لماذا تنحصر النصوص الشرعية بينما تتكاثر الوقائع وكيف تعيق إشكالية انفصال العلوم عملية الاجتهاد الفقهي؟
النصوص الشرعية محصورة بينما الوقائع غير محصورة، مما يوجب الاجتهاد والعمل بالظن عند غياب النص. وتزيد المشكلة تعقيدًا بانفصال دوائر العلوم في ذهن العالم، إذ لا يكفي جمع آلات الاجتهاد وحده، بل المشكلة الحقيقية هي غياب إجراءات العملية الاجتهادية وكيفية استثمار الأحكام من الأدلة.
- •
هل يمكن لعالم يحفظ كل علوم الاجتهاد أن يعجز عن استخراج حكم شرعي واحد من دليله؟
- •
النصوص الشرعية محصورة بينما الوقائع غير محصورة، مما يجعل الاجتهاد والعمل بالظن ضرورة لا مفر منها عند غياب النص.
- •
انفصال دوائر العلوم في ذهن العالم يُعدّ أخطر إشكالات الاجتهاد، إذ يفتقد العالم الرابط بين العلوم والقدرة على تشغيلها معًا.
- •
كيفية استثمار الأحكام من الأدلة وإجراءات العملية الاجتهادية شبه غائبة عن التدوين، وكانت تُتلقى شفهيًا من الشيخ.
- •
المستصفى للغزالي تميّز بتخصيص قطب كامل لكيفية استثمار الأحكام، وهو ما أغفلته مدرسة المحصول التي نتبعها اليوم.
- •
مصنفات أصول الفقه اعتنت بدلائل الفقه وحال المستفيد، لكن ضاع ما بينهما وهو كيفية الاستفادة والاستدلال.
- 1
النصوص الشرعية محصورة والوقائع غير محصورة، مما يوجب الاجتهاد والعمل بالظن عند غياب النص في النازلة.
- 2
انفصال دوائر العلوم في ذهن العالم يجعله عاجزًا عن التخريج رغم جمعه لآلات الاجتهاد، وهي أخطر إشكالات الاجتهاد.
- 3
إجراءات العملية الاجتهادية وكيفية استثمار الأحكام شبه غائبة عن التدوين، وكتاب التمهيد للأسنوي محاولة بكر لم تكتمل.
- 4
المجامع الفقهية رغم جهودها عاجزة عن سد مسد مجتهد واحد، لأن المشكلة في غياب إجراءات الاجتهاد لا في نقص العلوم.
- 5
أبو الحسين البصري اشترط لمن يفتي أن يكون من أهل الاجتهاد بمعرفة الأدلة السمعية والقدرة على الاستدلال بها.
- 6
ابن رشد قسّم أصول الفقه أربعة أجزاء واعتبر النظر في الأدلة المستعملة وكيفية استعمالها هو النظر الخاص بهذه الصناعة.
- 7
المستصفى تميّز بقطب كامل لاستثمار الأحكام من الأدلة، بينما أغفلت مدرسة المحصول السائدة هذا المحور الجوهري.
- 8
القطب الثالث في المستصفى يجمع مباحث اللغات والأمر والنهي والقياس تحت عنوان كيفية استثمار الأحكام، وهو ما لا نجده في المحصول.
- 9
الدكتور الحصري تبنّى منهج المستصفى في دراسة تطبيقية لاستنباط الأحكام من النصوص جامعًا بين مدرستي الشافعية والحنفية.
- 10
تعريف أصول الفقه يتضمن كيفية الاستفادة من الأدلة، لكن الدارس ينتهي من المصنفات دون أن يتعلم هذه الكيفية فعليًا.
- 11
حال طالب الأصول كمن يحفظ النحو ولا يُعرب، وابن هشام عالج هذا في مغني اللبيب بأبواب خاصة لكيفية الإعراب.
- 12
مصنفات الأصول اعتنت بدلائل الفقه وحال المستفيد وأهملت المحور الأوسط وهو كيفية الاستفادة من الأدلة.
- 13
الإسنوي فسّر كيفية الاستفادة بمعرفة شرائط الاستدلال وربطها بكتاب التعادل والترجيح لأن الاستنباط يستلزم معرفة التعارض.
- 14
إجراءات الاجتهاد في المسائل غير المتعارضة مجهولة، وأبو الحسين البصري نبّه إلى خطورة الجهل بطريق الأحكام الشرعية وكيفية دلالتها.
- 15
ابن رشد تحاشى تفصيل مباحث الترجيح معتبرًا إياها قوانين لا تتناهى، وموقفه يمهّد لضرورة تحديد إجراءات الاجتهاد الفقهي.
لماذا تنحصر النصوص الشرعية بينما الوقائع غير محصورة وما الحل عند غياب النص؟
النصوص الشرعية محصورة بينما الوقائع لا تنتهي، وهذه أولى الإشكالات التي تواجه الباحث عن حكم شرعي في نازلة. وقد نبّه ابن السبكي إلى أن ورود النص ليس باختيار المجتهد، فقد يُسأل عن قضية ولا يرد فيها نص، فيُؤمر بالعمل بالظن.
ما المقصود بانفصال دوائر العلوم وكيف يعيق الاجتهاد الفقهي؟
انفصال دوائر العلوم في ذهن العالم يعني افتقاده للرابط بين العلوم بعضها ببعض وعجزه عن تشغيلها جميعًا معًا. وهذه الإشكالية هي الأكثر تحديًا في إشكالات الاجتهاد، إذ لا يكفي أن يجمع المتخصص في الفقه والأصول آلات الاجتهاد المقيد دون أن يمتلك القدرة على التخريج والتفريع على مذهبه.
لماذا تُعدّ كيفية استثمار الأحكام من الأدلة إشكالية غائبة عن التدوين الفقهي؟
كيفية استثمار الأحكام من الأدلة وإجراءات التفريع والتخريج شبه غائبة عن التدوين الكامل، وكأنها كانت أمورًا شفهية يتلقاها التلميذ من شيخه. وحتى أكبر نماذجها وهو كتاب التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للأسنوي لا يخرج عن ضرب الأمثلة، وهو محاولة بكر ما زالت بحاجة إلى تشغيل ومتابعة.
لماذا تعجز اللجان والمجامع الفقهية عن سد مسد مجتهد واحد رغم جمعها لعلوم الاجتهاد؟
جمع آلات الاجتهاد في شخص أو لجنة ليس هو ما ينقصنا، بل المشكلة الحقيقية هي غياب كيفية الاجتهاد وإجراءاته. فلو شُكّلت لجنة من العلماء بكافة علوم الاجتهاد وطُلب منهم استثمار حكم شرعي من النص، لعجزوا عن الإتيان بذلك على صورة ما كان يصنع المجتهدون المتقدمون. وهذا واقع يجب الاعتراف به لإمكان إصلاحه.
ما الشرط الذي حدده أبو الحسين البصري لمن يحق له الإفتاء والاجتهاد؟
اشترط أبو الحسين البصري في المعتمد أن يكون المفتي من أهل الاجتهاد، وإنما يكون من أهله إذا عرف الأدلة السمعية وأمكنه الاستدلال بها. فمجرد حفظ العلوم لا يكفي دون القدرة الفعلية على الاستدلال بالأدلة.
كيف قسّم ابن رشد صناعة أصول الفقه وما الجزء الذي اعتبره النظر الخاص بها؟
قسّم ابن رشد صناعة أصول الفقه إلى أربعة أجزاء: النظر في الأحكام، وأصول الأحكام، والأدلة المستعملة في استنباط الأحكام وكيفية استعمالها، وشروط المجتهد. واعتبر أن النظر الخاص بهذه الصناعة إنما هو الجزء الثالث المتعلق بالأدلة المستعملة وكيفية استعمالها، لأنه مباين بالجنس للأجزاء الأخرى.
بم تميّز المستصفى للغزالي عن مدرسة المحصول في خطة التصنيف الأصولي؟
تميّز المستصفى بتخصيص قطب كامل لقضية استثمار الأحكام من الأدلة، وهي القضية الشاغلة للغزالي في قطبه الثالث. في المقابل أغفلت مدرسة المحصول للرازي وأتباعه هذا المحور بنفس الدرجة من الوضوح، رغم اعتمادها على المستصفى، مما جعل هذا البُعد الجوهري يتراجع في المصنفات الأصولية اللاحقة.
ما المباحث التي تضمنها القطب الثالث من المستصفى في كيفية استثمار الأحكام؟
ترجم الغزالي القطب الثالث بـ'كيفية استثمار الأحكام من مثمرات الأصول'، وتضمّن أهم مباحث علم الأصول: اللغات، والمجمل والمبين، والأمر والنهي، والعام والخاص، ودلالة الاقتضاء، والقياس. وهذه المباحث وإن وُجدت في مدرسة المحصول إلا أنها لا يجمعها قطب واحد كما في المستصفى، مما يعكس فارقًا منهجيًا جوهريًا.
ما إسهام أحمد محمد الحصري في معالجة إشكالية استنباط الأحكام من النصوص؟
تبنّى الدكتور أحمد محمد الحصري وجهة نظر المستصفى في دراسته 'استنباط الأحكام من النصوص'، وهي دراسة نظرية وتطبيقية اعتنت اعتناءً كبيرًا بالتطبيق الفروعي للقاعدة. وتميّزت بجمعها بين مدرستي الشافعية والحنفية، وكانت موجهة لطلبة الدراسات العليا.
لماذا يدرس طالب الأصول تعريف العلم دون أن يتعلم كيفية الاستفادة من الأدلة فعليًا؟
تعريف علم أصول الفقه يتضمن صراحةً 'كيفية الاستفادة من الأدلة'، غير أن الدارس يستغرق في الشرح والمذاهب ومناقشة العبارات دون أن يتعلم فعليًا كيفية الاستفادة والاستدلال وجهات الدلالة. فالتعريف يعد بتعليم الإجراء لكن المصنفات لا تفي بهذا الوعد.
كيف شبّه العلماء حال طالب الأصول بطالب النحو وما الحل الذي قدمه ابن هشام؟
شُبّه حال طالب الأصول بمن يعرف قواعد النحو ولا يعرف كيف يُعرب، وهي مشكلة حقيقية انتبه إليها ابن هشام فقدّم محاولة لعلاجها في مغني اللبيب. فعقد أبوابًا خاصة منها: الباب السابع في كيفية الإعراب، والباب الثامن في ذكر أمور كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية.
ما المحاور الثلاثة لعلم أصول الفقه وأيها أُهمل في خطة التصنيف التقليدية؟
علم الأصول يبحث في ثلاثة محاور: دلائل الفقه، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. اعتنت مصنفات الأصول بالأول والأخير، لكن ضاع ما بينهما وهو كيفية الاستفادة أو كاد. فبعد القياس تنتقل المصنفات مباشرة إلى حال المستفيد مع وقفة قصيرة عند التعادل والترجيح.
كيف فسّر الإسنوي مفهوم كيفية الاستفادة وما علاقته بكتاب التعادل والترجيح؟
فسّر الإسنوي كيفية الاستفادة بأنها معرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة، وذلك يرجع إلى معرفة شرائط الاستدلال كتقديم النص على الظاهر والمتواتر على الآحاد. وربط ذلك بكتاب التعادل والترجيح، مؤكدًا أن الاستنباط لا يمكن إلا بعد معرفة التعارض والترجيح.
ما الإجراءات الاجتهادية في المسائل التي لا تعارض فيها وما تنبيه أبي الحسين البصري في هذا الشأن؟
إذا كانت مباحث التعارض تغطي إجراءات الاجتهاد عند تعارض الأدلة، فإن الإجراءات في المسائل التي لا تعارض فيها تبقى غير محددة. ونبّه أبو الحسين البصري في شرح العمد إلى خطورة هذه القضية، مؤكدًا أن طريق الأحكام الشرعية وكيفية دلالتها وما يختص به كل دليل قد اختلف الناس فيها وذهب كثيرون عن الصواب.
ما موقف ابن رشد من مباحث الترجيح عند الأصوليين وكيف يمهّد ذلك لتحديد إجراءات الاجتهاد؟
رأى ابن رشد أن قوانين الترجيح تكاد لا تتناهى وأن الإنسان يمكنه من تلقاء نفسه الوقوف على ما يفيد غلبة الظن، فتحاشى تفصيلها واختصرها اختصارًا شديدًا مقارنةً بالمستصفى. وهذا الموقف المغاير يبرز الحاجة إلى تحديد إجراءات الاجتهاد الفقهي والحديث عن مشكلات التطبيق بشكل منهجي.
إشكالية الاجتهاد الفقهي الحقيقية ليست نقص العلوم بل غياب إجراءات استثمار الأحكام من أدلتها الشرعية.
انحصار النصوص الشرعية في مقابل تكاثر الوقائع يجعل الاجتهاد ضرورة حتمية، غير أن المشكلة الأعمق هي انفصال دوائر العلوم في ذهن العالم وغياب القدرة على تشغيلها معًا. فجمع آلات الاجتهاد وحده لا يكفي، كما يتجلى في عجز اللجان والمجامع الفقهية عن إخراج حكم مستثمر من دليله كما كان يصنع المجتهدون المتقدمون.
تميّز المستصفى للغزالي بتخصيص قطب كامل لكيفية استثمار الأحكام من الأدلة، وهو ما نبّه إليه ابن رشد وأبو الحسين البصري، بينما أغفلته مدرسة المحصول السائدة. وقد شبّه العلماء حال طالب الأصول بمن يعرف قواعد النحو ولا يُحسن الإعراب، مما يوجب إعادة بناء إجراءات العملية الاجتهادية وتدوينها بشكل منهجي.
أبرز ما تستفيد منه
- النصوص الشرعية محصورة والوقائع غير محصورة فيجب الاجتهاد عند غياب النص.
- انفصال دوائر العلوم يعيق الاجتهاد أكثر من نقص العلوم ذاتها.
- كيفية استثمار الأحكام من الأدلة شبه غائبة عن مصنفات الأصول التقليدية.
- المستصفى تفرّد بمعالجة إجراءات الاجتهاد في قطبه الثالث خلافًا لمدرسة المحصول.
محدودية النصوص الشرعية وكثرة الوقائع وظهور الحاجة للاجتهاد
1- النصوص محصورة والوقائع غير محصورة: إن هذه أول الإشكالات التى تواجه الباحث عن حكم شرعى فى نازلة، وقد قدمنا بعضا من نصوص العلماء فى هذه القضية.
ومن هنا يقول ابن السبكى:
ورود النص ليس باختياره ومسألته - يعنى ليست باختيار المجتهد ولا باختيار المسألة التى يبحث فيها - بل جاز أن يسأل عن القضية، ولا يرد فيها نص، بل يؤمر بالعمل بالظن [1].
انفصال دوائر العلوم وآلات الاجتهاد وعجز المتخصص عن التخريج
2- انفصال دوائر العلوم وآلات الاجتهاد: - لعل هذه الإشكالية هى أكثر إشكالات الاجتهاد تحديا وإثارة للغيظ والسخرية من أحوالنا، وأكثرها حاجة إلى الجهود، ومع هذا فهى أبعدها عن الأذهان، وأطروحات الباحثين.
فعلى سبيل المثال كانت شهادة العالمية من الأزهر الشريف قديما تعنى أن حاملها عالم باثنى عشر علما، تشمل كافة العلوم الشرعية واللغوية مقصودا وآلة، ومكانة حملة هذه العالمية معلومة بغير حاجة إلى إيضاح، ولكن السؤال: ماذا ينقص من جمع علوم الاجتهاد مقصودا وآلة، حتى يجتهد ؟ أو ما الذى يعوقه ؟ لماذا لا يستطيع المتخصص فى الفقه الدارس للأصول - وقد جمع آلة الاجتهاد المقيد أو المنتسب - أن يخرّج ويفرع على مذهبه ؟
- •إن جزءا كبيرا من هذه المشكلة يعود إلى انفصال دوائر العلوم فى ذهن العالم بها، بحيث يفتقد الرابط بين العلوم بعضها ببعض، والقدرة على تشغيلها جميعا.
غياب توثيق كيفية استثمار الأحكام وكتاب التمهيد للأسنوي
3- إشكالية التطبيق وغياب إجراءات العملية الاجتهادية: - إن كيفية استثمار الأحكام من الأدلة، وكيفية التفريع والتخريج، أمور شبه غائبة، بل إنها تكاد تكون غير مسجلة بشكل كامل، وكأنها كانت أمور شفهية يتلقاها التلميذ من شيخه، ولا يخرج ما تحت أيدينا فى هذا الصدد عن ضرب الأمثلة، حتى فى أكبر نماذجه، وهو كتاب التمهيد فى تخريج الفروع على الأصول للأسنوى.
كما أنها محاولة بكر، ما زالت بحاجة إلى تشغيل ومتابعة لخطتها، فليس التمهيد مصنف فى علم نضج واحترق، بل هو يمثل فتح لباب جديد، وإلقاء للضوء على دائرة من دوائر العملية الفقهية.
عدم كفاية جمع آلات الاجتهاد وعجز اللجان والمجامع الفقهية
- •إن جمع آلات الاجتهاد ليس هو ما ينقصنا، فاجتماعها فى شخص ربما كان موجودا بالفعل فهى قضية ليست بالمستحيلة ولا بالنادرة، ولكن ما ينقصنا حقا هو كيفية الاجتهاد، ولو تخيلنا أننا شكلنا لجنة من العلماء بكافة علوم الاجتهاد وآلاته، وقلنا لهم استثمروا علومكم فى استثمار حكم شرعى من النص، لعجزوا عن أن يأتوا بذلك على صورة ما كان يصنع المجتهدون، وكلنا يعلم ما نخرجه من اللجان والمؤتمرات والمجامع الفقهية، فإنها مع كل ما تقوم به من جهود ضخمة جديرة بالاحترام والتقدير إلا أنها عاجزة أن تخرج علينا بحكم فقهى لنازلة مستثمر من دليله الشرعى كما كان يصنع أى مجتهد متقدم، وكأنها عاجزة عن أن تسد مسد مجتهد واحد.
وهذا واقع وإن كنا أنفسنا نشارك فى صنعه ونكوّن أجزاء صورته فلا بد أن نعترف به حتى يمكننا إصلاحه.
شرط أبي الحسين البصري في من يحق له الافتاء والاجتهاد
- •وقد أشار الإمام أبو الحسين البصرى إلى هذا الإشكال حيث يقول فى المعتمد:
"الصفة التى يجوز للإنسان أن يفتى نفسه ويفتى غيره ويحكم عليه هى: أن يكون الإنسان من أهل الاجتهاد، وإنما يكون من أهله إذا عرف الأدلة السمعية، وأمكنه الاستدلال بها" [2].
تقسيم ابن رشد لصناعة أصول الفقه وتركيزه على استعمال الأدلة
- •وقد وصل اهتمام أبى الوليد ابن رشد بهذه القضية إلى الحد الذى جعله يعتبر أن النظر الخاص بهذه الصناعة إنما هى مباحث الأدلة المستعملة وكيف استعمالها.
فيقول فى مختصر المستصفى:
"فأما أجزاء هذه الصناعة... فأربعة أجزاء: فالجزء الأول يتضمن النظر فى الأحكام. والثانى: يتضمن فى أصول الأحكام. والثالث: فى الأدلة المستعملة فى استنباط حكم حكم عن أصل أصل، وكيف استعمالها. والرابع: يتضمن النظر فى شروط المجتهد".
ويقول:
"وأنت تعلم مما تقدم من قولنا فى غرض هذه الصناعة، وفى أى جنس من أجناس العلوم هى داخلة: أن النظر الخاص بها إنما هو فى الجزء الثالث من هذا الكتاب (يعنى المستصفى)، لأن الأجزاء الأخرى من جنس المعرفة التى غايتها العمل... والنظر الصناعى يقتضى أن يفرد القول فى هذا الجزء الثالث إذ هو مباين بالجنس لتلك الأجزاء الأخرى..." [3].
تميز المستصفى في خطة التصنيف وتركيز الغزالي على استثمار الأحكام
- •
وابن رشد هنا ينبهنا إلى خصيصة هامة تميز به المستصفى فى خطة التصنيف عن بقية مصنفات الأصول، حتى تلك التى أتت بعد ابن رشد واعتمدت على المستصفى كمدرسة الإمام فخر الدين الرازى فى كتابه المحصول وأتباعه كصاحب الحاصل والتحصيل والمنهاج.
- •
فقضية استثمار الأحكام هى القضية الشاغلة للغزالى فى القطب الثالث من المستصفى، والتى عبر عنه ابن رشد بالنظر الثالث، وهى واضحة تماما فى تراجمه لهذا القطب وأبوابه، وفصوله، هذا الوضوح الذى لا نجده للأسف بنفس الدرجة فى أشهر مدارس الأصول، والتى نتبعها إلى يومنا، وهى مدرسة المحصول.
القطب الثالث في المستصفى ومباحث استثمار الأحكام من الألفاظ والأصول
فهذا القطب ترجمه الغزالى بـ: كيفية استثمار الأحكام من مثمرات الأصول، ويشتمل على صدر ومقدمة وثلاثة فنون، ومن تراجمه فيه ذات الدلالة بسياقنا: الفن الأول فى المنظوم وكيفية الاستدلال بالصيغة من حيث اللغة والوضع...الفصل السادس فى طريق فهم المراد من الخطاب...الفن الثانى فيما يقتبس من الألفاظ من حيث الفحوى والإشارة... الفن الثالث فى كيفية استثمار الأحكام من الألفاظ وتناول فيه القياس.
لقد ذكر الغزالى فى هذا القطب أهم مباحث علم الأصول: اللغات - المجمل والمبين - الأمر والنهى - العام والخاص - دلالة الاقتضاء - القياس.
- •وهذه المباحث وإن كانت مذكورة فى مدرسة المحصول وفروعه وفى كتب الفن عامة، إلا أنه لا يشملها قطب واحد، كما فى المستصفى، وليس هذا مجرد عنوان اختفى، بل تحول بدليل ما سيأتى من كلام الإسنوى فى شرح تعريف أصول الفقه.
إسهام أحمد محمد الحصري المعاصر في استنباط الأحكام من النصوص
- •ولقد قام أحد العلماء المعاصرين، بتبنى وجهة نظر المستصفى، وهو الأستاذ الدكتور أحمد محمد الحصرى أستاذ الفقه الإسلامى وأصوله فى دراسته: استنباط الأحكام من النصوص، وهى دراسة نظرية وتطبيقية، ومن الدراسات الجيدة فى بابها، اعتنت اعتناء كبيرا بالتطبيق الفروعى للقاعدة، جامعا بين مدرستى الشافعية والحنفية [4].
تعريف علم أصول الفقه ومشكلة عدم تعلم كيفية الاستفادة من الأدلة
- •إن من أول ما ندرسه فى الأصول هو تعريف علم أصول الفقه فيقال فيه: معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد. وربما قالوا - كما فى المحصول -: كيفية الاستدلال بها. وربما قالوا - كما فى الإحكام -: أدلة الفقه وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية [5].
لكننا نظل ندرس حتى ننتهى من مباحث الأصول، وربما حفظ بعضنا المتن، ويستغرقنا الشرح والتعرض للمذاهب، والأدلة، ومناقشة العبارات، وتحريرها، والأجوبة عنها، وما يصح وما يضعف من الاعتراضات - وكل ذلك مهم - لكن دون أن نعرف كيفية الاستفادة والاستدلال وجهات الدلالة.
تشبيه واقع طالب الأصول بطالب النحو ومبادرة ابن هشام العملية
- •ما أشبهنا فى ذلك بمن يعرف قواعد النحو، ولا يعرف كيف يعرب، وهذه المشكلة حقيقة واقعة انتبه إليها أحد المجتهدين فى النحو: ابن هشام، وقدم محاولة لعلاجها فى مغنى اللبيب.
حيث عقد عدة أبواب لذلك منها الباب الخامس فى ذكر الجهات التى يدخل الاعتراض على المعرِب من جهتها - الباب السادس فى التحذير من أمور اشتهرت بين المعرِبين والصواب خلافها - الباب السابع فى كيفية الإعراب - الباب الثامن فى ذكر أمور كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية، ذكر فيها ثلاث قاعدة.
محاور علم أصول الفقه الثلاثة وخلل خطة التصنيف التقليدية
- •وإذا كان علم الأصول - حسب تعريفه - يبحث فى ثلاثة أمور: دلائل الفقه - كيفية الاستفادة - حال المستفيد، فإن مصنفات الأصول اعتنت اعتناء يحمد لها بالأول خاصة ثم بالأخير، وضاع ما بينهما أو كاد.
ونظرة سريعة على خطة التصنيف التقليدية لأصول الفقه تكشف هذه المفارقة، فما أن يفرغوا من القياس، حتى ينطلقوا إلى بيان حال المستفيد والحديث عن الأدلة المختلفة فيها، بعد أن يقفوا قليلا للحديث عن كيفية الاستفادة فى كتاب التعادل والترجيح [6].
شرح الإسنوي لمفهوم كيفية الاستفادة وربطه بكتاب التعادل والترجيح
وهو موقف منهجى، لا على سبيل الخطأ أو القصور.
يقول الإسنوى شارحا قوله "وكيفية الاستفادة": أى معرفة دلائل الفقه، ومعرفة كيفية استفادة الفقه من تلك الدلائل، أى استنباط الأحكام الشرعية منها، وذلك يرجع إلى معرفة شرائط الاستدلال كتقديم النص على الظاهر، والمتواتر على الآحاد، ونحوه مما سيأتى فى كتاب التعادل والترجيح، فلا بد من معرفة تعارض الأدلة، ومعرفة الأسباب التى يترجح بها بعض الأدلة على بعض، وإنما جعل ذلك من أصول الفقه؛ لأن المقصود من معرفة أدلة الفقه استنباط الأحكام منها، ولا يمكن الاستنباط منها إلا بعد معرفة التعارض والترجيح [7].
السؤال عن إجراءات الاجتهاد خارج التعارض وتنبيه أبي الحسين في العمد
- •وإذا كانت مباحث كتاب التعارض تغطى إجراءات العملية الاجتهادية عند تعارض الأدلة، فما هى الإجراءات فى المسائل التى لا تعارض فيها.
بل ما هى الإجراءات فى المسائل ذات الأدلة المتعارضة التى تتبع حتى نصل إلى مرحلة التى نحكم فيها بالتعارضِ، والحاجةِ إلى اللجوء إلى إجراءات رفع التعارض.
- •وينبهنا أبو الحسين البصرى فى شرح العمد إلى خطورة هذه القضية، قبل أن يستغرق فى مباحث الترجيح؛ يقول فى بداية الفصل:
"اعلم أن طريق الأحكام الشرعية، وكيفية دلالتها عليها، وما يختص به كل واحد منها فى كونه دلالة على ما يدل عليه من الحكم دون الآخر، ويميز بعضها من بعض فقد اختلف الناس فيها، وذهب كثير منهم عن الصواب فى ذلك" [8].
موقف ابن رشد من مباحث الترجيح والتمهيد لتحديد إجراءات الاجتهاد
- •على أن لأبى الوليد ابن رشد موقف آخر من حديث الأصوليين عن التعارض والترجيح، فيقول:
"وبقى القول فى الفصل الثالث وهو يتضمن القول فى ترجيح طرق النقل، وترجيح ما تدل عليه الألفاظ بمفهوماتها، وذلك فيما كان من ذلك من نوع واحد؛ لأن الأدلة التى أنواعها مختلفة، قد تبين ترجح بعضها على بعض فيما سلف (يعنى فى ثنايا الكتاب)، وهى قوانين تقترن بدليل دليل، وسند سند، وتكاد لا تتناهى. وقد رام أهل هذه الصناعة حصرها، لكن أما نحن فلا حاجة لنا إلى تعديدها؛ إذ كان الإنسان يمكنه من تلقاء نفسه الوقوف على ما يفيد غلبة الظن مما ليس يفيد. فإما من كان له فراغ وأحب أن يثبتها ههنا فليفعل، لكن يجب أن يثبت القرائن التى يقع بها ترجيح طرق النقل فى كتاب الأخبار، والتى يقع بها ترجيح المفهوم فى الجزء الثالث من هذا الكتاب. فأما المصير إلى العمل بأرجح الظنين دليل شرعى فيدل عليه إجماع الصحابة على ذلك، وما يجده الإنسان فى نفسه من المصير إلى أرجح الظنين عند تعارضهما".
وما تقدم هو فقط ما أورده فى هذا الفصل، وإن كان مختصر المستصفى قليل الحجم بالنسبة إلى أصله.
فإن هذا الفصل خاصة قد تحاشاه تماماً، ولا نقول اختصره، فبينما يبلغ عدد كلماته فى المستصفى (4082)، فكما نرى عددها هنا (155).
فهذه المقارنة الإحصائية - بالإضافة إلى ما تقدم فى كلامه - تبرز الموقف المغاير لابن رشد من هذا المبحث.
- •إننا نستطيع أن نعد ما تقدم تمهيدا يوجب محاولة تحديد إجراءات الاجتهاد الفقهى والحديث عن مشكلات التطبيق.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الإشكالية الأولى التي تواجه الباحث عن حكم شرعي في نازلة وفق ما ذكره ابن السبكي؟
انحصار النصوص وعدم انحصار الوقائع
ما الذي كانت تعنيه شهادة العالمية من الأزهر الشريف قديمًا؟
الإلمام باثني عشر علمًا شرعيًا ولغويًا
ما الكتاب الذي يُعدّ أكبر نماذج محاولة تدوين إجراءات التفريع والتخريج الفقهي؟
التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للأسنوي
ما الشرط الذي حدده أبو الحسين البصري لمن يحق له الإفتاء؟
معرفة الأدلة السمعية والقدرة على الاستدلال بها
كم جزءًا قسّم ابن رشد صناعة أصول الفقه؟
أربعة أجزاء
ما الجزء الذي اعتبره ابن رشد النظر الخاص بصناعة أصول الفقه؟
النظر في الأدلة المستعملة وكيفية استعمالها
بم ترجم الغزالي القطب الثالث من المستصفى؟
كيفية استثمار الأحكام من مثمرات الأصول
ما المباحث التي تضمنها القطب الثالث من المستصفى؟
اللغات والأمر والنهي والعام والخاص والقياس
ما المحاور الثلاثة التي يبحث فيها علم أصول الفقه وفق تعريفه؟
دلائل الفقه وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد
بمن شبّه العلماء حال طالب الأصول الذي يحفظ القواعد دون تطبيق؟
بمن يعرف قواعد النحو ولا يعرف كيف يُعرب
ما الكتاب الذي عالج فيه ابن هشام إشكالية معرفة القواعد دون القدرة على التطبيق؟
مغني اللبيب
كيف فسّر الإسنوي مفهوم 'كيفية الاستفادة' في تعريف أصول الفقه؟
بأنها معرفة شرائط الاستدلال كتقديم النص على الظاهر
ما موقف ابن رشد من تفصيل مباحث الترجيح في مختصر المستصفى؟
تحاشاها تمامًا واختصرها اختصارًا شديدًا
ما الدراسة المعاصرة التي تبنّت وجهة نظر المستصفى في استنباط الأحكام من النصوص؟
استنباط الأحكام من النصوص للدكتور أحمد محمد الحصري
ما الذي يكشفه مقارنة عدد كلمات فصل الترجيح في المستصفى (4082 كلمة) بمختصر ابن رشد (155 كلمة)؟
أن ابن رشد له موقف مغاير من هذا المبحث
ما المقصود بانحصار النصوص في الفقه الإسلامي؟
يعني أن النصوص الشرعية محدودة ومحصورة بينما الوقائع والمسائل التي يحتاج الناس إلى أحكامها لا تنتهي، مما يوجب الاجتهاد والعمل بالظن عند غياب النص.
ما الفرق بين جمع آلات الاجتهاد ومعرفة كيفية الاجتهاد؟
جمع آلات الاجتهاد يعني امتلاك العلوم اللازمة، أما كيفية الاجتهاد فتعني القدرة الفعلية على تشغيل هذه العلوم واستثمار الأحكام من الأدلة، وهذه الأخيرة هي ما ينقصنا حقًا.
لماذا وصف العلماء كتاب التمهيد للأسنوي بأنه محاولة بكر؟
لأنه يمثل فتحًا لباب جديد في تدوين إجراءات التفريع والتخريج الفقهي، وليس تصنيفًا في علم نضج واحترق، وما زال بحاجة إلى تشغيل ومتابعة لخطته.
ما الأبواب التي عقدها ابن هشام في مغني اللبيب لمعالجة إشكالية التطبيق النحوي؟
عقد ابن هشام أبوابًا منها: الباب السابع في كيفية الإعراب، والباب الثامن في ذكر أمور كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية، والباب الخامس في الجهات التي يدخل منها الاعتراض على المعرِب.
ما المحور الذي أهملته مصنفات أصول الفقه التقليدية من المحاور الثلاثة؟
أهملت مصنفات الأصول المحور الأوسط وهو كيفية الاستفادة من الأدلة، واعتنت بالأول وهو دلائل الفقه والأخير وهو حال المستفيد.
ما الفرق بين خطة المستصفى ومدرسة المحصول في ترتيب مباحث الأصول؟
المستصفى خصّص قطبًا كاملًا لكيفية استثمار الأحكام من الأدلة، بينما مدرسة المحصول للرازي وأتباعه لم تجمع هذه المباحث تحت قطب واحد بنفس الوضوح والتركيز.
ما الذي يعنيه الإسنوي بقوله إن كيفية الاستفادة ترجع إلى كتاب التعادل والترجيح؟
يعني أن استنباط الأحكام من الأدلة يستلزم معرفة كيفية التعامل مع تعارض الأدلة وأسباب ترجيح بعضها على بعض، ولا يمكن الاستنباط دون هذه المعرفة.
ما الإشكالية التي نبّه إليها أبو الحسين البصري في شرح العمد قبل مباحث الترجيح؟
نبّه إلى أن طريق الأحكام الشرعية وكيفية دلالتها وما يختص به كل دليل قد اختلف الناس فيها وذهب كثيرون عن الصواب، مؤكدًا خطورة الجهل بهذه المسألة.
ما الإجراءات الاجتهادية المطلوبة في المسائل التي لا تعارض فيها بين الأدلة؟
هذه الإجراءات غير محددة في مصنفات الأصول، وهي إشكالية قائمة لأن مباحث التعارض تغطي فقط الحالات التي يوجد فيها تعارض، أما المسائل ذات الدليل الواحد فإجراءاتها مجهولة.
لماذا اعتبر ابن رشد أن قوانين الترجيح تكاد لا تتناهى؟
لأنها قوانين تقترن بكل دليل ودليل وسند وسند، مما يجعل حصرها أمرًا شبه مستحيل، ولذلك رأى أن الإنسان يمكنه من تلقاء نفسه الوقوف على ما يفيد غلبة الظن.
ما الدراسة التي جمعت بين مدرستي الشافعية والحنفية في استنباط الأحكام؟
دراسة الدكتور أحمد محمد الحصري بعنوان 'استنباط الأحكام من النصوص'، وهي دراسة نظرية وتطبيقية اعتنت بالتطبيق الفروعي للقاعدة جامعةً بين المدرستين.
ما الذي يعنيه انفصال دوائر العلوم في ذهن العالم؟
يعني أن العالم يمتلك كل علم بشكل منفصل دون أن يمتلك الرابط الذي يجمعها ويمكّنه من تشغيلها معًا في خدمة الاجتهاد الفقهي.
ما الذي يكشفه واقع اللجان والمجامع الفقهية المعاصرة عن أزمة الاجتهاد؟
يكشف أنها رغم جهودها الضخمة عاجزة عن إخراج حكم فقهي لنازلة مستثمر من دليله الشرعي كما كان يصنع أي مجتهد متقدم، وكأنها عاجزة عن سد مسد مجتهد واحد.
ما الفن الثالث في القطب الثالث من المستصفى وما موضوعه؟
الفن الثالث في القطب الثالث من المستصفى هو كيفية استثمار الأحكام من الألفاظ، وتناول فيه الغزالي موضوع القياس.
ما الذي يعنيه تعريف أصول الفقه بـ'كيفية الاستدلال بالأدلة' كما في المحصول؟
يعني معرفة الطريقة العملية التي يُستدل بها بالأدلة الشرعية على الأحكام، وهو ما يُفترض أن تعلّمه مصنفات الأصول لكنها تكتفي بالجانب النظري دون التطبيقي.