اكتمل ✓
الفصل 27

ما هي الكليات الخمس في المنطق وكيف تساعد على فهم الصياغات اللغوية في كتب التراث؟

الكليات الخمس في المنطق هي: الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض العام، وهي الأدوات التي رصدها المناطقة لتصنيف الموجودات وبناء التعريفات الدقيقة. تقوم هذه الكليات بدور محوري في صياغة التعريفات الفقهية والأصولية، إذ يُبنى كل تعريف شرعي من جنس يُدخل المعرَّف في فئته وفصل يميزه عن غيره. استيعاب هذه الكليات ضروري لقراءة نصوص التراث قراءةً صحيحة وتجنب الخلط بين المصطلحات المنطقية والفقهية.

31 دقيقة قراءة
  • كيف يمكن قراءة كتب التراث الفقهي دون الوقوع في سوء الفهم بسبب الصياغات اللغوية والمنطقية المعقدة؟

  • الجملة المفيدة هي اللبنة الأساسية في كل علوم التراث، وتتكون من موضوع ومحمول ونسبة تربطهما، وتسمى في الفقه قضية أو دعوى أو مسألة.

  • الكليات الخمس في المنطق هي الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام، وهي أساس بناء التعريفات الدقيقة في الفقه والأصول.

  • التصور والتصديق مرحلتان للإدراك؛ فالتصور هو فهم المفردات، والتصديق هو الإذعان بصحة النسبة بينها، وهو ما يميز الفهم عن الإيمان.

  • اختلاف مصطلح الجنس بين المنطق والفقه يؤدي إلى أحكام متعارضة في مسائل الربا، فالجنس عند الفقهاء يعني ما اتحدت أفراده كالقمح، لا ما اختلفت أنواعه كما في المنطق.

  • المصطلحات الشرعية من ألقاب العلماء وأسماء الكتب والرموز الخطية والنحت اللفظي تشكل طبقة إضافية من شفرة التراث لا يُفك معناها إلا بالتخصص والدراسة.

العنصر اللغوي والمنطقي في شفرة فهم التراث والجملة المفيدة

ثَمّ عنصر آخر من عناصر الشفرة التي كُتب بها التراث، إنه الصياغات اللغوية والمنطقية والتي نحن بحاجة إلى استيعابها حتى نتمكن من بلورة فهم دقيق لما هو تحت أيدينا من نصوص تراثية.

هناك مفهوم محدد وتصور معين تتداخل فيه الصياغة اللغوية مع الصياغة المنطقية، وتشكل طابعًا عامًا لصياغة الأفكار عند السلفي. هذا المحدد الأول لهذه الصياغات هو الجملة المفيدة. ولقد اختلف مفهوم الجملة المفيدة -وكان بارزًا ومهمًا- بين علوم البلاغة والنحو والأصول والمنطق وغيرها. وكما سبق وأوضحنا –في القسم الأول- تنقسم الجملة المفيدة إلى قسمين ظاهرين وقسم ثالث غير ظاهر، واختلفت تسمية كل قسم من هذه الأقسام باختلاف العلوم التي تعاملت معها.

فأهل المنطق يتحدثون عما أسموه بـ"الموضوع" و"المحمول"، والبلاغيون يقولون: "المسند" و"المسند إليه"، والنحويون يسمونهما بـ"المبتدأ" و"الخبر" أو "الفعل" و"الفاعل". ولذلك؛ فالجملة المفيدة نفسها قد سُميت بأسماء مختلفة، مثل: القضية، أو المسألة، أو "الدعوى". وكل تلك الألفاظ السابقة متفقه في المعنى.

الجملة المفيدة في الفقه والأصول بوصفها فعلًا وحكمًا ودليلًا

ولكل علم من العلوم التي أنتج التراثيون فيها جملته المفيدة الرئيسة على النحو الذي سبقت الإشارة إليه. ففي علم الفقه، الموضوع - أو الجزء الأول من الجملة- هو "فِعْل المُكلَّف"، والمحمول - أو الجزء الثاني من الجملة- هو "حكم من أحكام الله سبحانه وتعالى". فالصلاة والبيع والشراء كل هذه أفعال تصدر عن البشر، أما حلال, وواجب, ومباح, ومندوب, ومكروه فكل هذه أحكام شرعية نصف بها الفعل البشري.

فإذا جمعنا بين الفعل والحكم عليه فإننا نخرج بجملة مفيدة أو مسألة أو دعوى أو قضية فقهية.

وفي علم الأصول، نجد أن الموضوع -أو الجزء الأول من الجملة- هو "الأدلة الشرعية"، وأن "إثباتها للحكم" هو المحمول. فالكتاب لا من حيث كونه موجودًا في المصحف، أو من حيث كيف يُرسَم، ولا من حيث حفظه، ولكن من ناحية كيف نستنبط منه الحكم الشرعي، وكذلك السُّنَّة, والإجماع، والقياس... وهكذا، هذه الأدلة من هذه الحيثية تشكل جملة أو قضية علم الأصول.

الإسناد والنسبة وتمام الجملة المفيدة في فهم النصوص

إذًا فقضية الجملة المفيدة هي قضية مهمة، ننظر فيها إلى ما يُسمَّى بـ"الإسناد" أو "النسبة" أو العنصر الثالث الخفي؛ الذي يمثل العلاقة بين العنصرين الأولين: المبتدأ والخبر. فالنسبة هي إثباتُ أمرٍ لشيءٍ أو نفيه عنه.

وحتى أبلِّغ للمخاطب ما أريد قوله ويكون مفهومًا، لابد أن يتم البحث عن تمام الإسناد، فإن قلت: الشجرة الطويلة الخضراء التي بالخارج, فكل هذا إنما هي أمور أو صفات لتحديد الموضوع. فلابد علينا أن نُخبِر عن هذا الموضوع بوضوح، وإلا فإن ارتباكًا سيحدث للمخاطب؛ حيث يثور في ذهنه تساؤل حول كلامك: أين النسبة فيه؟

وعلى ذلك فإنك لو قلت: "الشجرة" وسكتَّ وتوقفت ستكون قد تكلمتَ بكلام غير مفيد، فإذا ما قلت بعدها: "...مثمرة" أصبحت الجملة مفيدة.

البحث عن النِّسَب التامة في نصوص التراث لتجنب سوء الفهم

وعلى ذلك، فعلينا عندما نقرأ في التراث أن نبحث في النِسَب التامة؛ أي أن نبحث في الجمل المفيدة، وإلا فإننا إن لم نستطع أن نحصُل للمبتدأ على خبر، ولا للفعل على فاعل فإنه لا يمكن أن يتشكل لدينا فهم كامل صحيح لنصوص هذا التراث.

ففي بعض كتب التراث نجد صياغات يطول الفاصل فيها بين المبتدأ والخبر، أو قد يقرأ المرءُ النصَّ قراءة خاطئة فيعتقد أن شيئًا ما في الكلام قد أُخبر به عن المبتدأ أو أُسند للمسند إليه، بينما يكون الكاتب لم يخبر أو يُسند بعد، فيقول –مثلاً-: "الشجرة الخضراء بالخارج... مثمرة"، فيفهم القارئ أن المسند أو الخبر هو بالخارج أو خضراء، وهذا خطأ؛ لأن تلك الصفات -في الحقيقة- قامت بتحديد الموضوع فقط، ولكن لابد من إسناد يسند إليها.

لذا فعلينا إذًا أن نتفهم هذه المسألة، وأن نبحث عن الجمل المفيدة.

إنَّ تصورنا أن البناء اللغوي كله مبنيٌّ على "الجملة المفيدة" سيفيدنا في فهم كثير من أمور التراث.

الجملة المفيدة كدعوى تحتاج إلى دليل وأنواع الأدلة

إن الجملة المفيدة دعوى وقضية ومسألة، وهي أمور تحتاج منا إلى دليل. فـ"الصلاة واجبة" جملة مفيدة، ولكن من الذي قال إن الصلاة واجبة؟ ما الدليل على ذلك؟ وهنا سنلحظ أن معنا مجموعة من الجمل المختلفة؛ فهناك جمل تكون طريقة إثبات النسبة (أي العلاقة بين الخبر و المبتدأ) فيها راجعة إلى الحس أي إلى الإدراك الحسي، وهناك بعض الجمل تكون طريقة إثبات النسبة فيها راجعة إلى العقل، وهناك من الجمل ما يُحمَل إثبات النسبة فيها على النقل سواء كان نقلاً عن أهل تخصص معين أو عن الشرع الشريف.

ومن هنا كانت الأدلة منها ما يكون دليلاً حسيًا، ومنها ما يكون دليلاً عقليًا، ومنها ما يكون دليلاً شرعيًا، ومنها ما يكون دليلاً وضعيًا؛ أي تواضعت طائفة معينة عليه، وقد ضربنا لذلك أمثلة موجزة فيما سبق.

إذًا تختلف المسائل والقضايا فتختلف الأدلة المثبِتة لها؛ أي المثبتة لتلك النسب، ولكن ما معنى الإثبات؟

معنى إثبات النسبة ووقت الحاجة إلى إقامة الدليل

بعد أن وجدوا أن اللغة مكوَّنة من جمل مفيدة، وأن الأخيرة مكونة من جزأين بينهما علاقة،ـ وأن هناك أدلة تثبت تلك العلاقات وتلك النسب، ثم بعد ذلك تنوعت وتعددت الأدلة؛ فأصبح هناك دليل شرعي، وآخر نقلي وآخر حسي لتثبت العلاقة، وجدوا أن أمور الأدلة تثير نوعًا من الاستفهام مفاده: هل لابد أن تقام الأدلة على كل جملة حتى يُصدِّق المخاطب ما أقوله؟

فعندما قال المتكلم: "الشجرة مثمرة"، فإن هناك احتمالين في المخاطَب: إما أن يصدِّق أو لا يصدّق. فإذا لم يصدق، فإن الأمر يحتاج إلى دليل، وهو هنا أن يأخذه المتكلم ويريه الشجرة. وأما إذا قال: الصلاة واجبة، وقال المخاطب: ما دليل ذلك؟ فعليه أن ينظر هنا إلى دليل نقلي، فيقول: إن الله سبحانه وتعالى قال: "أَقِمِ الصَّلاَةَ"، وهذا أمر، وكل أمر للوجوب؛ لذا فإن الصلاة واجبة.

وكون كل أمر للوجوب يعود إلى الاستقراء والتتبع، فنذهب إلى السُّنَّة والإجماع للتأكد من أن كل أمر للوجوب.

التصور والتصديق كمرحلتين للإدراك بين الفهم والإيمان

إن هذه العملية -أي إقامة الدليل على الجملة أو الدعوى- تسير على مرحلتين هما: إدراك المفرد وهي مرحلة التصور، ثم إدراك النسبة مع التسليم والإذعان وهي مرحلة التصديق. فأصبح لدينا قسمان للإدراك (أي لحصول صورة الشيء في الذهن): القسم الأول يسمى التصور؛ وهو إدراك المفرد، والثاني يسمى بالتصديق وهو إدراك النسبة على جهة الإذعان.

فعندما قلتَ: "الشجرة" فإنني أدركتُ صورة معينة لها تتكون في الذهن، وعندما قلت: "مثمرة" تكون في الذهن صورة للثمرة والإثمار كما تكون في الذهن العلاقة بينهما. وإدراك الشجرة وإدراك الإثمار والثمرة وإدراك نسبة الإثمار إلى الشجرة كان من باب التصور؛ لأنه إدراك مفردات دون الإذعان بأن ذلك كائن وأنه صحيح وأن هذه الجملة قد فُهِمَتْ وصُدِّقت.

كل الناس –مثلاً- يعلمون معنى "محمد رسول الله"؛ "محمد" صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يعلمون أنه ذلك الشخص الذي وُلِد في مكة ومات في المدينة, قبره يُزار إلى اليوم، أتى بدين اسمه الإسلام.. وهكذا. "رسول الله" أيضًا معناها معلوم بأنه بشر وأنه يُوحَى إليه من الله سبحانه وتعالى.. إلى آخره. وكذلك يفهمون تلك النسبة، ولكن لا يعني "فهمهم" لكل ذلك أنهم يصدِّقون به، فإن وقع التصديق في الأذهان فقد آمنوا، وإن لم يقع لا يكونوا مؤمنين. فهناك فارق بين الفهم والتصديق.

التعريف والحد كأداة لنقل التصور بين العقول

التصور هو مرحلة الفهم أما التصديق فهو مرحلة أخرى. فإذا كان عندي مثلا صورة في ذهني قائمة أريد أن أنقلها إلى ذهنك حتى تفهمني، كيف أوصلها إليك؟

هنا قال العلماء: إن توصيل ما في الذهن إلى السامع عبر الكلام يكون عبر "مصطلح" يسمى بالتعريف أو الحد.

فمثلاً لو قال امرؤٌ لآخر: "الحنطة كثيرة"، فإن كلمة "الحنطة" ربما لا تكون معروفة ومفهومة للآخر، فيقف دون أن يفهم، فيضطر الأول إلى توضيحها بلفظ آخر؛ بأنها القمح. هنا الذي حدث هو قيام المتكلم بتعريف الكلمة تعريفًا لفظيًا؛ أي إنه أتى بكلمة مرادفة للكلمة غير المفهومة, أتى بلفظة معروفة للسامع ليعرف بها الكلمة الأخرى التي لم يكن يعرفها.

التصورات الكلية وتقسيم الموجود إلى جوهر وجسم ونبات وحيوان

وقد يكون المراد من التعريف إدراك كنه الشيء؛ أي ماهية الشيء، وهنا نلجأ إلى التصورات الكلية، والتي تمت الإشارة فيها إلى الموجودات التي تنقسم إلى ما هو متحيز وما هو غير متحيز. المتحيز هو الجوهر، وغير المتحيز هو العَرَض.

أما الجوهر فإذا كان مفردًا فنسميه الجزء الذي لا يتجزأ، وأما إذا كان مركبًا فنسميه جسمًا. هذا الجسم يُلاحظ أنه أنواع؛ منها ما هو نامٍ ومنها ما هو غير نامٍ، فلوحة الكتابة تتركها يومًا وأيامًا لا تزيد، ولكنها تظل كما هي، أما النبات فإنك إن تركته يومًا بعد الآخر تجده يزيد شيئًا فشيئًا.

وكذلك الطفل يكبر، والثمرة تنضج. وفي النوع الأخير نجده ينقسم إلى قسمين: الأول يتحرك بالإرادة والآخر لا يتحرك بالإرادة. الأخير مثل النبات فلو تركته في مكان ما، فحتى لو نما فإنك لن تلاحظ أي تغير في مكانه بعد يومين من تركها، أما القسم الذي يتحرك بالإرادة فمثل البقرة التي تتحرك إذا تركتها بمفردها ساعية إلى طعامها وشرابها. فالحيوان متحرك بالإرادة، أما النبات فلا، فقد يتحرك بالهواء أو يتحرك بالضوء أو يتحرك بردود الفعل العكسية كالنباتات الوحشية، ولكنه لا يتحرك بالإرادة لانعدامها فيه.

شجرة الموجودات والجنس والنوع والفصل وتمييز الإنسان عن الحيوان

من هنا يمكن أن نرسم خريطة الموجودات كالتالي:

الموجود

├── غير متحيّز

└── متحيّز

├── جوهر

└── جسم

├── غير نامٍ

└── نامٍ

├── غير متحرّك

└── متحرّك

├── غير مفكّر

└── مفكّر

هذه شجرة تنطوي على مستويات متعددة، نجد الشيء له فرع وله أصل، للشيء ما هو تحته وله ما هو فوقه. وهناك شيء لا تحت له وآخر لا فوق له. كل هذه الأنواع ابتدأ المناطقة بتسميتها باسم مخصوص، فقالوا على الشيء الذي تحته أنواع بأنه "جنس"، وعلى تفريعه "نوع". فالموجود جنس الأجناس, الناطق (المفكر) هو النوع المطلق أي النوع الذي ليس تحته شيء، ونجد أن كل واحد بعد ذلك هو جنس لما تحته ونوع لما فوقه.. وهكذا فأصبح لدينا مصطلحان.

وكما نرى فإن الجنس والنوع شيء واحد؛ أي بالاعتبار، إلا أن الجنس تحته أفراد مختلفة تمامًا بعضها عن بعض، فالحيوان جنس ولكن تحته البهائم، وتحته الإنسان المفكر الناطق، والإنسان يختلف اختلافًا بينًا واضحًا عن البهيمة، إلا أن كلاً منهما يشترك في التحرك بالإرادة. أما النوع فتحته أفراد متسقة، فالإنسان نوع أفراده لا تختلف في كنه الإنسانية.

الكليات الخمس وتعريف الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام

ولكن ما الذي يفرق نوعًا عن الآخر في الجنس؟ فالإنسان حيوان والبهيمة حيوان، فما الذي يفرق بينهما؟ قالوا: الذي يفرق بينهما هو النطق، فإن الإنسان ينطق بمعنى أنه يفكر أي يرتب أمورًا معلومة ليتوصل بها إلى مجهول، أما البهيمة فلا. الاختلاف يتمثل في التفكير، إن ترتيب الأمور وتوليد الفكرة منها كل هذه الترتيبات التي منحها الله سبحانه وتعالى للإنسان ليعمر بها الكون مفقودة عند الحيوان؛ لذا أسموا هذا الاختلاف بـ"الفصل".

وبالتالي أصبح لدينا ثلاثة محاور في الخريطة السابقة: الجنس والنوع والفصل. ولكننا رأينا خواصَّ يختص بها النوع، ورأينا خواصَّ يشترك فيها النوع مع غيره من الأنواع تحت جنس واحد، وإن كانت لا تميزه بحده. مثل الضحك في الإنسان، فهو يضحك لأنه أدرك شيئًا متناقضًا أو مفارقة بين أمرين، وعلى هذا يبني المزاح والنكات. التعجب هذا لا يحدث لبهيمة؛ وبالتالي لا تضحك. هذه خاصية للإنسان.

ولكن الإنسان يمشي والأسد يمشي، فالمشي عرَضٌ عام يشترك فيه أفراد الجنس الواحد وإن اختلفت الأنواع.

بالتأمل والتدبر قالوا: هذه الخمسة هي التي استطاع الإنسان أن يرصدها، فأسموها بالكليات الخمس؛ وهي الجنس, والنوع, والفصل, والخاصة, والعرض العام.

تعريفات الكليات الخمس وأنواع الحدود والرسوم في المنطق

فالجنس يعرفونه بأنه كلي ذاتي مقول على كثيرين مختلفين في الحقيقة في جواب ما هو، ويمثل له بـ"الحيوان". أما النوع فهو كلي مقول على كثيرين متفقين في الحقيقة في جواب ما هو، ويمثل له بـ"الإنسان". وأما الفصل فهو كلي ذاتي مقول على كثيرين متفقين في الحقيقة في جواب: أي شيء منه؟ وأما الخاصة فهي كلي عَرَضي مقول على كثيرين متفقين في الحقيقة في جواب أي شيء هو من خاصته؟ والعرض العام كلي عرضي مقول على كثيرين مختلفين في الحقيقة في جواب أي شيء هو من عرضه؟

قالوا: إذا أردنا أن نعرِّف شيئًا لننقل هذا التصور الذي حصل في أذهاننا إلى أذهان المستمعين لنا، فينبغي علينا أن يكون التعريف من الجنس ومن الفصل، ومن الممكن أن يكون من الجنس ومن الخاصة، كذلك من الممكن أن يكون من الجنس فقط أو من الفصل فقط أو من الخاصة فقط.

فإذا كان من الجنس والفصل أسموه "الحد التام", أما إن كان من الفصل فقط أو الجنس البعيد والفصل أسموه "الحد الناقص"، أما إذا كان من الجنس والخاصة فهم يسمونه "الرسم التام"، فإن كان من الجنس البعيد والخاصة أو من الأخيرة فقط فهم يسمونه بـ"الرسم الناقص"..وهكذا.

ولو أضفنا إلى التعريف اللفظي كلاً من التقسيم والتعريف بالمثال, لتمت لنا أنواع التعريف عند المناطقة.

فلسفة التعريف في المصطلحات الشرعية ودور الكليات الخمس

ولكن أهل الحقول الأخرى -غير المنطق- يطلقون على الكل "تعريفًا"، فيقولون -في معرض أحاديثهم-: "ويُعرَّف بكذا.."، وقد يكون ذلك رسمًا أو يكون حدًّا. هذا أمر واسع، ولكن في كل تعريف لابد علينا أن نبحث عن النوع الذي يحدد الجنس، وعن الفصل الذي يحدد النوع من بين الأنواع المختلفة.

شاع ذلك في الألفاظ الشرعية، فمصطلحات كبيع وإيلاء وطلاق أو صلاة.. عند تعريفها نأتي بكلمة شبيهة بالجنس، ونأتي بعدها بقيود هي فصل أو فصول تحدد المراد. وقد أصبحت فلسفة التعريف أمرًا شائعًا وضروريًا حتى يفهم الإنسان ما يريده الآخر؛ وحتى يبني الكلام بعد ذلك على ما قد حُدِّد أو عُرِّف في أول الكلام؛ لأننا لو لم نفعل ذلك لربما اختلفنا في الظاهر وإن كنا متفقين في الحقيقة، ولاعترض بعضنا على بعض وتشتتنا مذاهبَ في البحث.

ومن أجل ذلك كانت مسألة التعريف تمثل مطلعًا ثابتًا في أغلب كتب التراث، وهي كذلك في الخطط البحثية للدراسات المعاصرة؛ ومن أجل أن تضبط هذه المسألة تكلموا عن الكليات الخمس، وكذلك عن أنواع التعريف.

القياس المنطقي والدليل الشرعي كطريق للوصول إلى التصديق

وإذا كنا بالتعريف يمكننا أن نـتوصل إلى التصور، فكيف لنا أن نتوصل إلى التصديق؟ إن هذه الأداة التي يمكن بواسطتها الوصول إلى التصديق يختلف اسمها -بدوره- بين علماء الحقول المختلفة. فالمناطقة أسموها القياس، وفي الشرع الدليل. ويشير القياس إلى ترتيب أمور معلومة للوصول إلى أمر جديد غير معلوم، وكما ذكرنا نقول: "الصلاة واجبة"، ويأتي الدليل بقولنا: قال الله سبحانه وتعالى: "أَقِمِ الصَّلاَةَ"، وهي صيغة أمر, والأمر للوجوب، وبالتالي فالصلاة واجبة.

إن السلسلة السابقة من الجُمل التي من خلالها استخلصنا قول إن "الصلاة واجبة" هي التي عالجها المنطق في قضية "المقدمات". ومن أجل ذلك كان علينا أن ندرس المنطق، وهذا الجزء من القياس المنطقي الذي له أشكال وأنواع معينة حتى نفهم كلام التراثيين. لقد استعملوا كل هذه الأدوات بسهولة ويسر ودون عناء؛ لأنها كانت تمثل لديهم مسلمات.

أهمية ملكة تحليل الصياغات قبل قراءة كتب التراث

إن هناك مجموعة من الصياغات اللغوية والمنطقية ينبغي إدراكها واستيعابها قبل الخوض في أي كتاب من كتب التراث، وعند التمرن على ذلك يتكون للمرء أو للقارئ في التراث مَلكة يستطيع بها أن يحلِّل الكلام وأن يفهمه فهمًا أعلى من الفهم المتشكل لديه في قراءته الأولى للنص التراثي.

ولنعُد إلى نصنا الذي نحلله لنرى أهمية ما ذكرناه. " كتاب البيع، أخَّره عن العبادات؛ لأنها أفضل الأعمال؛ ولأن الاضطرار إليها أكثر ولقلة أفراد فاعله". هنا نرى نوعًا من الصياغة ينبغي الالتفات إليه في كتاباتهم؛ إذ أنه يذكر الجملة ثم بعد ذلك يعقبها بدليلها، وقد يذكر بعد الدليل "التعليل"؛ أي لماذا كان هذا دليلاً لذلك.

تحليل تعليل تأخير كتاب البيع عن العبادات في كتب الفقه

التراثي دائمًا في ذهنه قضية "الجملة المفيدة"، يقول: أخَّر البيع عن العبادات. جملة تخبر عن شيء؛ هو أن البيع تم تأخيره عن العبادات في كتب الفقهاء، ولكن أين الدليل؟ الدليل –هنا- هو الحس؛ أي كأنه يقول: انظروا إلى كتب الفقه، وإلى كتابي هذا نفسه.

ولكن –أيضًا- أين التعليل؟ فيذكر حملة جديدة هي "لأنها أفضل الأعمال"، ثم تعليلاً آخر: "ولأن الاضطرار إليها أكثر"، وتعليلاً ثالثًا: "ولقلة أفراد فاعله". هذه علل ثلاث اجتمعت فكانت سببًا في اختيار المصنِّفين تأخير كتب المعاملات (وأولها البيع) عن كتب العبادات. ويُلاحظ أنه عندما أراد أن يذكر التعليلات أتى بـ"لأن"، وهي حرف تعليل.

سر إفراد لفظ البيع بوصفه مصدرًا رغم تعدد أنواعه

ويُكمل: "لفظه في الأصل مصدر، فلذا أفرده". جعل المصنِّف من فلذا أفرده" علةً لذِكْر الكاتب الأول "كتاب البيع" هكذا وليس "كتاب البيوع"؛ حيث إن لفظ "البيع" –أصلاً- مصدر، والمصدر لا يُجمع إلا إذ روعي فيه اختلاف الأنواع.

ويُكمل: "وإن كان تحته أنواع"؛ أي حتى لو كان تحته أنواع. وهنا فإن المؤلف يذكرنا بإدراكه أن بعض المصنفين يجمعون "البيع"؛ لكونهم يرون أن كل نوع من البيع يمثل بيعًا بذاته.

ثم يكمل: "ثم صار لما فيه مقابلة على ما سيأتي، ثم إذا أريد به أحد شقي العقد الذي يسمى من يأتي به بائعًا فيعرَّف.."، وما دام قد أتى بكلمة "يعرَّف" هنا، فإنه يكون قد أدخلها إلى قضية الجنس والفصل، وأراد أن ينقل إلى الأذهان تعريفًا معينًا عن البيع.

تعريف البيع تمليكًا بعوض والجنس والفصل في صياغته

"فيعرَّف بأنه تمليك بعوض على وجه مخصوص". التمليك –هنا- هو الجنس، فكأن أحدهم قد سأل المؤلف: أي نوع من أنواع التمليك هو؟ حيث إن أسباب الملك كثيرة، مثل: الهبة والميراث والاستيلاء على المباح مثل صيد السمك. فيقول المؤلف: "بعوض على وجه مخصوص". فكان ما ذكره هذا هو "الفصل"؛ أي إن كلمة "تملك" أو "تمليك" جنس، وكلمة "بعوض على وجه مخصوص" فصل.

"ويقابله الشراء الذي هو الشق الآخر والذي يسمى من يأتي به مشتريًا، ويعرف بأنه تملك بعوض كذلك, ويجوز إطلاق اسم البائع على المشتري وعكسه اعتبارًا. والتعبير بالتمليك والتملك بالنظر إلى المعنى الشرعي كما سيأتي, وإن أريد به المركب من الشقين معًا بمعنى العلقة الحاصلة من الشقين التي ترد عليها الإجازة والفسخ، فيُقال له –لغةً- مقابلة شيء بشيء على وجه المعاوضة, فيدخل فيه ما لا يصح تملكه كالاختصاص، وما لم تكن صيغة كالمعاطاة, وخرج بوجه المعاوضة نحو السلام. ويعرف –شرعًا- أنه عقدٌ".

التعريف الشرعي للبيع كعقد معاوضة مالية يفيد ملك عين أو منفعة

هنا تصبح كلمة "عقد" هي الجنس، فالعقود كثيرة منها السَّلَم, والنكاح، والوكالة، فأي نوع فيها هو من أنواع العقود؟ فيقول المؤلف "عقد معاوضة مالية" إن قوله: "معاوضة مالية" هو قيد من القيود. ويكمل: "تفيد ملك عين أو منفعة" وهذا قيد ثانٍ، ويكمل: "على التأبيد" وهذا قيد ثالث: "لا على وجه القربى". وهكذا كل قيد من هذه القيود قد أخرج شيئًا من التعريف.

"وأركانه ثلاثة عاقد ومعقود عليه وصياغة". "وأركانه ثلاثة"، وهي في الحقيقة ستة. والعقد -في التعريف- جنس، وشأنه الإدخال؛ أي شأنه أن يُدخل في ذهن الإنسان حقيقة جنس معين؛ وهو العقد. ويُكمل: "لكن إذا كان بينه وبين فصله عموم من وجه يخرج بكل منهما ما أدخل في عموم الآخر".

العموم من وجه بين الجنس والفصل وتطبيقه على تعريف البيع

فكلمة "حيوان" مثلاً عامة تشمل الإنسان وتشمل الأسد، فهو جنس من شأنه أن يكون عامًا، أما لو أتت كلمة "ناطق"، وهي -كما يري البعض- تعم الإنسان والملائكة، فالأخيرون موصوفون في القرآن بأنهم يتكلمون مع الله ويوحي إليهم أي يرسلهم بالرسالات، وإن لم نستطع أن نثبت لهم العقل (حتى لا يكون في الكلمة تجاوز) إلا أن ما يمكن قوله هو أنهم يعقلون على كل حال، قد لا يكون بمخ ودماغ، ولكنهم يعقلون ويفقهون ولا يعصون الله ما أمرهم. كلها صفات تؤكد أن هؤلاء خلق ناطق مكلف مأمور، إذًا فـ"ناطق" قد يكون بشرًا أو غير بشر، ولكن حين نضع الدائرتين سويًا: الحيوانية من جهة والناطقية من جهة أخرى فإنه سوف تبرز لنا مساحة مشتركة بين الدائرتين، هذه المساحة تمثل "الإنسان"، بل لا تمثل إلا "الإنسان".

وهكذا قال علماء المنطق: عندما يكون للجنس عموم وللفصل أيضًا عموم، وعندما نضع الجنس مع الفصل، فإن عموم كل طرف من الأطراف يقيد عموم الآخر. فالحيوانية تقيد بأنها ناطقة، والناطقية تقيد بأنها حيوانية. قضية صعبة للغاية عند المناطقة، أدركوها بعد مناقشات عسيرة، وهي قضية من منتجات العقل الإسلامي.

يقول: "لذلك خرج من العقد المعاطاة، وبالمعاوضة الهدية، وبالمالية النكاح، وبإفادة ملك العين الإيجارة، وبغير وجه القربى القرض, والمراد بالمنفعة بيع نحو حق الممر، والتقييد بالتأبيد فيه إخراج الإيجارة أيضًا، وإخراج الشيء الواحد بقيدين غير معيب.

أفضلية التعريف المختار للبيع وتقسيمات مباحثه وأفضل المكاسب

وهذا التعريف أولى من التعريف بأنه مقابلة مال بمال على وجه مخصوص لما لا يخفى... ثم البيع منحصرٌ في خمسة أطراف: الأول في صحته وفساده، والثاني في جوازه ولزومه، والثالث في حكمه قبل القبض وبعده، والرابع في الألفاظ المطلقة، والخامس في التحالف ومعاملة العبيد...".

هنا تنتهي الجملة المفيدة في النص لتبدأ جملة جديدة ويبدأ في موضوع آخر بجملة مفيدة أخرى. قال: "وأفضل المكاسب الصناعة ثم الزراعة ثم التجارة على الراجح".

انظر إلى الصياغة اللغوية؛ التعبير "على الراجح" يتضح منه أن هناك مرجوحًا في القضية؛ أي إن هناك أكثر من قول فيها، وهناك خلاف بينهم في المسالة؛ لذا قال: "على الراجح". فبعضهم قد فضَّل التجارة مطلقًا وعدَّها من أفضل المكاسب، والبعض الآخر فضَّل الصناعة واستدل بأن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد أمسك بسيف وقال: "وددت أنا صنعنا هذا". وهكذا تختلف الأقوال، ولكن الراجح -عند هذا الفريق من العلماء الذين ينتمي إليهم المؤلف- هو الصناعة ثم الزراعة ثم التجارة.

تحليل قيود تعريف البيع: المعاوضة والمالية وملك العين والمنفعة

وأيًا كان القول فما يفيدنا هنا أن تعبير "على الراجح" هنا يعني أن هناك خلافًا بين العلماء.

وقوله: "البيع هو عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين على التأبيد لا على وجه القربى"، فماذا لو قلنا إنه عقد مالي يفيد ملك عين، ولم نذكر كلمة "معاوضة"؟ إن هذا يصدق على الهدية؛ والهدية لا تُرد،؛ ومن ثم لا يمكن أن تدخل في معنى "البيع"، ولا بد من إخراجها بقيد "المعاوضة".

ولو قلنا إنه عقد معاوضة يفيد ملك عين لانطبق ذلك على عقد الزواج. لا يملك الرجل زوجته بعقد النكاح، فالمهر يُعطى للمرأة إكرامًا لها؛ ولهذا لابد أن نفرق بين النكاح وبين البيع بكلمة "مالية" وكلمة "ملك". وحين يقول: عقد معاوضة بقيد "ملك عين" أخرج منه الإيجارة؛ لأنه في الإيجارة نمتلك المنفعة ولا نمتلك الرقبة.

ومن نافلة القول –هنا- أن الفقه الإسلامي يفرق في الشيء بين الرقبة والمنفعة. الملك التام يعني أن يمتلك الرقبة والمنفعة، والملك الناقص هو امتلاك واحدٍ منهما؛ أي المنفعة أو الرقبة. فملك العين يُخرج من العقد الإيجارة، و"من غير وجه القربى" تُخرج القرض من هذا العقد، فالأخير عقد يعطي فيه أحد الأطراف قدرًا معينًا من المال للطرف الآخر مقابل نفس القدر من المال.

بيع حق الممر وتمييز بيع الحق عن الإجارة والرقبة

"والمراد بالمنفعة بيع نحو حق الممر"، كأن تكون هناك قطعة أرض مقسَّمة إلى قسمين: قسم يطل على الشارع، والآخر في الداخل ليس له منفذ على الشارع، ويريد صاحب القسم الداخلي أن يدخل من الشارع إلى ملكه، هنا ينبغي عليه أن يطلب من صاحب القطعة الأولى أن يترك ممرًا يدخل من خلاله إلى ملكه، وهنا من حق صاحب القطعة الأولى أن يطلب منه مقابل المرور من الممر الذي سيتركه كتعويض عن تركه لهذا الممر.

هنا سيكون المشتري له حق مؤبد للمرور من هذا الممر مقابل هذا المبلغ المالي، ولكنه لا يملك عين الممر. إذًا حق الممر يباع ويشتري، وهو بيع وليس إجارة، ومؤبَّد أيضًا، ويمنح لصاحب الحق ومن خَلَفَه سواء كان هذا الخلف وَرَثة أو مشتريًا للجزء الداخلي، فالمسألة ليست استئجارًا أو تنازلاً، ولكن مسألة بيع وشراء.

الوضع اللغوي والشرعي للمصطلحات وأهمية استيعابها في فهم التراث

  1. التعريفات والمصطلحات:

نأتي إلى عنصر آخر من العناصر التي تشكل في ظننا أغلب شفرة التراث، ألا وهو عنصر المصطلحات والتعريفات. وعندما نقرأ كتب التراث فلابد علينا من استحضار قضية المصطلحات. وهذه المصطلحات على أقسام كثيرة ينبغي أن ندركها جيداً. وحتى نفهم هذه القضية بعمق، فإنه لابد أن نرجع إلى ما يُسمَّى بقضية الوضع التي سبق أن أشرنا إليها.

والوضع معناه جعل شيء بإزاء شيء آخر؛ أي في مقابل شيء آخر؛ لأن الناس حين تتواضع على اصطلاح تعني أنهم يتفقون على وضع لفظ معين بإزاء معنى معين. هذه العملية خلافية في اللغة، فليست هناك علاقة قطعية ضرورية ما بين الحروف وما بين المعاني، بل هي علاقة وضعية، ليست هناك علاقة بين أحرف لفظة الأسد وبين الحيوان في ذاته بحيث إنه لو قال أحد الأشخاص "أسد" لفهم كل من على الأرض أنه يتحدث عن الحيوان المفترس ذي الشكل المعروف. إذًا ما الذي حدث حتى تُوضع هذه الكلمة أمام هذا المعنى؟

الخلاف في واضع اللغة والتمييز بين الوضع اللغوي والوضع الشرعي

ولقد قام الخلاف بين علماء الأصول حول واضع الكلمة مقابل المعنى، بين قائل إنه الله سبحانه وتعالى واستدلوا بقوله U

[وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا]- الآية 31, سورة البقرة

وبين قائل بأن البشر هم الذين وضعوا اللغة، وبين قائل إن الله سبحانه وتعالى هو الذي وضع الأسس والقوانين، ثم بعد ذلك أنشأ الإنسان تطبيقات هذه القوانين والكثير من مفردات اللغة، بينما لم يُجِب البعض الأخير عن هذا التساؤل قائلين: لا نعرف ما إذا كان الله عز وجل أو غيره سبحانه وتعالى هو الذي وضع اللغة. وقد سبقت الإشارة لهذا الخلاف بشيء من التفصيل.

ولاحظنا (أيضًا فيما سبق) أن اللغة -وإن وُضعت الألفاظ فيها بإزاء المعاني- إلا أن الشرع جاء فأخرج هذه الألفاظ من معانيها اللغوية إلى معانٍ أخرى مخصوصة قد قصدها الشارع. وقد ضربنا –فيما سبق- أمثلة على الفارق بين هذين الوضعين: الوضع اللغوي؛ وهو وضع اللفظ بإزاء المعنى عند أهل اللغة، والوضع الشرعي كوضع للفظ جاء به الشرع الحنيف.

الاصطلاح والعرف الخاص والعام وأثرهما في فهم الألفاظ الشرعية

وكذلك لوحظ أن طوائف عديدة قد اصطلحت على معانٍ مختلفة للفظ الواحد، كلٌ بحسب تخصصه. فنرى أن الأصوليين –مثلاً- قد وضعوا كلمة "أصل" بإزاء المقيس عليه، في حين أن "أصل" في اللغة ترد على مصدر الشيء، بينما عند الفقهاء -في قولهم إن الزكاة تحرم على الأصل وعلى الفرع- تُحمل كلمة "الأصل" على الأب والأم أو الجد والجدة. وعلى ذلك فكل طائفة تضع المعنى بإزاء لفظ معين، وهذه هي الحالة التي أطلق عليها العلماء كلمة "الاصطلاح".

فالمصطلح هو "وضع لفظ بإزاء معنى معين عند طائفة بعينها"، وذلك ما يسمى بـ"العُرف الخاص"؛ أي عرف أهل صنعة أو علم أو فن معين. وهناك "عُرف عام" يتعارف عليه أهل منطقة أو قطر معين، ولكنها ليست في اللغة وليست في الشرع بهذا المعنى العُرفي. فكلمة "دابة" –مثلاً- عند المصرين تعني "الحمار" خاصة، ولكن هي في اللغة تعني كل ما يدب برجليه على الأرض بل على كل ما يدب مطلقًا، وعلى ذلك فإن الإنسان -لغةً- من الدواب، لكن لو قال بعض من الناس -في مصر- واصفًاً أخاه بأنه دابة فإن أخاه سيعتبر ذلك سبَّاً يصفه فيه بأنه حمار.

اختلاف معنى الجنس بين المنطق والفقه وأثره في أحكام الربا

وهكذا، لابد علينا إن أردنا أن نخوض في فن معين من فنون التراث، أن نعي ونستوعب الاصطلاحات التي وضعها أهل العلم أو الفن بإزاء معانٍ معينة. هذا وإلا تداخلت المعاني ولضاع منا خير كثير.

لا يمكن الوصول إلى الفهم المناسب إلا إذا عرفنا مصطلحات الفن الذي نخوض فيه، ومثال ذلك كلمة "الجنس" التي وردت في كتاب "البيع" الذي بين أيدينا تُستعمل باستعمالين مختلفين في كل من المنطق والفقه. فإذا ما أردنا أن نعرض لمعناها في المنطق نجد أنها " كلي مقول على كثيرين مختلفين في الحقيقة في جواب ما هو؟" مثل "الحيوان"، اللفظ يُطلق على الإنسان وعلى الأسد وعلى الزرافة في حين أن كلمة "نوع" تطلق في المنطق لتعني "كليًا مقولاً على كثيرين متفقين في الحقيقة في جواب ما هو"، فكلمة إنسان تشير إلى معنى النوع عند المناطقة. أما الفقهاء فقد أطلقوا لفظ "الجنس" في كلامهم في مقابل "النوع" عند المناطقة، فالجنس -عند الفقهاء- ما كان متحد الإفراد وإن اختلفت درجاته، فالقمح -مثلاً- جنس وإن اختلفت أحجامه وأنواعه، بينما هو نوع عند المناطقة.

حديث الذهب بالذهب وفهم ربا الفضل والنسيئة باصطلاح الجنس

وعلى هذا، لو أن طالبَ علمٍ قرأ النص الفقهي الذي بين أيدينا وحمل كلمة الجنس على ما تعلمه في المنطق، لكان ذلك حائلاً دون الفهم الصحيح، ولأصبحت العبارة التي أمامه غامضة وغريبة، لاسيما وهو يقرأ أن بيع الشيء بجنسه لا يجوز إلا بشرطين: التماثل والحلول.التماثل بمعنى أنني إذا أردت أن أبيع "القمح" بالقمح فلابد أن يكون بيع مكيال بمكيال مكافئ ومتساو. والحلول يعني الآن أو حالاً أو في الوقت نفسه.

وذلك مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم:

(الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ [وهذا هو التماثل[ يَدًا بِيَد ]وهذا هو الحلول[ٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاء)

وهذه معاملة وهمية قالها الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم سداً للذريعة، حيث أراد الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ألا ترتفع الأسعار في الأسواق، فحرَّم التفاضل والنسيئة في الضروريات، وفي وسيط التبادل؛ حتى يحفظ على الناس أسعار أقواتهم؛ ولا يضار الفقير. وكأنه قال: من أراد أن يفعل ذلك، فليفعل بتلك الصورة التي لا يفعلها عاقل؛ أي كأنه كان يقول: لا تفعلوا هذا بالمرة؛ سواء التفاضل أو التأجيل.

بيع الأصناف المختلفة وحفظ المعنى الصحيح للجنس في الفقه

وعليه، فإننا لو قرأنا أحكام هذه الصور أي ربا الفضل وربا النسيئة، وقد استقر في أذهاننا أن الجنس هو ما تحته أنواع مختلفة، لوقع في ظننا أنه لا يجوز بيع القمح بالشعير متفاضلاً، وهذا خطأ حيث يجوز بيع القمح بالشعير متفاضلاً. وفي نفس الحديث يقول الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

"فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد"

أي إنه لو بيع قمح بقمح فإنه يُشترط شرطان: التماثل والحلول، أما إن كان البيع هو بيع قمح بشعير فيُشترط فقط الحلول؛ بمعنى أن يقدم شخص كيلوجرامًا من القمح مقابل اثنين من الشعير، في نفس الوقت.

وهكذا لو قرأنا الفقه دون وعي بمصطلح الفقهاء، فإننا ربما لا نفهم شيئاً مطلقاً، أو لعلنا نفهم فهماً غير سليم، بل قد يؤدي ذلك إلى قراءة معاكسة لمراد الكاتبين.

مصطلحات الشافعية في الأقوال والوجوه وتمييز درجات الخلاف

قضية أخرى تتعلق بالمصطلحات، ألا وهي المصطلحات التي وضعها أهل فن معين. فالشافعية مثلاً صاغوا كلامهم بصياغات معينة، وذلك أنهم لما قلدوا الإمام الشافعي الذي كان عمدة المذهب فإنهم أطلقوا على كلامه مصطلح "القول"، فلو قال الفقيه الشافعي: "في المسألة قولان"، فإن ذلك يعني أن الشافعي نفسه قد أصدر في المسألة فتويين مختلفتين.

إلا أن المذهب الشافعي وغيره من المذاهب لم يقف عند الأئمة، بل خُدِم بعدهم خدمة عظيمة هي التي أبقت تلك المذاهب إلى الآن، فقام مجموعة من العلماء لخدمة كل مذهب، وصارت لأصحاب وتابعي كل إمام أقوال في مذهبه واصطلاحات على كلامهم، تختلف عما خُصَّ به الأئمة أنفسهم. وعلى ذلك فأصحاب الشافعي لما كتبوا، فإن ذلك الذي صدر منهم يسمى بـ"الوَجه"، فَقد يكون في مسألة معينة هناك رأيان لإمامين من أئمة المذهب الشافعي فيما بعد الشافعي، وهنا يطلق عليهم "وجهان".

الأظهر والمشهور والأصح والصحيح كمقاييس لقوة الأقوال الشافعية

وفي حال إذا ما وجد في المسألة رأيان في المذهب، فإن التساؤلات تثور حول العلاقة بينهما، وهنا يقوم احتمالان: الأول- أن يكون هناك خلاف قوي بينهما وحُجة كل رأي منهما قوية، إلا أن رأيًا فيهما أقوى وأحجُّ من حجة الآخر، أو يكون هناك رأيان في المسألة على نفس درجة القوة في الحجة. وهنا يظهر في المشهد أربع حالات: الأولى رأيان منسوبان للإمام أحدهما قوي والآخر أقوى منه، أو أحدهما قوي والآخر ضعيف، ورأيان منسوبان لمن بعد الإمام أو وجهان للمسألة بينهما قوة، ووجهان أحدهما قوي والآخر ضعيف.

هنا يبرز دور المصطلح، حيث أطلقوا على كل حالة مصطلحاً معينًا صار في كتبهم أساسيًا.

الحالة الأولى- إن قويَ الخلاف بين الأقوال يطلقون عليها "الأظهر"؛ بمعنى أن هناك رأيين للإمام: أحدهما قوي والآخر أقوى منه، فيقولون على هذا الأقوى "الأظهر"، أما الآخر فيُطلق عليه "مقابل الأظهر". أما الحالة الثانية التي يضعف فيها الخلاف؛ بمعنى أن هناك رأيين منسوبين للإمام: أحدهما قوي والآخر ضعيف، فيطلقون على القوي منهما "المشهور"، ومقابل المشهور هو الضعيف.

وفي حال وجود وجهين بينهما قوة (الحالة الثالثة) فيطلقون على الوجه الأقوى "الأصح". وفي حال وجود وجهين أحدهما قوي والآخر ضعيف فيطلقون على الوجه القوي مصطلح "صحيح".

أي إننا أمام أربع مصطلحات تجري في كلامهم لتصف حالات معينة، وغيرها كثير. والإمام النووي في "المنهاج" في بدايته علَّم الناس هذه الطريقة، وقال إنه سيقول كذا حين كذا ويقول كذا حين كذا، وبيَّن مصطلحات كثيرة.

ألقاب العلماء وأسماء الكتب المختصرة ودورها في توثيق التراث

وهناك امتداد لقضية الاصطلاح، هذا الامتداد يختص -ليس بالألفاظ- بل بالأشخاص والكتب. فمثلا إذا ما ذكر أحد المفسرين لقب "القاضي" فإنه يشير إلى الإمام البيضاوي؛ حيث دَرَجَ المفسرون على إطلاق هذا اللقب عليه، ولكن إذا ما وجدت نفس اللقب في مؤلفات علم الكلام، فإن هذا يشير إلى الإمام أبي بكر الباقلاني، أما إذا ما ذكره فقهاء الشافعية، فهم يشيرون به إلى القاضي حسين عند الشافعية، بينما يُطلق على أبي يعلى الفراء عند الحنابلة.

وكذلك الحال بالنسبة للقب "الإمام" إذا ما ذُكر في كتب الفقه الشافعي فهو يشير إلى الإمام الجويني، في حين يشير الأصوليون به إلى الإمام الرازي. ولو ذُكر "الشيخان" في علم الحديث فهم يعنون بهما البخاري ومسلمًا، ولكن في فقه الشافعية تشير إلى الرافعي والنووي.

ولا يكمل العلم إلا بإدراك هذه الأشياء لتوثيق المصدر ولفهم الحُجة وليتسق الكلام. فمثلاً لو قرأت كتابًا في فقه الشافعية وأردت أن توثق كلامًا منسوبًا إلى القاضي، فإنك لابد أن تعلم من هو المقصود بهذا اللقب؛ حتى لا يختلط عليك الأمر: هل تذهب إلى القاضي البيضاوي أم القاضي حسين أم القاضي الفراء..؟ وكذلك الإمام، هل هو الجويني أم الرازي؟

وكما ينبغي استيعاب المصطلحات في الأشخاص ينبغي استيعابها في الكتب أيضًا. فكلمة "النهاية" إذا ما أُطلقت عند الشافعية فهي تعني كتاب "نهاية المطلب في معرفة المذهب" للإمام الجويني، ولو قالوا: "المحرر" فهو للرافعي، حتى لو وُجدت كتب أخرى في نفس الفقه اسمها المحرر أو النهاية فالمقصود عند الإطلاق لا يتغير. ولو قالوا "المجموع" فهو للإمام النووي.

النحت اللفظي والخطي والرموز الحروفية في الكتب والمخطوطات

أمر آخر متعلق بالاصطلاح ونراه في كتب المتأخرين ومذاهبهم، وهو ما شاع بينهم مما يسمي بـ"النحت الخطّيّ". وكلمة "نحت" أصلاً تُستعمل في اللغة لتشير إلى استخلاص كلمة واحدة من عدة كلمات، فعندما نقول "بسم. الله. الرحمن. الرحيم" نستنبط منها كلمة "البسملة"، أو عندما نقول: "أدام. الله. عزك" فنستنبط منها كلمة "الدمعزة" أو نستنبط من "لا حول ولا قوة إلا ﺑـالله" الحوقلة، وهكذا. ويقولون إن النحت سَماعي؛ بمعنى أنه لا يجوز لنا أن ننشئ نحتًا، ولكن جرت عادة بعض الناس على إنشاء النحوت، فيقولون لخريج دار العلوم "درعميًا" وهكذا. وحتى في اللغة العامية يقول المصريون كلمة: "معلهش"، وهذه الكلمة أُخذت من عبارة: "ما عليه شيء"، وهي تعني: "لا تثريب عليكم".

لم يقف الكُتَّاب عند كون النحت سماعيًا أو حتى قياسيًا أو أن يُحد من مساحته في اللغة، بل جعلوه في الخط، من كثرة كتابته في الكتب واستحسان الناس له، فشاع في الأدبيات، وأصبحوا يكتبون حينئذٍ "ح"، ويكتبون والظاهر كذا "الظ", والمصنف تُكتب "المص". فلو أنك اطلعت على مخطوطة قديمة ووجدت "و ح" فاعلم أن المؤلف يعني بذلك: وحينئذ.ٍ وكان الطلاب إذا ما وجدوا أنفسهم أمام هذه النحوت، كانوا يقرؤونها على ما هي عليه حتى لا ينسوا معناها، فراحت تشيع بين الناس. كما أن هناك بعض النحوت قد ضاعت، فخافوا على الباقي أن يضيع، والبعض جَهِل معناها فبدأت تختلط.

رموز المحدثين والفقهاء في الأسانيد والكتب وخطر إساءة قراءتها

ومنها الحاء التي تذكر في سند الحديث بمعنى كلمة "حدثني"، فتقول بدلاً من "حدثني فلان عن فلان عن فلان", نقول: "حدثني فلان عن فلان ح فلان عن فلان". ويفصل ذلك ابن الصلاح في مقدمته قائلاً: إن العلماء لما استحسنوا ذلك النحت الخطي صار عندهم كالمصطلح في أسماء الناس وفي أسماء الكتب، فيقولون للبخاري "خ" ولمسلم "م" ولابن ماجة "ة" وللبيهقي "بـهق". وعند السيوطي في الجامع الصغير للإشارة إلى الحديث الحسن "ح"، وإلى الحديث الصحيح "ص" وإلى الضعيف "ض".

ثم استعملوها أيضًا في أسماء الأشخاص. فصاحب جامع الفصولين عند الحنفية أنشأ صفحات كبار حتى يفك هذه الرموز الخاصة بالأشخاص والكتب. وعند الشافعية كثير من المطبوعات والمخطوطات نجد فيها هذا تماماً، فيقولون قال "سم" للإشارة إلى ابن القاسم العبادي، ويقولون: "قال حج" للإشارة إلى ابن حجر، ويقولون: "مر" لمحمد الرملي، ويقولون: "رم" للشهاب الرملي.

وهكذا ينبغي إدراك هذه الرموز وأن نقرأها على ما هي عليه وفق المقصود منها، وإلا وصلنا إلى أفكار منحرفة. فمثلًا لا يفهم أحد القراء كلمة: "قال: سم", فيبدأ في الربط بين ما جاء من مقول (أي الكلام الوارد بعد "قال:") وبين السُّمّ الذي يقتل الناس، وبالتالي تحدث الفجوة بين القارئ وبين الكتاب أو الكاتب، الأمر الذي يُبرز مدى أهمية قضية الاصطلاح.

التعريفات الفقهية كأحكام شرعية وخطورة التقرير عن الله

القضية المهمة التالية هي قضية المصطلح هي ما يتعلق بالتعريف، فالتعريفات الفقهية أحكام شرعية، وقد لعبت دوراً حاسماً في الفقه الإسلامي. لقد اهتم المسلمون أيَّما اهتمام بالتعريف، ومن هنا اهتموا اهتماماً بالغاً بعلم المنطق وسموه "خديم العلوم"؛ حيث رأوا فيه العلم الخادم لكل العلوم الشرعية لما له من دور في مسألة التعريفات؛ ذلك لأن الأخيرة تمثل في ذهن المسلم، وفي ذهن الفقيه، وفي ذهن المجتهد، مجموعة من الأحكام الشرعية. فمتى ذُكر التعريف لدى العالم فقد أمكنه أن يحدد الحلال من الحرام.

ولجلال مقام تقرير الحلال والحرام -بوصفه توقيعًا عن رب العالمين كما سماه ابن القيم- علا مقام هذه المسألة.

فكون الإنسان يتكلم عن الله سبحانه وتعالى يرتب ضرورة الاهتمام والحذر من قِبَل العالِم، فمن أجل ذلك فلابد أن تكون هذه التعريفات من الدقة والضبط على غاية المستطاع من الوسع البشري، و يجب ألا تصدر منا إلا كما تصدر الأحكام الشرعية.. فتعريف الربا وتعريف البيع وتعريف الجهاد وتعريف الفرض.. إلى آخر ذلك من التعريفات الأصولية والفقهية إنما هي أحكام شرعية.

بنية المتن والحاشية وعلامات الترقيم وشرح صيغة البيع بالمثال

كما درج السابقون قديماً على كتابة أصل الكتابة في الهامش، وكتابة ما يسمى بالحاشية داخل الجدول؛ وعلى ذلك فالذي في الخارج هو الكتاب مع شرحه، والذي في الداخل حاشيته، كحاشية الشيخ القليبوبي، وحاشية الشيخ عميرة. فلو قرأنا الكلام الذي في الخارج في النص الذي بين أيدينا نجد: "كتاب البيع: هو كقوله بعتك هذا بكذا فيقول اشتريته به فيتحقق البيع بالعاقدِ والمعقودِ عليه -ولهما شروطٌ تأتي- والصيغةِ"[67 ]

مع بدايات القرن العشرين حاول العلماء استخدام علامات الترقيم، وألَّف فيها أحمد باشا زكي -الذي كان يلقب بشيخ العروبة- وذلك لأن علامات الترقيم فائدتها كبيرة في توضيح المعنى المراد من ترتيب الجمل، الأمر الذي يفيد عندما نقرأ أو نعيد طباعة هذه الكتب؛ مما يزيل اللَّبس.

ونكمل النص: "التي بها يعقد", نجد أنه بدأ بالشروط كغيره من العلماء؛ لأنها أهم؛ وللخلاف فيها. وقد عبَّر عنها بـ"الشرط" خلاف تعبيره في شرح المهذب للغزالي، في شرح المهذب؛ وهو كتاب المجموع للنووي، حيث عبَّر فيه هناك عن هذه الثلاثة بكلمة "أركان". وقد قلنا –من قبل- إن "الأركان" و"الشروط" متحدتان في أنهما جزء من الشيء، ولكن الأركان داخله والشروط خارجه.

التعريف بالمثال في باب البيع وقيام الإشارة مقام القول للأخرس

ويبدأ المؤلف في شرح النص: "هو كقوله" بمعنى قوله هو -أي البيع بالمعني الشرعي- وكأنه يقول: البيع بالمعني الشرعي هو مثل قوله: بعتُك هذا بكذا. وعرَّفه بالمثال بقوله: "كـــ", فالتعريف هنا يتم بالمثال. وقال: "وعرَّفه بالمثال دون الحد". الحد هنا هو الحد المنطقي. ويُكمل: "لأنه أظهر"؛ لأن المثال أظهر من الحد.

ويُكمل: "والإشارة كالقول". هذا معنى جديد، ويشير إلى بيع من لا يقدر على الكلام كالأخرس، فهو يبيع ويشتري حتى يقضي متطلبات حياته. والإشارة لدى الأخرس تقوم مقام الكلام؛ وبالتالي تأخذ أحكامه، فإذا كان عقد البيع مترتبًا على الكلام فإنه أيضًا يمكن أن يتم بالإشارة من الأخرس. ويقول: "والإشارة كالقول، وغير لفظ البيع مثله"- هذا يعني أن كل الألفاظ من غير ألفاظ البيع والتي تفيد إتمام عملية البيع تأخذ في الحكم حكم لفظ البيع. ونلاحظ أننا لو قرأنا العبارة قراءة خاطئة لانسد علينا باب الفهم.

ضبط إسناد صيغة البيع إلى المخاطب وآراء الرملي والزيادي

قوله: "بعتك فيه الإسناد إلى جملة المخاطب، فلا يكفي الإسناد إلى جزئه كرأسه"؛ بمعنى أنه عندما تريد أن تخاطب الشخص في البيع والشراء فلا تخاطبه بمفردات تمثل أجزاء من الإنسان للدلالة عليه كقولك: بعتُ ليدك أو بعتُ لذراعك أو بعتُ لرأسك. ويكمل: "فيه الإسناد إلى جملة المخاطب فلا يكفي الإسناد إلى جزئه كرأسه وإن أُريد به الجملة"– أي جملة الإنسان أو الإنسان كله. وهذا يعني أن هذه الصياغة لا يجوز بها إتمام العقد حتى لا يقوم النزاع بين الناس، ويقع القاضي في حيرة من أمره عند الفصل فيها.

ويُكمل: "ومال شيخنا الرملي إلى الصحة في النفس والعين". وآية ذلك أن النفس والعين من المؤكدات على الذات في اللغة، فنقول جاء الرجل نفسُه أو جاء الرجل عينُه، فالعين هنا يُقصد بها الجوهر، وهذا كلام الرملي.

ويكمل المؤلف: "وشيخنا الزيادي", [ويرمز هنا للزيـادي بـ"زي" في النص], "..إلى الصحة ولو في نحو اليد مع إرادة الجملة، فراجعه". "راجعْهُ": هنا مصطلح يشير لعدم موافقة المؤلف للزيادي.

عدم كفاية خطاب غير العاقد أو غير العاقل في إنشاء العقد

"ولا يكفي قصْدُ خطابِ غيرِ العاقد ولا الإشارة لغيره"– يعني لا يكفي في إيقاع العقد خطاب شخص غير العاقد، ولا الإشارة لغيره أيضًا؛ كأن يجلس البائع ويوجه الكلام لشخصٍ ما وهو يقصد شخصًا آخر. هو هنا يريد أن يُحدِث حادثةً يمكن أن يشهد الشهود عليها حفظًا لأموال الناس ووقفاً للتنازع والخصام بين خلق الله سبحانه وتعالى، فكل الأحكام مترتبة من ذهن الفقيه، وهو يسعى إلى ضبطها حفظًا لحقوق الله سبحانه وتعالى وحقوق الخلق.

ويُكمل: "ولا يكفي قصد خطاب غير العاقل ولا الإشارة لغيره ولا قصد غيره بالاسم الظاهر". ويشير هذا إلى مثل أن يقصد غير العاقد باسم آخر ولا الإسناد إلى غير المخاطب، كـ"بعتُ موكلك" أو "باعك الله". هذا التدقيق أراد به العلماء تجنيب العقود التلاعب الذي قد يلجأ إليه البعض، فلا بد أن يكتنف حادثة إنشاء العقد نوع من أنواع التحديد الذي يفض كل منازعة أو إيهام؛ حيث إنه عقد لا يستقل به المالك بخلاف عقود أخرى نحو العتق.

خاتمة الرحلة في العقل المسلم القديم والدعوة لإحياء التراث

وهنا نصل لنهاية رحلة لقينا منها نصبًا، رحلة ارتدنا فيها العقل المسلم القديم، وشاهدنا فيها لقطات من اجتهاد هذا العقل وسعيه الدؤوب لخدمة الكتاب والسُّنة والديانة، وتفوقه المستمر على ذاته، ومواصلة اللاحق فيه لجهود السابق بالتقدير والتبجيل من جهة، وبالنقد والمراجعة والتصحيح والإكمال والخصم من جهة أخرى، والإقدام المستمرّ على مواجهة الآخر في فكره ومبادئه، بالحكمة والمحاورة التي حازت كل أركان وشروط ما نسميه بـ"العلم" و"الدراسة العلمية" و"المنهجية العلمية".

نقوم بذلك لعل أن يقيد الله سبحانه وتعالى لـهذا التراث من يقدره حق قدره، ومن يرصد له جهده وفكره؛ لتقوم للإسلام قائمته، وليعود للحضارة الإسلامية -بعلومها وسلوكياتها- رونقها وبهاؤها.

هذا، والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الكليات الخمس في المنطق التي رصدها المناطقة لتصنيف الموجودات؟

الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام

ما الذي يميز الإنسان عن البهيمة في منطق الكليات الخمس؟

الفصل وهو النطق والتفكير وترتيب الأمور للوصول إلى المجهول

ما الفرق بين الحد التام والرسم التام في المنطق؟

الحد التام من الجنس والفصل، والرسم التام من الجنس والخاصة

ما الفرق بين التصور والتصديق كمرحلتين للإدراك؟

التصور إدراك المفرد دون إذعان، والتصديق إدراك النسبة مع الإذعان بصحتها

ما الجنس والفصل في تعريف البيع بأنه 'تمليك بعوض على وجه مخصوص'؟

الجنس هو التمليك، والفصل هو بعوض على وجه مخصوص

كيف يختلف معنى 'الجنس' بين المنطق والفقه؟

في المنطق ما تحته أنواع مختلفة الحقيقة، وفي الفقه ما اتحدت أفراده كالقمح

ما شرطا بيع الشيء بجنسه عند الفقهاء؟

التماثل والحلول

ما الذي يُخرجه قيد 'المعاوضة' من تعريف البيع؟

الهدية

ما الذي يُخرجه قيد 'ملك العين' من تعريف البيع؟

الإجارة

ما دلالة مصطلح 'القول' في المذهب الشافعي؟

ما صدر عن الإمام الشافعي نفسه

ما دلالة مصطلح 'الأظهر' في المذهب الشافعي؟

أقوى القولين المنسوبين للشافعي حين يكون الخلاف بينهما قوياً

ما المقصود بـ'الوضع' في علم اللغة والأصول؟

جعل لفظ بإزاء معنى معين باتفاق الناس

ما الراجح عند الفقهاء في ترتيب أفضل المكاسب؟

الصناعة ثم الزراعة ثم التجارة

ما المقصود بـ'النحت الخطي' في كتب التراث؟

استخدام رموز مختصرة في الكتابة بدلاً من الكلمات الكاملة

لماذا سمى المسلمون علم المنطق 'خديم العلوم'؟

لدوره الحاسم في مسألة التعريفات التي تُحدد الحلال والحرام

ما العنصر الثالث الخفي في الجملة المفيدة وما وظيفته؟

العنصر الثالث الخفي هو الإسناد أو النسبة، وهو العلاقة بين المبتدأ والخبر، ووظيفته إثبات أمر لشيء أو نفيه عنه، ولا تتم الجملة المفيدة إلا بتمامه.

ما الفرق بين الجملة المفيدة في الفقه وفي الأصول؟

في الفقه موضوعها فعل المكلف ومحمولها حكم شرعي، وفي الأصول موضوعها الأدلة الشرعية ومحمولها إثباتها للحكم.

ما الخاصة في الكليات الخمس ومثالها في الإنسان؟

الخاصة هي كلي عَرَضي يختص به النوع دون غيره، ومثالها في الإنسان الضحك؛ إذ يضحك الإنسان لإدراكه التناقض والمفارقة بين الأمور، وهذا لا يحدث للبهيمة.

ما العرض العام في الكليات الخمس ومثاله؟

العرض العام هو كلي عَرَضي يشترك فيه أفراد الجنس الواحد وإن اختلفت أنواعه، ومثاله المشي الذي يشترك فيه الإنسان والأسد رغم اختلاف نوعيهما.

ما الفرق بين الحد الناقص والرسم الناقص؟

الحد الناقص يكون من الفصل فقط أو من الجنس البعيد والفصل، أما الرسم الناقص فيكون من الجنس البعيد والخاصة أو من الخاصة فقط.

ما الفرق بين الوضع اللغوي والوضع الشرعي؟

الوضع اللغوي هو وضع اللفظ بإزاء المعنى عند أهل اللغة، والوضع الشرعي هو نقل الشرع للفظ من معناه اللغوي إلى معنى مخصوص قصده الشارع.

ما الاصطلاح وما الفرق بين العرف الخاص والعرف العام؟

الاصطلاح هو وضع لفظ بإزاء معنى عند طائفة بعينها وهو العرف الخاص، أما العرف العام فهو ما يتعارف عليه أهل منطقة معينة دون أن يكون في اللغة أو الشرع بهذا المعنى.

ما دلالة مصطلح 'الوجه' في المذهب الشافعي؟

الوجه هو ما صدر من أصحاب الشافعي وتابعيه من بعده، فإذا قيل 'في المسألة وجهان' فمعناه أن إمامين من أئمة المذهب بعد الشافعي اختلفا في المسألة.

ما دلالة مصطلح 'المشهور' في المذهب الشافعي؟

المشهور هو القوي من قولين منسوبين للشافعي حين يكون الآخر ضعيفاً، ومقابله هو الضعيف.

ما دلالة مصطلح 'الصحيح' في المذهب الشافعي؟

الصحيح هو القوي من وجهين منسوبين لأصحاب الشافعي حين يكون الآخر ضعيفاً، ويختلف عن 'الأصح' الذي يُطلق حين يكون الخلاف بين الوجهين قوياً.

ما المقصود بـ'النحت اللفظي' ومثاله؟

النحت اللفظي هو استخلاص كلمة واحدة من عدة كلمات، كـ'البسملة' من 'بسم الله الرحمن الرحيم' و'الحوقلة' من 'لا حول ولا قوة إلا بالله'.

ما الذي يُخرجه قيد 'لا على وجه القربى' من تعريف البيع؟

يُخرج هذا القيد القرضَ من تعريف البيع؛ لأن القرض عقد يُعطي فيه أحد الأطراف مالاً للآخر مقابل نفس القدر من المال على وجه القربى لا المعاوضة.

ما حكم بيع القمح بالشعير متفاضلاً وما الشرط المطلوب؟

يجوز بيع القمح بالشعير متفاضلاً لأنهما جنسان مختلفان عند الفقهاء، ويُشترط فقط الحلول أي التسليم في نفس الوقت.

ما المقصود بـ'العموم من وجه' بين الجنس والفصل؟

العموم من وجه يعني أن للجنس عموماً وللفصل عموماً، وحين يُضمّان معاً يُقيِّد كل منهما عموم الآخر فتبرز مساحة مشتركة هي المعرَّف، كما في 'حيوان ناطق' التي لا تبرز إلا مساحة 'الإنسان'.

ما الفرق بين الأركان والشروط في الفقه الإسلامي؟

كلاهما جزء من الشيء، لكن الأركان داخله والشروط خارجه؛ فأركان البيع كالعاقد والمعقود عليه والصيغة داخل ماهية البيع، بينما الشروط قيود خارجية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!