اكتمل ✓

كيف جسّد مبدأ رحمة للعالمين سياسةَ الإسلام في التعايش مع غير المسلمين وتجنب الحروب؟

الإسلام دين السلام الذي جعل التعارف بين الشعوب غايةً، وأرسل النبي محمداً رحمةً للعالمين وفق قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). وقد كانت سياسة الرسول نبذ الحرب واتقاءها، وعصمة دماء كل من أظهر الإسلام، مع الحث على السلم متى جنح إليه الطرف الآخر. الحرب في الإسلام استثناء مقيّد بشروط صارمة، والسلام هو الأصل والغاية.

كيف جسّد مبدأ رحمة للعالمين سياسةَ الإسلام في التعايش مع غير المسلمين وتجنب الحروب؟
كيف جسّد مبدأ رحمة للعالمين سياسةَ الإسلام في التعايش مع غير المسلمين وتجنب الحروب؟
3 دقائق قراءة
  • هل يمكن للإسلام أن يكون ديناً للسلام مع وجود آيات القتال؟ الجواب في الفرق بين الأصل والاستثناء.

  • جاء الإسلام داعياً إلى التعارف بين الشعوب والقبائل، وأرسل النبي محمداً رحمة للعالمين لا سيفاً على العالمين.

  • كانت سياسة الرسول في المدينة نبذ الحرب وتجنبها، مع الوصية بعدم قتل الشيخ الفاني والطفل والمرأة.

  • السلام هو المبدأ الرئيس في الإسلام، والقتال إذن لدفع الظلم لا أمر مطلق، وينتهي فور إلقاء العدو السلاح.

  • عصمة الدماء تثبت لأدنى شبهة؛ فمن نطق بالشهادتين أو ألقى السلام يُحكم له بحكم الإسلام ظاهراً.

  • حديث "أمرت أن أقاتل الناس" يحدد غاية يتوقف عندها القتال، وليس غاية يستمر من أجلها، وهو حديث رحمة وتسامح.

الإسلام دين السلام والتعارف بين الشعوب والقبائل

نماذج التعايش مع الآخر

سياسة الرسول في وقف الحرب وعصمة الدماء

جاء الإسلام دينا للسلام بين شعوب الأرض‏,‏ قال تعالى‏:

(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات‏:13]

والتعارف لا يأتي إلا عن طريق السلام‏,‏ كذلك أرسل الله عز وجل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين‏:

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء‏:107],‏

ولهذا كانت سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة هي نبذ الحرب واتقاءها نظرا لما تخلفه من تدمير وتخريب, فقال:

«أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية, فإذا ليقتموهم فاصبروا» (البخاري 3/1082),

كما أوصى جيش المسلمين في الحروب بقوله:

«انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله, لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة.. وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين» (أبو داود 3/37).

منهج الإسلام في تجنب الحروب وجعل السلم هو الأصل

فالمنهج تجاه الحروب هو تجنبها قدر الاستطاعة, لأنها استثناء, فإن كانت فعلى المسلمين الصبر والثبات وعدم التجاوز:

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [البقرة:190].

والسلام هو المبدأ الرئيس, وهو الغاية والهدف, أما الحرب فهي إحدى وسائل تحقيق هذا الهدف, قال تعالى:

(فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) [النساء:90].

وجاءت آية أخرى تحث على السلم وتؤكده في مبدأ قرآني رباني يتميز بالقطع والشمول والعموم في كل زمان ومكان:

(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) [الأنفال:61].

تشريع القتال بالإذن لدفع الظلم وكراهية النفوس للحرب

ومن لطائف حرص الإسلام على السلام أن القتال لم يشرع في القرآن أمرا, بل جاء إذنا فقال سبحانه:

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [الحج:39],

ذلك أن الحرب هي شر لدفع شر أكبر منه, فالنفس البشرية تعودت على أن بعض الشرور لا تدفع بالخير, بل لا تقهر إلا بشر آخر, قال تعالى:

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) [البقرة:216].

عصمة دم من نطق بالشهادتين وقصة المقداد بن الأسود

ومن أهداف الإسلام في الحرب عصمة الدماء لأدنى شبهة, فلا يحل دم من نطق بالشهادتين, لأننا أمرنا بالأخذ بالظاهر وعدم التفتيش عن قلوب الناس, ولو أظهر أحد المقاتلين الشهادة عصم دمه وأمن, فقد قال المقداد بن الأسود: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها, ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله, أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا تقتله».

قال: فقلت يا رسول الله إنه قد قطع يدي, ثم قال ذلك بعد أن قطعها, أفأقتله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا تقتله, فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله, وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال» (مسلم 1/54).

حكم من ألقى السلام ومعنى السلم وتحية الإسلام

وفي هذا المعنى قال تعالى:

(وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) [النساء:94],

ومعنى ألقى السلم أظهره بينكم, والسلام سواء عند من قرأها بالألف أو بدونها, هو مشترك بين معنى السلم ضد الحرب ومعنى تحية الإسلام، فهي قول: السلام عليكم, ومقتضى الإطلاق أن من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله أو قال إني مسلم يحكم له بحكم الإسلام.

رأي الإمام الشافعي في المنافقين وحديث أمرت أن أقاتل الناس

قال الإمام الشافعي: إنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم, لأن ما يظهرونه يجب ما قبله, ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين وغيرهما:

«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها, وحسابهم على الله»,

ومعنى هذا: أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرا, فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة, وإن لم يعتقدها لم ينفعه في الآخرة جريان الحكم عليه في الدنيا, وكونه كان خليط أهل الأيمان (ابن كثير 1/90).

تحديد غاية القتال وتفسير الشيخ رشيد رضا لحديث القتال

ولذلك فحديث الأمر بالقتال تحديد لغاية يتوقف عندها القتال مهما كانت أسبابه, فهو حديث رحمة وتسامح, وليس كما اشتبه على البعض أنه يحدد غاية يستمر من أجلها القتال.

قال الشيخ رشيد رضا: والتحقيق أن المراد من الحديث هو ترك الكفر والدخول في الإسلام, وللدخول في الإسلام صيغة وعنوان يكتفى به في أول الأمر, ولا سيما مواقف القتال, وهو النطق بالشهادتين, وقد يكتفى من المشرك بكلمة: لا إله إلا الله, لأنهم كانوا ينكرونها, وهي أول ما دعوا إليه, بل أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد قتل من قتل من بني جذيمة بعد قولهم صبأنا, وقال:

«اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد»,

وذلك أنهم كانوا يعبرون بهذه الكلمة عن الإسلام فيقولون: صبأ فلان: إذا أسلم, والحديث في مواضع من صحيح البخاري وغيره, وإنه -أي الحديث- وارد في بيان الغاية التي ينتهي إليها قتال من يقاتلنا من الكفار, فلا يدخل في معناه بيان ما يصير به المؤمن كافرا (تفسير المنار 10/153).

الحرب للذود عن الإسلام وتكريم الإنسان بوصفه صنعة الله

وهذا ما نجده في هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في عصمة الدماء جميعها، وتأكيد أن الحرب هي للذود عن حياض الإسلام, سواء كانت دفاعا عن دياره من هجمات الأعداء, أم درءا للمخاطر التي يغلب الظن البين للقائمين على شئون البلاد أن العدو في حكم من أعلن القتال والعدوان, وإلا فالأصل نبذ الحروب والدعوة إلى السلم واحترام كرامة الإنسان فضلا عن الحفاظ على نفسه ومراعاة أنه صنعة الله وخلقه وأن فيه سرا من روح الله:

(فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر:29].

ما شعورك تجاه هذا المقال؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا المقال؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الآية القرآنية التي تُعبّر عن مبدأ رحمة للعالمين في رسالة النبي محمد؟

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

ما الغاية الأساسية من خلق التنوع بين الشعوب والقبائل وفق الآية القرآنية؟

التعارف والتواصل

كيف جاء تشريع القتال في القرآن الكريم؟

إذناً لمن ظُلم لا أمراً عاماً

ماذا أجاب النبي المقداد بن الأسود حين سأله عن قتل من نطق بالشهادة بعد أن قطع يده؟

لا تقتله فإن قتلته فإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته

ما موقف النبي من قتل خالد بن الوليد لمن قال «صبأنا» تعبيراً عن الإسلام؟

أنكر عليه وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد

ما الذي يُحكم به لمن ألقى السلام أو أظهر الإسلام وفق الآية القرآنية؟

يُحكم له بحكم الإسلام ظاهراً

ما تفسير الشيخ رشيد رضا لحديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»؟

الحديث يحدد غاية يتوقف عندها القتال وهو حديث رحمة

ما الأساس الذي يُبرر الحرب في الإسلام وفق المنهج النبوي؟

الذود عن حياض الإسلام دفاعاً أو درءاً للمخاطر الظاهرة

ما الوصية النبوية للجيش المسلم في الحروب فيما يخص المدنيين؟

لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة

لماذا يُكرّم الإسلام الإنسان ويوجب صون كرامته بصرف النظر عن دينه؟

لأنه صنعة الله وفيه سر من روح الله

ما معنى قول الإمام الشافعي: «ما يظهرونه يجب ما قبله» في سياق المنافقين؟

إظهار الإسلام يمحو ما سبقه ويعصم الدم ظاهراً

ما الآية التي تُبيّن الغاية من خلق التنوع بين الشعوب والقبائل؟

قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)، والتعارف لا يأتي إلا عن طريق السلام.

ما الآية التي تُعبّر عن مبدأ رحمة للعالمين في رسالة النبي؟

قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) في سورة الأنبياء آية 107.

ما الحديث النبوي الذي يدل على كراهية الرسول للقاء العدو؟

قوله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا».

ما الآية التي تنهى عن الاعتداء في القتال؟

قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).

ما الآية التي تأمر بقبول السلم إذا جنح إليه العدو؟

قوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) في سورة الأنفال آية 61.

ما الفرق بين الأمر بالقتال والإذن به في القرآن؟

القتال جاء في القرآن إذناً لمن ظُلم لا أمراً مطلقاً، مما يدل على أن الإسلام يُقيّد القتال بدفع الظلم فقط.

ما الدرس المستفاد من قصة المقداد بن الأسود في عصمة الدماء؟

من نطق بالشهادة في أي لحظة عُصم دمه، ولو كان قد آذى المسلم قبلها، لأن الإسلام يأمر بالأخذ بالظاهر.

ما معنى «ألقى السلام» في قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)؟

معناه أظهر السلام بينكم، وهو مشترك بين معنى السلم ضد الحرب وتحية الإسلام، ومن أظهره يُحكم له بحكم الإسلام.

ما حكم من قال «لا إله إلا الله» في ميدان القتال وفق حديث النبي؟

عصم دمه وماله، وجرت عليه أحكام الإسلام ظاهراً، وحسابه على الله في ما يُخفيه.

لماذا أنكر النبي على خالد بن الوليد قتل من قال «صبأنا»؟

لأن «صبأنا» كانت تعبيراً عن الإسلام عند بني جذيمة، فمن أظهر أي إشارة للإسلام عُصم دمه.

ما الفرق بين من يعتقد الشهادة ومن يقولها دون اعتقاد في الدنيا والآخرة؟

كلاهما تجري عليه أحكام الإسلام ظاهراً في الدنيا، لكن من اعتقدها وجد ثوابها في الآخرة، ومن لم يعتقدها لم ينفعه الحكم الظاهر.

ما الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم وفق المنهج الإسلامي؟

الأصل نبذ الحروب والدعوة إلى السلم واحترام كرامة الإنسان، والحرب استثناء للذود عن حياض الإسلام فقط.

ما الأساس القرآني لتكريم الإنسان بصرف النظر عن دينه؟

قوله تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)، فالإنسان صنعة الله وفيه سر من روحه.

ما الآية التي تنص على أن القتال مكروه للنفوس بطبعها؟

قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) في سورة البقرة آية 216.

ما الآية التي تنص على أن من اعتزل المسلمين ولم يقاتلهم لا سبيل عليه؟

قوله تعالى: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا).

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!