اكتمل ✓
الفصل 69

كيف يُسهم السلم والأمن في تقدم المجتمعات الإسلامية وما آثار الحروب على الشعوب؟

السلم والأمن الدوليان شرط أساسي لتحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي في المجتمعات الإسلامية، إذ تُدمر الحروب النسيج الاجتماعي وتُوقف التطور الحضاري. وقد حثّ الإسلام صراحةً على السلم في القرآن الكريم والسنة النبوية، ونفى أن يكون قد انتشر بالسيف، بل انتشر بالدعوة والأخلاق الرفيعة.

11 دقيقة قراءة
  • هل يتعارض الإسلام مع السلم والأمن، أم أنه يدعو إليهما صراحةً في القرآن والسنة؟

  • السلم والأمن الدوليان وثيقا الارتباط بالتقدم الاجتماعي والإنماء الاقتصادي، والحرب نقيضهما المدمر.

  • الحروب العالمية خلّفت عشرات الملايين من القتلى وآلاف المليارات من الخسائر، فضلاً عن تلوث بيئي هائل من سباق التسلح.

  • الحضارة الإسلامية أسهمت في تقدم العلوم والطب، وما تخلفت الأمة إلا بسبب الحروب والاستعمار الخارجي.

  • التحركات العسكرية النبوية بلغت ثمانين غزوة لكن القتال الفعلي وقع في سبع فقط، وعدد القتلى الإجمالي 251 شخصاً.

  • شهادات مفكرين غربيين كغوستاف لوبون وتوماس كارليل ومايكل هارت تؤكد أن الإسلام انتشر بالدعوة والأخلاق لا بالإكراه.

افتتاحية الفصل وبيان ارتباط السلم بالتقدم ورفاهية المجتمع المسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، والصلاة والسلام على خيـر خلق الله أجمعين، ونور الله المبين، سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وأصحابه الطيبين، وأتباعه الصادقين السالمين من العيوب والأغيار. وبعد؛

فلا شك أن السِّلم والأمن الدوليين من ناحية، والتقدم الاجتماعي والإنماء الاقتصادي من ناحية أخرى - أمور وثيقة الترابط متبادلة التأثير، وعلى نقيضه فإن العنف والحرب لهما تأثير سلبي على مسيرة التقدم، ورفاهية المجتمع المسلم.

وحتى تتضح هذه المعاني، ويمكننا الحكم عليها بالرفض أو القبول، فلابد أولا أن نذكر معاني هذه الكلمات في لغة العرب؛ كي ترتسم الصورة الحقيقية لهذه الألفاظ في الذهن، كي يتسنى لنا الحكم عليها فإن الحكم على الشيء فرع من تصوره.

المعنى اللغوي للسلم والسلام ودار السلام في التراث العربي

فالسِّلْمُ في اللغة العربية بالكسر: السَّلامُ، والسلام اسم من أسماء الله تعالى. والسَّلامُ في الأَصل السَّلامة. يقال: سَلِمَ يَسْلَمُ سَلامًا سَلامة ومنه قيل للجنة: دار السَّلام لأَنها دار السَّلامة من الآفات. وقال الزجاج: سُمِّيَتْ دارَ السَّلامِ لأَنها دارُ السلامَة الدائمة التي لا تنقَطع ولا تَفْنى وهي دار السَّلامة من الموت والهَرَمِ والأَسْقام، والسَّلِيمُ اللديغ كأنهم تفاءلوا له بالسلامة.

التعريف اللغوي للحرب والرفق وبيان ضدهما في العربية

أما الحَرْبُ في اللغة: فهي نَقِيضُ السِّلم، أُنثى، قال الأزهري: أَنَّثُوا الحَرْبَ لأَنهـم ذَهَبُوا بها إلى المُحارَةِ، وكذلك السِّلْمُ والسَّلْمُ يُذْهَبُ بهما إلى المُسالمةِ فتؤنث. وأَصلُها الصِّفةُ كَأَنها مُقاتَلَةٌ، حَرْبٌ، وجمعها حُرُوبٌ. وقد حارَبه مُحارَبةً وحِرابًا، وتَحَارَبُوا واحْتَرَبُوا وحارَبُوا بمعنى. ورجُلٌ حَرْبٌ ومِحْرَبٌ - بكسر الميم - ومِحْرابٌ: شَديدُ الحَرْب.

والرِّفْقُ في لغة العرب: ضد العنف وقد رَفَقَ به يرفق بالضم رِفْقًا ورَفَقَ به وأرْفَقَهُ وتَرَفَّقَ به كله بمعنى، وأرْفَقَهُ أيضا نفعه والرِّفْقَةُ الجماعة ترافقهم في سفرك بضم الراء وكسرها أيضًا والجمع رِفَاقٌ تقـول منـه رَافَقَهُ وتَرَافَقُـوا في السفر والرَّفِيقُ المُرَافِقُ والجمع الرُّفَقَاءُ فإذا تفرقوا ذهب اسم الرفقة ولا يذهب اسم الرفيق وهو أيضًا واحد وجمع كالصديق قال الله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًۭا﴾ .

تعريف العنف لغويا وتحديد موضوع المقال بين السلم والحرب

وأمـا العُنْفُ فهو في اللغـة: بالضـم ضد الرفق تقول منه: عَنُفَ عليه بالضم عُنْفا وعَنُفَ به أيضا والتَّعْنِيف التعيير: واللوم، وعُنْفُوانُ الشيء: أوله.

هذه معاني الكلمات الأربعة: السلم، الرفق، الحرب، العنف، والتي سيدور موضوع مقالنا هذا عن الآثار الإيجابية للسلم والرفق في تقدم المجتمعات المسلمة، وكذلك الآثار السلبية لكل من الحرب والعنف على مسيرة الشعوب المسلمة في التقدم الحضاري.

أمر الإسلام بتعمير الأرض واعتبار خدمة المجتمع من الفروض

ولا شك أن الإسلام أمر بتعمير الأرض إذ قال الله سبحانه:

﴿ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾

وقد جعل الله القيام بالوظائف والأعمال التي يحتاج إليها الناس في معاشهم من الفروض، ولم يجعلها من المباح أو المستحب، وقد أجمع أهل العلم أن المريض في المجتمع المسلم إن لم يجد طبيبًا، فقد نال الإثم والعقاب كل المجتمع، وكذلك في مجال التجارة والصناعة، وما عليه استقرار معايش الناس، فالتقدم في المجتمع المسلم، هو الوصول إلى أعلى مستويات خدمة المجتمع في جميع مجالات حياته، كالوصول لأعلى مستويات الحفاظ على صحته وبدنه، وكذلك الوصول لأعلى مستويات التعليم، وأعلى مستويات المواصلات والاتصالات، وتوفير مياه الشرب، وما إلى ذلك من حاجات ضرورية، ولا شك كذلك أن من سعى لتوفير هذه الخدمات لتحقيق خدمة المجتمع هو مأجور عند الله وممدوح عن خلقه جميعًا.

إسهام الحضارة الإسلامية في التقدم وأثر الحروب والاستعمار على التخلف

وقد ساهمت الحضارة الإسلامية بنصيب وافر في تقدم مختلف مجالات العلم والطب والمنجزات التي تحققت في العالم قديمًا وحديثًا، وما تخلفت الأمة عن مسايرة ركب الحضارة في كثيـر من المجـالات إلا بسبب الحروب التي شنها عليها غيرهم من المستعمرين الطامعين في خيراتها، وما عندها من موارد طبيعية، وعلمية استفاد منها رواد النهضة الحديثة في فرنسا.

أهمية السلم والأمن وضرورة فهم آثار الحروب على صحة الأمم

ومن هذا نعلم لماذا حثَّ الإسلام على السلم والأمن، وما لهما من تأثير بالـغ الأهمية على استقرار حياة البشر وتقدمها في جميع المجالات، ولكي نعلم مدى تأثير السلم والأمن على التقدم بالنسبة للشعـوب، فعلينا أن نلقي نظرة على الآثار المدمرة للحروب على الشعوب والتقدم والرقي، فكما يقال: الضدُّ يُظهر حُسنه الضدُّ، فإن أول مقومات الرقي والتقدم للأمة هي صلاحية أفراد المجتمع صحيًّا وبدنيًّا لأداء وظائفهم، فعندما نعلم أن للحروب والعقوبات الاقتصادية آثارًا وخيمة على صحة الأمم وعافيتها.

الآثار الصحية والاجتماعية المدمرة للحروب والعقوبات الاقتصادية على الشعوب

فقد اتضح من الدراسات أن هذه الأحداث قد سبَّبت من الوفيات وحالات العجز أكثر مما سبَّبه أيُّ مرض من الأمراض الرئيسية. فقد دمَّرت الحروب المجتمعات والأُسَر، وغالبًا ما كانت السبب في وقف تطوُّر النسيج الاجتماعي والاقتصادي للأمم.

وقد شملت آثار الحروب والعقوبات الاقتصادية إلحاقَ أضرار بدنية ونفسية طويلة الأمد بالأطفال والبالغين، وانخفاض رأس المال المادي والبشري. كما كان لفرض عقوبات اقتصادية على البلدان آثارٌ صحية سلبية، غالبًا ما عرقلت تشغيل القطاع الصحي.

ضحايا الحروب العالمية واستمرار الاستعمار وآثار ذلك على الحياة والاقتصاد

فالحرب العالمية الأولى كانت حصيلتها 30 مليون قتيل فيما كانت حصيلة الحرب العالمية الثانية 54.8 مليون قتيل إضافة إلى المعاناة الإنسانية الضخمة وآلاف المليارات من الخسائر المادية وتورط العالم بأسره بشكل أو بآخر في هذه الحروب والثورات والقلاقل، وما زال بعضها مستعمرًا من حولنا كفلسطين، والعراق حديثًا، وما في جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقًا وكما في يوغسلافيا وأفغانستان وغيرها.

فإن الحروب تعمل على تدمير الحياة وانهيار الاقتصاد، كما أنها تحد من طموحات الإنسانية في تحقيق حياة سعيدة في بيئة آمنة، فضلا عن تلوث البيئة واستهلاك الجزء الأكبر من الموارد التي يجب أن توضع في خدمة محاربة الفقر وفي تحقيق التنمية المستدامة.

التلوث البيئي الناتج عن سباق التسلح والتجارب النووية في العالم

أما عن آثار التلوث فحدث ولا حرج، ففي الولايات المتحدة الأمريكية هناك 21401 موقعًا ملوثًا تلوثًا كبيرًا والعديد منها ملوث بالإشعاعات العالية بسبب تفجير 1800 قنبلة هيدروجينية في مختلف أنحاء العالم خلال العمليات التجريبية تم تفجير ربعها في الجو وينتج التسلح 97% من مخلفات المواد عالية السُّمِّية و78% من المواد ذات الخاصية الإشعاعية المتوسطة والمنخفضة السمية أي: ما يعادل 1.4 مليار كوري وهذا يساوي 28 ضعف الإشعاعات التي أطلقتها حادثة تشيرنوبل (50 مليون كوري).

إرث الحرب الباردة وتكاليف التخلص من المخلفات الحربية الملوثة

ويحدث كل هذا تحت ظروف التدريب العادية بدون نشوب الحروب، ودعونا نلق نظرة على الإرث الذي خلفته لنا الحرب الباردة: المليارات المؤلفة تم صرفها خلال سباق التسلح، ومليارات مؤلفة أخرى يجب صرفها الآن للتخلص من فائض هذه المعدات الخطيرة، كميات هائلة من المخلفات الحربية الخطيرة يجب التخلص من سميتها ومن ثم التخلص منها، ومواقع لا تعد ولا تحصى تلوثت تربتها ومياهها تنتظر إعادة تأهيلها وتنظيفها، وتلال من الأسلحة الفائضة من الطراز القديم يجب أن يجري تفكيكها بطريقة مقبولة (آمنة بيئيًّا)، ففي ألمانيا وحدها هناك حوالي 5000 عبء من هذا النوع خلفتها جيوش الروس والأمريكان وجيش ألمانيا الشرقية سابقًا وراءها، وتقدر كلفة التخلص من هذه المواد مليون مليون مارك ألماني.

تفوق أضرار الحروب على مكاسبها والحاجة الملحة للسلم والأمن

فإن الحرب خلفت الخسائر في الأرواح، ومعاناة الجرحى، ومشوهي الحروب، إضافة إلى تراجع القيم الإنسانية، وفساد المعتقدات والقيم، والآثار السلبية على الإنسان والطبيعة تفوق بكثير المكاسب التي جناها المنتصر من الحرب.

كل ذلك وغيره الكثير يجعلنا على يقين تام بأنا - نحن المسلمين والعالم من حولنا - في أشد الحاجات للسلم والأمن من أي وقت آخر؛ لأنه لا سبيل للوصول إلى التقدم المنشود الذي هو غاية كل حكومات العالم إلا عن طريق السِّلم، وإن آثار حرب واحدة كفيلة بتأخير الأمة مئات السنين فضلا عن توقفها بلا تقدم في هذه السنوات.

دور الرسالات السماوية في مواجهة الفساد والحروب وسفك الدماء

وقد كانت الحروب والصراعات منذ القدم والفساد وسفك الدماء، أسباب إرسال الله للرسل، وإنزال الله للكتب، وكانت هذه هي الوظيفة الأساسية لكل الديانات السماوية، وعملت تلك الأديان على إنقاذ البشرية من ظلمات الجهالة، وأدخلت في قلوب الناس الإيمان والطمأنينة من خلال تعاليمها السماوية وسلوك المؤمنين بها، لما للدين من تأثير كبير على السلوك والفكر والشعور، ولقد تجلى هذا التأثير واضحًا في التراث الإسلامي كما يمكن ملاحظته من خلال التأثر الهائل في الحياة اليومية للمسلمين، فالإسلام منهج حياتي وميثاق شرف ونظام قانوني يتخلل حياة المسلم بكافة وجوهها.

الإسلام كمنهج عدل وأمان ورفض للاستبداد والبطش والعنف

فالإسلام الحنيف جاء إلى البشرية ليخرجها من الاستبداد والجور، ويأخذ بيدها نحو العدالة والأمان، لا أن يرمي بها في متاهات البطش والعنف التي لا يجنى منها سوى الويلات والآهات.

رحمة النبي للعالمين ونفي تهمة العنف عن الرسالة المحمدية

ودعوة الدين الإسلامي للسلم والسلام العالمي صريحة وواضحة وليس هناك أبلغ من قوله تعالى:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةًۭ لِّلْعَٰلَمِينَ﴾ .

ففي هذا البيان القرآني البليغ، الذي ساقه الله سياق الخبر، هذا الخبر الذي تحلَّى بأقوى أساليب الحصر والقصر، فالله ينفي كل الأغراض التي قد يتوهم المشككون أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أُرسِل من أجلها، فمن توهم أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أرسله الله لقتل الناس، أو لسرقة أرضهم وممتلكاتهم، أو لسفك الدماء - حاشاه الله - يفسد ظنه، ويُخَيِّب رجاءه الخبيث عندما يقرأ هذه الآية.

الأمر القرآني بالدخول في السلم وحديث بذل السلام للعالم

بل إن الله أمر بالسلام والدخول فيه صراحة في كتابه العزيز فقال سبحانه:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةًۭ﴾ .

وقال جل شأنه:

﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ .

وفي السُّنة كانت كذلك دعوة الإسلام للسلام صريحة، فعن عمار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:

«ثلاثة من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالَم» .

الرد على شبهة انتشار الإسلام بالسيف ووجوب العدل في الحكم عليه

وما شاع أن الإسلام قد انتشر بالسيف، وأنه يدعو إلى الحرب وإلى العنف، ويكفي في الرد على هذه الحالة من الافتراء ما أمر الله به من العدل والإنصاف، وعدم خلط الأوراق، والبحث عن الحقيقة كما هي، وعدم الافتراء على الآخرين، حيث قال سبحانه في كتابه العزيز:

﴿يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

طبيعة التحركات العسكرية النبوية وأعداد القتلى المحدودة في الغزوات

ومقارنة بما ذكر من وحشية في الحروب، وسفك الدماء وخراب ودمار للبلاد والعباد من حروب المعتدين - نجد أن سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نظيفة من هذه التهم، بل إن تحركاته العسكرية التي بلغت نحو ثمانين غزوة وسارية كانت كلها بسبب دفع الظلم ورد العدوان، فلم يحدث القتال الفعلي في كل هذه التحركات سوى في سبع مواقع فقط في سيرته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أثناء نشره للدعوة الإسلامية.

وسوف تجد نتائج مذهلة في هذه المواقع منها: أن المحاربين كانوا كلهم من قبائل مُضَر أولاد عمه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ولم يقاتله أحد من ربيعة ولا قحطان، وأن عدد القتلى من المسلمين في كل المعارك 139، ومن المشركين 112، ومجموعهم 251، وهو عدد القتلى من حوادث السيارات في مدينة متوسطة الحجم في عام واحد، وبذلك يكون عدد القتلى في كل تحرك من تلك الثمانين 3.5 شخص، وهذا أمر مضحك مع ما جُبِلَ عليه العرب من قوة الشكيمة والعناد في الحرب أن يكون ذلك سببًا لدخولهم الإسلام وتغيُّر دينهم؛ مما يؤكد أن الإسلام انتشر بعد ذلك بطريقة طبيعية لا دخل للسيف ولا القهر فيها، وإنما إقامة العائلات بين المسلمين وغيرهم، وعن طريق الهجرة المنتظمة من داخل الحجاز إلى أنحاء الأرض.

النسب التاريخية لانتشار الإسلام في فارس والعراق والشام ومصر والأندلس

وهناك حقائق حول هذا الانتشار، حيث يتبيَّن أنه في المائة عام الأولى من الهجرة كانت نسبة انتشار الإسلام في غير الجزيرة كالآتي: ففي فارس (إيران) كانت نسبة المسلمين فيها هي 5%، وفي العراق 3%، وفي سورية 2%، وفي مصر 2%، وفي الأندلس أقل من 1%.

أما السنوات التي وصلت نسبة المسلمين فيها إلى 25% من السكان فهي كالآتي: إيران سنة 185هـ - العراق سنة 225هـ - سورية 275هـ - مصر 275هـ - والأندلس سنة 295هـ. والسنوات التي وصلت نسبتهم فيها إلى 50% من السكان كانت كالآتي: بلاد إيران 235هـ - والعراق 280هـ - وسورية 330هـ - ومصر 330هـ والأندلس 355هـ. أما السنوات التي وصلت نسبة المسلمين فيها إلى 75% من السكان فكانت كالآتي: بلاد إيران 280هـ - والعراق 320هـ - وسورية 385هـ - ومصر 385هـ - والأندلس سنة 400هـ.

خصائص الانتشار الإسلامي من عدم الإبادة والتعددية الدينية والعدل الاقتصادي

كما أنك ستلاحظ أن هذا الانتشار الإسلامي تميز أيضا بخصائص منها: عدم إبادة الشعوب، ومعاملة العبيد معاملة راقية بعد تعليمهم وتدريبهم وتوليتهم الحكم في فترة اشتهرت في التاريخ الإسلامي بعصر المماليك، والإبقاء على التعددية الدينية من يهود ونصارى ومجوس حيث نجد الهندوكية على ما هي عليه وأديان جنوب شرق آسيا كذلك، وإقرار الحرية الفكرية فلم يعهد أنهم نصبوا محاكم تفتيش لأي من أصحاب الآراء المخالفة، كما اتسمت بالعدل في توزيع ثروات الدول التي دخلها الإسلام، فقد ظل إقليم الحجاز مصدر الدعوة الإسلامية فقيرا حتى اكتشاف البترول في العصر الحديث.

شهادات مفكرين غربيين على سماحة النبي وانتشار الإسلام بالدعوة

وقد شهد بهذه الحقيقة كثير من غير المسلمين في العصر الحديث، فالمفكر "لورد هدلي: يقف مندهشا عند معاملة

النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم للأسرى من المشركين في معركة بدر الكبرى، ملاحظا فيها ذروة الأخلاق السمحة والمعاملة الطيبة الكريمة، ثم يتساءل: "أفلا يدل هذا على أن محمدًا لم يكن متصفا بالقسوة ولا متعطشًا للدماء، كما يقول خصومه؟ بل كان دائمًا يعمل على حقن الدماء جهد المستطاع، وقد خضعت له جزيرة العرب من أقصاها، وجاءه وفد نجران اليمنيون بقيادة البطريق، ولم يحاول قط أن يكرههم على اعتناق الإسلام، فلا إكراه في الدين، بل أمنهم على أموالهم وأرواحهم، وأمر بألا يتعرض لهم أحد في معتقداتهم وطقوسهم الدينية.

ويقول الفيلسوف الفرنسي (وولتر): "إن السنن التي أتى بها النبي محمد كانت كلها قاهرة للنفس ومهذبة لها، وجمالها جلب للدين المحمدي غاية الإعجاب ومنتهى الإجلال، ولهذا أسلمت شعوب عديدة من أمم الأرض، حتى زنوج أواسط إفريقيا، وسكان جزر المحيط الهندي".

أما العالم الأمريكي (مايكل هارت) فهو يرد نجاح النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في نشر دعوته وسرعة انتشار الإسلام في الأرض إلى سماحة هذا الدين وعظمة أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الذي اختاره على رأس مائة شخصية من الشخصيات التي تركت بصماتها بارزة في تاريخ البشرية، ويقول: "إن محمدًا هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح مطلقا في المجالين الديني والدنيوي، وأصبح قائدًا سياسيًّا وعسكريًّا".

وهذا (توماس كارليل) يقول في كتابه "الأبطال وعبادة البطولة":

«إن اتهامه - أي: سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا له، فإذا آمن به من يقدرون على حرب خصومهم، فقد آمنوا به طائعين مصدقين، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها".

ويقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب - وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام في عهده صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وفي عصور الفتوحات من بعده: "قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة..... ولم ينتشر القرآن إذن بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل ما زاد عدد المسلمين على خمسين مليون نفس فيها".

خاتمة تؤكد ضرورة السلم والأمن ونفي التعارض بين الإسلام والسلام

وفي الختام نؤكد على ضرورة السلم والأمن كأساس هام من أسس التقدم في المجتمعات الإسلامية، ونرجو أن نكون وفقنا في عرض هذه الفكرة، وكذلك محو شبهة التعارض بين الإسلام والسلم والأمن، أو شبهة انتشار الإسلام بالسيف.

والله نسأل وبنبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نتوسل أن يجعل أيامنا كلها سلام وآمان، وأن يتقدم المسلمون في كل مجالات الحياة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المعنى الأصلي لكلمة السلام في اللغة العربية؟

السلامة من الآفات

لماذا سُمّيت الجنة داراً للسلام؟

لأنها دار السلامة الدائمة من الموت والهرم والأسقام

كم بلغ عدد القتلى الإجمالي في جميع المعارك التي خاضها النبي صلى الله عليه وسلم؟

251 قتيل

في كم موقع من التحركات العسكرية النبوية البالغة ثمانين غزوة وقع القتال الفعلي؟

سبعة مواقع فقط

ما نسبة المسلمين في فارس (إيران) خلال المائة عام الأولى من الهجرة؟

5%

ما الحديث النبوي الذي يجعل بذل السلام للعالم من مكملات الإيمان؟

ثلاثة من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار والإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالَم

ما الآية القرآنية التي تأمر المؤمنين بالدخول في السلم كافةً؟

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾

كم بلغت حصيلة قتلى الحرب العالمية الثانية؟

54.8 مليون قتيل

ما نسبة المخلفات عالية السمية التي ينتجها التسلح؟

97%

ما الخاصية التي ميّزت الانتشار الإسلامي وفق ما ذكره البحث؟

الإبقاء على التعددية الدينية وعدم إبادة الشعوب

ما الذي أجمع عليه أهل العلم بشأن غياب الطبيب في المجتمع المسلم؟

يأثم كل المجتمع لعدم توفير الطبيب

ما الذي قاله المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون عن انتشار الإسلام؟

لم ينتشر القرآن بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها

في أي عام هجري وصلت نسبة المسلمين في مصر إلى 50% من السكان؟

330هـ

ما الذي يُعادله إجمالي الإشعاعات الناتجة عن التسلح البالغة 1.4 مليار كوري؟

28 ضعف إشعاعات تشيرنوبل

ما الذي يُؤكده البحث بشأن علاقة الإسلام بالسلم والأمن؟

لا تعارض بين الإسلام والسلم والأمن

ما ضد الحرب في اللغة العربية؟

السِّلم هو نقيض الحرب في اللغة العربية، وكلاهما مؤنث لأن الحرب تذهب إلى معنى المحاربة والسلم إلى معنى المسالمة.

ما ضد الرفق في اللغة العربية؟

العنف هو ضد الرفق في اللغة العربية، يقال عَنُفَ عليه عُنفاً.

ما الآية القرآنية التي تُثبت أن الله استخلف الإنسان لتعمير الأرض؟

قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ من سورة هود.

ما الآية القرآنية التي تأمر بالجنوح للسلم عند ميل الخصم إليه؟

قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ من سورة الأنفال.

ما الثلاثة التي يجمع الإيمان لمن جمعها وفق الحديث النبوي؟

الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من النفس، وبذل السلام للعالَم، وهي ما رواه عمار رضي الله عنه عن النبي.

ما الذي قاله الفيلسوف الفرنسي وولتر عن سبب انتشار الإسلام؟

قال إن السنن التي أتى بها النبي كانت قاهرة للنفس ومهذبة لها، وجمالها جلب للدين المحمدي الإعجاب والإجلال، فأسلمت شعوب عديدة.

ما الذي قاله مايكل هارت عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟

اختاره على رأس مائة شخصية تركت بصماتها في تاريخ البشرية، وقال إنه الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح مطلقاً في المجالين الديني والدنيوي.

ما الذي لاحظه لورد هدلي في معاملة النبي لأسرى بدر؟

لاحظ ذروة الأخلاق السمحة والمعاملة الكريمة، وتساءل أفلا يدل هذا على أن النبي لم يكن متصفاً بالقسوة ولا متعطشاً للدماء.

ما الذي قاله توماس كارليل عن اتهام النبي بالتعويل على السيف؟

قال إن هذا الاتهام «سخف غير مفهوم»، إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس أو يستجيبوا له.

ما الوظيفة الأساسية للرسالات السماوية وفق ما ذكره البحث؟

كانت مواجهة الحروب والصراعات والفساد وسفك الدماء، وإنقاذ البشرية من ظلمات الجهالة وإدخال الإيمان والطمأنينة في القلوب.

ما عدد المواقع الملوثة تلوثاً كبيراً في الولايات المتحدة بسبب التسلح؟

21401 موقع ملوث تلوثاً كبيراً، كثير منها ملوث بإشعاعات عالية بسبب التجارب النووية.

ما تكلفة التخلص من المخلفات الحربية في ألمانيا وحدها؟

تُقدَّر بمليون مليون مارك ألماني، وذلك للتخلص من نحو 5000 عبء خلّفته جيوش الروس والأمريكان وجيش ألمانيا الشرقية.

ما الخاصية الاقتصادية التي ميّزت الانتشار الإسلامي في الدول المفتوحة؟

العدل في توزيع ثروات الدول التي دخلها الإسلام، إذ ظل إقليم الحجاز مصدر الدعوة فقيراً حتى اكتشاف البترول في العصر الحديث.

في أي عام هجري وصلت نسبة المسلمين في الأندلس إلى 75% من السكان؟

عام 400هـ، وهو أحدث التواريخ بين الأقاليم المذكورة في الوصول إلى هذه النسبة.

ما الذي يُثبته التدرج الزمني لانتشار الإسلام في الأقاليم المفتوحة؟

يُثبت أن الانتشار كان طبيعياً سلمياً لا قسرياً، إذ استغرق وصول المسلمين إلى نسبة 50% قروناً طويلة في كل إقليم.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!