اكتمل ✓
وسطية الأزهر الشريف ودوره في بناء الشخصية المصرية وحضارة الإسلام - والله أعلم

ما معنى وسطية الأزهر الشريف وكيف استطاع أن يبني الشخصية المصرية ويحول قيم الإسلام إلى حضارة؟

وسطية الأزهر الشريف تقوم على الجمع بين النص المقدس المطلق والواقع المتغير النسبي من خلال مقاصد الشريعة وتكامل العلوم والتعدد المذهبي. استطاع الأزهر بناء الشخصية المصرية عبر خمسة عناصر: إشاعة القرآن الكريم، وصون اللغة العربية، وربط العلم بالتقوى، وتكامل العلوم، وقبول التعدد المذهبي والحضاري. هذا النسق المفتوح جعل الأزهر ضمير مصر وهويتها القائمة على العروبة والإسلام بوصفهما حضارة تقبل الآخر وتسعى إلى عمارة الدنيا.

41 دقيقة قراءة
  • كيف استطاع الأزهر الشريف أن يحول قيم الإسلام إلى حضارة حية في عادات المصريين وتقاليدهم ولغتهم على مدى ألف سنة؟

  • الأزهر علّم المسلمين كيف يصلون بين النص المقدس المطلق والواقع المتغير النسبي من خلال مقاصد الشريعة ومآلات الأفعال.

  • إدراك الواقع عند علماء الحضارة ينقسم إلى أربعة عوالم: الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار، وكل منها يحتاج إلى أدوات خاصة للفهم والإفتاء.

  • بنى الأزهر الشخصية المصرية على خمسة عناصر: إشاعة القرآن، وصون اللغة العربية، وربط العلم بالتقوى، وتكامل العلوم، وقبول التعدد المذهبي والحضاري.

  • الأزهر نسق مفتوح أفقياً ورأسياً استقبل سبعين رواقاً من أقطار العالم، وجعل الإنسان المصري قابلاً للآخر ومستوعباً للتنوع الإنساني.

  • الرحمة هي شعار الإسلام وعنوان الأزهر، وهي البداية والنهاية في مواجهة العالم انطلاقاً من بسم الله الرحمن الرحيم.

مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

[الدكتور أسامة الأزهري]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، ثم أما بعد، تحياتي إلى العائلة المصرية العريقة، إلى كل مشاهد على أرض مصر الطاهرة.

في هذه الأمسية نحاول أن نجري حوارٌ بين عقلين من جيلين أزهريين:

  • جيل الأساتذة.

  • وجيل التلامذة.

حوارٌ ينبع من القلب، ويحاول أن يفتح نافذة للتواصل، والحوار والنقاش على مسمع من الأسرة المصرية، والمشاهد المصري الكريم.

وكلنا في الحقيقة في ضيافة عَلَمٍ جليل من أعلام الأزهر الشريف الكبار، سماحة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية الأسبق، وعضو هيئة كبار العلماء، والعالم الذي ملأ طباق الأرض علمًا.

الأزهر الشريف نهر متدفق موازٍ لنهر النيل في بناء الإنسان المصري

[الدكتور أسامة الأزهري]: أنا وإياكم في ضيافة مولانا وشيخنا الجليل، والنقاش نابع من الأعماق، من القلب، في مرحلة حساسة من تاريخ مصر، يحتاج فيها المصريون جميعًا إلى التقاط الأنفاس، إلى إعادة فتح منافذ التواصل مع عقل الأزهر الشريف:

  • كيف يفكر.

  • كيف يحلل.

  • كيف يراقب الأحداث.

  • كيف يعيشون هذه الحياة مصطحبين القيم العليا، مدركين الواقع والزمان، ممتلئين بالأمل والطموح، يحبون الوطن ويعظمونه.

أمسية أرجو إن شاء الله تعالى أن تكون مفيدة، وقد اخترنا لهذه الأمسية موضوع الأزهر الشريف. الأزهر الشريف نهر متدفق موازٍ لنهر النيل، جرى في عمق الإنسان المصري على مدى ألف سنة وزيادة.

الأزهر الشريف يتدفق بالعلم والمواقف في وجدان الإنسان المصري

[الدكتور أسامة الأزهري]: وكما أن نهر النيل كان يأتي متدفقًا بالماء والخير والنماء وكان هو شريان الحياة للوطن المصري والحضارة المصرية العريقة، فكذلك كان الأزهر الشريف يتدفق في عمق الإنسان المصري ووجدانه محملًا بالعلم والمواقف والمنهجية والتفكير.

خرّج العلماء وصنع الأولياء، اجتذب طلاب العلم من مشارق الأرض ومغاربها، فانصهروا جميعًا في بوتقة الأزهر الشريف، انفض طلاب الأزهر إلى القرى والمدن والنجوع والكفور، فعلّموا وفقّهوا وناقشوا وحاوروا.

فأهلًا وسهلًا بكم في هذه الأمسية التي استهلها واستفتحها بالترحيب بأستاذنا وشيخنا الجليل سيدي الشيخ علي جمعة، حياكم الله يا مولانا.

الأزهر محل للعلم وأهمية الإخلاص والصواب في العمل

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم شيخ أسامة.

[الدكتور أسامة الأزهري]: خالص تحياتي وتقديري واعتزازي لأن أكون محاورًا ومشاركًا لحضرتكم في هذا النقاش.

[الشيخ]: شكرًا لكم لحضوركم.

[الدكتور أسامة الأزهري]: مولانا، الأزهر الشريف، ما الذي صنعه في شخصية الإنسان المصري؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

الأزهر الشريف هو محل للعلم، والعلم لا بد منه عندما نريد العمل، فكل عمل ليس مؤسسًا على علم فهو باطل.

ولذلك يقول الفضيل بن عياض؛ وهو من أولياء الله، ومن علماء الأمة:

لا يقبل الله العمل إلا بالإخلاص والصواب.

  • كلمة الصواب وراءها العلم، لا بد أن نتعلم.

  • وكلمة الإخلاص وراءها الديانة، أي العلاقة بيني وبين الله.

حديث إنما الأعمال بالنيات والمدخل الصحيح لتطبيق الدين

قال رسول الله ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى» [البخاري: 1].

ولذلك نرى مثل الإمام البخاري وهو يصدر هذا الحديث في أول صحيحه، وكان المدخل الصحيح لهذا الدين ولتطبيق هذا الدين في الواقع هو النية الصالحة.

الأزهر هو الذي علمنا كيف نفهم النصوص، سواء منها المقدسة أو غير المقدسة.

  • الكتاب [القرآن الكريم] والسنة من النصوص المقدسة لدينا لأنها هي المصادر.

  • النتاج الفكري لعلماء المسلمين عبر القرون هو الفقه، هو فقه هذا النص الشريف، كيف نفهم هذا ونفهم ذاك.

نحن وجدنا كتبًا، فكيف نتعلم فهم هذه الكتب.

اهتمام الأزهر ببناء عقلية المسلم وإدراك الواقع ومقاصد الشريعة

من ناحية أخرى، اهتم الأزهر الشريف في بناء عقلية المسلم، بل والإنسانية إلى إدراك الواقع، كيف نفهم ما نعيش فيه؟

  1. تكلم [الأزهر] عن مقاصد الشريعة.

  2. تكلم عن المصلحة.

  3. تكلم [الأزهر] عن مآلات الأفعال، أي إلام سيؤدي هذا الفعل إذا ما فعلته.

وهذا النمط لم يتركه هكذا، بل درب أتباعه [طالبي العلم بالأزهر]؛ بدرجات مختلفة طبقًا لتلقيهم العلم، لأنه:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

كيف نصل بين النص المقدس، بين القرآن والسنة، وبين الواقع الذي نعيشه؟ القرآن والسنة مطلقات، ولكن الحياة تتغير كل يوم تتغير:

  • بتغير الأشخاص.

  • بتغير الأماكن.

  • وبتغير الأحوال.

ولذلك كيف نطبق هذا المطلق في هذا النسبي؟

همزة الوصل بين النص المطلق والواقع النسبي المتغير

[الدكتور أسامة الأزهري]: مولانا، هنا وقفة لو تكرمت، هناك مقولة شائعة تحتاج إلى تأمل.

يقال دائمًا؛ هذا النص مطلق متجرد، وهذا الواقع نسبي شديد التغير، ولا توجد علاقة بين المطلق والنسبي. ما همزة الوصل بينهما؟

[الشيخ]: المطلق معناه؛ أنه أمر متجاوز للزمان والمكان والأشخاص والأحوال، مثل أن الصدق واجب والكذب حرام. هذا مطلق بمعنى أن الكذب حرام دائمًا والصدق واجب علينا أن نفعله دائمًا في كل الأحوال.

عندما آتي إلى الواقع أجد أن هناك استثناءات. يمكن أن أكون صادقًا فأؤدي بهذا الصدق إلى خراب الدنيا.

أمثلة على استثناءات الصدق المطلق كالنميمة والحرب

  • سمعت واحدًا يشتم أخاه، فذهبت إلى هذا المشتوم، فقال لي: هل شتمني؟ قلت له: نعم، وأنا أقول الصدق [هنا]، لقد سبك ولعنك وقال فيك ما ليس فيك. إذن، أنا [في هذه الحالة] أسعى بين الناس بالنميمة.

  • أُسرت في الحرب من قِبَل العدو، لو قلت لهم عدد السلاح والجنود ومواطنهم أكون قد أهلكتهم، وأكون قد خنت بلدي وجيشي وديني.

ولذلك في الحرب، يجوز لي ألا أقول هذا الصدق الذي يؤدي إلى [الهلاك]؛ لأن الصدق في حياة الناس عامة في المطلق يؤدي إلى البر، والبر يؤدي إلى الجنة، والكذب يؤدي إلى الفساد العريض.

خطورة مدارس ما بعد الحداثة التي تبيح الكذب وأثرها على المجتمعات

تخيّل الآن، أنّ مدارس نشأت فيما بعد الحداثة تتيح للإنسان أن يكذب.

[الدكتور أسامة الأزهري]: في سائر الأحوال التي لا تترتب عليها [عواقب].

[الشيخ]: فامتلأ الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والثقافة الشائعة بالكذب.

تخيّل أنّ الناس بعدما تتكشف لها بعد سنوات أنّ كل هذا كذب، فإنها [الناس] لا تثق في أي خبر.

[الدكتور أسامة الأزهري]: حضرتك، الفترة التي تمتلئ فيها الثقافة الشائعة باالكذب، ستؤول إلى صدام ونزاع.

[الشيخ]: هذا ما يحدث الآن، أن الكذب أصبح هو الأساس، وأن الأكاذيب التي تُذكر في وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت هي السائدة.

فتحدثنا مع بعض الأمريكيين؛ وقلنا لهم إن هذا الكذب سيؤدي إلى هلاك المجتمعات، فقالوا: لا، الإنسان حر. وهو حر في أن يكذب وأنت حر في أن ترد عليه، وهذا هو الذي يُسمى بالفوضى الخلاقة.

[الدكتور أسامة الأزهري]: وانتقلنا إلى نسبية القيم.

[الشيخ]: إلى فساد عريض.

التوازن بين المطلق والنسبي في تطبيق الشريعة على الواقع

ببساطة، لدينا الصدق وهو مطلق، والكذب وهو مطلق. لدينا أحوال يجب علينا فيها أن نتلطف في الكلام أو أن نستر العورات:

  • مثل الحرب.

  • مثل الصلح بين الناس.

  • مثل كلام الرجل مع زوجته عندما يقول لها أنت أجمل واحدة في العالم.

[الدكتور أسامة الأزهري]: وهي ليست بهذا الجمال؟

[الشيخ]: قد تكون جميلة وقد لا تكون جميلة، في حالة أنها لا جمال لها، هذا [مدح زوجها في جمالها] شيء يسعدها، هذا شيء طيب من القول يدخل السرور على قلب هذه الأسرة ويؤدي إلى الصلاح في الدنيا.

إذن، هذا هو معنى المطلق وهذا هو معنى النسبي.

صحيح أن الكتاب مطلق، وصحيح أن العالم نسبي، ولكننا عند التطبيق نتفاهم مع هذا الواقع للوصول إلى المقاصد.

ما مقصد الشرع؟ عمارة الدنيا.

استئناف الحديث عن أثر الأزهر في شخصية الإنسان المصري وعمق وجدانه

[الدكتور أسامة الأزهري]: اسمحلي حضرتك أن نجعل [الحديث عن] المقاصد إلى ما بعد استراحة يسيرة.

أهلًا وسهلًا بكم في هذه السهرة، واللقاء الممتد في ضيافة أستاذنا وشيخنا العلامة الجليل سيدي الشيخ علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي الديار المصرية سابقًا.

كنا قد بدأنا الكلام عن الأزهر الشريف، وما الذي صنعه الأزهر في:

  • شخصية الإنسان المصري، وكم كان عمق ما حفره الأزهر في وجدان هذا الإنسان.

  • كيف حافظ على منظومة القيم.

  • كيف بنى العقل.

  • كيف أفاض على المجتمع المصري بالنور والبصيرة.

وقد بدأ مولانا يتكلم عن أن الأزهر الشريف بدأ يُعلّم الإنسان كيف يتوازن، ويغترف من معين النص الوحي الشريف المطلق المتسامي، وكيف يُنزِل هذا الوحي الشريف على الواقع المتغير.

ما معنى الواقع وهل يحتاج إلى علوم وأدوات لإدراكه

[الدكتور أسامة الأزهري]: مولانا، الحديث ممتد عن القيم المستفادة من النص وكيف يتم تركيبها مع واقع شديد التغير.

لكن لدي سؤال لحضرتك:

  • ما معنى الواقع؟

  • أليس الواقع سهلًا وكلنا يعيشه ويدركه؟

  • هل الواقع شيء صعب إدراكه، ويحتاج إلى علوم وأدوات، أم هو القدر الذي ندركه جميعًا ونتساوى فيه؟

  • أنا مدرك للواقع وأعرفه، - حضرتك- لماذا أحتاج إلى أن تكون هناك دراسة قوية للواقع؟

  • كيف نفك هذه الكلمة المدمجة؟

[الشيخ]: ينقسم الواقع عند علماء الحضارة إلى أربعة عوالم:

  • الأول: عالم الأشياء.

  • الثاني: عالم الأحداث.

  • الثالث: عالم الأشخاص.

  • الرابع: عالم الأفكار.

ترتيب العوالم الأربعة وطريقة إدراك عالم الأشياء

ويرتبونها [كالتالي]؛ الأشياء، فالأشخاص، فالأحداث، فالأفكار.

ويبنون [علماء الحضارة] على هذا التقسيم إدراك الواقع. كل مجال من هذه المجالات يكون له طريقة لإدراكه.

  1. [إدراك] عالم الأشياء [مثال] أنا أريد أن أعرف الماء، ومما يتكون هذا الماء؟ إذا قمنا بطريقة التحليل سنجد أنه [الماء] يتكون من هيدروجين ومن الأكسجين وهكذا.

تطور الإنسان كثيرًا في إدراك عالم الأشياء:

  • كان الإنسان في السابق يأخذ بمظاهرها [عالم الأشياء]، أن قليلًا من [اعشاب] اليانسون يزيل المغص [وجع البطن]، أو أن قليلًا من الشاي يزيل الصداع. وهي النتيجة الظاهرة.

  • لكن بعد ذلك، عرفوا أن الشاي والقهوة يحتويان على كافيين وذلك بالتحليل.

  • دخولهم عالم المجهر - المجهر أي التلسكوب والميكروسكوب - أمور كبيرة معقدة وليست سهلة.

مثال الخل والكحول وأهمية إدراك حقائق الأشياء للمفتي

ويزيد من صعوبتها أن هذه العوالم [الأربعة] لها علاقات مع بعضها. صحيح أنك مدرك للواقع بمعنى ومستوى معين، لكنك لست مدركًا له في حقائقه الأولى.

أقدم لحضرتك مثالًا: عندما يقول شخص إن لديه خلًا، وهذا الخل مشتق من الكحول، والكحول هذه خمر، فهل يحل لي شرب هذا الخل أو تناوله أم لا؟

قال النبي ﷺ: «نِعم الأدم الخل» [صحيح أبي داود: 3820]

والإدام هو ما يُغمس فيه الطعام. نِعم [تعني] أفضل شيء هو الخل.

هذا الخل مشتق من خمرة. الظاهر الذي كنا نتبعه، أن هذا الخل عبارة عن حمض الخليك، أي شيء لاذع، ويغمس المرء [الخبز] فيه ويأكله وهو لا يؤدي إلى السُكْر.

اكتشاف نسبة الكحول في الخل وخطأ الإفتاء بغير علم

لكن عندما قمنا بتحليل الخل، وجدنا أن به نسبة ضئيلة جدًا من الكحول، وعرفنا أن [هناك] ستة عشر نوعًا من هذا الكحول.

فيأتي أحدهم ويخرج بفتوى؛ أن الخل حرام لأن فيه كحولًا. فطوال الوقت كان بالخل كحول.

[الدكتور أسامة الأزهري]: عندما قال سيدنا النبي ﷺ عنه:

قال صل الله عليه وسلم: «نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ» [ صحيح أبي داود: 3820].

كان فيه الكحول أيضًا.

[الشيخ]: دائما كل خل، كان فيه كحول.

من عرف أن فيه [الخل] كحولًا، هذه معرفة حديثة لم تكن أبدًا معروفة في الماضي، لقد عُرفت عندما تطورت العلوم.

يجب عليّ كمفتٍ أو كفقيه؛ أن أدرك واقع هذه الأشياء مرة أخرى مثل الذي أدركها، فأفتى بغير علم.

ونقول إن هذه النسبة الضئيلة [من الكحول في الخل]، لا تؤثر، وإن هذه طبيعة الأشياء.

النبي أقر الخل رغم وجود الكحول فيه والمقصود من التحريم هو الإسكار

وإن النبي ﷺ الذي قال عن الخل:

«نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ» [ صحيح أبي داود: 3820]

قد قاله على هذا [النوع من] الخل الذي فيه [نسبة] واحد من عشرة آلاف في المائة من الكحول.

وعندما نتعمق أكثر سنجد أن هذه النسبة [نسبة الكحول] موجودة في مياه النيل.

إن مقصود التحريم، هو [بسبب] الإسكار وذهاب العقل، وهذا يتم بطرق أو بأساليب مختلفة، فيجب علينا أن ندرك عالم الأشياء بوسائل عالم الأشياء، ولكن يجب علينا أن نطلع عليها.

  1. عالم الأشخاص: أنا عندي شخصية طبيعية وشخصية اعتبارية، وتختلف الأحكام باختلافهما.

  2. عالم الأحداث: أريد أن أمتلك قدرة على تحليل الأحداث لكي أفهم مآلات الأفعال.

  3. وعالم الأفكار: لدي مقياس وهو العقيدة، وهي النموذج المعرفي الإسلامي الذي أستطيع أن أقول به إني رافض لهذه الأفكار أو قابل لها.

الواقع يحتاج إلى دراسة وليس سهلاً على المستوى الفقهي والعقائدي

هذه الأفكار.

إذن، الواقع على المستوى الفقهي والعقائدي، ليس شيئًا سهلًا، بل هو يحتاج إلى دراسة، لكنها ممكنة وليست مستحيلة أيضًا.

ومن هنا رأينا أنه بعد تطور العالم، فقد تطور العالم تطورًا عجيبًا جدًا.

[الدكتور أسامة الأزهري]: قبل هذه النقلة أين الأزهر من هذه المنظومة؟

[الشيخ]: سأقول لك أين [دور] الأزهر [في معرض حديثي].

[سنة] ألف ثمانمائة وثلاثين، وألفًا وتسعمائة وثلاثين، تغير وجه العالم في هذه المائة سنة.

اكتشف الإنسان واخترع كل شيء، اخترع:

  • القطار.

  • والسيارة.

  • والطائرة.

  • والحاسوب.

  • والتلفاز.

  • وآلة التصوير.

  • والهاتف.

تغير الوقائع بالتكنولوجيا الحديثة وأثرها في الاقتصاد والمجتمع

وهكذا؛ تغيرت الوقائع. أصبحت أنا بهاتفي المحمول، والذي فيه إنترنت وفيه طريقة الاتصال بالعالم كله، في الجوار مع الأمريكي ومع الياباني [كأننا] أصبحنا نعيش مع بعضنا البعض.

وأصبح الشخص وهو في السوق الإنجليزي [البورصة] معه هاتف، وأنا أحادثه

وهناك شبكة في العالم [تتيح لي] أن أشتري أو لا أشتري.

أثّر هذا في:

  • الإنسان.

  • والاقتصاد.

  • والمجتمع.

  • والسياسة.

[الدكتور أسامة الأزهري]: اسمح لي حضرتك، قبل ألف وأربعمائة سنة، كيف كانت صورة سريان المعرفة بين البشر؟ هل إلى هذه الدرجة كانت المجتمعات مغلقة وبعيدة، وسريان المعرفة بينها بطيء؟

أثر انغلاق المجتمعات القديمة وبعثة الأنبياء وتغير ثقافة العالم

[الدكتور أسامة الأزهري]: كل مجتمع في أمان مما يحدث في المجتمع الآخر من أنماط معيشة فاسدة أو قيم أو عقائد أو أفكار. هل كان هذا هو السبب القديم الذي جعل:

«كان النَّبيُّ يُبعَثُ إلى قَومِه خاصَّةً، وبُعِثتُ إلى النَّاسِ كافَّةً» [صحيح البخاري: 438]

ما أثر التغير في ثقافة العالم بهذه الطريقة عما كانت عليه من قبل؟

[الشيخ]: الحقيقة أن كل عصر له شكل، ففي زمن ما كانت المسألة بطيئة جدًا، وظلت بطيئة تتطور بالكاد إلى عام ألف وثمانمائة وثلاثين حيث أدخلت إنجلترا الحديد في السفينة؛ فغيَّرت [إنجلترا] وجه العالم.

إدخال الحديد في صناعة السفن وتغيير وجه العالم

[الدكتور أسامة الأزهري]: كيف كانت [شكل] السفينة قبل ذلك؟ أهو الطوف الذي يعبر المحيط؟

[الشيخ]: السفينة؛ سواء كبرت أو صغرت كانت [تصنع] من الخشب، و يُصنع الخشب بطريقة معينة حتى يطفو على الماء، لكنها [إنجلترا] أدخلت الحديد فيها [صناعة السفن].

[الدكتور أسامة الأزهري]: حضرتك تقصد بالحديد، الميكينة التي تشغل السفينة؟

[الشيخ]: لا، بل [أدخلت] الحديد في [بناء] نفس جسم السفينة.

[الدكتور أسامة الأزهري]: أنهاكانت تُشد بالحبال؟

[الشيخ]: [تصنع] السفينة من خشب أم حديد؟

[الدكتور أسامة الأزهري]: خشب.

[الشيخ]: لا، حديد [منذ عام] ألف وثمانمائة وثلاثين أصبح الحديد داخلًا في جسم السفينة.

كيف تُعوِّم الحديد؟ هذا شيء غريب!

ولذلك فقد اكتشفوا النقطة، وأسموها نقطة التعادل التي يطفو بها الحديد على المياه.

[كانت السفينة] تيتانيك، كلها [مصنوعة] من الحديد، وليست [مصنوعة] من الخشب، ولذلك كانوا يقولون إنها [سفينة تيتانيك] لن تغرق أبدًا.

الأثر المباشر لإدخال الحديد في السفن وبداية الاستعمار

عندما حدث ذلك، اخترع الإنسان فورًا العلوم الاجتماعية والإنسانية.

[الدكتور أسامة الأزهري]: حضرتك، أريد أيضًا أن أتابع نقطة معينة [وهي] الأثر المباشر لإدخال الحديد في صناعة السفينة عند الإنجليز عام ألف وثمانمائة وثلاثين، [والذي] أدى بالطبع إلى قفزة في إمكانية الوصول إلى الأماكن البعيدة.

[بعد] أن كانت السفن الخشبية تحتاج إلى أن تدور حول القارة الأفريقية لشهور، فجأة اصبحت [السفن] تصل في أسابيع، ووفَّر عليه الوقت، وأمكن أن يجلب الثروات والكنوز الموجودة في تلك الأراضي، وأمكن أن تتسارع عجلة الحضارة. هل هذا هو أثر الإكتشافات الحديثة؟

[الشيخ]: لا؛ بل أثره الإستعمار، لقد احتل البلاد بها [السفن الحديدية]. لأنني أضرب [المدافع عن بلده] بدلًا ما كنت أحرق السفن الخشبية وتغرق السفينة، فأضرب [السفينة] فأجدها حديدا فلا تغرق.

الاستعمار البريطاني واستنزاف موارد الشعوب وبناء إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس

ويأتيني [المستعمر] لا فائدة [من ضربه].

وهجم [المستعمر البريطاني] واحتل واستعمر وأصبحت هناك:

  • إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، أخذت مواردنا.

  • وقاموا ببناء Subway صاب واي [أي: مترو الأنفاق] عندهم في لندن، بنوا تحت لندن مدينة كاملة.

  • وتقدمت الصناعات تقدمًا رهيبًا.

  • أخذوا الصوف والقطن من عندنا [بلادنا] ويصنعونه في لانكشاير ويصدروه لنا [في صورة] ملابس.

  • اغتنوا وازدادوا في الغنى وأصبحوا من [الدول] الصناعية السبعة والصناعية الثمانية والتسعة، واستنزفنا واضطربنا وأصبحنا على هذا الحال.

تنبه الأزهر للحملة الفرنسية وإرسال رفاعة الطهطاوي لنقل المعرفة

أين [دور] الأزهر؟

عندما حدثت الحملة الفرنسية [على مصر]، تنبه حسن العطار لما هو موجود عند الفرنسيين، وتأكد أن معهم مفتاحًا [للحضارة] ليس معنا، وصلوا [الفرنسيون] إلى شيء يفكون به ألغاز الكون ونحن لا نملكه.

فأرسل [الشيخ حسن العطار] تلميذه رفاعة الطهطاوي [في بعثة لفرنسا] وقال له: اكتب لي كل شيء [تراه في فرنسا]، وارسم لي كل شيء.

فكان رفاعة [الطهطاوي] يُرسل إليه [الشيخ حسن العطار] رسائل يخبره فيها:

  • عن عربة الرش [التي ترش الشوارع بالماء].

  • ويصف له كيف يأكلون [الفرنسيون].

  • ويشرح له طبيعة العلاقة بين الرجال والنساء في المجتمع الفرنسي.

  • ويروي له كل شيء [أدق التفاصيل].

وهذه الرسائل هي التي تطورت بعد ذلك في كتاب [تخليص الإبريز في تلخيص باريس].

الأزهر لم يكن غائباً ورفاعة الطهطاوي أسس مدرسة الألسن لنقل المعرفة

لم يكن الأزهر غائبًا، بل ولأنه [الأزهر] من أهل العلم ظهر فيه حسن العطار، وظهر فيه رفاعة الطهطاوي.

رفاعة الطهطاوي الذي ذهب [إلى فرنسا] في البعثات العلمية، فوصف أين المفتاح [للحضارة].

وجاء وفتح مدرسة الألسن هنا [في مصر]، وظل [رفاعة الطهطاوي]:

  • محاولًا للإصلاح.

  • ومحاولًا لنقل المعرفة.

حتى بعد [فترة حكم] محمد علي باشا، وبحضور الخديو إسماعيل الذي أراد أن تصبح مصر دولة مستقلة وتدخل العالم الجديد، وفعل ما فعل من أجل هذا، رحم الله الجميع.

كان الأزهر موجودًا؛ وأراد محمد علي أن ينشئ مؤسسة موازية له [للأزهر]، ولكنه عرف من أهميته [أهمية الأزهر]، أنه لا يمكن إغلاقه، ولذلك جعل هناك تعليمًا موازيًا في وزارة المعارف؛ التي أصبحت بعد ذلك وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي إلى آخره.

وترك [محمد علي باشا] الأزهر يسير في أداء مهمته الجليلة في الوجدان المصري إلى الآن.

شهادة ويليام لين عن دور الأزهر في تعلق المصريين بالقرآن واللغة العربية

ولذلك لو قرأت لـويليام لين في كتاب [المصريون المحدثون عاداتهم وتقاليدهم]، تجد أن الذي يعلّمه العربية شيخ، لكن هذا الشيخ يحترم أمه كثيرًا. هذا الشيخ، يقرأ القرآن في البيوت.

تعلقت قلوب الناس:

  • بالقرآن؛ من خلال الأزهر.

  • باللغة العربية؛ من خلال الأزهر.

  • بالحياة الودودة؛ من خلال الأزهر.

ولذلك عندما دخل الاستعمار إلينا [مصر]، لم يستطع أن يؤثر تأثيره [علينا] كما [أثر الإستعمار] في الجزائر مثلًا.

الجزائر لم يعد فيها [اللغة العربية]، كل المدن والحواضر تنطق الفرنسية، لكننا [في مصر]، لدينا هنا بقاء اللغة العربية.

اللغة العربية والفكر وجهان لعملة واحدة وعبقرية اللغة العربية

وما [أهمية] اللغة؟ إن اللغة والفكر هما وجهان لعملة واحدة.

[الدكتور أسامة الأزهري]: ماذا تعني حضرتك، بأن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة؟

[الشيخ]:

  1. فعندما أتحدث بالعربية سأفكر بطريقة عربية.

  2. إن هذه [اللغة] العربية [هي لغة] عبقرية.

  3. إن هذه [اللغة] العربية، تصف مشاعر الإنسان بعمق، وتصل إلى حقائق كونية بعمق لا يوجد في غيرها من اللغات.

[الدكتور أسامة الأزهري]: هل أستطيع أن أقول أن اللغة العربية وعاء عبقري للفكر الإنساني والمشاعر الإنسانية تتميز عن بقية اللغات الحية؟**

[الشيخ]: اللغة العربية لها خصائص كثيرة، ميزتها وجعلتها من أفضل الأوعية، ولذلك عندما تأتي لترجمة نص إنجليزي من صفحتين تترجمه في صفحة وثلث من اللغة العربية.

[الدكتور أسامة الأزهري]: [اللغة العربية] تستوعب المعاني التي تُعبر عنها اللغة الإنجليزية في ثوب، وصياغة أكثر إحكامًا وأقل حجمًا.

أهمية كتابة العلوم باللغة العربية وتجربة محمد علي في التعليم

[الشيخ]: نعم، ولذلك هو [المتكلم بالعربية] يفكر أكثر، ولذلك نحن نؤكد على أهمية كتابة العلوم باللغة العربية، وهذا ما فعله محمد علي عندما أدخل الطب والهندسة والحربية وغيرها؛ كتبها باللغة العربية.

وظلت [العلوم مكتوبة] باللغة العربية حتى عام ألف وتسعمائة واثني عشر، وهي تُدرَّس باللغة العربية.

وكان [يوجد] في كلية الطب بأبي زعبل؛ الشيخ محرم كمراجع لغوي يراجع ما يكتبه الأطباء، وكان نادرًا ما يجد لهم أخطاء لأن اللغة العربية مثل الأبجدية، فهي موجودة معه [الطبيب] ويفكر فيها.

دخول الأزهر في طريقة التفكير وحماية العربية وشيوع القرآن والسنة والفقه

إذن، دخل الأزهر في:

  • طريقة التفكير.

  • وفي حماية العربية.

  • دخل في شيوع القرآن.

  • دخل في شيوع السنة.

  • دخل بالفقه.

ولذلك تجد الكلام والثقافة [المصرية] نفسها آتية من الفقه. يقول لك: التالتة تابتة، التي هي الطلاق، أي أنهم أخذوا من أن الطلاق الثالث هذا تابت، تابت يعني ثابت، الثالثة فحولها [المصري] إلى قيمة.

تجد شيئًا غريبًا جدًا في العادات والتقاليد [المصرية]، وقد كُتِب في هذا كثيرًا، أحمد أمين - رحمه الله - في [قاموس العادات والتقاليد المصرية].

[الدكتور أسامة الأزهري]: مولانا، لنا هنا وقفة في أثر الأزهر الشريف في منظومة القيم والعادات الاجتماعية والحياة اليومية في مصر، لكن بعد الفاصل.

استئناف الحديث عن الأزهر وبناء الإنسان المصري الرائد القائد

[الدكتور أسامة الأزهري]: أهلًا وسهلًا بكم في رحاب هذه الأمسية الأزهرية؛ التي يتواصل فيها جيلان من أبناء مصر الذين يحبون الوطن، ويقدرون له قدره، ويحرصون على نقل عصارة عقلية الأزهر الشريف إلى الأسرة، والإنسان المصري.

اليد الأزهرية التي تمتد إليكم في وقت حساس يشعر فيه كل إنسان مصري؛ أنه في حاجة إلى إعادة بناء الثقة والتواصل.

كان الحديث مع أستاذنا وشيخنا الجليل؛ عن أثر الأزهر الشريف في بناء الإنسان المصري، وما الذي قدمه الأزهر الشريف في تشكيل شخصية الإنسان، وكيف استطاع الأزهر الشريف أن يصنع هذا الإنسان المصري الرائد القائد الطموح الشديد التعلق بهذه الأرض، المستوعب لما حوله من الأعراف والأجناس والشعوب والثقافات واللغات، [المصري] الذي يقوم بين أشقائه من العرب، والمسلمين مقام الأب من أبنائه وإخوته.

كيف أزاح الأزهر عقلية الخرافة وبنى منظومة قيم وأعراف علمية

[الدكتور أسامة الأزهري]: ما الذي استطاع الأزهر الشريف أن يصنعه في عقلية الإنسان؛ لكي يزيح عنه عقلية الخرافة والجهل؟ وليتعلم الإنسان التفكير المستقيم.

كيف استطاع الأزهر الشريف أن يبني منظومة قيم، وأعراف علمية وأخلاق، ونمط تعامل وسلوك راقٍ؟

كان الحديث في هذا الأفق، وفي هذه الأنوار التي نسبح فيها مع أستاذنا وشيخنا الجليل سيدي الشيخ علي جمعة حفظه الله.

مولانا، كنا قد وقفنا [في الحديث] عند الأزهر الشريف وكيف استطاع أن يبني مجموعة عادات وأعراف ومنظومة آداب عند الإنسان المصري.

[الشيخ]: تكلمنا عن أنه [الأزهر الشريف] أشاع القرآن الكريم في:

  • البلاد.

  • والعباد.

دور الأزهر في إشاعة القرآن الكريم من خلال الكتاتيب وحفظ القرآن

كانت تُقام الكتاتيب تحت رعاية الأزهر، حيث حفظ الناس القرآن الكريم، سواء كانوا من طلبة العلم أو من غير طلبة العلم.

لقد جعل [الأزهر] القرآن [جزءا من حياة] الناس [اليومية]، فالشخص صاحب الصوت الجميل، يقرأ القرآن، وكان من الممكن أن يؤدي [صاحب الصوت الجميل] أداءات أخرى مثلًا، لكنه يقرأ القرآن.

وعلَّموهم [الأزهر]:

  • احترامُ هذا القرآن.

  • وبركةٌ هذا القرآن.

  • وتدبُّرُ هذا القرآن.

إن [تدريس] القرآن في الأزهر ليس فقط [من أجل] حفظَ الرسوم وليس فقط [من أجل] كتابتَه، ولكن أيضًا تفسيرَه وأيضًا تطبيقَه [القرآن الكريم]، وقد قام الأزهر الشريف بحفظ القرآن.

نجد أنَّ المتخرج من الحوزات العلمية في العراق، لا يحفظ القرآن أصلًا.

إنَّ ما تميز به الأزهر هو؛ القرآن الكريم.

الشيخ سيد طنطاوي والشيخ الغزالي وأهمية حفظ القرآن عند الأزهريين

كان الشيخ سيد طنطاوي رحمه الله تعالى، يعتبر أنَّ من لا يحفظ القرآن ليس أزهريًا حتى لو انتمى إلى الأزهر أو كان في الأزهر، [ويرى الشيخ سيد طنطاوي] أنَّنا ينبغي علينا أن نعتني بمن يحفظ القرآن.

  • كان [الشيخ سيد طنطاوي] من أهل القرآن.

  • كان الشيخ محمد الغزالي من أهل القرآن، وله ورد يومي لا بد أن يسمع فيه القرآن، وأثناء هذه التلاوة [للقرآن] يعيش [الشيخ محمد الغزالي] في جو القرآن، وفي مرادات الله سبحانه وتعالى، وتتفتح له معانٍ لم تكن من قبل موجودة في كتاب.

إذن، حافظ الأزهر على القرآن الكريم أداءً ورسمًا وكل شيء.

دور الألسنة الأزهرية في إشاعة القرآن والنور في المجتمع المصري

[الدكتور أسامة الأزهري]: وكيف علّم [الأزهر] الإنسان منهجية التفكير؟

حضرتك، وأنا أسبح في فكري فيما تفضلتَ به؛ وأتخيلُ عشرات الألوف من الألسن الأزهرية التي تخرجت من الأزهر، وسكنت القرى والنجوع والكفور وأشاعت في الإنسان المصري [الموجود]، في ريفه وصعيده والدلتا والمدن؛ القرآن الكريم، والتلاوة والتدبر، والصلاة والتراويح.

هل النور الذي يسري من خلال هذه الألسن الأزهرية في المجتمع المصري، هل هو الذي استطاع أن:

  • يحافظ على ثبات قوام هذه الشخصية؟

  • وعلى نقل أنوار الأزهر الشريف، وما يدور فيه من حركة علمية إلى المجتمع؟

العناصر الخمسة التي بنى بها الأزهر الشخصية المصرية: القرآن واللغة والتقوى

[الشيخ]:

  • كان هذا أحد العناصر [دور الأزهر في مصر].

  • والعنصر الثاني؛ كما ذكرنا كان اللغة العربية والاهتمام بها، هذا الاهتمام البليغ الذي أدى إلى استقامة الفكر مع الحياة.

  • العنصر الثالث؛ هو أن هذا العلم الأزهري مرتبط بالتقوى:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

ولذلك حرص علماء الأزهر الشريف على أن يرتبطوا بالتقوى، ومن هنا تكلموا عن مرتبة الإحسان، وعن تفسير مرتبة الإحسان، وكان التصوف جزءًا لا يتجزأ من المشرب الصحيح الذي علّمه الأزهر للناس، والتصوف هو طريق إلى الله.

التصوف طريق إلى الله وكتاب منازل السائرين للهروي

يقول أبو إسماعيل الهروي؛ في كتابه [منازل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين]، ووضع كتابه على مائة درجة، أي أن هناك طريقًا من مائة خطوة سيوصلنا إلى الله سبحانه وتعالى.

هذا الطريق محدود بالذكر والفكر وبتعلق القلب بالله.

لم ينسَ الأزهر هذا الجانب، لم يقتصر على تاريخ الفقه، فأنا عندما أعلم أن؛ الإمام الشافعي قال، والإمام أبو حنيفة قال، والإمام مالك قال، رضي الله عنهم، فهذا تاريخ، فقد عرفت التاريخ بدقة قليلًا.

العلاقة بين الفقه والتاريخ وتكامل العلوم في الأزهر الشريف

كان الأستاذ عبد الحميد العبادي رحمه الله، وهو متخصص كبير ومؤرخ، كان يقول:

  • لا يمكن أن يكون الإنسان مؤرخًا؛ إلا إذا اطلع على الفقه الإسلامي.

  • ولا يكون فقيهًا؛ إلا إذا اطلع على التاريخ الإسلامي.

لا يمكن أن يكتمل للفقيه فقهه إلا بالتاريخ، ولا يكتمل [للمؤرخ] تاريخه والتمكن فيه إلا إذا قرأ الفقه، لأنه سيعلم كيف كانوا يفكرون، وهنا سيعلم ما الذي حدث حتى فكروا بهذه الطريقة.

إذن، العلوم متصلة.

وهذه هي النقطة الرابعة التي أدى بها الأزهر [دوره في مصر] وملخص النقاط هو:

  1. القرآن.

  2. ثم اللغة.

  3. والتقوى؛ التي هي الطريق أي التصوف أي الإحسان.

  4. والنقطة الرابعة هي؛ تكامل العلوم، وهو أمر عظيم.

تكامل العلوم في الأزهر واهتمامه بعلوم الوسائل والمقاصد والتطبيق

ولذلك تجد الأزهر يهتم:

  • بعلوم الوسائل.

  • وبعلوم المقاصد.

  • ويهتم بالتطبيق.

  • والأزهر جامع، لأنه أدخل الدين في الحياة والحياة في الدين من أقرب طريق.

ولقد أحدث هذا تكامل العلوم، وأحدث عقلية محترمة.

5-احترم [الأزهر] مسألة التعدد. ولذلك لم يدرس [مذهب] الشافعي فقط.

[الإمام] الشافعي مدفون في مصر، و[الإمام] مالك مدفون في المدينة، و[الإمام] أبو حنيفة مدفون في الأعظمية في بغداد، و[الإمام] ابن حنبل في بغداد. [ومع ذلك] فإن [الأزهر الشريف] يدرس [تلامذته] كل هذا [مذاهب الأئمة الأربعة]، ودرس [تلامذة الأزهر] المذهب الجعفري أيضًا، درس الفقه المقارن.

التعدد المذهبي في الأزهر وأثره في بناء الشخصية المصرية المتسعة للآخر

كان مشايخنا كانوا يعيشون سويًا، هذا [شيخ] حنفي [المذهب] وهذا شافعي [المذهب] وهذا مالكي [المذهب]. فكانوا يذهبون لأكل الفول صباحًا، وهم من مجاوري الأزهر، وأثناء عودتهم، يقول [أحدهم] لدينا [في المذهب] أن الطلاق يقع بالطريقة الفلانية، فيجيب [الشيخ الآخر]عندنا [في المذهب] أنه [الطلاق] لا يقع. ويتناقشون في المسائل العلمية باعتبار أن هذا مجال للظن وليس مجالًا للشجار، لا بد أن توسع صدرك، وأنه لا بد عليك أن تكون رفيقًا بالناس. هؤلاء الناس [المشايخ] تعلمت وعلمت.

وأثر هذا التعدد كثيرًا حتى في الشخصية المصرية، فأصبح [المصري] قابلا للغير، وللآخر.

قبول الآخر في العقلية الأزهرية ورفض نظرية المؤامرة

عندما يأتيني السياح [إلى مصر]، أنا [كمصري] لا أريد قتلهم، بل أريد أن أريهم وأخبرهم أننا طيبون وجميلون، لكنني لم أنظر إليه [إلى السائح] على أنه ليس مسلمًا، ولم أنظر إليه على أنه جاء ليُفسد البلادُ والعبادُ أو أن هناك مؤامرةٍ عليَّ.

لم يحدث هذا الكلام إطلاقًا من العقلية الأزهرية المستوعبة.

[الدكتور أسامة الأزهري]: حضرتك، [بالنسبة] لطريق الحج الذي كان يأتي من منتصف أفريقيا إلى الحرمين الشريفين ويمر عبر الديار المصرية، وكان هناك مكان تجمع للقوافل في قوص في قنا بالصعيد، حيث يجتمع الوافدون من شمال أفريقيا. في القاهرة. كان هناك ثلاثون رواقًا أزهريًا كانت تجمع الملايوي والهندي والمغربي والكردي والحضرمي والتركي والشامي والحجازي.

الأروقة الأزهرية والتعدد العلمي والواقعي وأثره في اتساع صدر المصري

[الدكتور أسامة الأزهري]: هل كل هذه الروافد بالإضافة للبعد العقلي العلمي الفقهي الذي كان يرسخ قيمة التعدد، كل ذلك جعل الإنسان المصري يرى التعدد علمًا ونظرًا ويعيشه واقعًا من خلال ألسن ولغات [مختلفة]؟

الشيخ محمد المبارك بن عبد الله شيخ علماء السودان يقول في كتابه [التعليم الديني في السودان]: كنا نجلس في رواق السنارية في الأزهر الشريف فنسمع الكردي والجبرتي والشامي والمغربي، وكلنا لنا دوي بالعلم.

هل هذه يا مولانا التي عودت الإنسان المصري على أن يتسع صدره للأمة العربية وللأمة الإسلامية؟

[الشيخ]: الأزهر اتسع لكل هذا، وكان عندنا [أروقة في الأزهر]، وقد أحصينا [حوالي] سبعين رواقًا.

الأزهر نظام مفتوح استقبل المذاهب والجنسيات والأديان المختلفة

[أما] الثلاثون رواقًا الذين تتحدث عنهم/ كانوا يضجون كخلية النحل، لكنهم كانوا سبعين رواقًا. بالطبع، هناك بلاد يأتي منها واحد أو اثنان أو ثلاثة.

[الدكتور أسامة الأزهري]: مثل رواق الصينيين سنة خمسمائة وثلاثين.

[الشيخ]: كان [بالأزهر] سبعون رواقًا، والآن لدي [الأزهر] مائة وثلاثة.

كيف ذلك؟ مائة وثلاثة دولة لها وافدين.

إذن، الأزهر نسق مفتوح وليس نسقا مغلقًا، لم ينغلق على نفسه ولم يجعل هناك كهنوتًا أو سرًا لا يطّلع عليه الآخرون.

فعندما يأتي شخص لا يعرف اللغة العربية، ينطقه الأزهريون، [أي: يجعلون هذا الشخص] ينطق [باللغة العربية].

لا يمكن تصور مدى بلاغة وفصاحة رئيس المالديف، ومعاونوه اللذين كانوا يدرسون في الأزهر، فإذ به [رئيس المالديف] ينطق لغة عربية صحيحة لا يخطئ فيها أبدًا.

الأزهر استقبل المذاهب والجنسيات وحتى بعض المسيحيين درسوا فيه

كل هذا رأيناه في [الوافدين من] الفلبين، ورأيناه في [الوافدين من] الهند، وكل هذا لأن المدرسة الأزهرية اهتمت باللغة [العربية]، لكن مع نسق مفتوح استقبل كل العالم.

ليس فقط أنه [الأزهر] استقبل المذاهب [المختلفة]، بل أيضًا أنه استقبل الجنسيات المختلفة، حتى أن بعض المسيحيين درس في الأزهر وهو على مسيحيته وبقي على مسيحيته، إنما يريد أن يتعلم. حتى إن الشيخ.

[الدكتور [أسامة الأزهري]: الشيخ حسن الجبرتي؟

[الشيخ]: لا، بل قبل حسن الجبرتي، كان حسن الجبرتي يدرس الرياضيات، والرياضيات العليا، وكان يستقبل الطلبة الفرنسيين الذين اتضح فيما بعد أن بعضهم كان جاسوسًا، ورسم شواطئ الإسكندرية لأجل أن يحضّر لويس للحملة التي نفذها نابليون بعد ذلك.

الأزهر نسق مفتوح أفقياً ورأسياً قبل التعدد والعلوم والدنيا والدين

هناك أيضا أسانيد الشيخ الشبراوي، وهو يتحدث عن سبعين علمًا تُدرس في الأزهر.

كان الأزهر نسقًا مفتوحًا [سواء] أفقيًا أو رأسيًا. قَبِلَ [الأزهر] التعدد، وقَبِلَ الآخر، وقَبِلَ العلوم، وقَبِلَ الدنيا، وقَبِلَ الدين، وهو معهد رصين للعلم.

ولذلك استطاعوا [شيوخ الأزهر]:

  • أن يدركوا النص.

  • أن يدركوا الواقع.

  • أن يصلوا بينهما.

[الدكتور أسامة الأزهري]: **حضرتك، هل نستطيع القول إن المدارس العلمية العريقة:

  • كجامع الفاتح في إسطنبول**، والمدارس العلمية [بتركيا] هناك؛ اعتمدت مذهب السادة الأحناف ولم تدرس سواه.

  • و[جامعة] القرويين في المغرب قد اعتمدت مذهب الإمام مالك ولم يدرس سواه.

  • والمدرسة الحضرمية [باليمن] التي اعتمدت المذهب الشافعي ولم تدرس سواه.

خصوصية الأزهر في استيعاب المذاهب الأربعة وسر بقائه دون غيره من المدارس

[الدكتور أسامة الأزهري]: عندما أقارن هذه المدارس [تركيا والمغرب واليمن]؛ بالأزهر الشريف الذي استوعب المذاهب الأربعة وغيرها، واستوعب الوافدين من أقطار مختلفة، هل هذا هو ما جعل للأزهر الخصوصية والتميز والبقاء؟

[الشيخ]: نعم، إن أهم شيء هو البقاء.

هذه المدارس [بالدول الأخرى]، تعثر كثير منها، لكن بقي الأزهر لأنه تعامل مع المطلق ومع النسبي تعاملًا صحيحًا.

هناك [أمر] فيه قطعي وفيه ظني، فتعامل [الأزهر] مع القطعي على أنه قطعي، ومع الظني على أنه ظني. لا يوجد مذهب أحل الخمر، ولا أحل [أكل] الخنزير، ولا أحل الزنا والخنا، والفاحشة والسرقة والكذب.

لذلك هذا هو دين الإسلام، بأركان الإسلام الخمسة، وأيضًا أن نبتعد عن المحرمات، ونؤدي الواجبات، ونفعل المندوب بعون الله تعالى.

كتاب رحمة الأمة في اختلاف الأئمة والفرق بين المخطئة والمصوبة

وما إختلفنا فيه؟ ما اختلفنا فيه، فيه سعة،

فأما التشدد يحسنه كل أحد.

[الدكتور أسامة الأزهري]: لقد أشرت حضرتك مرات إلى إحصائية قام بها صاحب كتاب [رحمة الأمة في اختلاف الأئمة]؛ بيّنت مناطق الاختلاف والاتفاق بين مجتهدي الإسلام. لو تكرمت فقط بإضاءة [بتوضيح] في هذا المعنى.

[الشيخ]: صاحب [كتاب] [رحمة الأمة في اختلاف الأئمة] هو الشيخ العثماني، والذي خطرت له خاطرة مبنية على مسألة في أصول الفقه.

هذه المسألة في أصول الفقه هي؛

هل الحق واحد ليس له وجوه أم أن الحق واحد له وجوه متعددة؟

ويسمونها:

  • المخطئة.

  • والمصوبة.

يفهمها [مسألة الفقه] الجمهور على أنها المخطئة، أي عندما نختلف أنا وأنت [في مسألة]، فواحد منا على صواب والآخر على خطأ، وفق هذا الفهم.

مدرسة المصوبة وكل مجتهد مصيب والحق له وجوه متعددة

أما [المدرسة الثانية]، المصوبة، فتقول: لا، إن الاثنين [الشخصين المختلفين] على صواب، أنا وأنت على صواب.

انطلق [الشيخ عبد الله محمد بن عبد الرحمن العثماني] من [منطلق] المصوبة، وهم يعدون أقل عددًا من المخطئة. علماء المخطئة كثيرون، لكن علماء المصوبة أقل [عددا].

[الدكتور أسامة الأزهري]: حضرتك، هذا ما أصاغوه في أن لكل مجتهد مصيب.

[الشيخ]: [قول] كل مجتهد مصيب، هو رأي المصوبة.

لأنه قدم عليه. أي أن ربنا قال اجتهد، فهو اجتهد وانتهى الأمر.

فيكون هذا حق له وجوه متعددة مثل المكعب، كل وجه من وجوه المكعب هو من المكعب.

مثال لمس المرأة بين الرخصة والعزيمة عند الشيخ العثماني

عندما يقول الإمام أبو حنيفة إن الذي يلمس امرأة يصلي، ويقول الإمام الشافعي إن الذي يلمسها حتى لو كانت زوجته فليتوضأ، فأين الصواب وأين الخطأ؟

فيقول [الشيخ عبد الله محمد بن عبد الرحمن العثماني] أن الاثنان على صواب. قلنا له: كيف يكون الاثنان على صواب يا شيخ العثماني؟ فقال:

  • هذه رخصة.

  • وهذه عزيمة.

أنت الآن لا وقت لديك وستفوتك الصلاة في مكان لا تستطيع الوضوء فيه مثلًا، أو [أنت] في الطواف في الزحام الشديد، صلِّ وطُف، فالتيسير مطلوب.

وبالنسبة لمن يقول توضأ؟ قال لإن هناك سعة من الوقت.

أتعرف إذا درست المذهب الشافعي.

الرخصة والعزيمة والوضوء على الوضوء نور على نور

فإن من يسمعني من الشافعية الآن سيقول: أعوذ بالله، كيف أصلي من غير وضوء؟ لا، لم يقل الشيخ العثماني هذا، بل قال: هذه رخصة وهذه عزيمة.

والعزيمة تكون أكثر ثوابا. عندما أجدد وضوئي، فالوضوء على الوضوء نور على نور، لا شيء فيها، [على سبيل] الاحتياط [احتمال انتقاض الوضوء] والاحتياط قد يكون واجبًا وهو مستحب على كل حال.

المهم أنَّ الشيخ العثماني جعل الخلاف بين الفقهاء المجتهدين، وليس الفقهاء الصغار.

للأسف ظهر لنا نابتة؛ في عصرنا هذا يقولون بلا قواعد.

[الدكتور أسامة الأزهري]:

يقولون: هذا عندنا غيرُ جائزٍ *** ومَن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ؟

الشيخ الشعراني وكتاب الميزان وكل مجتهد مصيب بين الرخصة والعزيمة

[الشيخ]: أخذ سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني فكرة الرخصة والعزيمة، في [كتابه] الميزان الكبرى، وفي الميزان الخضرية نسبةً إلى الخضر.

وفي الميزان الخضرية، شرح لنا [الشيخ عبد الوهاب الشعراني] كيف أن كل مجتهد مصيب، وكيف أن الاختلافات الفقهية التي في مجال الظن هي بين الرخصة والعزيمة، وأنك ما زلت في إطار الدين.

بعد ذلك قال المفكرون والصحفيون والكُتَّاب، أن هناك فارق بين الرأي الإسلامي ورأي إسلامي.

  • رأي الإسلام؛ هو المُجمع عليه، أي أننا لم نختلف فيه.

  • أما الرأي إسلامي: فهو رأي منسوب إلى المفكرين والعلماء والمجتهدين الذين ينتمون إلى الإسلام، وهكذا يصبح رأيًا إسلاميًا.

خطورة تحيير الناس بعرض الآراء الفقهية دون ترجيح وتوجيه

يمكن نحن نتمتع بكل الآراء ولكن بضابط، لأنه أيضًا ظهر بعض الناس وهم يُحيِّرون الناس، قيل لك: حيِّره، خيِّره.

[الدكتور أسامة الأزهري]: مَن خيَّرك فقد حيَّرك.

[الشيخ]: نعم، ولا يقولون [أصحاب الآراء المحيرة] لماذا [هو سبب رأيهم هذا]؟

فبدأت الناس تتشكك. ما الأمر، كون أن هذه رخصة وهذه عزيمة، كون أنني أقول لك ماذا بما هو الواقع، هذه مهمتي، لكن تلقي مهمتك على عاتق الناس وكأنك تقول للناس [افهموا بمفردكم].

أتعلم أن هذا الشخص الذي يقول أشياءً كثيرةً جدا [تجوز] للناس، [ثم يترك الناس] ليعملوا عقولهم وليختاروا، يذكرني بطالب دخل إلى الامتحان وجاءه السؤال، فقيل له: راجع الكتاب من صفحة ستة عشر إلى صفحة ستة وعشرين، وستجد فيه إن شاء الله الإجابة.

مهمة العالم دراسة الواقع وتقديم الحكم الجاهز للناس لا إلقاء العبء عليهم

إن هذا الكلام يُلقي عبئًا [على الناس] ما كان يجب عليك [أن تلقيه]، على الآخرين.

دورك هو، أن تدرس الواقع وترى المآلات وترى ما يريح الناس، وما هي مصالح الناس.

إن ما يجري في المطبخ لا يظهر للناس، لا [يصح] أن أدعو الناس إلى طعامٍ فأُخرج لهم الكوسة وبجانبها البشاميل والطماطم؛ وأقول لهم كلوا الآن كوسة بالبشاميل! هذا كلام غير منطقي.

[الدكتور أسامة الأزهري]: أي أنه حضرتك، قد صدر للناس ما لم يكن ينبغي عليه أن يفعله؟

[الشيخ]: نعم، قدَّمه للناس، وهذا يُحيِّر الناس.

مقومات بقاء الأزهر وأسباب تميزه عن المدارس الكبرى التي اندثرت

[الدكتور أسامة الأزهري]: كنا نتحدث عن أمرٍ شديد الأهمية، في أن من أسباب بقاء الأزهر:

  • القرآن.

  • واللغة العربية.

  • والتعدد.

  • وربط العلم بالتقوى.

أحتاج أن أسمع من حضرتك أكثر عن [أسباب] بقاء الأزهر، ما هي الأسباب الأخرى التي خصت هذه المدرسة بالبقاء دون عدد من المدارس الكبرى التي عمرت زمنًا ثم ماتت؟

وأستأذن حضرتك، من باب المشاغبة بعض الشيء، أنا كنت نظمت قصيدة اسمها الأزهر يتحدث عن نفسه على غرار مصر تتحدث عن نفسها لحافظ إبراهيم، وصِغْتُ هذا المعنى على لسان الأزهر :

كم من مدارس شُيِّدت، لكنها بادت *** وسبحان الذي أبقاني، فبقيت أشهد فضل ربي *** أنه كم صانني ولكم وكم أعطاني،
ولسوف أبقى شامخًا*** والعلم في صحني منير والشيوخ لساني.

الأزهر أصبح ضمير مصر والهوية المصرية قائمة على العروبة والإسلام

[الدكتور أسامة الأزهري]: هل ترجع أسباب بقاء الأزهر فقط إلى التعددية واتساع الصدر واستيعاب عدد من العلوم والمقومات؟

أحتاج أن نغوص أكثر في هذا المعنى.

[الشيخ]: لقد ذكرتَه في كلامك الآن، تقول إنك [يادكتور أسامة] كتبت قصيدة عن الأزهر على غرار ما كتبه حافظ إبراهيم عن مصر. هذه هي الفكرة؛ لقد أصبح الأزهر ضمير مصر.

ما هي الهوية المصرية؟ إنها شيئان:

  • العروبة.

  • والإسلام.

والعروبة والإسلام؛ يمثلان هنا الحضارة وليس الدين، بمعنى أن حضارة الإسلام يندرج تحتها:

  • المسلم.

  • والمسيحي.

  • واليهودي.

  • والوطني.

حضارة الإسلام تقبل الآخر وتتجلى في العادات والتقاليد المصرية

[نعني ب] حضارة الإسلام، ما [عاداتنا] في ملابسنا، ما هي [طريقة] العزاء عندنا، كيف تكون أفراحنا، ماذا نأكل؟

[الدكتور أسامة الأزهري]: مواقيتنا المؤرخة، [حين نقول] أقابلك بعد الظهر أو بعد العشاء مثلًا.

[الشيخ]: كل كلامنا [يتفق] على [تقويم] الشهور القبطية. وهذه هي حضارة الإسلام أنه يقبل الآخر.

[نقول] طوبة [شهر قبطي] يجعل الشابة كركوبة. بابة، ادخل ورد البوابة، كياك صباحك مساؤك، تستيقظ من النوم وتحضر عشاءك. امشير أبو الهوا والزعابير، برمهات، اطلع الغيط وهات، برمودة دق بالعمود.

كعك العيد الذي إبتكره الفاطميون، يأكله المسيحيون.

الكعك الصيامي مثال على حضارة الإسلام التي تراعي الآخر

دخلت مرة عند شخص ووجدت كعكًا صياميًا، فسألته: ما معنى صيامي؟ هل هو بعد رمضان؟ فقال لي: لا، هذا لإخواننا المسيحيين، أي لا يدخل [في صنعه] روح أو ما خرج من روح.

[الدكتور أسامة الأزهري]: لكي يستطيع [المسيحي] أن يفرح معي بالكعك، ولا يخالف شريعته.

[الشيخ]: إن حضارة الإسلام أي العروبة والإسلام.

أليس الأزهر هو العروبة والإسلام؟ أليست مصر هي العروبة والإسلام؟

حضرتك بحساسيتك هذه استطعت أن تصل إلى القضية [الحقيقية]، وأن الأزهر هو مصر ومصر هي الأزهر، ولذلك تجد الكنيسة المصرية بكل طوائفها؛ موجودة في بيت العائلة مع فضيلة الإمام [شيخ الأزهر].

الأزهر يرفض التطرف ويقبل الآخر ومقولة مكرم عبيد عن الهوية

لكنهم [الكنائس المسيحية بمصر] لا يضعون يدهم مع يد الخوارج مثلًا، شخص يهدده [المسيحي]، ويقول له سأقتلك ولن أعيد عليك، ولن أقول لك السلام عليكم. ولو كنت أسير بالسيارة لصدمتك بها لكي تتعرض لحادث.

ما هذا؟ وما الأمر؟ هذه بلطجة! وفهمًا مشوهًا للدين، وللحياة، وفهمًا مشوهًا لكل شيء.

أما الأزهر، إنهم [المسيحيين] يريدون الأزهر. الشيخ أحمد حسن الباقوري رحمه الله كان صديقًا للبابا كيرلس.

[الدكتور أسامة الأزهري]: حضرتك، هل هذا ما قاله مكرم عبيد:

أنا مسيحي ديانةً، مسلم وطنًا.

استئناف الحوار الأزهري بين جيل الأساتذة وجيل التلاميذ

[الشيخ]: وقال [مكرم عبيد] أيضا:

مصر ليست وطناً نعيش فيه، بل وطنٌ يعيش فينا

[الدكتور أسامة الأزهري]: أشكرك يا مولانا، فاصل ونلتقي إن شاء الله.

أهلًا وسهلًا بكم في رحاب أمسية أزهرية، بين جيلين من أجيال الأزهر الشريف، بين جيل الأساتذة وجيل التلامذة، حوار أزهري ممتد على مسمع من الأسرة والعائلة والمشاهد المصري الكريم.

نحاول فيه أن ندرس وأن نتأمل هذه العلاقة بين الأزهر الشريف ومصر.

كان المرحوم المؤرخ الكبير محمد شفيق غربال رحمه الله يقول: أنا متوقف كثيرًا أمام عبارة المؤرخين الكبار؛ إن مصر هبة النيل، وأنا أقول إن مصر هبة المصريين.

مصر هبة المصريين والأزهر مصنع الإنسان المصري الرائد

المصريون الذين بنوا الأهرام وبنوا السد العالي، وبنوا سور مجرى العيون وحفروا القناة. المصري المغرم بالعمران، المصري المحب للحياة، الممتلئ بالطموح، الواسع الصدر، الذي يشعر أنه يقوم مع أشقائه العرب والمسلمين بدور قيادي كبير.

هذا المصري الذي تم صناعته في مصنع الأزهر الشريف، وكان كلام مولانا وأستاذنا الجليل سيدي الشيخ علي جمعة عن أن الأزهر هو مصر ومصر هي الأزهر، وأن هذين الهرمين العظيمين - مصر والأزهر - قد قاما معًا على أساس العروبة والإسلام.

الإسلام الذي اتسع لينطلق من كونه الوحي الإلهي، والدين السماوي الموقر حتى يتحول في حياة البشر إلى؛ حضارة وآداب ونمط معيشة.

كيف حول الأزهر قيم الإسلام إلى حضارة في حياة المصريين

[الدكتور أسامة الأزهري]: الحديث موصول يا مولانا عن الأزهر الشريف، كيف استطاع أن يحول قيم الإسلام إلى حضارة في حياة المصريين.

[الشيخ]: أقدم لحضرتك بعض الأمثلة [على ذلك]؛ عندما قلنا إن الأزهر يهتم بالقرآن، ويهتم بالسنة، ويهتم بمذاهب أهل السنة الفقهية، ويهتم باللغة العربية، ويهتم بالتنوع، هو [الأزهر] نسق مفتوح، يهتم بالتقوى، يهتم بالحياة.

إهتمامه [الأزهر] بالحياة هو الذي جعله متشعبًا.

لو دخلت الأزهر ستجد فيه أعمدة وعليها رسوم فرعونية في تيجان الأعمدة، لأنهم أخذوها من بعض الآثار البيزنطية أو الفرعونية.

وجدوا العمود مناسبًا هنا، عندهم نسق مفتوحٌ، قلبٌ مفتوحٌ للحضارات، وللتاريخ، وللدنيا كلها.

الشريف الإدريسي والأهرام والفرق بين العقلية الأزهرية وعقلية التطرف

يقول الشريف الإدريسي في كتابه إن سفح هذا الهرم مصلى الأنبياء، وأن [النبي] إدريس هو الذي بناه، وأن الصحابة عندما وصلوا [مصر] كتبوا أسماءهم على الهرم: فلان بن فلان يوحد الله، وكتابه مطبوع.

[الدكتور أسامة الأزهري]: بعنوان [تنوير الأجرام في خبر الأهرام].

[الشيخ]: نعم، انظر إلى الأزهري [الذي نشأ ورأى هذا]، وبين الشاب الذي نشأ ويريد أن يكسر الأهرامات [بدعوى] أن هذه آثار الكفار.

إن الفرق بين العقليتين: هذا هو الذي بنى الحضارة.

عندما تدخل في الأزهر تجد الإبداع [في صناعة] المشربية، الإبداع في الزخرفة، المزولة والساعة، والمحراب [في صناعة] المنبر.

تطوير المنبر والصلاة في النعل مثال على مراعاة الأزهر للواقع المتغير

عندما زاد عدد الناس فقاموا بزيادة [عدد درجات] المنبر، فيأتي شخص ليقول لك: لا، منبر النبي ﷺ كان ثلاث درجات، وأنا أريد ثلاث درجات فقط.

ولكن عندما تكون [كخطيب واقفا] على ثلاث درجات لن يُسمع صوتك [الناس]، ولم يكن هناك ميكروفون في ذلك الوقت، فلابد من أن ترتفع حتى ينتشر الصوت بهذه الطريقة.

كذلك من السنة أن تصلي في نعلك، لكن بعدما فرشنا السجاجيد في المسجد، [إذا صليت في نعلك] ستكون [الأرض متسخة] وكيف ستسجد في هذا الوحل؟ ولذلك قمنا بخلع الأحذية [في المسجد].

خلع الأحذية في هذه الحالة هو السُنّة، مع مراعاة:

  • إدراك الزمان.

  • وإدراك المكان.

  • وإدراك المآل.

  • وإدراك الحال.

هذه هي العقلية التي علّمها الأزهريون للناس: قبلت التطور وقبلت الآخر وقبلت التنوع، فبنت الحضارة بهذه الكيفية.

التعارف بين الحضارات وإسلام التتار نموذج لانفتاح العقل المسلم

[الدكتور أسامة الأزهري]: حضرتك، هل عند دخول التتار إلى بغداد، وبدأ ما يمكن أن نسميه تعارفًا بين الحضارتين، هل استطاع العقل المسلم أن يستشف من هؤلاء المغول والتتار أرقى ما عندهم، وهم قوم معتدون همجيون، في نمط القباب والفن المغولي، واستطاع العقل المغولي أن يستشف نمط حياة هؤلاء المسلمين، فشرب منهم الإسلام، فأسلم التتار؟

ومحمد علي البار له كتاب [كيف أسلم التتار]. هل هذه العقلية المسلمة التي استفادت وانفتحت على الأمم، ورأت كيف تبني الأمم الحضارة، واجتلبت من كل أمة أفضل ما عندها، هي التي حافظ عليها الأزهري وحولها إلى منهجٍ يُعلَّم ويُدرس؟

الحضارة الإسلامية الكاملة أثرت في كل وافد من التتار والصليبيين والاستعمار

[الشيخ]: عندي حضارة وهذه الحضارة كامنة، فكان كل وافدٍ يأتيني يتأثر بها [بالحضارة الإسلامية] ولا نتأثر به.

[الدكتور أسامة الأزهري]: تقصد حضرتك بكل وافد أي التتار والصليبيين؟

[الشيخ]: الغازي من التتار والصليبيين والاستعمار الحديث وكل هذا، فكان يتأثر بنا [الحضارة الإسلامية].

كانت هناك جماعة تُسمى فرسان المعبد، تأثروا بنا ورجعوا إلى أوروبا ضد الملك وضد البابا في الفاتيكان، وتاريخ مشهور معروف في الجمعيات السرية وما إلى ذلك.

لقد أسلم التتار، لقد ذكرت أنت [محمد علي البار] وهو كتب كيف أسلم التتار. وأصبحوا يعقدون حلقات للذكر وحلقات للصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام.

غياب العلوم الاجتماعية المناسبة للنموذج المعرفي الإسلامي بعد التحولات الكبرى

كيف [أسلم التتار]ا؟ لأنهم وجدوا حضارة كاملة ليست حضارة حائرة.

نحن الآن بعد ألف وثمان مئة وثلاثين، وألف وتسع مئة وثلاثين، في المائة سنة التي تغير فيها وجه الأرض، نحن لم نؤد العلوم الاجتماعية والإنسانية المناسبة للنموذج المعرفي الخاص بنا، ولذلك لم نعرف كيف نبني حضارة جديدة.

[الدكتور أسامة الأزهري]: النموذج المعرفي القائم على الغيب والألوهية والنبوة والوحي.

[الشيخ]: عقيدتنا هي أننا مؤمنون بإله واحد، هو الذي خلق، وهو الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب، وهو الذي جعل يوم القيامة فيه جنة وفيه نار، وأنه جعل لنا تكليفًا ومنظومة من افعل ولا تفعل، وأنه جعل لنا منظومة أخلاقية؛ أن الرحمة حسنة والقسوة سيئة، والكذب حرامٌ والصدقُ حلالٌ.

مواجهة ثقافة الكذب والفوضى وأثر الجماعات الإرهابية في تشويه القيم

هذه هي هويتنا. لكن عندما يأتيني شخصٌ [من مؤيدي ما بعد الحداثة] فأقول له: لماذا تكذبون؟ يقول لي: وما المشكلة إن كذبنا؟ من يريد أن يكذب فليكذب والآخر يرد عليه.

قلت له: وهل لدينا وقت؟ أين البناء؟ أنتم بهذا ستدمرون البشرية وتُغرقون العقل في التوهيمات، وستجعلون الناس لا تثق [بأحد]، قال: لا أبدًا، دعوا الناس تعيش كما [تريد].

والله [لقد ذهب عقله] أقوى من المخدرات، ولذلك رأينا هذه الجماعات الإرهابية التي تكذب ليل نهار على الفيسبوك وتعجبنا. أيعلّمون أولادهم الكذب؟ واتضح أن هذا الكذب شيء أمريكي وأنه لا مانع أن نكذب.

لا، إن ديننا يقول لنا إن:

  • الكذب حرام.

  • والزنا حرام.

  • والقتل حرام.

قصة الشيخ علي الخواص والصبي الهارب ودرس الصدق منجاة

[الدكتور أسامة الأزهري]: أذكر حضرتك قصة، فضيلتك كنت تذكرها دائمًا عن الشيخ علي الخواص عندما كان يجدل الخوص، وجاءه رجل يجري يطلب منه الإيواء، فرفض.

[الشيخ]: سيدي علي الخواص. رجل أمي لكنه يحفظ القرآن، إذن، هو ليس أميًا، إنه يتقن الكتابة والقراءة بالكاد، لكنه حافظ للقرآن، [سمي] الخواص لأنه كان يصنع حصير المسجد.

[سبب هذه القصة] أن صبي كان يجري هاربًا من الشرطة، فقال له [لسيدي علي الخواص]: خبئني.، فقل له [سيدي علي الخواص]: أتمزح معي؟ اجلس هنا واختبئ.

الصدق منجاة حتى لو ظننت فيه هلاكك والكذب مهلكة حتى لو ظننت فيه نجاتك

فجاءت الشرطة وسألته [سيدي علي الخواص]: هل كان هناك شخص يجري هنا؟ فقال: ها هو مختبئ في الداخل، قال [الشرطي] له: مختبئ بالداخل؟ أتسخر منا! وتركوه ومضوا.

فقال له الرجل [المختبيء]: كدت أن توردني المهالك، أنت ترشدهم إليّ! فأجاب [سيدي علي الخواص]: لولا صدقي ما انصرفوا.

فالصدق منجاة حتى لو ظننت فيه هلاكك، والكذب مهلكة حتى لو ظننت فيه نجاتك.

وهذا في الحقيقة، وارد عن سيدنا عمر بن الخطاب، ووارد كذلك عن هناد بن السري في [الزهد] وأورده فيه.

لكن على كل حال انظر إلى الرجل [سيدي علي الخواص]، فهو لا يريد أن يكذب، وصدقه قد ينجي الشخص الآخر [المختبيء من الشرطة].

الإنسان الذي يعيش مع الله يثق فيما عند الله أكثر مما في يده

طبعًا الإنسان [الذي يعيش] بحساباته العقلية لا يحتمل هذا [النوع من الصدق]، لكن الإنسان الذي يعيش مع الله يتحمل هذا [الصدق]، ويفعله وهو واثق فيما عند الله أكثر من ثقته بما في يده.

[الدكتور أسامة الأزهري]: حضرتك، إن الصنعة التي صنعها الأزهر الشريف في عقلية الإنسان المصري وسلوكه وآدابه ونفسيته، في تصوري، هل هو أعمق بكثير من القدر الذي يدركه الإنسان المصري المعاصر؟

[الإنسان المصري] يؤمن إيمانًا عميقًا بأن الأزهر له دور، وأن مصر بلد الأزهر وأن الأزهر الشريف حامل لواء الإسلام، لكن الدخول إلى هذه التفاصيل المدهشة التي تجعل الإنسان يعرف قيمة الأزهر عن قرب.

الشيخ أحمد مرسي وشيخه محمد راشد نموذج لعمق العلم الأزهري

[الدكتور أسامة الأزهري]: ما أريد قوله فقط أننا مهما غصنا داخل تفاصيل الأزهر الشريف، والصنعة التي ظل يصنعها ألف سنة، فإن هذا يزيد وضوح دور الأزهر عند عقلية الإنسان المصري المعاصر.

[الشيخ]: سأعطيك مثالًا عن حكاية المستويات والعمق [في الحديث عن تأثير الأزهر في الشخصية المصرية] من خلال شيخي الشيخ أحمد مرسي.

الشيخ أحمد مرسي أدرك شيخين عظيمين في لغة العرب، الشيخ الأول هو محمد راشد، والشيخ الثاني هو الشيخ المرصفي.

[الدكتور أسامة الأزهري]: أي المراصفة؟

[الشيخ]: صاحب البغية. سيد بن علي، فيقول [الشيخ أحمد مرسي] للشيخ محمد راشد: يا مولانا، ما الفرق بينك وبين المرصفي؟

الشيخ محمد راشد يكاد يحفظ لسان العرب لابن منظور من كثرة التعمق

قال [الشيخ محمد راشد] له: أنا مستوعب مفردات اللغة. فأنا أكاد أحفظ [لسان العرب] لابن منظور.

[أي: أن الشيخ محمد راشد] يكاد يحفظه من كثرة القراءة، ومن كثرة الاهتمام ومن كثرة التعمق. تخيل شخصًا عَرَفَ اللغة بهذه الكيفية وبهذا العمق الذي تسأل عنه، فإن العمق ليس بالأمر السهل، بل إن الموضوع عميق جدًا.

من هو محمد راشد؟ محمد راشد كان يجلد كتبه بنفسه، أي أنه محترف صنعة، محمد راشد كان أستاذ الكيمياء في الأزهر الشريف، وكان أستاذ التفسير في الأزهر الشريف.

الشيخ محمد راشد شخصية أزهرية متعددة المواهب تجمع بين العلم والجمال

محمد راشد كان مهتمًا بتذهيب الكتب، كيفية إجراء التذهيب، وقد تعلمه في إسطنبول. كان محمد راشد في المرتبة الأولى في هيئة كبار العلماء لأنه كان إمام الحضرة الخديوية.

[الدكتور أسامة الأزهري]: حضرتك إنه [محمد راشد] شخصًا واسع المعرفة ويعيش في الجمال في التجليد والتذهيب.

[الشيخ]: وكان يستلف من تلميذه الشيخ أحمد مرسي، اثنين جنيه أو ثلاثة جنيه إلى أن يأتي موعد قبض [المرتب] في أول الشهر.

فيقول له: يا ولد يا أحمد، فيرد عليه: نعم يا سيدي، فيسأله: كم لك عندي [من أموال]؟، فيجيب: ثلاثة جنيه يا سيدي، فيقول له: خذهم يا ولد.

الشيخ محمد راشد والجمال الداخلي في تنسيق الملبس والعمامة

وكان محمد راشد يذهب إلى الرجل [صانع] النعال، وكانوا يُفصِّلون الأحذية فيختار من كل لون واحدة [حذاء].

إن العمامة [الأزهرية على الرأِس]، لها بطانة، ويجب أن تساوي بطانة الجبة والقفطان.

فيسأله تلميذه: لماذا هذا ياسيدي؟ قال [الشيخ محمد راشد] له: الجمال داخلي.

الجمال ليس خارجيًا، لكي يشعر أنه متسق من الداخل. فهذا هو الأزهر.

المرصفي يتميز بالتراكيب الجميلة والشيخ محمد راشد يفسر حم شهراً كاملاً

تميز الشيخ سيد بن علي المرصفي بالتراكيب، أي تراكيب اللغة، أي التعبيرات Expressions، لكي يفهم الناس ماهية التعبير.

انظر إلى أين وصلنا، حتى أصبحنا نستعمل اللغة الإنجليزية لتفهيم ما كانوا عليه [الشيوخ].

[الدكتور أسامة الأزهري]: أتذكر حضرتك قلت لنا مرة أن الشيخ محمد راشد جلس يفسر قول الله تعالى حم.

[الشيخ]: في سورة الشورى. نعم أراد أن يفسرها، فقال له واحد صعيدي: يا مولانا، لا تقل لنا 'الله أعلم بمراده'، نريد أن نعرف 'حم' ما معناها؟

قال له [الشيخ محمد راشد]: حسنًا، أتريد أن تعرفها [معنى حم] في سنة أم في شهر أم في أسبوع؟ أو [أشرحها] سريعا هكذا.

الشيخ محمد راشد قدم ستة وخمسين تفسيراً لحم في شهر واحد

قال له: يا مولانا، هل تستغرق [تفسير حم] سنة؟ قال له: تستغرق سنة، ولكن خير الأمور أوسطها، فلتكن [تفسيرها] شهرًا.

وجلس الشيخ محمد راشد يفسر في حم شهرًا، وقدم ستة وخمسين تفسيرًا لها.

والغريب أنه [الشيخ محمد راشد]؛ كان يأتي مثلًا بمقدمات السور كذلك، وهو واسع للاطلاع حتى يصل إلى قصيدة أبي شادوف وهي قصيدة هزلية، هزّ القحوف بشرح قصيدة ابي شادوف، ويأتي بكل هذا.

ثم قال: واعلموا أن كل حم - هناك سبع حواميم في القرآن - كل حم لها معنى قد يكون مختلفًا عما ذكرنا، يُفسَّر في شهر آخر.

علماء الأزهر كانوا متعمقين في العلم ومتنورين ومرتبطين بالتقوى

[هذا] يظهر أن هؤلاء الناس [شيوخ الأزهر] كانوا متعمقين جدًا في العلم، ومتعمقين في إدراك الواقع، لم يكونوا غائبين عن الحياة، وكانوا منورين، كانوا أناسًا محترمين، كانوا كل ذلك مجتمعًا معًا.

عندما اتبع الشيخ محمد راشد، سيدنا الشيخ أمين البغدادي، وأمين البغدادي رجل صاحب طريقة نقشبندية، والشيخ [محمد راشد] ارتاح له وانشرح صدره له.

وكان الشيخ محمد أمين البغدادي رجلًا شافعيًا، فلما دعاه إلى بيته، وجد [الشيخ محمد راشد] حجرتين من الحجرات القديمة تلك التي يبلغ ارتفاعها ستة أمتار، كلها كتب.

فقال له: يا شيخ محمد [أمين البغدادي]، أقرأت كل هذا؟ قال له: نعم يا سيدي، قرأت كل هذا.

أين وجدت قلبك سؤال الشيخ البغدادي والربط بين العلم والتقوى وقيام الليل

قال: فأين وجدت قلبك؟

قال له: يا سيدي، أنا لي أربعون سنة؛ وأنا أصلي في جوف الليل ركعتين لا يعلم إلا الله ماذا أقوم به، حتى أهل بيتي، حتى زوجته وأولاده. يتركهم عندما ينامون ويقوم متسللًا ويخلو إلى الله.

هؤلاء الناس ربطوا بين العلم والتقوى، وعرفوا أن هذا العلم ليس تاريخًا، وأن هذا العلم إنما هو عبادة، وحياة، وحضارة، وهذا العلم إنما هو للناس، ولا بد فيه من التقوى.

الشيخ أحمد مرسي تلميذ محمد راشد وأثر توارث العلم والحال بين الأجيال

[الدكتور أسامة الأزهري]: حضرتك ذكرتَ لي مرة أن أستاذ فضيلتك الشيخ أحمد مرسي؛ الذي تتلمذ على الشيخ محمد راشد بهذه الطريقة، ورأى أمامه هذه الذات الإنسانية، [ذات] الشيخ محمد راشد رفيعة القدر، إمام الخاصة الملكية، الممتلئة بالجمال، المتضلعة من العلم.

وحضرتك ذكرتَ لي كأنه [كان هناك] أثرًا تعدّى وعبر الأجيال.

وأن الشيخ أحمد مرسي كان أيضًا لديه طاقم من الأحذية بعدد طواقم الجبب، [وأن هناك] واقعةٍ حدّثتنا عنها سابقًا.

[الشيخ]: هذا هو تأثير الأزهر أن السابق يعطي للاحق، توريث العلم والحال أيضًا [للاحق].

أنا رأيت الشيخ [محمد راشد]؛ وهو له صداقات كثيرة جدًا، وكان يحتفظ في دفتر ملاحظاته برقم هاتف محمد باشا محمود.

صداقات الشيخ أحمد مرسي مع رجال الدولة ووجهاء المجتمع

محمد باشا محمود رئيس وزراء مصر. [وجدت كذلك رقم هاتف] عبد الخالق ثروت؛ طبعًا هذا الرقم قد تغير منذ زمن بعيد، لكنه وهو شاب [الشيخ]، كان هؤلاء هم رفاقه وأصدقاؤه، يذهب إليهم وما إلى ذلك.

وبناءً على هذا كان يذهب لزيارة الناس وأنا معه، أناس كثيرون رحمهم الله من أهل الأعمال، من أهل القضاء، من وجهاء المجتمع، وهكذا. وكانت الناس تحبه جدًا.

وجود الشيخ في العائلة كان شيئًا أساسيًا. كانت عائلات الناس الكبار لا بد أن يكون فيها شيخ؛ لكي يبين لهم الحلال والحرام.

وجود الشيخ الأزهري في المجتمع يذكر بالله ويمنع المعصية

وجود الشيخ [أي حين] يأتي يُذكر الله.

[الدكتور أسامة الأزهري]:

إذا رؤوا يُشهر ذكر الله.

[الشيخ]: أول ما يأتي [الشيخ] يذكر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول ما يأتي يستحيي أحدهم وقد همَّ بمعصية أن يفعلها، وهكذا.

الأزهر كان له تواجد، وما زال له هذا الوجود إلى الآن، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ولذلك أنا أقول لك إن الأزهر ومصر وجهان لعملة واحدة لأن الهوية واحدة. والهوية هي العروبة والإسلام أو الإسلام والعروبة، هي هي، لأنها دائرة من حيث بدأت حيث انتهيت.

دور الأزهر الكبير في بناء الشخصية المصرية وذكريات الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم

فالأزهر في الحقيقة، قام بدور كبير جدًا في بناء الشخصية المصرية، وأنا أتذكر كيف كان يدرس الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم رحمه الله.

[عندما] كان يقرأ أي كلمة يقول مثلًا، [وهذا من باب السرياني]، فيصادق أستاذ السريانية في كلية الآداب، ويبحث هل هذه الكلمة سريانية فعلا؟

ويكتشف أن هذه الكلمات المنسوبة إلى السريانية في بعض الكتب، ليست لها أصل سرياني، ناهيك عن الآرامية، هي لهجة من اللهجات السريانية.

[الدكتور أسامة الأزهري]: كم عاش [الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم]؟ [مكتوب] في الأوراق الرسمية أنه [عاش] تقريبًا ثمانية وتسعين سنة.

[الشيخ]: أعتقد أنه [سنه كان] في هذه الحدود؛ لأنه كان قد بدأ في سنة أربعين وهو عنده أربعون سنة، واستمر إلى قرن من الزمان تقريبًا.

الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم يصف نفسه بالثقافة الواسعة والشخصية الأزهرية المتعددة

[الدكتور أسامة الأزهري]: حضرتك، لقد كان له [الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم] مقال في مجلة المسلم يقول فيه؛ قد يظن بعض الناس أنني رجل مقفطن ومعمم أزهري صاحب ثقافة عتيقة، لكن الحقيقة أنني درست الفلسفة ودرست الموسيقى الرومانتيكية والحديثة والكلاسيكية، ودرست الأدب الرمزي والتأثيري، ودرست المدارس الأدبية المختلفة، ودرست بعض اللغات وأتكلم بأكثر من لسان.

هل كانت هذه هي الشخصية الأزهرية عبر التاريخ؟

[الشيخ]: بدون شك. الشيخ [محمد زكي الدين إبراهيم] كان يتقن [اللغة]الألمانية، والألمانية ليست سهلة، وكان متبحرًا في السريانية، والسريانية لا ينطق بها إلا قبيلة قليلة في سوريا الآن، لكنها من الدراسات التي اهتمت بها لندن، [بالإضافة للغة] الآرامية.

الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم أسس العشيرة المحمدية وبنى المستشفيات والمدارس

وأغلب المتخصصين فيها [اللغة الآرامية] في الخارج، من اليهود لأجل الكتب المقدسة.

إن الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم، علامة من علامات مصر. و[سأسرد] ماذا كان يفعل:

1.الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم أسس العشيرة المحمدية،

فبنى المستشفيات، وبنى المدارس، وبنى المساجد، وبنى الحضَّانات للأطفال المبتسرة، والحضانات من أجل [إستضافة] الأطفال، بنى المعاهد.

  1. عَمِلَ مجلةً لتخاطب الناس شهريًا.

وكل هذا في نطاق التصوف الصحيح.

نموذج العشيرة المحمدية ومؤسسة مصر الخير والفرق بين الأزهر والإرهابيين

[الدكتور أسامة الأزهري]: هل أستطيع القول أن هذا هو النموذج الذي استوحيته حضرتك، وصنعت على غراره مؤسسة مصر الخير؟

[الشيخ]: لو رجعنا [إلى التاريخ]، نجد أن محمد عبده عندما كان يعمل، أنشأ (الجمعية الخيرية الإسلامية).

لم يكونوا [شيوخ الأزهر] أبدًا منفصلين عن الواقع.

هناك أيضا، الخضر حسين، شيخ الجامع الأزهر وجمعية الهداية.

هناك نشاطًا اجتماعيًا [لشيوخ الأزهر]، لكن غُبِّش] على هذا بمحاولة إدخال الناس في حمأة السياسة الحزبية.

نحن نريد أن نَحكم [شعار الإخوان المسلمين]، لا، نحن نريد أن نُحكَم بالإسلام، وهذا هو الفرق بيننا وبين الإرهابيين.

الفرق بين الأزهر الذي يريد الحكم بالإسلام والإرهابيين الذين يريدون الحكم

يقول الإرهابي، نريد أن نَحكُم، بمعنى إما أنا [على] كرسي [الحكم] أو تقتلني.

لكن الأزهر يقول: نحن نريد أن نُحكَم بالإسلام، كائنًا من كان هذا الرئيس، سنقول له [للرئيس]: اتقِ الله، سنقول له: خف الله.

عندما يصل الإنسان إلى حمأة السياسة الحزبية، يدخل إلى مكان مقيت، ويدخل إلى الكذب، وهذا هو الذي شاهدناه من الكبير ومن الصغير أنهم قد كذبوا.

قال صل الله عليه وسلم: «أيكذب المؤمن يا رسول الله؟ قال: لا»

الرحمة أساس الإسلام والأزهر ورثة النبي ﷺ في نقل الرحمة للعالمين

[الدكتور أسامة الأزهري]: مولانا، في خواتيم الحلقة هل أستطيع أن أقول أنه كما أن النبي ﷺ رحمة للعالمين:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

اجتهد ورثته [ورثة سيدنا محمد] وأتباعه وتلاميذه ونوابه في الأمة من بعده في أن ينهض كل منهم بأعباء هذه الرحمة العامة، فضلًا عن المدارس العلمية الكبرى التي كانت من خلال العلوم والمعارف وبناء الرجال وسريان منظومة القيم والعمل الاجتماعي الخيري وشيوع الرحمة.

هل كل هذه المدارس والشخصيات والعلماء وجوه معبّرة عن الهدي النبوي في نقل الرحمة للعالمين؟

[الشيخ]: الرحمة أساس.

قال النبي ﷺ: «إنما أنا رحمة مهداة» [الطبراني: 2981].

بسم الله الرحمن الرحيم شعار الإسلام والرحمة بداية ونهاية

الرحمة أساس لأنها بسم الله الرحمن الرحيم، ومعلوم أنه [الله جل جلاله] له أسماء جلال وجمال وكمال، فكان يمكن أن يقول: بسم الله المنتقم الجبار حتى يخوفًا، بسم الله الرحمن المنتقم، لكنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

فالرحمة هي البداية والنهاية.

قال النبي ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه»

والرفق والحب هو نتيجة الرحمة.

«وما نُزع من شيءٍ إلا شانه»

الرحمة، هي التي عندما ينساها الناس وتصبح القلوب قاسية، وينظر الإنسان إلى ذاته ونفسه ولا ينظر إلى خلق الله.

قال النبي ﷺ: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

شعار الأزهر والإسلام هو الرحمة وحديث الرحمة المسلسل بالأولية

[الدكتور أسامة الأزهري]: هل أستطيع أن أقول إن شعار هذا الدين وإن شعار الأزهر الشريف يمكن أن يُلخص في شعار الرحمة؟

[الشيخ]: بالطبع، ولذلك نرى المحدثين وهم يجعلون حديث الرحمة هو المسلسل بالأولية، بمعنى أنه أول حديث يقوله الشيخ لتلاميذه مسندًا ومسلسلًا بالأولية.

فيقول عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن تعالى.

وفي رواية: تبارك وتعالى.

«ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء،

وفي رواية: يرحمْكم مَن في السماء بالسكون، ويرحمُكم بالضم»

إلى هذه الدقة [في نقل الحديث النبوي] وبهذا النقل وبهذه الكيفية.

الرحمة شعار الإسلام وعنوانه من البسملة إلى السلام إلى مواجهة العالم

بسم الله الرحمن الرحيم. شعار الإسلام.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هي شعار الإسلام، وهي التي تخرجني من الصلاة إلى مواجهة العالم.

الرحمة هي الأساس، إن النبي ﷺ، هو نبي الرحمة، النبي رحمة مُهداة:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

فكيف لا تكون الرحمة، وهي عنوان هذا الدين، هي التي نواجه بها العالمين.

ليسأل كل مسلم نفسه هذا، بعيدًا عن متاهات التشويش، وبعيدًا عن تمويهات الأفكار الضالة.

خاتمة الحلقة والتحية للمشاهدين والوعد بلقاء قادم

[الدكتور أسامة الأزهري]: شكرًا جزيلًا يا مولانا، وخالص تحيتي وتقديري وأشرف بلقائك إن شاء الله مساء الثلاثاء القادم.

وخالص تحياتي للمشاهدين الكرام، نلقاكم بإذن الله تعالى في رحاب الأزهر الشريف وفي الحلقة القادمة من برنامج والله أعلم.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما العناصر الخمسة التي بنى بها الأزهر الشريف الشخصية المصرية؟

القرآن واللغة والتقوى وتكامل العلوم والتعدد

ما الذي قاله الفضيل بن عياض عن شرط قبول العمل؟

لا يقبل الله العمل إلا بالإخلاص والصواب

إلى كم عالم ينقسم الواقع عند علماء الحضارة؟

أربعة عوالم: الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار

ما الذي اكتشفه العلماء عند تحليل الخل وما دلالته الفقهية؟

أن به نسبة ضئيلة من الكحول لا تؤثر ولا تُسكر وقد أقره النبي ﷺ

ما الذي غيّر وجه العالم عام 1830 وأدى إلى الاستعمار؟

إدخال الحديد في جسم السفينة واكتشاف نقطة التعادل

من أرسل رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا لنقل المعرفة؟

حسن العطار

ما الفرق بين المخطئة والمصوبة في أصول الفقه؟

المخطئة يرون أن أحد المختلفَين مخطئ حتماً، والمصوبة يرون أن كل مجتهد مصيب

ما الذي يميز الأزهر عن الحوزات العلمية في العراق وفق ما ذُكر؟

الأزهر يحفظ القرآن الكريم أداءً ورسماً وتفسيراً وتطبيقاً

ما المبدأ الذي تجسّده قصة الشيخ علي الخواص مع الصبي الهارب؟

الصدق منجاة حتى لو ظننت فيه هلاكك والكذب مهلكة حتى لو ظننت فيه نجاتك

ما الهوية المصرية وفق ما شرحه الشيخ؟

العروبة والإسلام بوصفهما حضارة تشمل المسلم والمسيحي واليهودي

لماذا بقي الأزهر بينما اندثرت مدارس كبرى أخرى؟

لأنه تعامل مع القطعي على أنه قطعي ومع الظني على أنه ظني واستوعب التعدد

كم تفسيراً قدّم الشيخ محمد راشد لكلمة حم في شهر واحد؟

ستة وخمسين تفسيراً

ما مقصد الشريعة الأساسي الذي يسعى الأزهر إلى تحقيقه عند التطبيق على الواقع؟

مقصد الشريعة هو عمارة الدنيا، وعند التطبيق يتفاهم الفقيه مع الواقع المتغير للوصول إلى هذا المقصد.

ما الفرق بين الرخصة والعزيمة في الفقه الإسلامي؟

الرخصة تيسير مشروع في حالات الضرورة والضيق، والعزيمة هي الأصل والأكمل. كلاهما صواب في سياقه المناسب.

ما الكتاب الذي أسسه رفاعة الطهطاوي بعد عودته من فرنسا؟

رفاعة الطهطاوي أسس مدرسة الألسن، وكتب رسائله التي تطورت إلى كتاب تخليص الإبريز في تلخيص باريس.

ما الذي قاله الشيخ محمد راشد عن الفرق بينه وبين الشيخ المرصفي؟

قال: أنا مستوعب مفردات اللغة وأكاد أحفظ لسان العرب لابن منظور، بينما المرصفي يتميز بالتراكيب الجميلة.

ما الذي أسسه الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم في نطاق التصوف الصحيح؟

أسس العشيرة المحمدية فبنى المستشفيات والمدارس والمساجد والحضانات والمعاهد وأصدر مجلة شهرية.

ما الذي يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات وفق ما ذُكر؟

اللغة العربية تستوعب المعاني بصياغة أكثر إحكاماً وأقل حجماً، فترجمة نص إنجليزي من صفحتين تُترجم في صفحة وثلث بالعربية.

ما الذي جعل الاستعمار لا يؤثر في مصر كما أثّر في الجزائر؟

الأزهر حافظ على اللغة العربية والقرآن في مصر من خلال الكتاتيب والعلماء المنتشرين، فبقيت العربية بينما فقدتها الجزائر أمام الفرنسية.

ما الذي قاله الشيخ البغدادي للشيخ محمد راشد بعد أن رأى مكتبته الضخمة؟

سأله: أين وجدت قلبك؟ فأجاب راشد: لي أربعون سنة أصلي في جوف الليل ركعتين لا يعلم بهما إلا الله حتى أهل بيتي.

ما الفرق بين الرأي الإسلامي ورأي إسلامي؟

الرأي الإسلامي هو المُجمع عليه الذي لم يختلف فيه العلماء، أما رأي إسلامي فهو رأي منسوب إلى مجتهدين ينتمون إلى الإسلام.

ما الذي قاله مكرم عبيد عن هويته وما دلالته؟

قال: أنا مسيحي ديانةً مسلم وطناً، وهذا يعبّر عن الهوية المصرية الجامعة التي تقوم على حضارة الإسلام لا على الدين وحده.

لماذا جعل المحدثون حديث الرحمة هو المسلسل بالأولية؟

لأن الرحمة شعار الإسلام وأساسه، فجعلوه أول حديث يقوله الشيخ لتلاميذه مسنداً مسلسلاً تأكيداً لمركزية الرحمة في الدين.

ما الذي اكتشفه حسن العطار عند الحملة الفرنسية؟

تنبّه إلى أن الفرنسيين معهم مفتاح من المعارف ليس عند المسلمين، فأرسل تلميذه رفاعة الطهطاوي لكتابة كل شيء عن المجتمع الفرنسي.

ما الذي يعنيه مفهوم الجمال الداخلي عند الشيخ محمد راشد؟

كان يناسب بطانة ملبسه من الداخل قائلاً الجمال داخلي، أي أن الإنسان يجب أن يشعر من الداخل بالتناسق والاتساق.

ما الذي يحدث عندما يدخل العالم في حمأة السياسة الحزبية وفق ما ذُكر؟

يدخل إلى الكذب، وهذا ما شاهدناه من الكبير والصغير، والمؤمن لا يكذب كما قال النبي ﷺ.

ما الذي يميز خلع الأحذية في المسجد المفروش بالسجاجيد عن الصلاة في النعل؟

من السنة الصلاة في النعل، لكن بعد فرش السجاجيد أصبح خلع الأحذية هو السنة الحقيقية مع مراعاة إدراك الزمان والمكان والمآل والحال.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!