نظرية الثبوت وأكدتها.
فذهبوا للسند يدرسونه, فوجدوا حديثًا له سند واحد، سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم صحابي واحد، ثم سمعه من ذلك الصحابي تابعي واحد، ثم في الجيل الذي بعده سمعه واحد فقط،... إلخ. ورأوا أن هناك من الأحاديث ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم اثنان، ومنها ما سمعه أربعة، وخمسة،... إلى مائة صحابي، ولكن هذا الذي قد سمعه عشر، إذ به في الطبقة الثانية يسمعه عشرون يروونه عن العشرة، ومن العشرين يصبح مائة ومائتين، ويزيد مع الأجيال والزمن وهكذا. وقد نجد أن صحابيًا واحدًا سمع حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ثم سمعه منه سبعمائة فرد. إذن عندما نرسم شجرة للأسانيد نجدها جد متداخلة ومتمايزة، فشرعوا يفكرون في تنميط هذا الخضم الهائل من المعلومات التي عندهم.
أمثلة تطبيقية لتعدد الأسانيد في الأحاديث النبوية المشهورة
عندي حديث سمعه عمر t عن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
(إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) [1]
حديث متفق عليه لم يروه عن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم سوى عمرt، ثم بعد ذلك يصل منفردًا عن علقمة، وعن الأسود إلى يحي بن سعيد، ومن يحي بن سعيد يَعدّ له الحافظ ابن حجر أكثر من سبعمائة سند، في حين أن قول الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
(من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) [2]
- •وجدنا له مائة وعشرين صحابيًا يروونه عن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وكون الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان يرفع يديه بالتكبير عند الانتقال من هيئة لأخرى في الصلاة رواه أكثر من عشرين صحابيًا [3]
تصنيف الأحاديث إلى متواتر ومشهور وعزيز وغريب
وهكذا وجدنا أحاديث كثيرة قد تواتر عليها جمع كثير من الصحابة، فسمَّوْها الأحاديث المتواترة؛ والأحاديث المتواترة التي بين أيدينا لا تزيد عن (250) حديثًا بهذه الأسانيد الكثيرة لكل حديث، (والذي تحت أيدينا من الأحاديث نحو ستين ألف حديث) إنما يرويها الواحد والاثنان والثلاثة والأربعة.
وسموا الحديث الذي له أربعة أو خمسة أسانيد أو طرق بالحديث المشهور، وسموا الحديث الذي له سندان بالحديث العزيز؛ لأنه نادر، وسموا الحديث الذي له سند واحد بالحديث الغريب؛ فإن كان صحابيًا واحدًا هو الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يسمونه بالغريب المطلق؛ لأنه لن يتحول في يوم من الأيام إلى سندين، وسيكون غريبًا دائمًا.
نسبة الحديث إلى الصحابي وإمكان خطأ السمع في الرواية
ومن هنا، كان المحدّثون ينسبون الحديث إلى الصحابي فيقولون: حديث أبي هريرة، أو أبي سعيد الخدري، أو ابن عمر y. ولهذا حكمة؛ ذلك لأن الصحابي ليس معصومًا من الخطأ والنسيان. وعلى سبيل المثال، فإن عائشة (رضي الله عنها) سمعت ابن عمر t يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
(إنَّ الميت ليُعَذَّب ببكاء أهله عليه)؛ أي يعذب لما يفعله أهله من العويل والنحيب، فقالت: أما إني لا أتهم أبا عبد الرحمن بالكذب، ولكن السمع يخطئ، كيف هو من قوله سبحانه وتعالى:
[وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى]- الآية 15, سورة الإسراء؟ [4]
شروط الراوي وعدالة خبر الآحاد وموقف من يرد الحديث
هذا رأي عائشة: "إن السمع يخطئ"؛ إذ هناك احتمال أن يكون ذلك خطأ، بغض النظر عن أيهما كان الصحيح، فهذه قضية أخرى. إننا عند بحث الثبوت نعلم أنه عندما يكون شخص واحد قد سمع فإن السمع قد يُخطئ.
أخذ علماء الحديث من هذا أنه لابد في الثبوت من شروط في الناقل، ونشترط فيه أن يكون ضابطًا بألا يكون مغفلًا، وأن يكون عدلًا؛ أي لا يكون كاذبًا أو فاسقًا. وبالرغم من ذلك، إلا أن الحديث الذي ورد بسند واحد كله، ورواته كلهم ثقات، فإننا نسميه بالحديث "الصحيح"، لكنه يكون ظنيًا؛ خشية أن يكون واحدٌ من هؤلاء الثقات قد أخطأ السمع مثلًا، أو تعرض لعوارض النقص البشرية، وهي النسيان والخطأ والمرض والفهم الخطأ، والكذب أيضًا. فقلنا إنه لا يمكن أن يصل بهذا إلى اليقين بل يصل إلى القول الراجح؛ فقد يترجَّح سند ما عندي بنحو تسعة وتسعين بالمائة، لكن إن أتى أحدهم، وقال: إنني لا أومن بهذا الحديث؛ لأنه يعارض القرآن أو يتعارض مع حديث آخر، أو أنه يصطدم مع أساسيات الدين التي فهمناها من القرآن، فلا أفسِّقه ولا أُكفِّره، وقد أختلف معه في الرأي.
وإن قال: إنما أرد هذا الحديث لمجرد أنه لا يعجبني! فإن هذا الشخص يفسق ولا نكفره؛ لأنه أنكر شيئًا ضمنيًا، فمن أنكر بحجة فلا شيء عليه، وكل الأئمة أنكروا بحجة، ومن أنكر بلا حجة فقد خرج عن الجماعة، وخرج عن المعقول ورد الشيء من غير برهان ولا دليل، وفي هذا فسق؛ لأننا دائمًا نبحث عن البرهان والدليل والحجة.
أقسام الحديث من حيث القبول: الصحيح والحسن والضعيف
تكلم أهل الحديث عن حكم السند، فقالوا: إن الحديث منه ما هو صحيح، وهو أن يرويه الثقة عن الثقة إلى منتهاه. ومن هو الثقة؟ هو العدل، الضابط. ومنتهاه هو النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، أو تنتهي إلى السلف:صحابيًا كان أو تابعيًا. وفي ذلك يسمى ما نُسِب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بـ"الحديث المرفوع"؛ لأنه رُفع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. ويليه الحديث الموقوف؛ لأنه قد وقف على الصحابي وانتهى عنده، وما كان منتهاه للتابعي سموه حديثًا مقطوعًا؛ لأنه قد قُطِع عن باقي السلف (أو الصحابة). فالحديث منه ما هو صحيح، ولو كان السند قد قطع عن منتهاه إلى الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، لكنه كان يعد مطابقًا لحديث مرفوع أو لآية أو لأصل.
وإذا كان في السند شخص عدل (لا يكذب)، لكنه أقل ضبطًا قد يخطئ الفهم أو الحفظ، فهو ليس كالأول، فهذا الحديث بهذا السند يسمونه حديثًا حسنًا؛ وهو أقل وثوقًا من الأول. وإذا كان في السند شخص ضعيف غير عدل أو غير ضابط، أو غير ضابط وغير عدل معًا يسمى بالحديث الضعيف. فالحديث له أقسام ثلاثة: منه صحيح، وحسن، وضعيف، ولقد وصف بعض الأصوليين هذه الأقسام في نظم:
وذي من أقسام الحديث عدة وكل واحد أتى وحدَّه
أولها الصحيح وهو ما اتصل إسناده، ولم يشذ ولم يُعَل
يرويه عدل ضابط عن مثلهِ معتمد في ضبطه ونقلهِ
وكل ما عن ربة الحسن قصر فهو الضعيف وهو أقسام كثر
الشذوذ والعلل والفرق بين صحيح الإسناد والحديث الصحيح
إذن ليس شرط الحديث الصحيح أن يرويه العدل الضابط عن العدل الضابط فقط، بل لابد بعد تصحيح السَّند على هذه الطريقة، أن يكون الحديث خاليًا من الشذوذ والعلل القادحة. أما الشذوذ فهو أن يروي الثقة ما يخالف ما يرويه من هو أوثق منه، أما العلة فهي أن يشتمل الحديث على ما يخالف أصول الدين، أو يخالف غيره من الأحاديث المشتهرة المتواترة، التي تمثل الجسد الأساسي لجوهر دين الإسلام. ولذلك ميزوا بين القول بأن هذا حديث صحيح الإسناد، وهذا حديث صحيح؛ "فصحيح الإسناد" أقل مرتبة من "الحديث الصحيح"؛ لأنه في حالة الأول لم ينظر المحدِّث بعدُ إلى متن الحديث، بينما في الحديث الصحيح فإن المحدث يكون قد نظر في السند وفي المتن بما يكفي للقول إنهما لا يتعارضان مع أي شيء من أصول الدين وفروعه. فالحكم بالصحة على الحديث لا يأتي إلا بعد الحكم بالصحة على السند والمتن كليهما.
وهذه الدراسة الدقيقة للسند والمتن هي التي خلقت غريزة خفية داخل المحدِّث ليصل بها إلى حكم مبدئي على الحديث إذا ما سمعه لأول مرة، فيقول: إن هذا الحديث ليس من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وذلك، وذلك لكثرة سماعه لأحاديثه صلى الله عليه وسلم، فكأنما تحول إلى صيرفي يعلم أي العملات صحيحة أو مغشوشة بمجرد سماع رنتها، أو كصائغ يعلم عيار المصوغات بمجرد رؤيتها. ولا يمكن الوصول إلى هذا المستوى إلا بعد دراسة علم الحديث دراسة وافية، كما أنه يجدر بنا أن نشير إلى أنه لا يوجد أي كتاب من مؤلفات الحديث أفرد موضوعه لصحيح الإسناد دون صحيح المتن؛ ذلك لأن أغلب الأحاديث صحيحة الإسناد أحاديث صحيحة المتن.
خدمة الإسناد للقرآن والسنة وقصور التوثيق في الإجماع
وهكذا فقد دُرِس القرآن ودُرست السُّنة الشريفة في إطار علوم كثيرة؛ كعلم رجالات الحديث، والذي تكلم عن كل راوٍ على حدة ممن سبقوا وممن لحقوا، وأين ذهبوا، ومتى ولدوا، ومتى ماتوا؛ وذلك ليتأكدوا من اتصال السند، وأن راوي الحديث قد قابل من روى عنه وسمع منه، بما يمكنه من أن يروي الحديث، وهكذا. وبذلك فقد خَدَموا إثبات القرآن والسُّنة أيما خدمة.
ولكن من الملاحظ أن تلك الخدمة لم تتم فيما يخص الإجماع؛ فإنهم لم ينقلوا إلينا الإجماع؛ مما دعا الإمام أحمد بن حنبل أن يتشكك فيه بالجملة، ويقول: من ادعي الإجماع فقد كذبَ، لعل الناس قد اختلفوا، وهو لا يدري.
إشكال توثيق الإجماع وحصر حجيته في المعلوم من الدين بالضرورة
فكان ينبغي عليهم أن يهتموا بالإجماع اهتمامهم بالكتاب والسُّنَّة، وأن يرووه على نفس شاكلة ما يذكر في محاضر المجامع الفقهية فيقولوا إنه قد أجمع المجتهدون، وهم فلان وفلان على المسألة. إلا أن ذلك لم يحدث في التاريخ الإسلامي لتشتت المجتهدين في الآفاق، ولم تكن وسائل المواصلات بدرجة التقدم التي هي عليه الآن؛ بحيث تمكنهم من الاجتماع في صعيد واحد؛ لذا فلقد اجتمعوا على أن الإجماع الحجة في هذا الشأن هو ما هو معلوم لدى الكافة من الدين بالضرورة؛ مثل أن السرقة حرام تستحق القطع، والخمر لها الجلد، والزنا يستحق الجلد أو الرجم للمحصن وهكذا.
قول الصحابي بين التدوين وحجية الاستدلال به
وكما لم يقدم المجتهدون للإجماع ما قدموه للحديث من حيث التوثيق وتأكيد الثبوت، فإنهم لم يقدموا ذلك لـ"قول الصحابي". بالفعل كُتبت ودُونت أقوالُ الصحابة، ويظهر لنا في ذلك مجهودات أبي يوسف، و محمد بن حزم، وابن شيبة، وابن عبد الرازق، ولكن تلك المجهودات لا نجدها إلا فيما هو بشأن ترجمة القرآن وترجمة السُّنة؛ حيث تأرجحت الأقوال في كون قول الصحابي حجة أو ليس بحجة. فهو ليس في مرتبة القرآن أو السُّنة بلا خلاف، الأمر الذي لم يدفع العلماء الأصوليين إلى إعطائه نفس القدر من الاهتمام الذي أعطوه لمناقشة ودراسة القرآن والسُّنة.
تعريف الصحابي بين مذهب الجمهور ورأي سعيد بن المسيب
وعلى هامش نظرية الثبوت، يُثار عدد من القضايا التي تناولها علماء الأصول وعلماء الحديث:
قضية تتعلق بتعريف الصحابي؛ وهل كل الصحابة عدول؟
فقضية الصحابي من هو؟ وهل كلهم عدول؟ وما معنى العدالة؟ كلها مباحث تعرض لها علم أصول الفقه، كما تعرض لها علم مصطلح الحديث. ولقد برز مذهبان كبيران لتعريف الصحابي؛ المذهب الذي اتفق عليه الجمهور وهو أن الصحابي هو من كان موافقًا للنبي، والتقى به في حال حياته، ومات على ذلك؛ أي على الإيمان. والمذهب الثاني - وهو للتابعي سعيد بن المسيب، وكان يرى مذهب الصحابي أنس بن مالك- حيث قال: تسألوني عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؟ أتريدون من رآه؟ فإنهم من بوادٍ كثيرة، أم تريدون من غزا معه الغزوة و الغزوتين، وصاحَبه السنة والسنتين؟ وهكذا تراءى لابن المسبب أن ليس كل من رأى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يكون صحابيًا.
التعريف الغالب للصحابي وشروط اللقاء والإيمان وسقوط شبهة النفاق
ومن التعريف الغالب الذي يمثل الحد الأوسع لمن هو صحابي دون خاصَّة الصحابة؛ نجد أنه يشترط اللقاء لا مجرد الرؤية، ويشترط أن تكون في حياته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وليس حال انتقاله؛ لأن هناك في حياتنا من يرى الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في النوم كرؤيا وفي اليقظة، إنما الرؤية المرادة -في التعريف- هي حال حياته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. كذلك لابد أن يكون موافقًا له في الدين والإيمان وأن يموت على ذلك.. ويرى البعض أن من ضمن الـ (114) ألف صحابيّ كان هناك بعض المنافقين، ولكن في الواقع لم يكن أحد من الـ114 ألف صحابي من المنافقين. إذن فالصحابي منذ البداية محدد وواضح، ولا إشكال فيه إطلاقًا.
أعداد الصحابة والرواة والتمييز بين عدالة الرواية وعدالة الشهادة
وفي الواقع، فإن الصحابة الذين رأوا النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وصلوا إلى (114) ألفًا، أما الذين وصلت إلينا روايتهم من طبقة الصحابة فعددهم نحو (1700) صحابي فقط. أما الذين عرفنا أسماءهم رجالًا ونساء فكانوا ثمانية آلاف، أي إن العدد قليل ومحصور. وتزخر كتب الحديث وعلومه وشروحه بأسماء هؤلاء الصحابة. فهل منهم من لم يكن عدلًا؟
هذا يقودنا إلى تساؤل آخر: ما هي العدالة؟ إن العدالة تسير في مسارين: الأول- عدالة الرواية، والثاني- عدالة الشهادة. أما عدالة الرواية فالصحابة كلهم عدول رواية، وأما من حيث عدالة الشهادة فإن بعضهم قد رُدَّت شهادته. ولكن لابد من ملاحظة أن رد الشهادة لا يقتضي أو يتتبع بالضرورة رد الرواية أو القول بعدم العدالة مطلقًا؛ وذلك لطبيعة الرواية التي تسمح أن يأتي بها الواحد، أما الشهادة فتقتضي أن تأتي من "اثنين" على الأقل، كما أن الرواية تأتي على أمر عام متعلق بالموضوع (أمر موضوعي لا شخصي)، أما الشهادة فتأتي على أمر خاص فترتبط بالشخص؛ فالشهادة تأتي في مواقف تختلف فيها الأهواء والمصالح والضغائن، ويؤثر ذلك على شهادتي، ولكن الرواية لا تحتمل هذا الأمر.
رد شهادة بعض الصحابة مع بقاء عدالتهم في الرواية
فالصحابة عدول الرواية بالاتفاق، أما بخصوص الشهادة فقد لا يكونون عدولًا كلهم؛ فقد رُدَّت شهادة ابن علقمة، وعامر بن أبي سفيان، وشهادة الوليد بن عقبة وهو صحابي جليل ولكن وصفه الله سبحانه وتعالى بأنه فاسق قال سبحانه وتعالى:
[إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ]- الآية 6, سورة الحجرات؛
فرُدت شهادته ولكن لم ترد روايته، لأن الرواية أمر يتعلق بالصدق والكذب في الأمور العامة، وهذا مما حفظ الله الأمة منه.
الخمسة الذين قُدح فيهم من الصحابة وقلة مروياتهم الحديثية
فالصحابة إذن رواة عدول، ولم يكن هناك من قدح فيه من الـ (1700) صحابي إلا خمسة: بشير بين الخصاصية، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وبُسر بن أرطاة، وعمرو بن العاص، وبقية الصحابة لم يقدح فيهم أحد، أما الخمسة السابقون فيعود القدح فيهم إلى بعض الجرائم التي ارتكبها كل منهم؛ فأحدهم زنا، والآخر قتلَ بعض أهل اليمن، وأحدهم اغتصب الخلافة اغتصابًا، وهكذا فعلوا أمورًا معروفة، ولكن كم رووا من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لو جئنا إلى الأحاديث التي رووها نجد أنها لا شيء بالنسبة لعدد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فلقد رووا من (20 إلى 30) حديثاً من أصل (60 ألف) حديث.
حكم سب الصحابة وضرورة العدل في تقييم أخطائهم الفردية
ولكن العلماء في نفس الوقت قالوا: إن هؤلاء الخمسة لا تُنفي عنهم صفة الصُّحبة؛ فإن اقترفوا بعض الذنوب إلا أنه يجب ألا نسبَّهم، ويجب أن نتغاضى عن أخطائهم؛ حيث نهى الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عن سب الصحابة، وكذلك لأنهم التقوا بالرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وماتوا وهم مؤمنون، بل منهم من جاهد في سبيل الله، وإن كنا نكره أفعالهم المخالفة للشريعة، لكن لا نسحب خطئًا واحدًا على مجمل حياة هذا الصحابي؛ فهذا ليس من العدل.
تمحيص الروايات وتقوية الأحاديث بالشواهد والطرق المتعددة
وقضية ثانية- وهي متصلة بسابقتها، أن الواجب أن نجتهد في تمحيص هذه الروايات حتى نصل إلى الحقيقة فيها، وهي ليست أيها الصحيح وأيها غير الصحيح هكذا بشكل مطلق، ولكن ما نريده هو أن نحكم على الشيء بما يناسبه؛ ولذلك لو أن هذا الذي حكمت عليه بأنه حسن أتى من طريق آخر (أي من سند آخر) ما يقويه ويعضده، هنا يقوى قولنا بأنه حسن أو صحيح لغيره، فإذا ما أتى من طرق صحيحة أخرى كثيرة أصبح صحيحًا بشواهده.
وهكذا، فإن علم الحديث يبحث في الإثبات وتدقيق المصدر فيفكر المحدِّث في كل ما يفيد القضية مستعينًا بمعايير و قواعد دقيقة، حتى وصلوا إلى بناء الجسد العلمي النظري المتكامل لهذا العلم. ولا يوجد على وجه التحقيق نصوص تنقل بهذه الطريقة وبهذا التوثيق، سوى الكتاب والسُّنة، ولكن تظهر درجات من هذه القواعد نفسها تجعل في حالة حدوث تعارض بين حديثٍ حُكم له بالصِّحة، وحديثٍ حُكم بأنه حسن، بأن يُقدَّم الصحيح على الحسن، وفي حالة التعارض بين الحديث المحكوم بأنه حسن، والآخر المحكوم عليه بالضعف أن يقدم الحديث الحسن على الضعيف.
إذن فالتدرج يفك التعارض، والتدرج قد يزول ويتحول؛ حيث قد يتحول الحديث الضعيف –مع التمحيص والتحقيق- إلى حديث حسن، وقد يتحول الحسن إلى صحيح عند اقترانه بالقرائن، وتقوية بعض الأسانيد ببعض.
شرع من قبلنا وضابط كونه ملزمًا للمسلمين
قضية ثالثة تتعلق بالثبوت و شرع من قبلنا:
فقد جاء المجتهد وسأل نفسه: هل شرع من قبلنا هو شرع لنا؟ أي هل نحن مكلَّفون بالشرع الذي نزل على موسى أو إبراهيم؟ قال المجتهد: نعم، إذا لم يكن هناك في الشرع ما ينسخه. فإذا خاطب الله سبحانه وتعالى إبراهيم u بفعل فإنه يعني أن الله سبحانه وتعالى يرضى عن هذا الفعل. وإذا ما خاطب مريم -عليها السلام- فقال لها:
[فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا]- الآية 26, سورة مريم,
دل هذا على أن الصوم عن الكلام قد أمرت به مريم، إذن فـالله سبحانه وتعالى يرضى عن هذا الفعل، ثم لا نجد في القرآن ما ينهى عن ذلك، فلماذا لا أصوم عن الكلام تعبدًا لله سبحانه وتعالى؟
إشكال معرفة شرع من قبلنا بسبب ضعف ثبوت الكتب السابقة
ولما أن توصل هذا المجتهد إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا كان عليه أن يسأل نفسه سؤالًا آخر: كيف أعرف ما أمر به الله سبحانه وتعالى إبراهيم وعيسى وموسى (عليهم السلام)؟ فهناك في المكتبات أوراق مكتوب عليها صحف آدم، وصحف شيث، وصحف إبراهيم، وهناك أشياء أخرى مكتوب عليها الكتاب المقدس، والإنجيل، والتوراة. السؤال الذي يحير المجتهد: من أين لهم هذا الإنجيل؟ فإذا ذهبنا نسأل أهل هذه الأديان لا نجد إجابة عندهم؛ فليس عند النصارى أي سند، والترجمة التي قام بها الشدياق، واليازجي، والبستاني سنة 1848 تخالف تمام المخالفة النسخة العربية التي كانت تطبع وتوزع وتعتمد في الأديرة قبل هذا التاريخ. فأين الصواب؟
ليس هذه قضيتنا في هذا السياق. لكن ما فائدة كل هذا (النقل– الثبوت– التثبت– الرواية)؟ إنها لقضية كبيرة، أن نتثبت أن الذي بين أيدينا الآن -حتى في طريقة نطقه- هو الذي أُنزل على محمدصلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من أربعة عشر قرنًا.
موضع نظرية الثبوت في كتب الأصول وارتباطها بباب الإسناد
هذه إطلالة سريعة على نظرية الثبوت التي لم تُذكر بتوسع في كتب الأصول، والتي يذكرها بعض المحدّثين (علماء الحديث) فقط؛ لأن السُّنّة -في الواقع- هي التي نالت الحظ الأوفر من خدمة الإثبات عند المسلمين. وقد نجد الأصولي متناولًا ومناقشًا لنظرية الثبوت، ولكن فيما بعد الأدلة النقلية المتفق عليها وهي الكتاب والسُّنة و الإجماع، ثم يذكرونها ويناقشونها تحت مبحث "باب في الإسناد".
يقول الفتوحي في شرح الكوكب المنير [5]: "ذكرت ذلك هنا حتى أوفي ما تحتاجه الأدلة النقلية؛ لأن هذا مشترك بينها", ونرى عالمًا آخر يجعل نظرية الثبوت مختصة بالسُّنة. وفي الواقع أن هذا الرأي غير دقيق؛ فنظرية الثبوت ليست مختصة بالسُّنة فحسب، بل إنها أيضًا تعم الأدلة المتفق عليها، والأدلة المختلف فيها؛ فهي نظرية موجودة في الأصول.
تكامل نظريتي الحجية والثبوت والتمهيد لنظرية الدلالة
المهم أن ندرك أن المجتهد بعد أن تيقن في نفسه من الحجية أو من أين يأخذ مصادر دينه، فإنه طرح على نفسه تساؤلات منطقية مترتبة على هذا اليقين؛ وهو كيف يمكن الوصول إلى تلك الأدلة على وجهها الصحيح؟ وهنا تبرز نظرية الثبوت، والتي بذلت فيها تلك الجهود من الفقهاء والعلماء والمحدثين؛ تبرز لتقدم له طريقًا وأسلوبًا يجيب به على هذا التساؤل، وبعد ذلك نتعرض لنظرية الدلالة.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما المقصود بنظرية الثبوت في أصول الفقه؟
التحقق من صحة نسبة الأدلة إلى مصادرها
كم عدد الأسانيد التي جمعها ابن الدوسري لروايات القرآن العشر في القرن الثامن الهجري؟
أكثر من ألف سند
ما الحديث الذي رواه عمر رضي الله عنه وحده عن النبي ثم بلغت أسانيده أكثر من سبعمائة سند؟
إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى
كم عدد الأحاديث المتواترة التي بين أيدينا من أصل ستين ألف حديث؟
لا تزيد عن مائتين وخمسين حديثاً
ما الحديث الذي رواه مائة وعشرون صحابياً عن النبي صلى الله عليه وسلم؟
من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار
ما الفرق بين الحديث العزيز والحديث الغريب؟
العزيز له سندان والغريب له سند واحد
ما الشرط الإضافي الذي يميز الحديث الصحيح عن صحيح الإسناد؟
أن يكون المتن خالياً من الشذوذ والعلل القادحة
ما موقف الإمام أحمد بن حنبل من الإجماع؟
قال من ادعى الإجماع فقد كذب لعل الناس قد اختلفوا
كم عدد الصحابة الذين وصلت روايتهم إلينا من أصل 114 ألف صحابي؟
نحو ألف وسبعمائة صحابي
ما الصحابي الذي وصفه الله بالفسق في القرآن الكريم ورُدَّت شهادته دون روايته؟
الوليد بن عقبة
ما ضابط كون شرع من قبلنا ملزماً للمسلمين؟
أن لا يكون في شرعنا ما ينسخه
ما الذي يميز عدالة الرواية عن عدالة الشهادة عند الصحابة؟
الرواية تأتي على أمر عام موضوعي والشهادة على أمر خاص تتأثر بالأهواء
ما الغريب المطلق في علم مصطلح الحديث؟
الحديث الذي رواه صحابي واحد عن النبي ولن يتحول إلى سندين
ما العلوم التي أسسها العلماء لخدمة نظرية الثبوت في السنة؟
علم الرجال وعلم مصطلح الحديث وعلم الحديث دراية ورواية
ما موقف العلماء ممن يرد الحديث الصحيح بحجة معارضته للقرآن؟
لا يُفسَّق ولا يُكفَّر ويُختلف معه في الرأي
ما تعريف نظرية الثبوت في أصول الفقه؟
هي التحقق من صحة نسبة الأدلة إلى مصادرها الصحيحة، سواء كانت القرآن أو السنة أو الإجماع أو غيرها من الأدلة التي تحتاج إلى نقل ورواية.
لماذا نزل القرآن الكريم مفرقاً ولم ينزل جملة واحدة؟
نزل القرآن مفرقاً عبر ثلاثة وعشرين عاماً، وكان جبريل ينزل بالمقطع ويحدد موضعه بين الآيات والسور، واستمر هذا حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
ما دلالة نقل العرب للغرائب النحوية في القرآن كما سمعوها؟
يدل على أمانتهم في الحفظ والنقل، إذ كانوا يلتزمون بما سمعوه حتى لو خالف آراءهم النحوية أو لغة قبائلهم، مما يؤكد دقة النقل الشفهي للقرآن.
ما الفرق بين الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع؟
المرفوع ما نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والموقوف ما وقف على الصحابي وانتهى عنده، والمقطوع ما انتهى إلى التابعي.
ما الشذوذ في الحديث؟
الشذوذ هو أن يروي الثقة ما يخالف ما يرويه من هو أوثق منه، وهو أحد الشروط التي يجب أن يخلو منها الحديث الصحيح.
ما العلة القادحة في الحديث؟
هي أن يشتمل الحديث على ما يخالف أصول الدين أو يخالف الأحاديث المشتهرة المتواترة التي تمثل الجسد الأساسي لجوهر دين الإسلام.
ما الحديث الحسن وكيف يختلف عن الصحيح؟
الحديث الحسن ما كان في سنده شخص عدل لكنه أقل ضبطاً قد يخطئ الفهم أو الحفظ، وهو أقل وثوقاً من الصحيح الذي يشترط العدالة والضبط الكاملين.
كيف يرتقي الحديث الحسن إلى درجة الصحيح؟
إذا جاء الحديث الحسن من طريق آخر يعضده أصبح صحيحاً لغيره، وإذا أتى من طرق صحيحة كثيرة أصبح صحيحاً بشواهده.
ما تعريف الصحابي عند جمهور العلماء؟
الصحابي هو من كان موافقاً للنبي صلى الله عليه وسلم والتقى به في حياته مؤمناً ومات على الإيمان.
ما رأي سعيد بن المسيب في تعريف الصحابي؟
رأى أن ليس كل من رأى النبي يكون صحابياً، بل الصحابي من غزا معه الغزوة والغزوتين وصاحبه السنة والسنتين، مستنكراً اعتبار كل من رآه من أهل البوادي صحابياً.
لماذا لا يستلزم رد شهادة الصحابي رد روايته؟
لأن الرواية تأتي على أمر عام موضوعي لا شخصي، بينما الشهادة تأتي على أمر خاص تتأثر فيه الأهواء والمصالح والضغائن، فطبيعتهما مختلفة.
لماذا تعذر توثيق الإجماع كما وُثِّقت السنة؟
لتشتت المجتهدين في الآفاق وعدم توفر وسائل مواصلات تمكنهم من الاجتماع في مكان واحد، مما جعل نقل الإجماع أضعف من نقل السنة.
ما الإجماع الذي اعتُمد حجة بعد تعذر توثيقه الكامل؟
ما هو معلوم لدى الكافة من الدين بالضرورة، كتحريم السرقة وحد الخمر وعقوبة الزنا.
ما الغريزة التي تتكون عند المحدث بعد دراسة علم الحديث دراسة وافية؟
تتكون لديه غريزة خفية تمكنه من الحكم المبدئي على الحديث عند سماعه لأول مرة، كالصيرفي الذي يعرف العملة الصحيحة من المغشوشة بمجرد سماع رنتها.
ما الدليل على ضعف ثبوت الكتب المقدسة السابقة مقارنة بالقرآن؟
أهل تلك الأديان لا يملكون أي سند لكتبهم، وترجمة الكتاب المقدس التي أُنجزت سنة 1848 تخالف تماماً النسخة العربية التي كانت تُطبع في الأديرة قبل ذلك.