ما المقصود بالتصوير والتكييف والتنزيل في الاجتهاد الفقهي وكيف تؤثر القواعد الكلية على استنباط الأحكام؟
التصوير الفقهي هو تحديد صورة المسألة بجلياتها وخفياتها قبل إصدار الحكم، والتكييف هو إلحاق المسألة بالعقد أو الباب الفقهي المناسب، أما التنزيل فهو إيقاع الحكم على الواقع مراعاةً لاختلاف الدار والزمان والعرف والأشخاص. ولا يتم الاجتهاد الصحيح إلا بمراعاة القواعد الكلية ومقاصد الشريعة في كل هذه المراحل.
- •
كيف يمكن للمجتهد أن يُصدر حكماً صحيحاً دون تصوير المسألة أولاً بجلياتها وخفياتها؟
- •
التصوير الفقهي مهارة علمية عميقة لا يُحسنها إلا من رزقه الله فقه النفس، كما أكد ابن الصلاح.
- •
الغزالي أشار إلى أن الصحابة اشتغلوا بتأسيس الكليات، فجاء الأئمة بعدهم ليُصوّروا المسائل تقديراً قبل وقوعها.
- •
التكييف الفقهي يعني إلحاق المعاملة المُصوَّرة بالعقد المناسب من العقود المسماة أو غير المسماة.
- •
التنزيل يستلزم مراعاة اختلاف الدار والزمان والعرف والأشخاص عند إيقاع الحكم على الواقع.
- •
تطور أدوات استدعاء البيانات كالحاسب الآلي ينبغي توظيفه لخدمة آليات الاجتهاد وتخفيف عبء الحفظ عن المجتهد.
- 1
مراعاة القواعد الكلية ومقاصد الشريعة شرط أساسي في الاجتهاد، ويستلزم ذلك تصوير المسألة وتكييفها وتنزيل الحكم عليها.
- 2
التصوير الفقهي معلم من معالم التطور الفقهي، نشأ حاجةً لتقدير المسائل قبل وقوعها بعد أن اشتغل الصحابة بتأسيس الكليات.
- 3
ابن الصلاح يؤكد أن تصوير المسائل بجلياتها وخفياتها مهارة علمية عميقة لا يُحسنها إلا صاحب فقه النفس.
- 4
المنظومة التعريفية الفقهية مبنية على المنطق الأرسطي المُعدَّل، وقد وضّح الإسنوي علاقة التصور بالوضع اللغوي.
- 5
الخروج من المنطق الأرسطي مشروع بشرط تقديم بديل منهجي حقيقي، لا مجرد رفض نفسي أو عجز عن استيعاب الاصطلاحات.
- 6
القرافي في شرح تنقيح الفصول جمع بين الاستفادة من المنطق والتخفيف من حضوره الاصطلاحي، متميزاً عن الغزالي والرازي.
- 7
القرافي اقتصر على دعامة الحد وأعرض عن البرهان المنطقي خلافاً للغزالي، دون أن يُصرّح بالسبب.
- 8
القرافي ترك البرهان المنطقي مكتفياً بأدلة الأصول، وعالج مباحث الألفاظ بأسلوب يتجنب اصطلاحات المنطق قدر الإمكان.
- 9
القرافي يستخدم 'في حقيقته' بدلاً من 'في حده' ليُبقي على الجوهر العلمي مع تجنب الاصطلاح المنطقي المُثير للحرج.
- 10
نموذج القرافي يُقدم حلاً عملياً بالفكاك من اصطلاحات المنطق مع الحفاظ على بنيته العلمية، وقد يكون حلاً مؤقتاً ريثما يتبلور البديل.
- 11
التكييف الفقهي مرحلة تلي التصوير، تقوم على إلحاق المسألة بالعقد المناسب من العقود المسماة أو غير المسماة.
- 12
التنزيل إيقاع الحكم على الواقع مراعاةً لاختلاف الدار والزمان والعرف والأحوال والأشخاص، وهو مرحلة لازمة بعد التصوير والتكييف.
- 13
تطور أدوات التصنيف خفّف عبء الحفظ عن المجتهد وأتاح له التفرغ لتحصيل المناهج والقواعد وتطبيقها على الواقع.
- 14
توظيف الحاسب الآلي في الاجتهاد يتجاوز الفهرسة إلى بناء برامج تشمل آليات الاجتهاد وتُمكّن المجتهد من التطبيق المباشر.
لماذا يجب مراعاة القواعد الكلية عند الاجتهاد وما علاقتها بالتصوير والتكييف والتنزيل؟
مراعاة القواعد الكلية ضرورة لازمة حتى لا تكون نتيجة الاجتهاد مخالفة لقواعد الشرع وكلياته ومقاصده. ومن أراد البحث عن حكم مسألة وجب عليه أن يُصوّرها أولاً، ثم يُكيّفها، ثم يُنزّل الحكم عليها. الغفلة عن هذه المراحل تُفضي إلى نتائج اجتهادية معيبة.
ما المقصود بالتصوير الفقهي وكيف تطور عند الغزالي؟
التصوير الفقهي هو تقدير المسائل وتصوير الوقائع قبل وقوعها ليسهل على الطالبين أخذها. يُميّزه الغزالي عن التصوير المنطقي المقابل للتصديق. وقد أشار إلى أن الصحابة اشتغلوا بتأسيس كليات الشريعة ولم يُصوّروا المسائل تقديراً، ثم جاء الأئمة بعدهم فافتقروا إلى هذا التصوير بسبب تقاصر الهمم وتبدل الأحوال.
ما شروط تصوير المسائل الفقهية على وجهها الصحيح وما الذي يميز المجتهد القادر عليه؟
تصوير المسائل على وجهها الصحيح بجلياتها وخفياتها ثم نقل أحكامها عمل لا يُحسنه إلا من رزقه الله فقه النفس، كما أكد ابن الصلاح. فالتصوير ليس عملاً شكلياً بل مهارة علمية تحتاج عمقاً ودربة تُمكّن المجتهد من جمع أوصاف المسألة وتمييز ما يؤثر منها في الحكم عما لا يؤثر.
ما علاقة المنطق الأرسطي بمنظومة التعريف الفقهي وكيف وظّفه العلماء المسلمون؟
المنظومة التعريفية التي يقدمها العلماء مبنية أساساً على المنطق الأرسطي بعد تعديله وتغيير وجهته وفق النظرة الإسلامية للوجود. وقد بيّن الإسنوي العلاقة بين التصوير والوضع اللغوي، موضحاً أن الوضع فرع التصور، وأن الصورة الذهنية تنقسم إلى جزئية وكلية مما يُحدد نوع الاسم علماً للجنس أو اسماً للجنس.
هل يجوز الخروج من أسر المنطق الأرسطي في الفقه الإسلامي وما شروط ذلك؟
الخروج من أسر المنطق الأرسطي حق مشروع طالما وُجدت اعتراضات حقيقية موجهة إليه. غير أن المحاولات القائمة تبدو واقعة في أسر العناء النفسي من استعمال مصطلحات غير إسلامية الأصل، أكثر مما تقدم إطاراً منهجياً رصيناً يسد الفراغ. والرفض النفسي وحده أو عدم القدرة على هضم الاصطلاحات لا يُعدّ مسوّغاً كافياً.
كيف تعامل القرافي مع المنطق في شرح تنقيح الفصول وما الذي ميّزه عن الغزالي والرازي؟
القرافي قدّم محاولة مزدوجة للاستفادة من المنطق؛ فعقد الفصل الأول لمباحث الحد والتعريف متابعاً الغزالي، لكنه تخطّى المحصول للرازي الذي حذف المقدمة المنطقية كلها. والرازي رغم إمامته في المعقولات لم يروّج صراحة للمنطق في الأصول كما صنع الغزالي، وإن كان يعتمد عليه ضمنياً.
لماذا اقتصر القرافي على مباحث الحد وترك دعامة البرهان المنطقي التي اعتمدها الغزالي؟
الغزالي بنى مقدمته على دعامتين: الحد والبرهان، بناءً على حصر مدارك العلوم النظرية فيهما. أما القرافي فاقتصر على الحديث عن الحد والمعرّفات ولم يتعرض للبرهان بصورته المنطقية. ولم يُصرّح القرافي بسبب هذا الإعراض، مما يفتح المجال للاجتهاد في تفسيره.
ما التفسير المحتمل لإعراض القرافي عن دعامة البرهان المنطقي وكيف عالج مباحث الألفاظ؟
يُرجَّح أن القرافي ترك دعامة البرهان المنطقي إشارةً إلى أن ما في علم الأصول من أدلة لتحصيل العلم كافٍ كبديل إسلامي عن البراهين المنطقية. وفي مباحث الألفاظ عقد فصلاً لأسماء الألفاظ ذكر فيه سبعة عشر مصطلحاً شرحها دون استخدام كلمات الحد والتحديد إلا ثلاث مرات فقط.
كيف عبّر القرافي عن حقائق المصطلحات الفقهية في تقسيمات كتابه مع تجنب لغة المنطق؟
القرافي في تقسيمات كتابه يستخدم عبارة 'الفصل الأول في حقيقته' بدلاً من 'في حده'، مشيراً إلى أن المراد الوصول إلى الحقيقة بأي طريق. وهو رغم البعد عن اللغة الاصطلاحية يصوغ حقائقه في ضوء القواعد المنطقية التي تشكل له الخلفية العلمية، مما يُتيح للقارئ الاستفادة دون معاناة نفسية. وصدق ابن رشد: لا مشاحة في الأسماء إذا فُهمت المعاني.
ما النموذج الذي يقدمه القرافي للتعامل مع اللغة الاصطلاحية المنطقية في الفقه الإسلامي؟
نموذج القرافي يقوم على الفكاك من أسر اللغة الاصطلاحية مع الحفاظ على البنية العلمية التي وراءها في الخلفية، بحيث ينتبه إليها من يُجيدها ولا يصطدم بها من لا يُجيدها. كما يطرح هذا النموذج حلاً في حالة فشل تقديم البديل الكامل، وقد يصلح حلاً مؤقتاً حتى يتبلور ذلك البديل.
ما المقصود بالتكييف الفقهي وكيف يتم تطبيقه على المعاملات المالية؟
التكييف الفقهي هو معرفة ما يندرج تحته ما صُوِّر من مسائل. فعند تصوير معاملة مالية يُبحث عن العقد الذي تندرج تحته من العقود المسماة كالبيع والإجارة والرهن. فإن وُجد ألحقت به، وإن لم تندرج تحت أي منها جُعلت من العقود غير المسماة وأُطلق عليها اسم يتناسب مع حقيقتها.
ما المقصود بالتنزيل في الاجتهاد الفقهي وما العوامل التي يجب مراعاتها عند تطبيقه؟
التنزيل هو إيقاع الحكم على الواقع بعد دراسته، إذ قد لا يكون الواقع على المعتاد. ويستلزم مراعاة اختلاف الدار من دار كفر أو دار إسلام، واختلاف الزمان بتبدل أعراف الناس، واختلاف الأحوال بحدوث ضرورة أو حاجة تنزل منزلتها، واختلاف الأشخاص كالشخصية الاعتبارية والطبيعية.
كيف أثّر تطور التصنيف العلمي على شروط المجتهد وعلاقته بحفظ المعلومات؟
في بداية التصنيف كان على المجتهد حفظ عدد هائل من الأسانيد والمتون. ومع تقدم العلوم والتصنيف وأدوات العلم أصبح الاعتماد على الأدوات أكبر، فتخفّف المجتهد من عبء الحفظ وتفرّغ لتحصيل المناهج والقواعد والتمرس على التطبيق ودراسة الواقع.
كيف يمكن توظيف الحاسب الآلي وقواعد البيانات في خدمة عملية الاجتهاد الفقهي؟
ينبغي استغلال أي تطور في إمكانيات استدعاء البيانات إلى أقصى درجة لمساعدة عملية الاجتهاد. وفي مجال القرآن والسنة يجب أن تتجاوز المحاولات الرقمية مجرد تطوير شكل الكتاب إلى مرحلة أعلى تُسخَّر فيها قواعد البيانات لوضع برامج تشمل آليات الاجتهاد، حتى يتفرغ المجتهد لتطبيق قواعد الاجتهاد على أوسع قاعدة ممكنة من البيانات.
الاجتهاد الفقهي الصحيح يقوم على تصوير المسألة وتكييفها وتنزيل الحكم على الواقع مع مراعاة القواعد الكلية ومقاصد الشريعة.
التصوير والتكييف والتنزيل مراحل متكاملة لا يصح الاجتهاد بدونها؛ فالتصوير يحدد حقيقة المسألة بجلياتها وخفياتها، والتكييف يُلحقها بالباب الفقهي المناسب، والتنزيل يُوقع الحكم على الواقع مراعاةً لاختلاف الدار والزمان والعرف والأشخاص. وقد أكد ابن الصلاح أن هذا العمل لا يُحسنه إلا فقيه النفس.
نموذج القرافي في شرح تنقيح الفصول يُقدم حلاً عملياً للتعامل مع المنطق الأرسطي: الاستفادة من بنيته العلمية دون الانزلاق في أسر مصطلحاته، مما يُتيح للقارئ الاستفادة دون معاناة نفسية. وفي العصر الحديث، يُضاف إلى ذلك توظيف الحاسب الآلي وقواعد البيانات لتخفيف عبء الحفظ وتمكين المجتهد من التفرغ لتطبيق قواعد الاجتهاد.
أبرز ما تستفيد منه
- التصوير الفقهي مهارة علمية تحتاج عمقاً ودربة لا يُحسنها إلا فقيه النفس.
- التكييف يعني إلحاق المعاملة المُصوَّرة بالعقد المناسب مسمىً أو غير مسمى.
- التنزيل يستلزم مراعاة الدار والزمان والعرف والأشخاص عند إيقاع الحكم.
- القرافي قدّم نموذجاً للفكاك من اصطلاحات المنطق مع الحفاظ على بنيته العلمية.
- توظيف الحاسب الآلي في خدمة الاجتهاد ضرورة لتحرير المجتهد للتركيز على القواعد والتطبيق.
ضرورة مراعاة القواعد الكلية ومقدمة إشكالات التصوير والتعريف
فلا بد من مراعاتها، وعدم الغفلة عنها حتى لا تكون نتيجة عملية الاجتهاد مخالفة لقواعد الشرع وكلياته ومقاصده.
13- إشكالات التصوير والتعريف والتكييف والتنزيل:
على من يريد البحث عن حكم مسألة أن يصورها ويكيفها وينزل الحكم عليها.
مفهوم التصوير الفقهي وتطوره عند الغزالي
- التصوير:
-
المقصود هنا التصوير الفقهى، وليس التصوير المنطقى المقابل للتصديق.
-
التصوير الفقهى أحد معالم التطور الفقهى، يقول الغزالى:
من وجب عليه تقليد إمام لم يتعين عليه تقليد واحد من الصحابة... بل لا يسوغ؛ إذ الوقائع شتى، وهى لكثرتها لا ضبط لها، والمنقول عن هذه الأئمة مذهبا وقائع محصورة لا تفى بجميع الوقائع، وذلك يحوج المقلد إلى اتباع إمام آخر... وأما الصحابة لم يكثر بحثهم، ولم يطل فى الفروع نظرهم، وليس هذا منا طعنا فيهم، ولا تشبيب بالطعن، فإنهم اشتغلوا بتقعيد القواعد، وضبط أركان الشريعة، وتأسيس كلياتها، ولم يصوروا المسائل تقديرا... ولكنهم كانوا يجيبون عن الوقائع مكتفين بها. ثم انقلبت الأمور؛ إذ تكررت العصور، وتقاصرت الهمم، وتبدلت السير والشيم، فافتقر الأئمة إلى تقدير المسائل، وتصوير الوقائع قبل وقوعها، ليسهل على الطالبين أخذها عن قرب [1].
أهمية تصوير المسائل عند ابن الصلاح وملكة فقيه النفس
- ويقول ابن الصلاح:
تصوير المسائل على وجهها، ثم نقل أحكامها بعد استتمام تصويرها جلياتها وخفياتها لا يقوم به إلا فقيه النفس، ذو حظ من الفقه [2].
يؤكد ابن الصلاح أن تصوير المسائل على وجهها الصحيح، بجليّاتها وخفيّاتها، ثم نقل أحكامها، عمل لا يحسنه إلا من رزقه الله فقه النفس. وهذا يدل على أن التصوير ليس مجرد عمل شكلي، بل هو مهارة علمية تحتاج إلى عمق ودربة، تجعل المجتهد قادرا على جمع أوصاف المسألة، وتمييز ما يؤثر منها في الحكم عما لا يؤثر.
المنظومة التعريفية المبنية على المنطق الأرسطي وعلاقتها بالتصور
- التعريف:
-
المنظومة التى يقدمها لنا العلماء سابقا فى هذا المجال تتكون أساسا من خلال المنطق الإرسطى بعد تعديله وتغيير وجهته تماما، ربما بقيت الأسماء المنطقية الإرسطية، لكن تغيرت المسميات طبقا للنظرة الإسلامية للوجود، ولا مشاحة فى الأسماء إذا صحت المعانى.
-
يبين لنا الإسنوى عملية التصوير وعلاقتها بالوضع اللغوى، فيقول:
الوضعَ فرعُ التَّصوُّر. فإذا استحضر الواضع صورة الأسد؛ ليضع لها فتلك الصورة الكائنة فى ذهنه هى جُزْئِيَّة، بالنسبة إلى مُطْلَق صورة الأسد، فإن هذه الصورة واقعة لهذا الشخص فى هذا الزمان، ومثلها يقع فى زمان آخر، وفى ذهن شخص آخر، والجميع يشترك فى مُطْلَق صورة الأسد، فهذه الصورة جُزْئِيَّة من مُطْلَق صورة الأسد، فإن وُضِعَ لها من حيث خصوصها، فهو: عَلَم الجنس، أو من حيث عمومها فهو: اسم الجنس [3].
محاولات تجاوز المنطق الأرسطي ومشروعية الاعتراض عليه
-
هناك محاولات لتجاوز تلك المنظومة دون تقديم بديل واضح ومحدد، تبدو هذه المحاولات واقعة فى أسر العناء النفسى من استعمال مصطلحات غير إسلامية الأصل، أكثر مما تبدو متلفحة بإطار منهجى أو موقف علمى رصين يقدم بديلا جديرا بالاعتبار وسد الفراغ.
-
ولا شك أن الخروج من أسر هذا المنطق حق مشروع طالما أن هناك اعتراضات حقيقية موجهة إليه، وليس مجرد استصعابه، أو عدم القدرة على هضم اصطلاحاته، أو الرفض النفسى له.
محاولة القرافي المزدوجة للاستفادة من المنطق وتخفيف حضوره الاصطلاحي
- إن الإمام القرافى يقدم لنا فى شرح تنقيح الفصول محاولة مزدوجة للاستفادة منه، فالفصل الأول من كتابه عقده فى الحد، وتكلم فيه عن مباحث الحد والتعريف كما جرى عليه المناطقة المسلمون، متابعا فى ذلك الإمام الغزالى فى مقدمة المستصفى، ومتخطيا المحصول الذى أخذ منه كتابه التنقيح؛ حيث حذف الإمام الرازى المقدمة المنطقية جميعها رغم أن المستصفى معتمده [4]، ولم يحاول الرازى - وهو إمام المعقولات - أن يروج صراحة للمنطق فى علم الأصول كما صنع الغزالى، وإن كان تعويله على معقولاته - وضمنها المنطق - فى البحث أثناء الكتاب كله.
اقتصار القرافي على مباحث الحد وترك دعامة البرهان المنطقي
-
لكن القرافى لم يتابع الغزالى تماما، بل له رؤية مستقلة، فعلى حين عقد الغزالى مقدمته من دعامتين: دعامة فى الحد، ودعامة فى البرهان، بناء على حصر مدارك العلوم النظرية فى الحد والبرهان - على حد تعبيره مدللا عليه [5].
-
فإن القرافى اقتصر فى الفصل الأول من الباب الأول على الحديث عن الحد والمعرّفات [6]، ولم يتعرض مطلقا إلى الحديث عن البرهان بصورته المنطقية التى ذكرها الغزالى.
تفسير ترك البرهان عند القرافي والتركيز على أسماء الألفاظ
- ولم يذكر لنا السبب وراء إعراضه عن دعامة البرهان، وصدق حين قال فى مقدمة الشرح:
فلما كثر المشتغلون به - يعنى التنقيح - رأيتُ أن أضع له شرحا يكون عونا لهم على فهمه وتحصيله، وأبين فيه مقاصد لا تكاد تعلم إلا من جهتى؛ لأنى لم أنقلها عن غيرى، وفيها غموض [7].
فنكّر مقاصد عمدا، لأنه لم يبين كل مقاصده، وليته عرّف !
-
على أى حال فقد ترك لنا المجال للاجتهاد، فلعله ترك دعامة البرهان المنطقى، إشارة إلى أن ما فى علم الأصول من أدلة لتحصيل العلم كاف كبديل إسلامى عن البراهين المنطقية.
-
أما دعامة الحد فرغم ذكره لها فإنه استطاع أن يخرج من أسر مصطلحاتها فيما بعد، فمثلا: يعقد الفصل السادس من الباب الأول أيضا لـ "أسماء الألفاظ"، فيقول: المشترك هو... المتواطئ هو... حتى يذكر سبعة عشر مصطلحا يختمها بالأمر والنهى، ويشرحها جميعا، دون أن يستخدم كلمات مثل: الحد - التحديد، إلا ثلاث مرات فقط - من جملة السبعة عشر مصطلحا -: عند الكلام على المشترك والمشكك والأمر [8].
تقسيمات القرافي وحفظ الحقيقة مع تجنب اصطلاحات المنطق
-
وهذه الظاهرة نلحظها بصفة عامة من تقسيمات الكتاب فنراه يقول: الباب الرابع: فى الأوامر... الفصل الأول فى مسماه ما هو - الباب الخامس فى النواهى... الفصل الأول فى مسماه - الباب التاسع فى الشروط... الفصل الأول فى حقيقته - الباب الرابع عشر فى النسخ... الفصل الأول فى حقيقته - الباب الخامس عشر فى الإجماع... الفصل الأول فى حقيقته - الباب السادس عشر فى الخبر... الفصل الأول فى حقيقته - الباب السابع عشر فى القياس... الفصل الأول فى حقيقته. والباب الوحيد الذى قال فيه:... الفصل الأول فى حده هو: الباب الثامن فى الاستثناء. ( ويلاحظ أن هناك بابان فقط قال فيهما:... الفصل الأول فى مسماه؛ وهما الأوامر والنواهى، ويلاحظ أنه قد عرفهما فى الفصل السادس، على حين أن ما قال فيه من الأبواب: الفصل الأول فى حقيقته، لم يتعرض لتعريفها فى الفصل السادس المشار إليه).
-
وقوله فى حقيقته إشارة صريحة إلى أن المراد هو الوصول إلى الحقيقة، ولا عليك أن تأخذ طريقه فى الوصول إليها، أو تتخذ لنفسك طريقا أخرى، ودون أن يرهق قارئه بمصطلحات المنطق.
-
والإمام القرافى فى كل ذلك - ورغم البعد عن اللغة الاصطلاحية - يصوغ حقائقه فى ضوء القواعد المنطقية، التى تشكل له الخلفية العلمية والعملية للصياغة.
-
يستطيع القارئ أن يقرأ كلام الإمام القرافى بيسر نسبى، وأيضا دون معاناة نفسية أو حرج لكون الاشتغال بالمنطق حرام.
-
وصدق ابن رشد حين يقول:
ولا مشاحة فى الأسماء إذا فهمت المعانى [9].
نموذج القرافي للفكاك من اللغة الاصطلاحية مع حفظ البنية العلمية
-
ما تقدم عن القرافى على حاجته إلى مزيد من البحث، يعطى إشارة هامة إلى نموذج للفكاك من أسر اللغة الاصطلاحية، مع الحفاظ على البنية العلمية التى وراء تلك اللغة فى الخلفية، لينتبه إليها من يجيدها، ولا يصطدم بها من لا يجيدها، أو يرفضها.
-
كما يطرح حلا للمشكلة، فى حالة فشل تقديم البديل، وربما يصلح كحل مؤقت حتى يتبلور ذلك البديل.
مرحلة التكييف الفقهي وإلحاق المعاملة بالعقود المناسبة
- التكييف:
بعد التصوير تأتى مرحلة التكييف وهى معرفة ما يندرج تحته ما صورناه، فمثلاً عند تصوير معاملة مالية بصورة معينة، ومعرفة ماهيتها وحقيقتها نبحث عن العقد الذى تندرج تحته هذه المعاملة بتلك الصورة، ونبدأ فى البحث فى العقود المسماة: البيع، والإجارة، والرهن، و...الخ فإن وجدنا حقيقة المصور يندرج تحت حقيقة واحدة من هذه العقود ألحقناه بها، وإن لم نجده كذلك جعلناه من العقود غير المسماة، وأطلقنا عليه اسماً يتناسب مع حقيقته، وسعينا للحكم عليه.
مرحلة التنزيل ومراعاة اختلاف الدار والزمان والعرف والأشخاص
- التنزيل:
وهو أن توقع الحكم على الواقع باعتبار أن الاجتهاد يستلزم إنزال الحكم على الواقع حيث إن الواقع قد لا يكون على المعتاد، وذلك باختلاف الدار من دار كفر أو دار إسلام، واختلاف الزمان باختلاف أعراف الناس، واختلاف الأحوال بحدوث ضرورة، أو حاجة تنزل منزلة الضرورة أو اختلاف الأشخاص كما هو فى الشخصية الاعتبارية والطبيعية فلابد للمجتهد من أن يراعى الواقع بعد دراسته حتى ينزل الحكم عليه بما يناسبه.
تغير شروط المجتهد ودور سرعة استدعاء المعلومات
14- سرعة استدعاء المعلومات:
إن نظرة على ما تقدم من شروط المجتهد تبين لنا بوضوح أن قضية سرعة استدعاء المعلومات لعبت دورا كبيرا فى شروط المجتهد، فحيث كان التصنيف فى علم الحديث فى أوله كان على المجتهد حفظ العدد الهائل من الأسانيد والمتون، ومع تقدم العلوم والتصنيف وأدوات العلم أصبح الاعتماد على الأدوات أكثر لتخفف المجتهد من عبء الحفظ شىء تاركا هذه الوظيفة للأدوات حفظ البيانات المختلفة ليتفرغ هو إلى تحصيل المناهج والقواعد وإلى التمرس على التطبيق، ودراسة الواقع.
تسخير الحاسب الآلي والبيانات لخدمة الاجتهاد في القرآن والسنة
ومن هنا فإن أى تطور فى إمكانيات استدعاء البيانات ينبغى أن يستغل إلى أقصى درجة فى مساعدة عملية الاجتهاد، وإذا كان هناك عدة محاولات فى مجال القرآن الكريم على الحاسب الآلى فإنه ينبغى أن يوظف جزء منها لخدمة الاجتهاد، حيث إن الكثير من هذه المحاولات إنما تهدف إلى خدمة عموم المثقفين.
وكذلك الحال فى السنة النبوية، فإنه ينبغى أن تتبع مرحلة الإدخال والتحقيق والفهرسة إلى غير ذلك من خطوات نشر النصوص المعتادة والتى استبدل فى الحاسب الآلى بالكتاب.
ينبغى أن تتبع هذه المرحلة السابقة - حتى لا يصبح الأمر مجرد تطوير فى شكل الكتاب وحسب - مرحلة أعلى وأعمق يسخر فيها كل هذا من أجل وضع برامج تشمل آليات الاجتهاد بعد أن توفرت قاعدة كبيرة وهامة من البيانات.
أما فى غير ذلك الأمر، فنحن بحاجة إلى تغطية شاملة لكل مجالات الاجتهاد الباقية وآلياته وعلى أوسع قاعدة ممكنة من البيانات تعطى للمجتهد كافة ما يحتاجه وليصبح كل ما عليه هو تطبيق قواعد الاجتهاد.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الفرق بين التصوير الفقهي والتصوير المنطقي؟
التصوير الفقهي تقدير المسائل وتصويرها، والمنطقي مقابل التصديق
لماذا لم يُصوّر الصحابة المسائل تقديراً وفق ما ذكره الغزالي؟
لأنهم اشتغلوا بتقعيد القواعد وتأسيس كليات الشريعة
من قال إن تصوير المسائل على وجهها لا يقوم به إلا فقيه النفس؟
ابن الصلاح
ما الذي يعنيه التكييف الفقهي عند تصوير معاملة مالية؟
إلحاق المعاملة بالعقد المناسب من العقود المسماة أو غير المسماة
ما العوامل التي يجب مراعاتها في مرحلة التنزيل الفقهي؟
اختلاف الدار والزمان والعرف والأحوال والأشخاص
ما الدعامتان اللتان بنى عليهما الغزالي مقدمته المنطقية في المستصفى؟
الحد والبرهان
ما الموقف الذي اتخذه الرازي من المنطق في كتابه المحصول؟
حذف المقدمة المنطقية كلها ولم يروّج للمنطق صراحة
ما الذي يُرجَّح أن القرافي أراده بتركه دعامة البرهان المنطقي؟
أن ما في علم الأصول من أدلة كافٍ كبديل إسلامي عن البراهين المنطقية
كم مرة استخدم القرافي كلمة 'الحد' أو 'التحديد' في فصل أسماء الألفاظ الذي يضم سبعة عشر مصطلحاً؟
ثلاث مرات
ما مقولة ابن رشد التي استشهد بها في سياق الاصطلاحات المنطقية؟
لا مشاحة في الأسماء إذا فُهمت المعاني
ما الذي يُميّز نموذج القرافي في التعامل مع اللغة الاصطلاحية المنطقية؟
الفكاك من اصطلاحات المنطق مع الحفاظ على بنيته العلمية في الخلفية
كيف أثّر تطور التصنيف العلمي على متطلبات الحفظ عند المجتهد؟
خفّف عبء الحفظ وأتاح للمجتهد التفرغ للمناهج والتطبيق
ما المرحلة الأعلى التي ينبغي أن تصل إليها برامج الحاسب الآلي في خدمة الاجتهاد؟
وضع برامج تشمل آليات الاجتهاد على قاعدة واسعة من البيانات
ما الشرط الذي وضعه النص لمشروعية الخروج من أسر المنطق الأرسطي؟
أن توجد اعتراضات حقيقية موجهة إليه لا مجرد رفض نفسي
ما المقصود بالقواعد الكلية في الاجتهاد الفقهي؟
هي القواعد العامة لقواعد الشرع وكلياته ومقاصده التي يجب مراعاتها حتى لا تكون نتيجة الاجتهاد مخالفة لها.
لماذا احتاج الأئمة إلى تصوير المسائل بعد عصر الصحابة؟
لأن الأحوال تبدلت وتقاصرت الهمم، فافتقر الأئمة إلى تقدير المسائل وتصوير الوقائع قبل وقوعها ليسهل على الطالبين أخذها.
ما صفة من يستطيع تصوير المسائل على وجهها الصحيح وفق ابن الصلاح؟
لا يقوم بذلك إلا فقيه النفس، ذو حظ من الفقه، القادر على جمع أوصاف المسألة وتمييز ما يؤثر منها في الحكم.
ما الذي بيّنه الإسنوي عن علاقة التصور بالوضع اللغوي؟
بيّن أن الوضع فرع التصور، وأن الصورة الذهنية إن وُضع لها من حيث خصوصها فهي علم الجنس، وإن وُضع لها من حيث عمومها فهي اسم الجنس.
ما شرط مشروعية الخروج من المنطق الأرسطي؟
أن توجد اعتراضات حقيقية موجهة إليه، لا مجرد استصعابه أو عدم القدرة على هضم اصطلاحاته أو الرفض النفسي له.
ما المحاولة المزدوجة التي قدّمها القرافي في شرح تنقيح الفصول؟
عقد الفصل الأول لمباحث الحد والتعريف متابعاً الغزالي، مع السعي للتخفيف من الاصطلاحات المنطقية في سائر الكتاب.
ما الفرق بين منهج الغزالي والقرافي في التعامل مع البرهان المنطقي؟
الغزالي بنى مقدمته على دعامتي الحد والبرهان، بينما اقتصر القرافي على الحد وأعرض عن البرهان المنطقي كلياً.
ما دلالة استخدام القرافي عبارة 'في حقيقته' بدلاً من 'في حده'؟
إشارة صريحة إلى أن المراد الوصول إلى الحقيقة بأي طريق، دون إرهاق القارئ بمصطلحات المنطق.
ما الحل الذي يقدمه نموذج القرافي لمن يرفض اصطلاحات المنطق؟
الفكاك من أسر اللغة الاصطلاحية مع الحفاظ على البنية العلمية في الخلفية، وقد يصلح حلاً مؤقتاً حتى يتبلور البديل الكامل.
ما تعريف التكييف الفقهي؟
هو معرفة ما يندرج تحته ما صُوِّر من مسائل، بإلحاقه بالعقد المناسب من العقود المسماة، أو جعله من العقود غير المسماة إن لم يندرج تحت أي منها.
ما الفرق بين العقود المسماة وغير المسماة في التكييف الفقهي؟
العقود المسماة هي العقود المعروفة كالبيع والإجارة والرهن، أما غير المسماة فهي العقود التي لا تندرج تحت أي من العقود المعروفة فيُطلق عليها اسم يتناسب مع حقيقتها.
ما العوامل التي يراعيها المجتهد في مرحلة التنزيل؟
اختلاف الدار من دار كفر أو دار إسلام، واختلاف الزمان بتبدل الأعراف، واختلاف الأحوال بحدوث ضرورة أو حاجة، واختلاف الأشخاص كالشخصية الاعتبارية والطبيعية.
كيف تغيّر دور الحفظ في شروط المجتهد مع تطور أدوات التصنيف؟
في البداية كان على المجتهد حفظ الأسانيد والمتون، ثم مع تطور الأدوات تخفّف من عبء الحفظ وتفرّغ لتحصيل المناهج والقواعد والتمرس على التطبيق.
ما المرحلة التي ينبغي أن تتجاوز إليها برامج الحاسب الآلي في خدمة الاجتهاد؟
تتجاوز مرحلة الإدخال والفهرسة إلى مرحلة أعلى تُسخَّر فيها قواعد البيانات لوضع برامج تشمل آليات الاجتهاد، ليتفرغ المجتهد لتطبيق قواعد الاجتهاد.
ما مقولة ابن رشد في شأن الأسماء والمعاني؟
قال: لا مشاحة في الأسماء إذا فُهمت المعاني، أي أن الخلاف في التسمية لا يضر ما دامت الحقائق والمعاني مفهومة.
ما الباب الوحيد الذي قال فيه القرافي 'الفصل الأول في حده' بدلاً من 'في حقيقته'؟
الباب الثامن في الاستثناء هو الباب الوحيد الذي استخدم فيه القرافي عبارة 'في حده'.