كيف تُبنى أدوات فهم العلوم التراثية الإسلامية وما هي الرؤية الكونية التي شكّلت العقلية التراثية؟
تتألف أداة التعامل مع العلوم التراثية من مكوّنين رئيسيين: عناصر الرؤية للعالم الخارجي عند منتجي التراث الإسلامي، والأداة اللغوية لفهم النص التراثي. وقد قسّم علماء التراث الوجود إلى متحيّز وغير متحيّز، واستخلصوا نظرية الإيجاد والإمداد من العقيدة الإسلامية. هذه الرؤية الكونية الشاملة أثّرت في فهم الإنسان المسلم لعلاقته بالله وبالكون والحضارة.
- •
كيف يمكن فهم العلوم التراثية الإسلامية وما الأدوات اللازمة لذلك؟ تتألف هذه الأداة من مكوّنين: الرؤية الكونية للعالم الخارجي عند منتجي التراث، والأداة اللغوية لفهم النص.
- •
قسّم علماء التراث الوجود إلى متحيّز وغير متحيّز، فالمتحيّز إما جوهر بسيط أو جسم مركّب، وغير المتحيّز يسمى العرض وهو ما لا يقوم بذاته كالصفات والأحوال.
- •
استخلص المسلمون نظرية الإيجاد والإمداد من العقيدة الإسلامية، إذ يرى الوجود كله محتاجًا إلى إمداد إلهي مستمر، وهو ما يُفسّر معنى التوكل والتفويض ودعاء لا حول ولا قوة إلا بالله.
- •
تتقاطع الرؤية التراثية الإسلامية مع نظريات الفيزياء الحديثة كنظرية الفوتونات وانشطار الذرة، مما يدل على أن المسلمين قالوا بكثير من مكتشفات القرن العشرين بألفاظ مختلفة.
- •
تراجعت الحضارة الإسلامية لا لعيب في رؤيتها المؤسِّسة، بل لفقدان الاتساق بين العقيدة والسلوك، ولفصل التعليم الديني عن الواقع منذ عصر محمد علي في مصر.
- •
أدى الفصام بين العقيدة والنظام القانوني إلى غياب الشريعة الإسلامية عن الواقع، وحلول قوانين مستوردة محلها، مما أفضى إلى انهيار الاتساق الحضاري الذي يُعدّ أساس أي تقدم.
- 1
أداة التعامل مع العلوم التراثية تتكون من الرؤية الكونية للعالم الخارجي عند منتجي التراث، والأداة اللغوية لفهم النص التراثي.
- 2
مصادر الرؤية التراثية متنوعة تشمل العقيدة والفلسفة اليونانية وحضارات أخرى، ولم تقتصر على المنطق الأرسطي وحده.
- 3
الرؤية التراثية تقسّم الوجود إلى متحيّز وغير متحيّز، والجوهر الفرد هو أصغر وحدة لا تقبل القسمة مستمَدة من العقيدة الإسلامية.
- 4
العرض هو غير المتحيّز من صفات وأحوال، وعالم الملك ما يُدرك بالحواس، وعالم الملكوت ما يخفى عنها وقد يُكتشف لاحقًا.
- 5
فكرة الجوهر الفرد وظّفها العلماء لرفض التسلسل اللانهائي والدور المنطقي، وإثبات أن للوجود بداية خلقها الله.
- 6
أرسطو حدّد تسعة أعراض صاغها المسلمون في أراجيز، ثم أعادوا تصنيفها بما يكشف طابعهم الانتقائي النقدي في التعامل مع الفلسفة.
- 7
تحديد المتحيّز والأعراض يُمكّن من توصيف الواقع كاملًا، وتتقاطع هذه الرؤية مع نظرية الفوتونات في وصف الضوء وعدم ثبات الأعراض.
- 8
نظرية الإيجاد والإمداد تقرر أن الله خلق الوجود ويمدّه باستمرار، وانقطاع الإمداد يعني الفناء إلى عدم لا الموت.
- 9
نظرية الإمداد الإلهي تُفسّر معنى لا حول ولا قوة إلا بالله وتوصل المؤمن إلى التوكل الحقيقي والانصراف الكامل إلى الله.
- 10
عصر الزخم العقيم بدأ بعد القرن الرابع الهجري حين تحوّلت الأمة إلى الأمية وانتهى عصر توليد العلوم الحقيقية.
- 11
الرؤية الإسلامية تبني الحضارة على العبادة والعمران، وتُقدّم درء المفاسد على جلب المنافع في أي مشروع حضاري.
- 12
تقدّم الغرب لأنه اتسق في واقعه مع فلسفته وعمل بجدية وإتقان وروح الجماعة، لا لأن فلسفته صحيحة.
- 13
تراجع الحضارة الإسلامية سببه فقدان الاتساق بين العقيدة والسلوك لا عيب في الرؤية، بعد ألف عام من الإنتاج الحضاري.
- 14
اختفاء العقلية التراثية نتيجة فصل التعليم الديني عن المدني منذ عصر محمد علي، مما أفضى إلى انفصال النص عن الواقع.
- 15
غياب الشريعة الإسلامية تجلّى في إهمال تقنين مجدي صالح باشا وحكم مصر بقوانين مستوردة لا صلة لها بالشريعة.
- 16
السنهوري وضع القانون المدني من مصادر متعددة منها الشريعة، ولم يبق من الشريعة في المنظومة القانونية إلا الأحوال الشخصية وبعض العقود.
- 17
الفصام بين العقيدة والنظام القانوني يُفضي إلى انهيار السلوك الحضاري، والاتساق بين الإيمان والنظام هو سر الالتزام الحقيقي.
ما مكوّنا أداة التعامل مع العلوم التراثية الإسلامية لتأسيس الفهم؟
تتألف أداة التعامل مع العلوم التراثية من مكوّنين رئيسيين: الأول عناصر الرؤية للعالم الخارجي عند كتّاب التراث الإسلامي كالماوردي والغزالي والنووي وابن تيمية، والثاني الأداة اللغوية التي يُفهم بها النص التراثي. وللوصول إلى هذه الرؤية لا بد من رحلة في العقلية التراثية لمن عاشوا في الزمن التراثي وحازوا أدوات لفهم القرآن والسنة.
ما مصادر الرؤية الكونية عند منتجي التراث الإسلامي وهل اقتصرت على المنطق الأرسطي؟
مصادر الرؤية الكونية عند منتجي التراث شديدة التركيب؛ فبعضها من العقائد الإيمانية، وبعضها من التأمل في الكون، وبعضها من الفلسفة القديمة والاختلاط بحضارات كالهندية والصينية والفرعونية واليونانية بتنوعاتها. ولم تقتصر على المنطق الأرسطي وحده، بل تعامل المسلمون معه بالحذف والإضافة، وأخذوا من مصادر أخرى كفيثاغورث وسقراط وأفلاطون وغيرهم.
كيف قسّم علماء التراث الإسلامي الوجود وما المقصود بالجوهر الفرد؟
قسّم علماء التراث الوجود إلى متحيّز وغير متحيّز؛ فالمتحيّز إما بسيط ويسمى جوهرًا، أو مركّب ويسمى جسمًا. والجوهر الفرد هو أقل حالات المتحيّز ولا يقبل القسمة، ولو انقسم فني، وهو ما يقابل نظريات الفيزياء الحديثة في انشطار الذرة. وهذا التصور مأخوذ بالأساس من العقيدة الإسلامية التي تقرر أن الله وحده لا نهاية له وأن التسلسل اللانهائي باطل.
ما المقصود بالعرض في الرؤية التراثية وما الفرق بين عالم الملك وعالم الملكوت؟
العرض هو غير المتحيّز، أي الشيء الموجود في غيره ولا يقوم بذاته كالصفات والأحوال من فقر وغنى وصحة ومرض. أما عالم الملك فهو ما يُدرك بالحواس ويمكن رصده بالميكروسكوب والتليسكوب، وعالم الملكوت هو الموجود الذي لا يقع تحت الحواس الظاهرة كالملائكة والجن والأرواح. وكل اكتشاف جديد ينقل شيئًا من عالم الملكوت إلى عالم الملك، وهذه المفاهيم أثّرت في العقلية المسلمة دون أن يكون لأرسطو فيها قول.
كيف استخدم علماء التراث فكرة الجوهر الفرد في إثبات وجود الله ونفي التسلسل والدور؟
اعتمد علماء التراث على فكرة الجوهر الفرد لرفض التسلسل اللانهائي رياضيًا، مما أكّد القول بأن إلى الله المنتهى. كما نجم عنها رفض مسألة الدور التي تعني أن الأشياء بينها علاقة إيجاد متبادل تشبه قصة البيضة والدجاجة، إذ لا بد من بداية خلق الله عندها أحد السببين فكان سببًا للآخر.
ما الأعراض التسعة عند أرسطو وكيف تعامل معها علماء المسلمين؟
قال أرسطو إن للعرض تسعة أنواع هي: الكمّ والكيف والنسبة والمكان والزمان والوضع والملِك والفعل وأثر الفعل، وقد صاغها المسلمون في أراجيز تعليمية. غير أن المسلمين رأوا أن هذه التسعة يمكن ردّها إلى اثنين مرتبطين بسبع صفات أو أكثر، وأن النسبة قد تكون أوسع من هذه التسع. وهذا يبيّن أن تعاملهم مع معارف الآخرين كان انتقائيًا لا تقليدًا أعمى.
كيف أسهم تحديد المتحيّز والأعراض في توصيف الواقع وما علاقته بنظريات الفيزياء الحديثة؟
تحديد المتحيّز والأعراض التسعة يتيح تشخيص الوقائع والأحوال تشخيصًا كاملًا في لحظتها الآنية كالصورة الفوتوغرافية، وهو ما يشغل بال الباحث في العلوم الاجتماعية الحديثة. وتتقاطع هذه الرؤية مع نظرية الفوتونات التي تقول إن الضوء يسير في تموّجات وتقطعات ويفنى ثم يأتي غيره، وهو ما قررته الرؤية التراثية بأن كل الأعراض غير ثابتة تفنى وتحيا في ما يقترب من اللازمن.
ما نظرية الإيجاد والإمداد في الفكر الإسلامي وما أساسها القرآني؟
نظرية الإيجاد والإمداد تقول إن الله خلق الوجود من عدم، ثم يمدّه إمدادًا مستمرًا لا ينقطع استنادًا إلى قوله تعالى كل يوم هو في شأن. ولو قطع الله هذا الإمداد لفني المقطوع عنه إلى عدم محض لا إلى موت، لأن الموت نفسه خلق جديد. وهذا يشبه قطع التيار الكهربائي عن المصباح فتختفي الصور وينطفئ النور.
كيف فهم العلماء معنى لا حول ولا قوة إلا بالله في ضوء نظرية الإمداد الإلهي؟
فهم العلماء لا حول ولا قوة إلا بالله بمعنى انقطاع كل قدرة وطاقة إلا بعون الله ومدده، لأن الإنسان لو وُكل إلى نفسه لفني إذ لا حول له في إيجاد نفسه أو إبقائها. وهذا الفهم يوصل المؤمن إلى درجات التوكل والتفويض والانصراف إلى الله بكلية القلب والفكر، ويُفسّر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
متى بدأ عصر الزخم العقيم في الحضارة الإسلامية وما مثاله؟
بدأ عصر الزخم العقيم بعد القرن الرابع الهجري حين انتهى عصر توليد العلوم وتحوّلت الأمة إلى أمة أمية تجهل دينها وقرآنها. ومثاله أن الفخر الرازي أقام حفلًا ليعرض ألف دليل على وجود الله، فعلّقت إحدى العجائز: أكان لديه ألف شك في وجود الله؟ وهذا يعني أن العقيدة كانت حاضرة في النخبة لا في عموم الأمة.
ما الفرق بين أسس الحضارة والفلسفة المؤسِّسة لها وكيف تنظر الرؤية الإسلامية إلى العمران؟
أسس بناء الحضارات شيء وما تقوم عليه من فلسفة ورؤى شيء آخر، وكثيرًا ما يقع الخلط بينهما. الرؤية الإسلامية تقوم على عبادة الله وعمارة الكون استنادًا إلى قوله تعالى واستعمركم فيها، وإذا تعارض البناء مع العمران وكانت له مفاسد فإن هذه الرؤية تمنع المضي فيه وتدفع للبحث عن بديل يراعي درء المفاسد قبل جلب المنافع.
لماذا تقدّم الغرب المعاصر وبنى حضارته رغم فلسفته المادية؟
تقدّم الغرب المعاصر لأنه سعى بجدية وعمّر دنياه على فلسفات البراجماتية والتقنية والمادية وسيادة مفهوم السوق. والأساس ليس الفلسفة بحد ذاتها بل السعي والجدية والاتساق، إذ اتسق الغرب في واقعه مع فلسفته حتى لو كانت فلسفة كفر وإلحاد، وبالاتساق يأتي الاستمرار والتقدم.
لماذا تراجعت الحضارة الإسلامية وما دور فقدان الاتساق في ذلك؟
تراجعت الحضارة الإسلامية لفقدان الاتساق بين العقيدة والسلوك وبين الرؤية والنظام السائد سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، لا لعيب في الرؤية المؤسِّسة. فقد بلغ الأوائل قمة المحبة والخوف والمعرفة في تعلقهم بربهم وغاية الإتقان في بناء دنياهم، ثم خبت هذه الروح الجادة فتشرذم البرنامج اليومي للمسلم وهبطت الفنون وبهتت خطوط المصحف.
لماذا اختفت العقلية التراثية وما دور فصل التعليم في ذلك؟
اختفت العقلية التراثية لأن الإنسان المالك للنموذج المعرفي لم يعد يتعرض للمشكلات الواقعية وجذورها، وذلك منذ أن فصل محمد علي في مصر بين التعليم المدني والديني. فقيل لرجل العلم الشرعي إنه رجل دين لا رجل دنيا فعُزل عن الواقع، وبالمثل عُزل دارس العلوم الاجتماعية عن التعليم الإسلامي، فنشأ انفصال تام بين النص والواقع.
كيف أدى الانفصال بين التعليم الديني والمدني إلى غياب الشريعة الإسلامية عن الواقع؟
أدى الانفصال إلى غياب الشريعة الإسلامية عن واقع الأمة، فحين سعى الخديوي إسماعيل للتحرر من الدولة العثمانية دعا إلى تقنين للشريعة الإسلامية أعدّه مجدي صالح باشا، إلا أنه لم يُعمل به وظل حبيس الأدراج. وتوالت المهاترات في التقنين حتى حُكمت مصر بقوانين مستوردة ليست من الشريعة في شيء.
ما الذي وضعه السنهوري وأحمد باشا أمين من تقنينات وما الذي بقي من الشريعة فيها؟
وضع الدكتور السنهوري التقنين المدني في اثني عشر جزءًا مستمدًا من قوانين بلجيكية وفرنسية ومن الشريعة الإسلامية أيضًا، ووضع أحمد باشا أمين القانون الجنائي من مجمل التقنينات العالمية. ولم يبق من الشريعة الإسلامية في المنظومة القانونية سوى قوانين الأحوال الشخصية وبعض نظريات العقود، فضلًا عن المبادئ العامة للعدل التي يحكم بها القضاة.
كيف يؤثر الفصام بين العقيدة والنظام القانوني في السلوك الحضاري للمجتمع؟
الفصام بين العقيدة والشريعة من جهة والنظام القائم من جهة أخرى يجعل قيام حضارة حقيقية أمرًا متعذرًا، ويظهر ذلك في تعمّد الناس كسر إشارات المرور دون خجل وعدم شعور المسؤول بداعٍ لضبط المخالفين. أما لو علم الفرد أن النظام منبثق عن عقيدته وأنه محكوم بالشرع الذي يؤمن به، لقام بعمله من باب التعبد لله، وهذا هو الاتساق الذي يُعجبنا في الغرب.
فهم العلوم التراثية الإسلامية يستلزم استيعاب الرؤية الكونية التراثية القائمة على الإيجاد والإمداد والاتساق بين العقيدة والسلوك.
أدوات فهم العلوم التراثية الإسلامية تقوم على مكوّنين لا غنى عنهما: الرؤية الكونية لمنتجي التراث التي قسّمت الوجود إلى متحيّز وعرض، واستخلصت من العقيدة الإسلامية نظرية الإيجاد والإمداد التي ترى الكون محتاجًا في كل لحظة إلى إمداد إلهي مستمر. وقد أثّرت هذه الرؤية في فهم معاني التوكل والتفويض ودعاء لا حول ولا قوة إلا بالله.
تراجعت الحضارة الإسلامية لا لعيب في رؤيتها المؤسِّسة، بل لفقدان الاتساق بين العقيدة والسلوك، ولفصل التعليم الديني عن الواقع منذ عصر محمد علي. وقد أدى الفصام بين العقيدة والنظام القانوني إلى حلول قوانين مستوردة محل الشريعة، في حين أن الغرب بنى حضارته بالجدية والاتساق بين فلسفته وواقعه، وهو الدرس الذي تحتاج الأمة إلى استيعابه.
أبرز ما تستفيد منه
- الوجود في الرؤية التراثية إما متحيّز كالجوهر والجسم، أو غير متحيّز كالعرض.
- نظرية الإيجاد والإمداد تعني أن الكون يحتاج إلى إمداد إلهي مستمر في كل لحظة.
- تراجع الحضارة الإسلامية سببه فقدان الاتساق بين العقيدة والسلوك لا عيب في الرؤية.
- فصل التعليم الديني عن المدني منذ عصر محمد علي أفضى إلى غياب الشريعة عن الواقع.
تعريف أداة التعامل مع العلوم التراثية ومكوِّنَيها الرئيسيين
تتألف أداة التعامل مع العلوم التراثية لتأسيس "الفهم" من مكونات عدة، لعل من أهمها مكوّنيْن رئيسيْن: الأول- عناصر الرؤية للعالم الخارجي عند الكاتبين للتراث الإسلامي، والثاني- الأداة اللغوية التي يمكن أن نفهم النص التراثي بها.
أولًا – عناصر الرؤية للعالم الخارجي:
لكي أستكشف عناصر الرؤية التراثية للكون والوجود والإنسان والحياة، أحتاج أن أقوم برحلة في العقلية التراثية: عقلية الماوردي والجويني والغزالي والنووي وابن تيميه وابن حجر، والسيوطي...الخ، هؤلاء الذين عاشوا في الزمن التراثي، والذين حازوا –ولابد- أدوات لفهم القرآن والسُّنَّة، وأيضًا حازوا رؤى معنية للعالم الخارجي.
مصادر الرؤية التراثية للعالم وتنوع تأثير الحضارات القديمة
تتلخّص الرؤية منتجي التراث للعالم الخارجي في عناصر معينة، وذلك بصرف النظر عن مصادرها؛ لأن مصادرها شديدة التركيب كما أشرنا من قبل: بعضها من العقائد الإيمانية، وبعضها مستقًى من مطلق التأمل والتفكّر في الكون والأشياء وما وراءها، أو من خلاصة الفلسفة القديمة، أو من الاختلاط بحضارات أخرى تداخلت مع حضارة المسلمين كالهندية و الصينية و الفرعونية والفينيقية والآشورية والبابلية... وأخيرًا الحضارة اليونانية بتنوعاتها، دون الوقوف فقط عند مدرسة أرسطو الأكثر شهرة- حيث كانت ثمة مجموعة كبيرة من الأفكار التي وردت عن أمثال فيثاغورث وسوفوكليس وسقراط وأفلاطون وغيرهم.
وهذا الترتيب للمصادر ليس مقصودًا بالضرورة، إنما ذكرتها لبيان أن هناك مصادر أخرى غير المصدر الأرسطىّ الذي عدّه البعض هو كل شيء أو المصدر الأوحد، وليس الأمر كذلك، فقد تعامل المسلمون مع هذا المنطق الأرسطىّ بالحذف والإضافة، ومع مصادر أخرى.
صعوبة تعيين مصادر الرؤية وتقسيم الوجود إلى متحيز وجوهر وجسم
ومن الصعب -حتى عند أهل التراث- أن نتبيّن - بالضبط- من أين أتت هذه العناصر للرؤية الكونية؛ لأنها قد تأتي من أحد هذه المصادر أو من تفاعلها فيما بينها.. وأعتقد أن البحث فيها ليس مجديًا في هذا المقام؛ حيث نركز أساسًا على مكونات الرؤية نفسها لا على مصادرها!
على كل حالٍ نعود لنتساءل: كيف كانت هذه الرؤية التراثية؟!
هذه الرؤية هي التي عُني بها علم الكلام، وخلاصتها أنها كانت ترى هذا الوجود إما متحيّزًا أو غير متحيّز: والمتحيّز-لغةّ- إما أن يكون المائل المنصرف إلى جانب دون آخر، وإما أنه كل ما له حدود أو يشغل حيّزًا. والمتحيّز- في هذه الرؤية- إما بسيط ويسمى "جوهرًا"، أو مركَّب ويسمى "جسمًا".
فالجسم -مثلًا- كجسم الكائن الحي المركّب من عدة خلايا، بينما ما يمثل الجوهر هو الخلية الوحيدة أو المنفردة. فالجوهر هو أقل حالات المتحيّز، وكانوا يسمونه "الجوهر الفرد"؛ لأنه لا يقبل القسمة، ولو انقسم فنيَ..وهذا ما تبنتّه الكثير من نظريات الطبيعة أو الفيزياء اليوم في مسألة انشطار الذرة.
وهذا التصور في "الجوهرية" –وإن أمكن أن يكون موجودًا بأكثر من مصدر من المصادر المذكورة- إلا أنه بالأساس مأخوذ عن العقيدة الإسلامية التي تقرر أن الله سبحانه وتعالى وحده ليس قبله شيء وليس بعده شيء، وليس كمثله شيء في الوجود، بل كل شيء مخلوق له، هو سبحانه وتعالى خَلَقه، والتي ترى أن التسلسل باطل، وأن ثمة نهاية لكل موجود في هذا الكون. فليس هناك ما هو "لانهائي" في موجودات الكون إلا إذا كان مقدَّرًا (كالمستقبل) أو وهميًا.. وكل كائنات الكون المحسوس متحيزة بين بداية ونهاية.
مفهوم العرض وعوالم الرب والملك والملكوت وتأثيرها في العقلية المسلمة
ثم "غير المتحيّز" في هذا الوجود فيسمى "العَرَض": وهو شيء موجود في غيره لا يمكن أن يقوم بذاته دون غيره، مثل الصفات والأحوال: "كالفقر والغنى، والصحة والمرض، والسعادة و الحزن، والقوة والذكاء واللون والطول..الخ. كل هذه الصفات تمثل أعراضًا غير متحيزة بذاتها وتحتاج إلى محلٍ تحل فيه. فلابد لنعرفها من وجود الفقير والغنيّ و الصحيح والعليل والسعيد و الحزين والقوي والأبيض..الخ.
والله سبحانه وتعالى غير ذلك وفوق ذلك... ومن ثم فهو سبحانه وتعالى غير متحيّز لا هو جسم ولا جوهر، إلا إنه أيضًا ليس بعَرَض! والكلاميون قالوا بضرورة إخراج الحديث عن الله سبحانه وتعالى من هذه القصة وهذه التقسيمة. فحتى إذا قيل إنه "غير متحيّز" فإن عدم تحيّزه سبحانه وتعالى مختلف عن عدم تحيّز غيره!
ومن ثم رأوا أن المعلوم ثلاثة:
- •
الربّ تبارك وتعالى بصفات اللاهوت (الكمال) والرحموت (الجمال) و الجبروت (الجلال).
- •
الـمُلك، وهو ما يدرك بالحِس بما فيه من عوالم الأشياء و الأشخاص والأحداث.. ويمكنني أن أسيطر عليه بالميكروسكوب أو التليسكوب أو بالحواس المجرّدة.
- •
الملكوت، وهو الموجود غير الواقع تحت الحس أو الحواس الظاهرة، كالملائكة والجنّ والأرواح...الخ. لكن قد نصل إلى كشفه في يوم من الأيام.
وكل يوم نكتشف فيه شيئًا فإنه يدخل من عالم الملكوت إلى عالم الملُك الذي نراه يتزايد عبر التاريخ البشري، كاكتشافنا للكهرباء، الموجات، وكـــ"الفيمتو-ثانية" وآلة التصوير التي نقلت التفاعل الكيميائي من عالم الملكوت إلى عالم الـمُلك (والذرة حتى الآن لا تزال في عالم الملكوت، حتى إن بعض المدارس لا تزال تنكر وجودها بناء على أمور فلسفية و أفكار فيزيقية معينة!).
كل هذه الأمور أثرت في العقلية المسلمة دون أن يقول أرسطو فيها شيئًا، إنما جاءت من اتباع ومتابعة العقيدة المستقرة.
استخدام مفهوم الجوهر الفرد في إثبات وجود الله ونفي التسلسل والدور
وقد اعتمدوا على فكرة "الجوهر الفرد" هذه من أجل الإثبات العقلي والرياضي للوجود الإلهي ونفي المثيل. فقد نجم عنها رفض "التسلسل اللانهائي" رياضيًا؛ مما أكد القول بأن إلى الله المنتهى، كما نجم عنها رفض مسألة "الدور" والتي تعني أن الأشياء بينها علاقة إيجاد متبادل: هذا أوجد ذاك وذاك أوجد هذا، بما يؤدي إلى حلقة مفرغة تشبه قصة البيضة والدجاجة كما أشرنا من قبل. فقد رفضوا ذلك على أساس أنه لابد من "بداية"ٍ خلق الله عندها أحد السببيّن فكان سببًا للآخر.
تقسيم العرض وأنواعه التسعة بين التصور الأرسطي والمعالجة الإسلامية
هذا في المتحيِّز، أما العرَض فقد قال أرسطو إن له تسعة أنواع، إلا إن المسلمين رأوا أن التحقيق يصل بهذه التسعة إلى اثنين فقط مرتبطين بسبع صفات (أعراض) أو أكثر، وقد صاغوا تقسيمة أرسطو للأولاد والمتعلمين –ساعتها- في صورة أراجيز بسيطة، فقالوا:
زيد الطويلُ الأزرقُ بنً مالكِ في بيته بالأمس كان مُتكي
بيده عودُ قد لواه فالتـــــــوى فهذه عشر مسائل سُــــــــوا
زيد: الشخص وهو الجوهر أو الجسم المتحيّز، وهو على الجوهرية لا الجسمية، بينما الأعراض التسعة هي:
الطويل: الكمّ، ومنه المتصل (كالمتر...) و المنفصل (كعدد حبات القمح).
الأزرق: الكيف، كاللون والصحة و الذكاء... وغيرها.
ابن مالك: النسبة، المنسوب إلى مالك.
في بيته: المكان.
بالأمس: الزمان.
متُكئ: الوضع: كراكع وساجد.
بيده: الملِك، مثل "عندي" و"لي".
لواه: الفعل.
فالتوى: أثر الفعل.
هذا ما قالوه عن أرسطو، غير أنهم قالوا إن هذا كله يمكن أن يسمى "النسبة". وهذه النسبة لا تقتصر على هذه التسع فقط، فقد تكون أكثر منها بكثير. الأمر الذي يبين لنا أن تعاملهم مع معارف الآخرين قام كعملية انتقائية، لا كتقليد أعمى.
أثر تحديد المتحيز والأعراض في توصيف الواقع وربط ذلك بالفيزياء الحديثة
وإذا استطعنا أن نحدد هذه العشرة (المتحيّز و العَرضَ بصفاته التسع)، أمكننا أن نحدد ونشخص الوقائع والأحوال تشخيصًا كاملًا في لحظتها الآنية بما يقارب الصورة الفوتوغرافية. لقد أفاض ذلك على المسلمين الكثير في توصيف ظواهر الواقع ورصدها، وهي المهمة الأساسية التي تشغل بال الباحث في العلوم الاجتماعية الإنسانية الحديثة بدرجة كبيرة.
إن هذا الاستعراض لجانب رئيس من كيفية إدراك الموروث الإسلامي للوجود من حوله وأثره على إدراك الوقائع الجزئية، يدفعنا لإعادة النظر في هذا الموروث وسبر أغواره. إن تعبيراته في مجال الرؤية الكلية –على اختصار عباراتها- قد تــنْبِئ بأن الكثير من نظريات القرن العشرين ومكتشفاته قال بها المسلمون، لكن بألفاظ أخرى معبرة عن لغتهم التي نسعى لفهمها والاقتراب منها.
فمثلاً، لماذا يُعد الضوء –بالأساس- هو أسرع شيء في حركته؟ إجابة النظريات الحديثة -كما في نظرية "الفوتونات"- تدور حول أن الضوء لا يسير في خطوط مستقيمة إنما في تموّجات وفي تقطعات، وهذا يعني أن هذا الضوء يفنى ثم يأتي غيره في لحظات تقدر بالفيمتو-ثانية وأقل. وهذا نفس ما قررته الرؤية التراثية الإسلامية لكن بألفاظ مختلفة: أن كل الأعراض -ومنها الضوء- غير ثابتة، تفنى وتحيا في ما يقترب من اللازمن.
نظرية الإيجاد والإمداد بين النص القرآني وفهم حركة الوجود
وكذلك استخلص المسلمون عقليًا من مجموع المصادر السابقة التي نوهنا بها، وبناء على العقيدة الإسلامية التي تقول:
[ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ]- الآية 29, سورة الرحمن
استخلصوا نظرية أساسية تسمى "نظرية الإيجاد والإمداد".
فهناك إيجاد (أي خلْق)
[أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا] - الآية 67, سورة مريم
وهناك إمداد، وهذا الإمداد
[كُن فَيَكُونُ]- الآية 117, سورة البقرة
مستمر متواصل لا ينقطع... ولو أن الله سبحانه وتعالى قطع هذا الإمداد لأفنى المقطوع عنه، وليس معنى ذلك أن يموت، فالموت خلْق جديد
[ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ ]- الآية 2, سورة الملك
بل يفنى أي يصير إلى عدم محض... فـالله سبحانه وتعالى لا يزال خالقًا، وقطعه الإمداد –ولله سبحانه وتعالى المثل الأعلى- هو كقطع التيار الكهربائي عن المصباح فتختفي الصور وينطفئ نور الشاشة.
أثر الإمداد الإلهي في فهم لا حول ولا قوة إلا بالله والتوكل
فالإمداد هو الذي يحفظ الإيجاد ويعطيه الحيوية، وهو من الله وحده لا يشاركه فيه أحد، ومن هذا فهموا معنى (لا حول ولا قوة إلا بـالله) بمعنى انقطاع كل قدرة أو حول أو طاقة إلا بعون الله ومدده، وفهموا دعاء الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
(لا تكلني إلى نفسي طرفة عين) [1]
لأنه لو أوكلني إلى نفسي فسوف أفنى، فلا حول لي و لا قوة في أن أوجد نفسي أو أن أبقيها إلا بـاللهالعلي العظيم... وإذا وصل معتقد الفرد إلى هذا، وصل إلى درجات التوكل والتفويض، والانصراف إلى الله بكلية القلب والفكر والهمة في العبادة والحياة. فأنا منه وإليه، ومن ذلك أيضًا نفهم المناجاة النبوية:
(لبيك وسعديك, والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك) [2]
سريان عقيدة الإيجاد والإمداد وتحوّل الأمة إلى أمية وزخم عقيم
كانت هذه هي العقيدة السائدة حتى القرن التاسع عشر الميلادي، لكنها كانت حاضرة بالأساس في النخبة. فالأمة اليوم جهِلت وتحولت إلى أمة أميَّة تجهل دينها وقرآنها، تقريبًا منذ ما بعد القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)؛ حيث انتهى عصر توليد العلوم وبدأ عصر الزخم العقيم. فعلى سبيل المثال يقيم (الفخر الرازي) حفلًا ضخمًا ليعرض فيه ألف دليل على وجود الله سبحانه وتعالى، بينما كان تعليق إحدى العجائز على ذلك: أكان لديه ألف شكًّ في وجود الله؟ فهذا مما نقصده بالزخم العقيم.
التمييز بين أسس الحضارة والفلسفة المؤسسة والرؤية الإسلامية للعبادة والعمران
ومن ناحية أخرى، فلابد من ملاحظة أن أسس بناء الحضارات شيء، وما تقوم عليه هذه الحضارات من فلسفة ورؤى شيء آخر. لكن هناك خلطًا شائعًا بين الفلسفة المؤسسة للحضارة وبين الواقع الماثل لها؛ الأمر الذي يثير العديد من الجدالات. فالتقدم الحضاري له قوانينه، والتميز الحضاري له قواعده.
وقد تقدم المسلمون وهم يجيبون عن هذه الأسئلة الكبرى كأسئلة كلية أولية، وكذلك تقدم الغرب دون أن يجيب عنها! فهذه القضية وإن كانت تؤثر في صبغة الحضارة، إلا أن عملية البناء الحضاري لها وسائل أخرى. فالرؤية الكلية الخاصة بي تقول لي، اعبد الله، ومن ثم فإنني أبني كل حضارتي على: عبادة الله U فهي حضارة تعبُّد، وعلى عمارة الكون:
[ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا]- الآية 61, سورة هود.
ومن ثم إذا تعارضت عملية البناء مع العمران وكانت ذات مفاسد، فإن منظوري يمنعني من المضي في هذا السبيل ويضطرني للبحث عن غيره... فلا أخترع الطائرة الخارقة للصوت التي تفسد الأوزون وأبحث عن درء المفاسد قبل جلب المنافع!
أسباب تقدم الغرب المعاصر من خلال الجدية والاتساق بين الفلسفة والواقع
وليس معنى هذا أن الآخر -الذي جعلها أسئلة نهائية وعاش بالشك- قد تقدم وبنى حضارته لأنه هكذا.. فالأساس هو السعي والجدية والاتساق. والغربي المعاصر سعى وعمّر دنياه على فلسفات ومفاهيم البراجماتية والتقنية والمادية، وسيادة مفهوم "السوق" وغيره، وانتهى إلى بناء هذه الحضارة بالحال التي هي عليها، وبنى حضارته بالجدية: أن يعمل بإتقان، أن يجيد العمل في فريق وبروح الجماعة، ولأهداف محددة، وبوسائل ملائمة...الخ.. وفي الغرب اتسق واقعهم مع فلسفتهم حتى لو كانت فلسفة كفر وإلحاد، وبالاتساق يأتي الاستمرار.
فقدان الاتساق بين العقيدة والسلوك وتراجع الإتقان في الحضارة الإسلامية
وقد خفت صوت الحضارة الإسلامية وخَبَت نارها لاختفاء الروح الجادّة منها بعدما كانت سائدة شائعة في الأوائل كما نلحظه من مطالعة تراثهم، حيث بلغوا قمة المحبة والخوف والمعرفة في تعلقهم بربهم ودينهم، وغاية الإتقان والجهد والتأنّي في بناء دنياهم على أساس ذلك. واستكانت الحضارة الإسلامية عندما فقدت (الاتساق): الاتساق بين العقيدة والسلوك، بين الرؤية والنظام السائد: سياسّيا كان أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا.
إن أسس الحضارة الإسلامية تراجعت بعد نحو الألف عام التي كان المسلمون فيها ينتجون حضارة وعلومًا، فبهتت خطوط المصحف وهبطت الفنون وتشرذم البرنامج اليومي للمسلم، ليس لأن الفلسفة والرؤية المؤسِّسة كانت معيبة أو معاكسة لحركة التقدم، بل لمخالفة المسلمين لسنن التقدم الحضاري المشار إلى بعض منها.
تقديم الإنسان على البنيان واختفاء العقلية التراثية بسبب فصل التعليم
ومن حيث البقاء فهناك حضارات بادت وعقمت؛ لأنها قدمت البنيان على الإنسان، أما حضارة الإسلام فقد بقيت -وإن تراجعت- لأنها قدمت الإنسان على البنيان، وهذا ليس له علاقة بالتقدم.
لكن لماذا اختفت هذه العقلية التراثية؟ ما المشكلة التي آلت إلى الانفصال بين النص والواقع؟ إن المشكلة أن الإنسان المالك للنموذج المعرفي والمرجعية لم يعد يتعرض للمشكلات الواقعية وجذورها وما ورائياتها.. حدث هذا في مصر منذ عصر محمد علي ومشروعه حين فصل بين نوعي التعليم: مدني وديني،.. ومنذ أن قيل لرجل العلم الشرعي: إنك رجل دين لا رجل دنيا؛ ومن ثم يجب أن تبقى معزولاً عن مثل هذه الأشياء التي تجري في الواقع.. اليوم يقال له: لماذا لا تجتهد في إعطاء الحكم الإسلامي والحل الإسلامي لهذه المشكلات.. وهو أين هو منها؟ وبالمثل يُفعل مع الواقعي المتصرّف أو دارس العلوم الاجتماعية الحديثة، حين يُطالب بأن يكون إسلاميًا وهو منعزل تمامًا عن تعلم أي شيء في هذا!
آثار الانفصال على غياب الشريعة ومحاولة تقنينها في عهد الخديوي إسماعيل
لقد آل ذلك إلى غياب الشريعة الإسلامية ومن بعدها ضعف العقيدة في واقع الأمة. فعلى سبيل المثال لما جاء الخديوي إسماعيل –في مصر- ساعيًا بالأساس للتحرر من الدولة العثمانية والتي كانت لها ظلالها المعنوية الكثيرة كدولة خلافة إسلامية... ولما رآها تدعو إلى تطبيق الشريعة على النسق الذي ظهر في "مجلة الأحكام العدلية"، ومع سعيه هو للانفصال دعا "مجدي صالح باشا"، فأقام تقنينًا للشريعة الإسلامية إلا أنه لم يعُمل به حتى بعدما تم طبع ترجمته؛ لأنه ظل حبيس الأدراج.. وظلت المهاترات في التقنين تتوالى حتى حُكمنا بقوانين ليست منا ولسنا منها في شيء.
القانون المدني والجنائي الحديث ومجالات بقاء تطبيق الشريعة
وذلك إلى أن جاء الدكتور السَّنهوري ووضع التقنين المدنيّ، ووضع أحمد باشا أمين القانون الجنائي –وذلك استنباطًا من مجمل القوانين أو التقنينات العالمية. ولما شرح السنهوري مطوّله في القانون المدني -في اثني عشر جزءًا- جاء شرحه من قوانين شتى: بلجيكي، فرنسي،.. ومن الشريعة الإسلامية أيضًا. ونحن الآن محكومون بها، وبعضها ناتج عن المبادئ العامة للعدل التي يحكم بها كل قاضٍٍ.. ولم يبق من الشريعة سوى قوانين ما يعرف بالأحوال الشخصية وبعض نظريات العقود..الخ.
الفصام بين العقيدة والنظام القانوني وأثره السلوكي مقارنة باتساق الغرب
إذن هناك فصام بين العقيدة والشريعة من جهة وبين النظام القائم، وهذا الحال لا يمكن أن تقوم في ظله حضارة أو سلوكيات تحضُّر.. وانظر لماذا يتعمد الناس كسر إشارات المرور ولا يشعرون بالخجل، بل الأدهى أن المسئول عن متابعة هذه المخالفات لا يجد غالبًا في نفسه داعيًا لضبط المخالفين أو معاقبتهم. أما لو علم أن ذلك منبثق عن عقيدته، وأنه محكوم بالشرع الذي يؤمن به، فلا شك أنه سيقوم بعمله هذا من باب التعبد لله رب العالمين...إن هذا هو ما يثير إعجابنا بالغرب وسبق أن أشرنا إليه: الاتساق.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما المكوّنان الرئيسيان لأداة التعامل مع العلوم التراثية الإسلامية؟
عناصر الرؤية للعالم الخارجي والأداة اللغوية
ما الذي يسمى في الرؤية التراثية الإسلامية بـ'الجوهر الفرد'؟
أقل حالات المتحيّز الذي لا يقبل القسمة
ما المقصود بـ'العرض' في الرؤية التراثية الإسلامية؟
الشيء الموجود في غيره ولا يقوم بذاته كالصفات والأحوال
كم نوعًا للعرض ذكرها أرسطو وكيف تعامل معها المسلمون؟
تسعة أنواع وردّوها إلى اثنين مرتبطين بسبع صفات أو أكثر
ما الآية القرآنية التي استند إليها المسلمون في استخلاص نظرية الإيجاد والإمداد؟
كل يوم هو في شأن
ماذا يحدث وفق نظرية الإيجاد والإمداد لو قطع الله الإمداد عن شيء؟
يفنى إلى عدم محض لا إلى موت
ما الفرق بين عالم الملك وعالم الملكوت في الرؤية التراثية؟
الملك ما يُدرك بالحواس والملكوت ما لا يقع تحت الحواس الظاهرة
ما التشابه الذي رصده العلماء بين الرؤية التراثية الإسلامية ونظرية الفوتونات الحديثة؟
كلاهما يقرر أن الأعراض غير ثابتة تفنى وتحيا في ما يقترب من اللازمن
ما السبب الرئيسي لتراجع الحضارة الإسلامية وفق هذا المحتوى؟
فقدان الاتساق بين العقيدة والسلوك والنظام السائد
ما الذي يميّز الحضارة الإسلامية في مسألة البقاء مقارنة بحضارات أخرى بادت؟
تقديمها الإنسان على البنيان
ما الحدث الذي أدى إلى الفصل بين التعليم الديني والمدني في مصر؟
مشروع محمد علي التعليمي
ما الذي بقي من الشريعة الإسلامية في المنظومة القانونية المصرية الحديثة؟
قوانين الأحوال الشخصية وبعض نظريات العقود
لماذا وصف المحتوى ألف دليل الفخر الرازي على وجود الله بأنه 'زخم عقيم'؟
لأنه يدل على انفصال النخبة عن الأمة وتحوّل العلم إلى كثرة بلا روح
ما أساس تقدم الغرب المعاصر وفق هذا المحتوى؟
السعي والجدية والاتساق بين الفلسفة والواقع
ما الذي يُفسّر تعمّد الناس كسر إشارات المرور دون خجل في المجتمعات ذات الفصام بين العقيدة والنظام؟
غياب الاتساق بين العقيدة والنظام القانوني المطبّق
ما المكوّنان الأساسيان لأداة التعامل مع العلوم التراثية الإسلامية؟
عناصر الرؤية للعالم الخارجي عند منتجي التراث الإسلامي، والأداة اللغوية التي يُفهم بها النص التراثي.
من هم أبرز منتجي التراث الإسلامي الذين تُمثّل عقلياتهم نموذج الرؤية التراثية؟
الماوردي والجويني والغزالي والنووي وابن تيمية وابن حجر والسيوطي، وهم من عاشوا في الزمن التراثي وحازوا أدوات لفهم القرآن والسنة.
ما الفرق بين الجوهر والجسم في الرؤية التراثية الإسلامية؟
الجوهر هو المتحيّز البسيط الذي لا يقبل القسمة، والجسم هو المتحيّز المركّب من عدة جواهر كجسم الكائن الحي المركّب من خلايا.
ما المقصود بعالم الملكوت وكيف يتحول شيء منه إلى عالم الملك؟
الملكوت هو الموجود الذي لا يقع تحت الحواس الظاهرة كالملائكة والجن، وكل اكتشاف علمي جديد ينقل شيئًا من الملكوت إلى الملك كاكتشاف الكهرباء والموجات.
كيف وظّف علماء التراث فكرة الجوهر الفرد في إثبات وجود الله؟
استخدموها لرفض التسلسل اللانهائي رياضيًا مما أثبت أن للوجود بداية منتهية إلى الله، ورفضوا الدور الذي يعني إيجاد الأشياء بعضها لبعض في حلقة مفرغة.
ما الأعراض التسعة التي ذكرها أرسطو وصاغها المسلمون في أرجوزة؟
الكمّ والكيف والنسبة والمكان والزمان والوضع والملِك والفعل وأثر الفعل، وقد صاغها المسلمون في أرجوزة تعليمية تبدأ بـ'زيد الطويل الأزرق'.
ما الموقف الإسلامي من تقسيم أرسطو للأعراض التسعة؟
رأى المسلمون أن هذه التسعة يمكن ردّها إلى اثنين مرتبطين بسبع صفات أو أكثر، وأن النسبة قد تكون أوسع من التسع، مما يكشف طابعهم الانتقائي النقدي.
ما الشبه بين نظرية الإيجاد والإمداد وقطع التيار الكهربائي؟
كما أن قطع التيار الكهربائي عن المصباح يُطفئ النور ويُخفي الصور، فإن قطع الإمداد الإلهي عن أي موجود يُفنيه إلى عدم محض.
ما معنى لا حول ولا قوة إلا بالله في ضوء نظرية الإمداد الإلهي؟
تعني انقطاع كل قدرة وطاقة وحول إلا بعون الله ومدده، لأن الإنسان لو وُكل إلى نفسه لفني إذ لا قدرة له على إيجاد نفسه أو إبقائها.
ما الدرجة الروحية التي يصل إليها المؤمن حين يستوعب نظرية الإمداد الإلهي؟
يصل إلى درجات التوكل والتفويض والانصراف إلى الله بكلية القلب والفكر والهمة في العبادة والحياة.
متى انتهى عصر توليد العلوم في الحضارة الإسلامية وبدأ عصر الزخم العقيم؟
بعد القرن الرابع الهجري الموافق للعاشر الميلادي، حين تحوّلت الأمة إلى أمة أمية تجهل دينها وقرآنها.
ما الفرق بين أسس بناء الحضارة والفلسفة المؤسِّسة لها؟
أسس البناء الحضاري لها وسائل خاصة كالجدية والإتقان والعمل الجماعي، وهي مستقلة نسبيًا عن الفلسفة المؤسِّسة، فقد تقدم المسلمون بفلسفتهم وتقدم الغرب بفلسفة مختلفة.
ما الآية القرآنية التي تستند إليها الرؤية الإسلامية في مسألة عمارة الكون؟
قوله تعالى: واستعمركم فيها، من سورة هود الآية 61، وهي أساس مفهوم العمران في الحضارة الإسلامية.
ما الذي يعنيه مفهوم 'درء المفاسد قبل جلب المنافع' في السياق الحضاري؟
أن الرؤية الإسلامية تمنع المضي في أي مشروع حضاري إذا كانت له مفاسد تفوق منافعه، كاختراع طائرة تفسد طبقة الأوزون.
ما الذي قام به مجدي صالح باشا في عهد الخديوي إسماعيل؟
أعدّ تقنينًا للشريعة الإسلامية، إلا أنه لم يُعمل به وظل حبيس الأدراج، وتوالت المهاترات في التقنين حتى حُكمت مصر بقوانين مستوردة.