هل تثبت الأحكام الشرعية بالرؤيا المنامية وما شروط الاحتجاج برؤيا النبي في المنام؟
جمهور العلماء على أن الرؤيا المنامية ليست دليلاً شرعياً مطلقاً لإثبات الأحكام، وإنما فائدتها البشارة والنذارة. ولا يُعمل بما يُرى في المنام إلا إذا وافق الشريعة الثابتة، ولا يجوز أن تُنسخ بها أحكام مقررة. أما رؤيا الأنبياء فهي وحي مقطوع بصحته، بخلاف رؤيا غيرهم.
- •
هل يجوز إثبات الأحكام الشرعية بالرؤيا المنامية، وما موقف الأصوليين من الاستدلال بها؟
- •
عامة الأصوليين لم يذكروا الرؤيا ضمن الأدلة الشرعية المعتمدة أو المختلف فيها، مما يدل على أنها لم ترقَ إلى مستوى الاحتجاج الفقهي المعتبر.
- •
أبو إسحاق الإسفرائيني وابن العربي الحاتمي وابن دقيق العيد والزركشي والشاطبي والشوكاني تناولوا حجية الرؤيا بآراء متباينة تتراوح بين الإجازة المشروطة والرفض المطلق.
- •
ابن حزم قسّم الرؤيا إلى أنواع: شيطانية، ونفسية، وطبعية، وصادقة من الله، وربط صدقها بصفاء النفس وبُعدها عن أكدار الجسد.
- •
الشاطبي في الاعتصام والموافقات قرر أن الرؤيا لا تُثبت حكماً شرعياً، وأن كل رؤيا تخرم قاعدة شرعية فهي باطلة، وفائدتها البشارة والنذارة فحسب.
- •
جمهور العلماء على ثلاثة مذاهب في حجية الرؤيا: الإثبات المطلق، والإثبات عند التواطؤ، والنفي المطلق الذي هو قول الجمهور.
- 1
الأصوليون في مصنفاتهم أهملوا الرؤيا من بين الأدلة الشرعية المعتمدة والمختلف فيها، مما يدل على عدم اعتبارها دليلاً فقهياً معتبراً.
- 2
أبو إسحاق الإسفرائيني أقرّ بمنزلة الرؤيا الصالحة من النبوة لكنه نفى أن تثبت بها الأحكام الشرعية لغير الأنبياء.
- 3
ابن حزم قسّم الرؤيا إلى شيطانية ونفسية وطبعية وصادقة من الله، وربط صدق الرؤيا بمدى صفاء نفس الحالم.
- 4
ابن حزم يرى أن الأجزاء الواردة في الحديث عن نسبة الرؤيا من النبوة تتعلق برؤيا الأنبياء أنفسهم لا برؤيا عموم الناس.
- 5
رؤيا غير الأنبياء غير مقطوع بصحتها، ورؤيا الكافر قد تصدق لكنها إنذار لا بشارة، بخلاف رؤيا الأنبياء التي هي وحي.
- 6
ابن العربي الحاتمي اشترط لحجية رؤيا النبي رؤيته على صورته الحقيقية، ونفى أن تنسخ الرؤيا حكماً شرعياً ثابتاً.
- 7
ابن العربي يرى أن الرؤيا الصادقة لا تخطئ في ذاتها، والخطأ من المعبِّر، ومرتبة عالم الخيال لا يعلمها إلا الله وأهلها.
- 8
ابن دقيق العيد فرّق بين أوامر المنام الموافقة للشرع فيستحب العمل بها، والمخالفة له فلا يجوز، ولا حد على من أقرّ بزنا في النوم.
- 9
الزركشي يرجّح عدم ثبوت الأحكام بالمنام لأن النائم ليس أهلاً للتحمل، ويفسّر رؤيا الأذان بأن الحجة فيها أمر النبي لا الرؤيا ذاتها.
- 10
الشاطبي في الاعتصام ينتقد الاستناد إلى الرؤى في أخذ الأعمال، ويقرر أن فائدتها البشارة والنذارة لا استفادة الأحكام الشرعية.
- 11
الشاطبي يجيز العمل بالرؤيا إذا وافقت الشرع كرؤيا أبي يزيد، ويمنع العمل بها في الأحكام الحدية لأنه لا وحي بعد النبي.
- 12
الشاطبي يردّ على الاحتجاج بجزئية الرؤيا من النبوة بأن الجزء لا يقوم مقام الكل، وأن القول بحجيتها يستلزم تجديد وحي بعد النبي.
- 13
قصص شريك القاضي والرجل القائل بخلق القرآن تكشف خطورة الاحتجاج بالأحلام في الأحكام، وأن الرؤيا لا تنسخ الشريعة المستقرة.
- 14
ابن رشد يؤوّل حديث من رآني بأن المراد رؤيته على صورته الحقيقية، وعلماء التعبير يضيفون أن الشيطان قد يوقع اللبس بالإشارة إلى غيره.
- 15
شرط رؤية النبي في المنام أن يُرى على صورته الحقيقية، والشيطان قد يوقع اللبس بالإشارة إلى غيره، وعلامة ذلك مخالفة الأمر للشرع.
- 16
الشاطبي يفرّق بين الاستدلال بالرؤيا في الأحكام وهو ممنوع، والتبشير بها وهو جائز، وقصة يزيد الفارسي تؤكد اشتراط رؤية الصورة الحقيقية.
- 17
الشاطبي في الموافقات يقرر أن مزايا الأمة من الرؤيا والفراسة مقتبسة من مشكاة النبوة، ويجيز العمل بها بشرط الصواب وموافقة الشرع.
- 18
الشاطبي يستدل بعمل النبي والصحابة بالفراسة والرؤيا على جوازه للأمة، مع اشتراط ألا يخرم ذلك حكماً شرعياً ثابتاً.
- 19
الشاطبي يشترط لاعتبار الرؤيا والمكاشفة ألا تخرم قاعدة شرعية، ومثاله رؤيا الحاكم التي تأمره بردّ شهادة عدلين وهي باطلة.
- 20
لا يجوز للقاضي العمل بالمكاشفة أو الرؤيا في إثبات الأحكام القضائية، وقضية أبي بكر قضية عين لا تقدح في القواعد الكلية.
- 21
النبي صلى الله عليه وسلم كان يحكم بالظاهر لا بما يعلم من الغيب، وفتح باب الاعتبارات الغيبية في القضاء يؤدي إلى اضطراب الأحكام.
- 22
الأولياء والسلف كانوا يردّون كل كشف أو رؤيا يخالف الشريعة ويعدّونه من الشيطان، ومن طالع سيرهم وجدهم محافظين على ظواهر الشريعة.
- 23
يجوز العمل بالرؤيا والمكاشفة في المباحات وللتحذير والتبشير، لكن بشرط ألا يخرم ذلك حكماً شرعياً ثابتاً.
- 24
الشريعة حاكمة على عالم الغيب والشهادة معاً، وكل خارقة تخالفها فهي باطلة في نفسها، ولا يجوز أن تكون الخوارق حاكمة على الشريعة.
- 25
الشوكاني يرجّح عدم حجية رؤيا النبي بعد وفاته لأن الدين قد اكتمل، ولأن النائم ليس أهلاً للتحمل حتى لو ضبط ما رأى.
- 26
للعلماء ثلاثة مذاهب في حجية الرؤيا، والجمهور على نفيها مطلقاً، ويستدل أصحاب المذهب الأول بحديث من رآني في المنام فقد رآني.
- 27
أصحاب المذهب الأول استدلوا برؤيا الأذان وبإمكان الجمع بين الرؤيا واليقظة على حجية رؤيا النبي في المنام.
- 28
أدلة المذهب الأول تُناقَش بأن النائم ليس أهلاً للتحمل، ورؤيا الأذان حجة بشهادة النبي لها لا بمجرد كونها رؤيا.
- 29
الحكمة في رؤيا الأذان على لسان صحابي تفخيم شأن النبي، والدليل الثالث للمذهب الأول مردود لأن النائم ليس أهلاً للتحمل.
- 30
المذهب الثاني يستدل بتواطؤ الرؤى على صدقها، لكنه يُناقَش بأن النائم ليس أهلاً للتحمل وبأن الحديث ليس في محل النزاع.
- 31
رؤيا ليلة القدر حجتها في رؤيا النبي نفسه لا في تواطؤ رؤى الصحابة، مما يدل على أن الحديث ليس في محل النزاع حول حجية تواطؤ الرؤى.
هل ذكر الأصوليون الرؤيا ضمن الأدلة الشرعية المعتمدة أو المختلف فيها؟
عامة الأصوليين بل معظمهم لم يذكروا الرؤيا ضمن الأدلة الشرعية بأقسامها، حتى تلك الأدلة المرجوحة. وهذا الإهمال يدل دلالة لا يمكن تجاوزها على أن الاستدلال بالرؤيا لم يقع من أحد من الفقهاء المعتبرين بصورة ترقى إلى مستوى الرصد الأصولي. وقد ذكر بعض الأصوليين الإلهام والتبخيت دون أن يذكروا الرؤيا مع قربها منهما.
ما رأي أبي إسحاق الإسفرائيني في حجية الرؤيا وهل تثبت بها الأحكام الشرعية؟
قال أبو إسحاق الإسفرائيني إن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وأن طرق علوم الأنبياء لا نصل إليها إلا بالخبر. غير أنه صرّح بأنه لا يجوز أن يثبت بالرؤيا شيء، حتى لو رأى أحد في منامه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بحكم لم يلزمه ذلك. وقال الزركشي إن الأصح أن الأحكام لا تثبت بالمنام إلا في حق الأنبياء أو بتقريرهم.
ما أنواع الرؤيا عند ابن حزم وما الفرق بين الرؤيا الشيطانية ورؤيا النفس والرؤيا الصادقة؟
قسّم ابن حزم الرؤيا إلى أربعة أنواع: رؤيا من قِبَل الشيطان وهي الأضغاث والتخليط، ورؤيا من حديث النفس وهي ما يشتغل به المرء في اليقظة، ورؤيا من غلبة الطبع كرؤية أصحاب الأمزجة المختلفة لما يناسب مزاجهم، ورؤيا يريها الله للحالم إذا صفت نفسه من أكدار الجسد فيطلع على بعض المغيبات. وقدر صدق الرؤيا يتفاضل بحسب نقاء النفس وصفائها.
ما علاقة الرؤيا الصالحة بالنبوة وكيف تُفسَّر الأجزاء الواردة في الحديث النبوي؟
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يبق بعده من النبوة إلا المبشرات وهي الرؤيا الصالحة، وأنها جزء من ستة وعشرين أو ستة وأربعين أو سبعين جزءاً من النبوة. ويرى ابن حزم أن هذه النسب تتخرج على أنها تتعلق برؤيا الأنبياء أنفسهم، فمنهم من رؤياه جزء من ستة وعشرين جزءاً من نبوته، ومنهم من رؤياه جزء من ستة وأربعين، وهذا هو الأظهر عنده.
هل رؤيا غير الأنبياء حجة وهل يمكن أن تصدق رؤيا الكافر؟
رؤيا غير الأنبياء قد تصدق وقد تكذب، ولا يُقطع على صحة شيء منها إلا بعد ظهور صحته. أما رؤيا الأنبياء فهي وحي مقطوع بصحته كرؤيا إبراهيم عليه السلام. وقد تصدق رؤيا الكافر لكنها لا تكون جزءاً من النبوة ولا مبشرات، بل تكون إنذاراً له أو لغيره. ومن رأى ما رآه إبراهيم من غير الأنبياء فأنفذه كان فاسقاً أو مجنوناً.
ما شروط اعتبار رؤيا النبي في المنام حجة عند ابن العربي الحاتمي وما حدود العمل بها؟
اشترط ابن العربي الحاتمي لاعتبار رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أن يُرى على صورته الجسدية الحقيقية التي كان عليها في الدنيا كما نُقلت، فإن رُئي على صورة مغايرة فليس هو. وإن جاء في الرؤيا بحكم يقتضي نسخ حكم ثابت بالخبر الصحيح فلا يُؤخذ به. أما ما جاء من العلوم والأسرار مما عدا التحليل والتحريم فلا تحجير على الرائي فيما يأخذه منها.
هل الرؤيا الصادقة تخطئ وما دور المعبِّر في إصابة الحق عند ابن العربي الحاتمي؟
يرى ابن العربي الحاتمي أن كل رؤيا صادقة ولا تخطئ في ذاتها، وإذا أخطأت فالخطأ من المعبِّر الذي لم يعرف المراد بتلك الصورة. واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر حين عبّر رؤيا: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً. وعالم الخيال لا يعلم مرتبته إلا الله ثم أهله من نبي أو ولي مختص، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه عن رؤاهم ليرى ما أحدث الله في العالم.
ما حكم العمل بأوامر المنام عند ابن دقيق العيد وما الفرق بين موافقة الشرع ومخالفته؟
قال ابن دقيق العيد إن كان الأمر في المنام بأمر ثبت عنه في اليقظة خلافه كالأمر بترك واجب أو مندوب لم يجز العمل به، وإن أمره بشيء لم يثبت عنه في اليقظة خلافه استُحب العمل به. وأضاف الزركشي أنه لا يجب الحد على من أقرّ بزنا في النوم، ونقل عن الشافعي أن علياً رضي الله عنه أمر بضرب ظل من قيل إنه وطئ أمه في النوم لا بضربه هو.
ما رأي الزركشي في حجية رؤيا النبي في المنام وكيف فسّر رؤيا الأذان؟
قال الزركشي إن الصحيح أن المنام لا يثبت حكماً شرعياً ولا بينة، وإن كانت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم حقاً والشيطان لا يتمثل به، لكن النائم ليس من أهل التحمل والرواية لعدم تحفظه. أما رؤيا الأذان فليست الحجة فيها المنام بل الحجة فيها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل به في مدارك العلم.
ما موقف الشاطبي من الاستناد إلى الرؤى المنامية في أخذ الأعمال الشرعية؟
قال الشاطبي في الاعتصام إن أضعف الناس احتجاجاً قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المقامات والرؤى، فيقولون رأينا النبي في المنام فأمرنا بكذا ويعملون بها معرضين عن الحدود الشرعية. وهذا خطأ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يُحكم بها شرعاً على حال إلا أن تُعرض على الأحكام الشرعية، فإن سوّغتها عُمل بمقتضاها وإلا وجب تركها، وفائدتها البشارة أو النذارة خاصة لا استفادة الأحكام.
كيف يُقيَّم العمل برؤيا أبي يزيد البسطامي شرعياً وما حدود الاستناد إلى الرؤى في الأحكام؟
رؤيا أبي يزيد البسطامي التي قال فيها ربه له اترك نفسك وتعال يصح العمل بمقتضاها لأن معناها موجود في الشرع، إذ ترك النفس معناه ترك هواها والوقوف على قدم العبودية، والآيات تدل على هذا المعنى. أما لو رأى في النوم قائلاً يأمره بقطع يد سارق أو حد زانٍ فلا يصح العمل بذلك حتى يقوم الشاهد في اليقظة، إذ ليس بعد رسول الله وحي.
كيف يردّ الشاطبي على من احتج بأن الرؤيا جزء من النبوة وبحديث من رآني في النوم فقد رآني؟
يجيب الشاطبي بأن الرؤيا وإن كانت جزءاً من النبوة فهي جزء لا يقوم مقام الكل، وقد صُرفت إلى جهة البشارة والنذارة وفيها كفاية. وأما حديث من رآني فشرطه أن تكون الرؤيا صالحة من الرجل الصالح وهذا مما ينظر فيه. فضلاً عن أن الرؤيا منقسمة إلى حلم شيطاني وحديث نفس وهيجان أخلاط، فمتى تتعين الصالحة؟ ويلزم على القول بحجيتها تجديد وحي بحكم بعد النبي وهو منهي عنه بالإجماع.
ما القصص التي استشهد بها العلماء على خطورة الاحتجاج بالأحلام في الأحكام الشرعية؟
يُحكى أن المهدي أراد قتل شريك القاضي بناءً على رؤيا عبّرها له معبّر، فردّ عليه شريك بأن رؤياه ليست كرؤيا إبراهيم ولا معبّره كيوسف، فاستحى المهدي وصرفه. وحكى الغزالي أن إماماً أفتى بوجوب قتل رجل يقول بخلق القرآن استناداً إلى رؤيا فيها إبليس، فردّ الرجل بأن قول إبليس في المنام لا يزيد على قوله في اليقظة ولا يُقلَّد. وأما رؤيا النبي بحكم موافق للشريعة فالحكم بما استقر، وإن خالف فمحال.
ما تأويل حديث من رآني في النوم فقد رآني عند ابن رشد وعلماء التعبير؟
ذكر ابن رشد أن معنى الحديث ليس أن كل من رأى في منامه أنه رأى النبي فقد رآه حقيقة، بدليل أن الرائي قد يراه مرات على صور مختلفة ولا يجوز اختلاف صور النبي. وإنما المعنى من رآه على صورته الحقيقية التي خُلق عليها فقد رآه، إذ لا يتمثل الشيطان به. وأضاف علماء التعبير تأويلاً ثانياً بأن الشيطان قد يأتي النائم في صورة معارفه ويشير إلى شخص آخر قائلاً هذا النبي، فيوقع اللبس على الرائي.
ما شرط التحقق من رؤية النبي في المنام وكيف يُلبّس الشيطان على الرائي؟
معنى حديث من رآني أن من رآه على صورته الحقيقية التي خُلق عليها فقد رآه، إذ لا يتمثل الشيطان به. أما من رأى أنه رآه على صورة ما فلا يعلم أنها صورته بعينها وهذا ما لا طريق لأحد إلى معرفته. وقد يأتي الشيطان النائم في صورة معارفه ويشير إلى شخص آخر قائلاً هذا النبي، فيوقع اللبس، وعلامة ذلك عند علماء التعبير أن يأتي بأمر أو نهي مخالف للشرع.
كيف يُميَّز بين الاستدلال بالرؤيا والتبشير بها وما دلالة قصة يزيد الفارسي؟
لا يُحكم بمجرد الرؤيا حتى تُعرض على العلم لإمكان اختلاط الصادق بغيره، ولا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنّة. وفائدتها التأنيس والبشارة والنذارة بحيث لا يُقطع بمقتضاها حكم ولا يُبنى عليها أصل. وتدل قصة يزيد الفارسي على اشتراط رؤية النبي في صورته الحقيقية، إذ سأله ابن عباس أن ينعت من رأى فنعته نعتاً دقيقاً فقال ابن عباس لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا.
كيف يرى الشاطبي في الموافقات علاقة مزايا الأمة من الرؤيا والفراسة بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم؟
يقرر الشاطبي أن كل مزية أعطيها النبي صلى الله عليه وسلم سوى ما استُثني قد أُعطيت أمته منها أنموذجاً، وأن جميع ما أُعطيته الأمة من المزايا والكرامات والمكاشفات إنما هي مقتبسة من مشكاة النبي على مقدار الاتباع. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم تصرف بمقتضى الفراسة الصادقة والإلهام الصحيح والرؤيا الصالحة، فمن فعل مثل ذلك على طريق الصواب كان عاملاً بما ليس خارجاً عن المشروع مع مراعاة شرط ذلك.
ما الأدلة على جواز العمل بالفراسة والرؤيا عند الصحابة وما الشرط المعتبر في ذلك؟
استدل الشاطبي بأن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بمقتضى الفراسة والإلهام والرؤيا أمراً ونهياً وتبشيراً، ولم يثبت أن ذلك خاص به دون أمته. وعمل الصحابة بمثل ذلك كقول أبي بكر إنما هما أخواك وأختاك، وقول عمر لمن رأى الشمس والقمر يقتتلان كنت مع الآية الممحوة. غير أنه يبقى النظر في شرط العمل على مقتضى هذه الأمور وهو ألا تخرم حكماً شرعياً.
ما الشرط الأساسي لاعتبار المكاشفات والرؤى عند الشاطبي وما مثاله التطبيقي؟
يشترط الشاطبي لاعتبار المكاشفات والرؤى ألا تخرم حكماً شرعياً ولا قاعدة دينية، فما يخرم قاعدة شرعية فهو إما خيال أو وهم أو إلقاء من الشيطان. والتشريع الذي أتى به النبي عام لا ينخرم أصله، فكل ما جاء مضاداً لما تمهد في الشريعة فهو فاسد باطل. ومثاله مسألة ابن رشد في الحاكم الذي رأى النبي في منامه يقول له لا تحكم بهذه الشهادة فإنها باطلة، فمثل هذه الرؤيا لا معتبر بها لأنها تخرم قاعدة من قواعد الشريعة.
هل يجوز للقاضي أو الفقيه العمل بالمكاشفة في إثبات الأحكام كالغصب والشهادة؟
لا يصح للقاضي أو الفقيه العمل بالمكاشفة في إثبات الأحكام ما لم يتعين سبب ظاهر، فلا يجوز له الانتقال إلى التيمم بمجرد مكاشفة بنجاسة الماء، ولا ترك قبول الشاهد، ولا الشهادة بالمال لأحد بناءً على مجرد الكشف أو الفراسة. وما رُوي من إنفاذ أبي بكر وصية رجل برؤيا فهي قضية عين لا تقدح في القواعد الكلية لاحتمال رضا الورثة. ولو جاز العمل بالمكاشفة لجاز نقض الأحكام بها وهذا غير صحيح بحال.
لماذا يجب الحكم بالظاهر لا بالغيب في القضاء وما دليل ذلك من سنة النبي؟
قيّد النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بمقتضى ما يسمع لا بما يعلم، وكان يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم وإن علم بواطن أحوالهم. وفتح باب الاعتبارات الغيبية يؤدي إلى عدم حفظ ترتيب الظواهر، ومن طلب قتل أحد بغير سبب ظاهر بل بمجرد أمر غيبي شوّش الخواطر وران على الظواهر. وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة، ألا ترى أن باب الدعاوى مستند إلى أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
كيف تعامل الأولياء والسلف مع الكشف والخوارق المخالفة للشريعة؟
لم يعبأ الأولياء وغيرهم بكل كشف أو خطاب خالف المشروع، بل عدّوا ذلك من الشيطان. والخوارق التي تقتضي مخالفة الشريعة مدخولة قد شابها ما ليس بحق، كالرؤيا التي يُقال فيها لا تفعل كذا وهو مأمور شرعاً بفعله. وكثيراً ما يقع هذا لمن لم يبنِ أصل سلوكه على الصواب أو من سلك وحده بدون شيخ. ومن طالع سير الأولياء وجدهم محافظين على ظواهر الشريعة غير ملتفتين إلى هذه الأشياء.
في أي المجالات يجوز العمل بالمكاشفات والرؤى وما الأوجه المسوّغة لذلك؟
يجوز العمل بالمكاشفات والرؤى في ثلاثة أوجه: الأول في الأمور المباحة كأن يعرف المكاشف قصد زائر ما فيتهيأ له أو يتحفظ منه مع معاملته بما هو مشروع. والثاني أن يكون العمل بها لفائدة يرجو نجاحها كالإخبار بالمغيبات للحاجة. والثالث أن يكون فيه تحذير أو تبشير ليستعد لكل عدته، على وزان الرؤيا الصالحة. وكل ذلك مشروط بألا يخرم حكماً شرعياً.
كيف تكون الشريعة حاكمة على عالم الغيب والشهادة وما دليل ردّ الخوارق المخالفة لها؟
الشريعة عامة في جميع المكلفين وجارية على مختلفات أحوالهم، وهي عامة أيضاً بالنسبة إلى عالم الغيب وعالم الشهادة، فإليها يُردّ كل ما جاء من جهة الباطن كما يُردّ إليها كل ما في الظاهر. والشريعة حاكمة لا محكوم عليها، فلو كانت الخوارق والأمور الغيبية حاكمة عليها بتخصيص عموم أو تقييد إطلاق لصارت هي محكوماً عليها وذلك باطل. ومخالفة الخوارق للشريعة دليل على بطلانها في نفسها.
ما رأي الشوكاني في حجية رؤيا النبي بعد وفاته وهل يثبت بها حكم شرعي؟
ذكر الشوكاني في إرشاد الفحول ثلاثة أقوال في المسألة: الإثبات المطلق، والنفي المطلق، والعمل بها ما لم تخالف شرعاً ثابتاً. ورجّح الشوكاني أن الشرع قد كمله الله بقوله اليوم أكملت لكم دينكم، ولم يأتِ دليل على أن رؤيته في النوم بعد موته تكون حجة. وحتى لو قدّرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة، لأن البعثة لتبليغ الشرائع قد انقطعت بالموت.
ما المذاهب الثلاثة في حجية الرؤيا وما أدلة المذهب القائل بأنها حجة شرعية؟
المذهب الأول أن الأحكام تثبت برؤيا النبي في المنام ويلزم العمل بها. والمذهب الثاني أنها حجة إذا تواطأت عليها جماعة على رؤيا واحدة. والمذهب الثالث وعليه جمهور العلماء أن الرؤيا المنامية ليست دليلاً شرعياً مطلقاً. ويستدل للمذهب الأول بحديث من رآني في المنام فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي، وبأن رؤيا المكلف للنبي ما دامت حقاً تأخذ حكم رؤيته في اليقظة فيجب العمل بأوامره ونواهيه.
كيف استدل أصحاب المذهب الأول على حجية الرؤيا برؤيا الأذان وبالجمع بين الرؤيا واليقظة؟
استدل أصحاب المذهب الأول ثانياً بأن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بالرؤيا الصالحة في الأذان في حديث عبد الله بن زيد وعمر، فإذا جاز العمل برؤيا غير المعصومين فمن باب أولى رؤيته للنبي المحفوظة من تلبس الشيطان. واستدلوا ثالثاً بأن من رأى النبي يأمره أو ينهاه إما أن يوافق ما ثبت في اليقظة فيُعمل به استئناساً، وإما أن يخالف فيُبحث عن طريق للجمع أو يُتوقف، وهذا لا يقدح في حجيتها كما لا يقدح تعارض الأدلة في حجيتها.
كيف تُناقَش أدلة المذهب القائل بحجية الرؤيا وما الجواب عن الاستدلال برؤيا الأذان؟
يُناقش الدليل الأول بأن النائم ليس من أهل التحمل والرواية لعدم تحفظه، وأن عدم تمثل الشيطان بالنبي له معنى آخر سبق بيانه. أما رؤيا الأذان فيُجاب عنها بأن الإشكال مدفوع من أصله لأن النبي شهد لها بأنها حق فصارت حجة بشهادته لا بمجرد الرؤيا، وإنما الممنوع ثبوت الحكم برؤيا لم يشهد لها الشارع. ويحتمل أيضاً أن يكون الذي ألقى الأذان إلى عبد الله بن زيد ملكاً بإذن الله.
ما الحكمة في أن الأذان رآه صحابي لا النبي نفسه وما الرد على الدليل الثالث للمذهب الأول؟
قال السهيلي إن الحكمة في مجيء الأذان على لسان صحابي لا النبي هي التنويه بعلو قدر النبي، إذ جاء الأذان الذي يسجل الشهادة له بجانب الشهادة لله على لسان غيره تفخيماً لشأنه. ويُناقش الدليل الثالث بأنه إن وافق الشرع فليس من محل النزاع، وإن خالف فالنائم ليس أهلاً للتحمل. ولا يُعدّ من رأى النبي في منامه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى صحابياً، وبهذا يتبين تهافت أدلة المذهب الأول.
ما دليل المذهب القائل بحجية الرؤيا عند تواطؤ الجماعة عليها وكيف يُناقَش؟
يستدل المذهب الثاني بحديث البخاري أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، وقال ابن حجر إن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد. ويُناقَش بأن النائم ليس أهلاً للتحمل، وبأن الحديث ليس في محل النزاع لأنه يحتمل أن يكون النبي أخذ حكم ليلة القدر في العشر الأواخر من طريق آخر غير تواطؤ رؤياهم.
هل رؤيا النبي لليلة القدر تدل على حجية تواطؤ رؤى الصحابة أم أن الحجة في رؤيته هو؟
ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ليلة القدر ثم أُنسيها، وتوافقت رؤيا الصحابة مع رؤياه على أنها في العشر الأواخر. فالحجة في رؤيته هو صلى الله عليه وسلم لا في تواطؤ رؤياهم، لأن رؤيا الأنبياء وحي. وبهذا يتبين أن الحديث ليس في محل النزاع، إذ الاستناد فيه إلى رؤيا النبي نفسه لا إلى مجرد تواطؤ رؤى الصحابة.
حجية الرؤيا في الأحكام الشرعية منفية عند جمهور العلماء، وفائدتها محصورة في البشارة والنذارة مع مراعاة موافقة الشريعة.
حجية الرؤيا في الأحكام الشرعية مسألة خلافية أجمع فيها جمهور الأصوليين والفقهاء على أن الرؤيا المنامية لا تُثبت حكماً شرعياً مطلقاً، وأن عامة الأصوليين لم يذكروها ضمن الأدلة المعتمدة أو المختلف فيها، مما يدل على أنها لم تبلغ مستوى الاحتجاج الفقهي المعتبر. وقد صرّح الزركشي والشوكاني بأن النائم ليس من أهل التحمل والرواية لعدم تحفظه.
اشترط الشاطبي في الاعتصام والموافقات أن لا تخرم الرؤيا قاعدة شرعية ثابتة، وأن فائدتها البشارة والنذارة لا استفادة الأحكام. وفرّق ابن حزم بين رؤيا الأنبياء التي هي وحي مقطوع بصحته، ورؤيا غيرهم التي قد تصدق وقد تكذب. أما ابن العربي الحاتمي فاشترط لاعتبار رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أن يُرى على صورته الحقيقية المنقولة، وألا يأتي بما يخالف الشرع الثابت.
أبرز ما تستفيد منه
- جمهور العلماء على أن الرؤيا لا تُثبت حكماً شرعياً مطلقاً.
- رؤيا الأنبياء وحي مقطوع بصحته، بخلاف رؤيا غيرهم.
- كل رؤيا تخرم قاعدة شرعية فهي باطلة لا يُعمل بها.
- فائدة الرؤيا الصالحة البشارة والنذارة لا استنباط الأحكام.
- رؤيا الأذان حجة لأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لها بالحق.
عموم إهمال الأصوليين للرؤيا ضمن الأدلة الشرعية المعتمدة
إذا ذهبنا نتتبع كلام الأصوليين فى مصنفاتهم عن بيان الأدلة، سواء المتفق على حجيتها، أو المختلف فيها سواء ترجح حجيتها أو لم يترجح، نجد أن عامتهم - إن لم يكن معظمهم - لا يذكرون الرؤيا فيما ذكروا من الأدلة بأقسامها، حتى تلك الأدلة المرجوحة.
وإذا أخذنا فى الاعتبار أن بيان الأدلة يقصد به حصر ما استدل به المجتهدون فى استنباط الأحكام، وبيان ما يصح الاستدلال به منها، وما لا يصح، كان فى ذلك دلالة - لا يمكن تجاوزها - على أنه لم يكد يقع الاستدلال بالرؤيا محل الخلاف من أحد من الفقهاء المعتبرين، وأنه مهما قيل من استدلال شذوذ بها فإنه لم يرق بحال إلى الحد الذى يستدعى أن يرصده الأصوليون فيما رصدوا من أدلة صح الاحتجاج بها - بعد البحث الأصولى - أو لم يصح [1].
حتى إن بعض الأصوليين ذكر الإلهام، وأنه ليس بحجة فى حق غير النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كما ذكر آخرون التبخيت، ولم يذكر أي منهم الرؤيا مع قربها منهما [2].
رأي أبي إسحاق الإسفرائيني في الرؤيا وحدود دلالتها النبوية
وتبقى بعد ذلك طائفة جد قليلة من الأصوليين تكلموا حول حجية الرؤيا، منهم:
- الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني (ت 418هـ) فقال [3]:
"إن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة"
وهذه الستة والأربعون كلها طرق علوم الأنبياء؛ فإن لهم طرقاً في العلوم لا نصل إلى شيء منها إلا بالخبر.
قال: وهو مثل ما يعرفون من كلام البهائم، والجمادات، والوحي، وغير ذلك، والرؤيا من تلك الجملة.
قال: وقد اجتهدت في تحصيل الستة والأربعين ما هي ؟ فبلغت منها إلى اثنين وأربعين، وقد ذكرتها في كتاب (الوصف والصفة)، وأنا في طلب الباقي.
قال: ولا يجوز أن يثبت بالرؤيا شيء حتى لو رأى واحد في منامه أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أمره بحكم من الأحكام، لم يلزمه ذلك " ا هـ.
قال الزركشي: " وقد حكى الأستاذ أبو إسحاق في كتاب (أدب الجدل) في ذلك وجها، والأصح الأول؛ لأن الأحكام لا تثبت بالمنام إلا في حق الأنبياء،أو بتقريرهم.
تقسيم ابن حزم لأنواع الرؤيا بين الشيطان والنفس والطبع
- وقال ابن حزم (458هـ) في الفصل في الملل والنحل [4]:
" والقول الصحيح في الرؤيا هي أنواع:
- •
فمنها ما يكون من قبل الشيطان، وهو ما كان من الأضغاث والتخليط الذي لا ينضبط.
- •
ومنها ما يكون من حديث النفس، وهو ما يشتغل به المرء في اليقظة، فيراه في النوم من خوف عدو، أو لقاء حبيب، أو خلاص من خوف، أو نحو ذلك.
- •
ومنها ما يكون من غلبة الطبع، كرؤية من غلب عليه الدم للأنوار والزهر والحمرة والسرور، ورؤية من غلب عليه الصفراء للنيران، ورؤية صاحب البلغم للثلوج والمياه، وكرؤية من غلب عليه السوداء الكهوف والظلم والمخاوف.
- •
ومنها ما يريه الله عز وجل نفس الحالم إذا صفت من أكدار الجسد، وتخلصت من الأفكار الفاسدة، فيشرف الله تعالى به على كثير من المغيبات التي لم تأت بعد، وعلى قدر تفاضل النفس في النقاء والصفاء يكون تفاضل ما يراه في الصدق.
منزلة الرؤيا الصالحة وعلاقتها بالنبوة عند ابن حزم
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه لم يبق بعده من النبوة إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له، وأنها جزء من ستة وعشرين جزءاً من النبوة إلى جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة إلى جزءاً من سبعين جزءاً من النبوة.
وهذا نص جَلَّى ما ذكرنا من تفاضلها في الصدق والوضوح والصفاء من كل تخليط، وقد تخرج هذه النسب والأقسام على أنه عليه السلام إنما أراد بذلك رؤيا الأنبياء عليهم السلام، فمنهم مَن رؤياه جزء من ستة وعشرين جزءاً من أجزاء نبوته، وخصائصه وفضائله. ومنهم من رؤياه جزء من ستة وأربعين جزءاً من نبوته وخصائصه وفضائله. ومنهم من رؤياه جزء من سبعين جزءاً من نبوته وخصائصه وفضائله.
وهذا هو الأظهر والله أعلم، ويكون خارجاً على مقتضى ألفاظ الحديث بلا تأويل بتكلف.
حكم رؤيا الأنبياء وغيرهم وإمكان صدق رؤيا الكافر
وأما رؤيا غير الأنبياء فقد تكذب، وقد تصدق، إلا أنه لا يقطع على صحة شيء منها إلا بعد ظهور صحته، حاشا رؤيا الأنبياء، فإنها كلها وحي مقطوع على صحته كرؤيا إبراهيم عليه السلام، ولو رأى ذلك غير نبي في الرؤيا فأنفذه في اليقظة لكان فاسقاً عابثاً، أو مجنوناً ذاهبَ التمييز بلا شك، وقد تصدق رؤيا الكافر، ولا تكون حينئذ جزءاً من النبوة ولا مبشرات، ولكن إنذاراً له أو لغيره ووعظاً وبالله التوفيق"ا هـ.
ابن العربي الحاتمي وشروط حجية رؤيا النبي في المنام
- وقال ابن العربى الحاتمي (638هـ):
"المبشرات جزء من أجزاء النبوة، إما أن تكون من الله إلى العبد، أو من الله على يد بعض عباده، وهي الرؤيا يراها الرجل المسلم أو ترى له، فإن جاءته من الله في رؤياه على يد رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فإن كان حكماً تعبد نفسه به، ولا بد بشرط أن يرى الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على الصورة الجسدية التي كان عليها في الدنيا كما نقل إليه من الوجه الذي صح عنه، حتى إنه إن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يراه مكسور الثنية العليا فإن لم يره بهذا الأثر فما هو ذاك، وإن تحقق أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ورآه شيخاً، أو شاباً مغايراً للصورة التي كان عليها في الدنيا، ومات عليها، ورآه في حُسْن أَزْيدَ مما وُصِفَ له، أو قُبْح صورةٍ، أو يرى الرائي إساءةَ أدب في نفسه معه؛ فذلك كله غير الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ فما هو رسول الله.
فيكون ما رآه هذا الرائي عين الشرع: إما في البقعة التي يراه فيها عند ولاة أمور الناس، وإما أن يرجع ما يراه إلى حال الرائي أو إلى المجموع؛ غير ذلك فلا يكون، فيكون تغير صورته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عين إعلامه، وخطابه إياه بما هو الأمر عليه في حقه، أو حق ولاة العصر بالموضع الذي يراه فيه.
فإن جاء بحكم في هذه الصورة، فلا يأخذ به، إن اقتضى ذلك نسخ حكم ثابت بالخبر المنقول الصحيح المعمول به، وكل ما أتى به من العلوم والأسرار مما عدا التحليل والتحريم فلا تحجير عليه فيما يأخذه منها، لا في العقائد، ولا في غيرها [5].
عالم الخيال عند ابن العربي ودور معبر الرؤيا في إصابة الحق
وقال أيضاً:
" فإن كل رؤيا صادقة ولا تخطئ، فإذا أخطأت الرؤيا فالرؤيا ما أخطأت ولكن العابر الذي يعبرها هو المخطئ، حيث لم يعرف ما المراد بتلك الصورة.
ألا تراه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال لأبي بكر حين عبر رؤيا الشخص المذكور:
"أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً".
ثم قال:
" فالعابر للرؤيا هو الذي له جزء من أجزاء النبوة، حيث علم ما أريد بتلك الصورة؛ فقد يكون الرائي هو الذي يراها لنفسه، وقد يراها له غيره، والعابر هو صاحب علم تعبير الرؤيا.
فلا يعلم مرتبة عالم الخيال إلا الله، ثم أهله من نبي، أو ولي مختص، غير هذين فلا يعرف قدر هذه المرتبة، والعلم بها أول مقامات النبوة، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إذا أصبح، وجلس مجلسه بين أصحابه يقول لهم:
"هل فيكم من رأى رؤيا".
وذلك ليرى ما أحدث الله البارحة في العالم، أو ما يحدثه في المستقبل، وقد أوحى به إلى هذا الرائي في منامه، إما صريح وحي، وإما وحي في صورة يعلمها الرائي، ولا يعلم ما أريد بها فيعبرها رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فهذا كان من اعتنائه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بهذه المرتبة المجهولة عند العلماء.
فالتجلي الصوري في حضرة الخيال محتاج إلى علم آخر يدرك به الرائي ما أراد الله بتلك الصورة " [6].
تقسيم ابن دقيق العيد لأوامر المنام بين المخالفة والموافقة للشرع
- وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (ت702هـ) [7]:
" إن كان أمره بأمر ثبت عنه في اليقظة خلافه، كالأمر بترك واجب أو مندوب، لم يجز العمل به، وإن أمره بشيء لم يثبت عنه في اليقظة خلافه، استحب العمل به ".
قال الزركشي: " ومن ثَم لم يجب الحد على من قذف امرأة بأنها وُطِئَت، في النوم، ولا عليه حد إذا أقر أنه زنى في النوم.
وذكر الشافعي في الأم: أن رجلاً قال لرجل: إنه وطئ أمه في النوم، فحمله إلي علي رضي الله عنه، فقال: أقمه في الشمس واضرب ظله. قال الشافعي: ولسنا نقول به ".
ترجيح الزركشي عدم ثبوت الأحكام بالمنام وتفسيره لرؤيا الأذان
- وقال الزركشي (ت794 هـ) في البحر المحيط [8]:
" رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في النوم، على وجه حكاه الأستاذ أبو إسحاق يكون حجة، ويلزم العمل به، وقد سبق فيه مزيد بيان في صدر الكتاب، والصحيح أن المنام لا يثبت حكماً شرعياً، ولا بينة، وإن كانت رؤية النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حقاً، والشيطان لا يتمثل به، ولكن النائم ليس من أهل التحمل، والرواية لعدم تحفظه.
وأما المنام الذي روى في الأذان، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بالعمل به، فليس الحجة فيه -أي المنام- بل الحجة فيه أمره بذلك في مدارك العلم ".
الشاطبي وانتقاد بناء الأعمال على المقامات والرؤى المنامية
- وقال الإمام الشاطبي (790هـ) في الاعتصام [9]:
"وأضعف هؤلاء احتجاجاً قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المقامات، وأقبلوا، وأعرضوا بسببها، فيقولون: رأينا فلاناً الرجل الصالح، فقال لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا. ويتفق مثل هذا كثير للمتمرسين برسم التصوف. وربما قال بعضهم: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في النوم فقال لي كذا، وأمرني بكذا، فيعمل بها ويترك بها، معرضاً عن الحدود الموضوعة في الشريعة، وهو خطأ؛ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعاً على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا، كما يحكى عن الكتاني رحمه الله قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في المنام، فقلت: ادع الله أن لا يميت قلبي، قال:
"قل كل يوم أربعين مرة: "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت"",
فهذا كلام حسن لا إشكال في صحته، وكون الذكر يحيي القلب صحيح شرعاً، وفائدة الرؤيا التنبيه على الخير، وهو من ناحية البشارة، وإنما يبقى الكلام في التحديد بالأربعين، وإذا لم يوجد على اللزوم استقام.
رؤية أبي يزيد البسطامي وموافقتها لمبدأ مجاهدة النفس في الشرع
وعن أبي يزيد البسطامي رحمه الله قال: "قد رأيت ربي في المنام، فقلت: كيف الطريق إليك ؟ فقال: اترك نفسك وتعال"، وشأن هذا الكلام من الشرع موجود فالعمل بمقتضاه صحيح؛ لأنه كالتنبيه لموضع الدليل، لأن ترك النفس معناه ترك هواها بإطلاق، والوقوف على قدم العبودية، والآيات تدل على هذا المعنى، كقوله تعالى:
{وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}
[10]، وما أشبه ذلك.
فلو رأى في النوم قائلاً يقول: "إن فلاناً سرق فاقطعه، أو عالم فاسأله، أو اعمل بما يقول لك، أو فلان زنى فَحِدَّه"، وما أشبه ذلك، لم يصح له العمل حتى يقوم له الشاهد في اليقظة، وإلا كان عاملاً بغير شريعة، إذ ليس بعد رسول اللهصلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وحي.
جواب الشاطبي عن الاحتجاج بجزئية الرؤيا من النبوة وحديث من رآني
ولا يقال: إن الرؤيا من أجزاء النبوة، فلا ينبغي أن تهمل، وأيضاً إن المخبر في المنام قد يكون النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهو قد قال:
"من رآني في النوم فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي ",
وإذا كان... فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة؛ لأنا نقول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة، فليست إلينا من كمال الوحي بل جزء من أجزائه، والجزء لا يقوم مقام الكل من جميع الوجوه، بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه، وقد صرفت إلى جهة البشارة والنذارة وفيها كاف.
وأيضاً فإن الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة من شرطها أن تكون صالحة من الرجل الصالح، وحصول الشروط مما ينظر فيه، فقد تتوافر، وقد لا تتوافر.
وأيضاً فهي منقسمة إلى الحلم، وهو من الشيطان، وإلى حديث النفس، وقد تكون سبب هيجان بعض أخلاط، فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها وتترك غير الصالحة ؟
ويلزم أيضاً على ذلك أن يكون تجديد وحي بحكم بعد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهو منهي عنه بالإجماع.
قصص شريك القاضي والرجل القائل بخلق القرآن في نقد الاعتماد على الأحلام
يحكى أن شريك بن عبد الله القاضي دخل على المهدي، فلما رآه قال: علي بالسيف والنطع، قال: ولم يا أمير المؤمنين، قال: رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي وأنت معرض عني، فقصصت رؤياي على من عبرها، فقال لي: يظهر لك طاعة، ويضمر معصية، فقال له شريك: والله ما رؤياك برؤيا الخليل إبراهيم عليه السلام، ولا أن معبرك بيوسف الصديق عليه السلام، فبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين ؟ فاستحى المهدي، وقال: اخرج عني، ثم صرفه، وأبعده.
وحكى الغزالي عن بعض الأئمة أنه أفتى بوجوب قتل رجل يقول بخلق القرآن، فروجع فيه، فاستدل بأن رجلاً رأى في منامه إبليس اجتاز باب المدينة ولم يدخلها فقيل: هل دخلتها ؟ فقال: أغناني عن دخولها رجل يقول بخلق القرآن. فقام ذلك الرجل فقال: لو أفتى إبليس بوجوب قتلي في اليقظة هل تقلدونه في فتواه ؟ قالوا: لا، فقال: قوله في المنام، لا يزيد على قوله في اليقظة.
وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الرائي بالحكم، فلابد من النظر فيها أيضاً؛ لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته، فالحكم بما استقر، وإن أخبر بمخالف فمحال، لأنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته؛ لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية، لأن ذلك باطل بالإجماع.
تأويل حديث من رآني في النوم بين ابن رشد وعلماء التعبير
فمن رأى شيئاً من ذلك فلا عمل عليه، وعند ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة، إذ لو رآه حقاً لم يخبره بما يخالف الشرع.
لكن يبقى النظر في معنى قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
"من رآني في النوم فقد رآني".
وفيه تأويلان:
أحدهما: ما ذكره ابن رشد إذ سئل عن حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة في قضية، فلما نام الحاكم ذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقال له: ما تحكم بهذه الشهادة فإنها باطلة، فأجاب بأنه لا يحل له أن يترك العمل بتلك الشهادة، لأن ذلك إبطال لأحكام الشريعة بالرؤيا، وذلك باطل، لا يصح أن يعتقد، إذ لا يعلم الغيب من ناحيتها إلا الأنبياء الذين رؤياهم وحي، ومن سواهم إنما رؤياهم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.
ثم قال: وليس معنى قوله:
"من رآني فقد رآني حقاً"
أن كل من رأى في منامه أنه رآه فقد رآه حقيقة، بدليل أن الرائي قد يراه مرات على صور مختلفة، ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أخرى، ولا يجوز أن تختلف صور النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولا صفاته.
اشتراط رؤية الصورة الحقيقية للنبي وبيان تلبيس الشيطان في الرؤى
وإنما معنى الحديث: من رآني على صورتي التي خلقت عليها فقد رآني، إذ لا يتمثل الشيطان بي، إذ لم يقل: من رأي أنه رآني، فقد رآني، وإنما قال:
"من رآني فقد رآني",
وأني لهذا الرائي الذي رأى أنه رآه على صورة أنه رآه عليها ؟ وإن ظن أنه رآه ما لم يعلم أن تلك الصورة صورته بعينها، وهذا ما لا طريق لأحد إلى معرفته.
فهذا ما نقل عن ابن رشد، وحاصله يرجع إلى أن المرئي قد يكون غير النبيصلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وإن اعتقد الرائي أنه هو.
والتأويل الثاني - يقوله علماء التعبير -: أن الشيطان قد يأتي النائم في صورة ما من معارف الرائي وغيرهم، فيشير له إلى رجل آخر: هذا فلان النبي، وهذا الملك الفلاني، أو من أشبه هؤلاء ممن لا يتمثل الشيطان به، فيوقع اللبس على الرائي بذلك، وله علامة عندهم، وإذا كان كذلك أمكن أن يكلمه المشار إليه بالأمر والنهي غير الموافقين للشرع، فيظن الرائي أنه من قِبـَل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولا يكون كذلك، فلا يوثق بما يقول له، أو يأمر أو ينهى.
وما أحرى هذا الضرب أن يكون الأمر أو النهي فيه مخالفاً لكمال الأول، حقيق بأن يكون فيه موافقاً، وعند ذلك لا يبقى في المسألة إشكال.
التفريق بين الاستدلال بالرؤى والتبشير بها وذكر قصة يزيد الفارسي
نعم، لا يحكم بمجرد الرؤيا حتى يعرضها على العلم، لإمكان اختلاط أحد القسمين بالآخر، وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المُنّة.
نعم، يأتي المرئي تأنيساً، وبشارة، ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكماً، ولا يبنون عليه أصلاً، وهو الاعتدال في أخذها؛ حسبما فهم من الشرع فيها " ا.هـ. كلام الشاطبي.
نقول: ويدل على ما أشار إليه الشاطبي من أنه لا بد أن يرى الرائي النبيَّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في صورته الحقيقية، وأن يعرفه بنعته الذي نعته به الناعتون ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في الشمائل عن يزيد الفارسي قال:
" رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في النوم زمن ابن عباس، قال: وكان يزيد يكتب المصاحف. قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله في النوم. قال ابن عباس: فإن رسول الله كان يقول:
" إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني",
فهل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت ؟ قال: قلت: نعم، رأيت رجلاً بين الرجلين، جسمه ولحمه، أسمر إلى البياض، حسن المضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملأ نحره. قال عوف [11] - الراوي عن يزيد الفارسي -: لا أدري ما كان مع هذا من النعت. قال ابن عباس: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا " [12].
عموم مزايا الأمة من مشكاة النبوة وعمل النبي بالفراسة والرؤيا
- ويقول الإمام الشاطبى أيضا فى الموافقات:
"كما أن الأحكام والتكليفات عامة فى جميع المكلفين على حسب ما كانت بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلا ما خص به، كذلك المزايا والمناقب، فما من مزية أعطيها رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم سوى ما وقع استثناؤه إلا وقد أعطيت أمته منها أنموذجا، فهى عامة كعموم التكاليف... وهذا الأصل ينبنى عليه قواعد، منها: أن جميع ما أعطيته هذه الأمة من المزايا والكرامات والمكاشفات والتأييدات وغيرها من الفضائل إنما هى مقتبسة من مشكاة نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، لكن على مقدار الاتباع، فلا يظن ظان أنه حصل على خير بدون وساطة نبوته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كيف وهو السراج المنير الذى يستضىء به الجميع....
ومنها: أنه لما ثبت أن النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حذر، وبشر، وأنذر، وندب، وتصرف بمقتضى الخوارق من الفراسة الصادقة، والإلهام الصحيح، والكشف الواضح، والرؤيا الصالحة كان من فعل مثل ذلك ممن اختص بشىء من هذه الأمور على طريق الصواب، عاملا بما ليس بخارج عن المشروع، لكن مع مراعاة شرط ذلك.
استدلال الشاطبي بعمل النبي والصحابة بالفراسة والرؤى بضوابط الشرع
ومن الدليل على صحته زائدا على ما تقدم أمران:
أحدهما: أن النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد عمل بمقتضى ذلك أمرا، ونهيا، وتحذيرا، وتبشيرا، وإرشادا، مع أنه لم يذكر أن ذلك خاص به دون أمته، فدل على أن الأمة حكمهم فى ذلك حكمه، شأن كل عمل صدر منه، ولم يثبت دليل على الاختصاص به دون غيره [13]، ويكفى ما ترك بعده فى أمته من المبشرات، وإنما فائدتها البشارة والنذارة، التى يترتب عليها الإقدام والإحجام. وقد قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لعبد الله بن عمر فى رؤياه الملكين، وقولهما له:
"نعم الرجل أنت لو تكثر من الصلاة",
فلم يزل بعد ذلك يكثر من الصلاة، وفى رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
"إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل"...
ودل صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أناسا شتى على ما هو أفضل الأعمال فى حق كل واحد منهم عملا بالفراسة الصادقة فيهم... إلى سائر ما أخبر به صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من المغيبات التى حصلت بها فوائد الإيمان والتصديق والتحذير والتبشير وغير ذلك، وهو أكثر من أن يحصى.
والثانى: عمل الصحابة رضى الله عنهم بمثل ذلك من الفراسة والكشف والإلهام والوحى المنامى، كقول أبى بكر:
"إنما هما أخواك وأختاك"...
وقول عمر لمن قص عليه رؤياه أن الشمس والقمر رآهما يقتتلان، فقال: مع أيهما كنت؟ قال: مع القمر. قال: كنت مع الآية الممحوة، لا تلى عملا أبدا... ويكثر نقل مثل هذا عن السلف الصالح... ولكن يبقى هنا النظر فى شرط العمل على مقتضى هذه الأمور.
شرط عدم خرم الحكم الشرعي في اعتبار المكاشفات والرؤى عند الشاطبي
وذلك أن هذه الأمور لا يصح أن تراعى وتعتبر إلا بشرط أن لا تخرم حكما شرعيا، ولا قاعدة دينية، فإن ما يخرم قاعدة شرعية، أو حكما شرعيا ليس بحق فى نفسه، بل هو إما خيال أو وهم، وإما إلقاء من الشيطان، وقد يخالطه ما هو حق وقد لا يخالطه، وجميع ذلك لا يصح اعتباره من جهة معارضته لما هو ثابت مشروع؛ وذلك أن التشريع الذى أتى به النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عام، لا خاص، وأصله لا ينخرم، ولا ينكسر له اطراد، ولا يحاشى من الدخول تحت حكمه مكلف، وإذا كان كذلك فكل ما جاء من هذا القبيل الذى نحن بصدده مضادا لما تمهد فى الشريعة فهو فاسد باطل.
ومن أمثلة ذلك مسألة سئل عنها ابن رشد فى حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة فى أمر فرأى الحاكم فى منامه أن النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال له: لا تحكم بهذه الشهادة، فإنها باطلة. فمثل هذه الرؤيا لا معتبر بها فى أمر، ولا نهى، ولا بشارة، ولا نذارة؛ لأنها تخرم قاعدة من قواعد الشريعة.
قضية وصية الميت في رؤيا أبي بكر وحدود أثر الكشف في الفقه
وما روى أن أبا بكر t أنفذ وصية رجل بعد موته برؤيا رؤيت، فهى قضية عين لا تقدح فى القواعد الكلية لاحتمالها، فلعل الورثة رضوا بذلك، فلا يلزم منها خرم أصل....
وعلى هذا لو حصلت له مكاشفة بأن هذا المَعِين مغصوب، أو نجس، أو أن هذا الشاهد كاذب، أو أن المال لزيد، وقد تحصل بالحجة لعمرو أو ما أشبه ذلك؛ فلا يصح له العمل على وفق ذلك ما لم يتعين سبب ظاهر، فلا يجوز له الانتقال إلى التيمم، ولا ترك قبول الشاهد، ولا الشهادة بالمال لزيد على حال؛ فإن الظواهر قد تعين فيها بحكم الشريعة أمر آخر، فلا يتركها اعتمادا على مجرد المكاشفة أو الفراسة، كما لا يعتمد فيها على الرؤيا النومية؛ ولو جاز ذلك لجاز نقض الأحكام بها وإن ترتبت فى الظاهر موجباتها، وهذا غير صحيح بحال.
تأكيد الحكم بالظاهر وترك الباطن في القضاء والعقيدة
وقد جاء فى الصحيح:
"إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحكم له على نحو ما أسمع منه"
الحديث؛ فقيد الحكم بمقتضى ما يسمع، وترك ما وراء ذلك، وقد كان كثير من الأحكام التى تجرى على يديه يطلع على أصلها، وما فيها من حق وباطل؛ لكنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يحكم إلا على وفق ما سمع، لا على وفق ما علم....
فإن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به فى الأحكام خصوصا، وبالنسبة إلى الاعتقاد فى الغير عموما أيضا؛ فإن سيد البشر صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مع إعلامه بالوحى يجرى الأمور على ظواهرها فى المنافقين، وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه....
ففتح هذا الباب يؤدى إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر، فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر فالعذر فيه واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر، بل بمجرد أمر غيبى ربما شوش الخواطر، وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة، ألا ترى إلى باب الدعاوى المستند إلى أن البينة على المدعى واليمين على من أنكر، ولم يستثن من ذلك أحد حتى إن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم احتاج إلى البينة فى بعض ما أنكر فيه مما كان اشتراه، فقال: من يشهد لى؛ حتى شهد خزيمة بن ثابت فجعلها الله شهادتين، فما ظنك بآحاد الأمة.
إهمال الاعتبارات الغيبية وطرح الخوارق المخالفة للشريعة
فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهى الشرعية.
ومن هنا لم يعبأ الناس من الأولياء وغيرهم بكل كشف أو خطاب خالف المشروع، بل عدوا أنه من الشيطان....
وأيضا فإن الخوارق وإن جاءت تقتضى المخالفة فهى مدخولة قد شابها ما ليس بحق، كالرؤيا غير الموافقة كمن يقال له: لا تفعل كذا، وهو مأمور شرعا بفعله، أو افعل كذا، وهو منهى عنه. وكثيرا ما يقع هذا لمن لم يبن أصل سلوكه على الصواب، أو من سلك وحده بدون شيخ، ومن طالع سير الأولياء وجدهم محافظين على ظواهر الشريعة، غير ملتفتين فيها إلى هذه الأشياء....
مجالات جواز العمل بالمكاشفات والرؤى في دائرة المباح والمصالح
إذا تقرر اعتبار ذلك الشرط، فأين يسوغ العمل على وَفْقِها ؟
فالقول فى ذلك: أن الأمور الجائزات أو المطلوبات التى فيها سعة يجوز العمل فيها بمقتضى ما تقدم، وذلك على أوجه:
أحدها: أن يكون فى أمر مباح، كأن يرى المكاشف أن فلانا يقصده فى الوقت الفلانى أو يعرف ما قصد إليه فى إتيانه من موافقة أو مخالفة، أو يطلع على ما فى قلبه من حديث، أو اعتقاد حق، أو باطل، وما أشبه ذلك فيعمل على التهيئة له حسبما قصد إليه، أو يتحفظ من مجيئه إن كان قصده الشر، فهذا من الجائز له، كما لو رأى رؤيا تقتضى ذلك، لكن لا يعامله إلا بما هو مشروع.
والثانى: أن يكون العمل عليها لفائدة يرجو نجاحها، فإن العاقل لا يدخل على نفسه ما لعله يخاف عاقبته... وقد كان صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يخبر بالمغيبات للحاجة إلى ذلك، ومعلوم أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يخبر بكل مغيب اطلع عليه، بل كان ذلك فى بعض الأوقات، وعلى مقتضى الحاجات....
والثالث: أن يكون فيه تحذير أو تبشير ليستعد لكل عدته، فهذا أيضا جائز كالإخبار عن أمر ينزل إن لم يكن كذا، أو لا يكون إن فعل كذا فيعمل على وفق ذلك، على وزان الرؤيا الصالحة، فله أن يجرى بها مجرى الرؤيا....
عموم سلطان الشريعة على الغيب والشهادة وطرح الخوارق المعارضة
والشريعة كما أنها عامة فى جميع المكلَّفين، وجارية على مختلفات أحوالهم فهى عامة أيضا بالنسبة إلى عالم الغيب وعالم الشهادة من جهة كل مكلف، فإليها نَرُدُّ كل ما جاءنا من جهة الباطن، كما نرد إليها كل ما فى الظاهر، والدليل على ذلك أشياء:
منها: ترك اعتبار الخوارق، إلا مع موافقة ظاهر الشريعة.
والثانى: أن الشريعة حاكمة لا محكوم عليها، فلو كان ما يقع من الخوارق والأمور الغيبية حاكما عليها بتخصيص عموم، أو تقييد إطلاق، أو تأويل ظاهر، أو ما أشبه ذلك لكان حاكما عليها، وصارت هى محكوما عليها بغيرها؛ وذلك باطل، فكذلك ما يلزم عنه.
والثالث: أن مخالفة الخوارق للشريعة دليل على بطلانها فى نفسها" انتهى كلامه فى الموافقات [14].
آراء العلماء في رؤيا النبي بعد موته وترجيح الشوكاني لعدم حجيتها
- وقال الشوكاني (ت 1250) في إرشاد الفحول [15]:
"ذكر جماعة من أهل العلم منهم الأستاذ أبو إسحاق [16]، أنه يكون حجة، ويلزم العمل به.
وقيل: لا يكون حجة، ولا يثبت به حكم شرعي، وإن كانت رؤية النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حقاً، والشيطان لا يتمثل به، لكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية لعدم حفظه.
وقيل: إنه يعمل به ما لم يخالف شرعاً ثابتاً.
ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد كمله الله عز وجل وقال:
{اليوم أكملت لكم دينكم} [17].
ولم يأتنا دليل على أن رؤيته في النوم بعد موته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، إذا قال فيها بقول، أو فعل فيها فعلاً، يكون دليلاً وحجة، بل قبضه الله إليه عند أن كمل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه، ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها، وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع، وتبيينها بالموت، وإن كان رسولاً حياً وميتاً.
وبهذا تعلم أنه لو قدرنا ضبط النائم، لم يكن ما رآه من قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة ".
تلخيص المذاهب الثلاثة في حجية الرؤيا ومقدمة أدلة القول الأول
وبناء على ما سبق فلدينا مذاهب:
الأول: ما حكاه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني أن الأحكام تثبت بالمنام برؤيا النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ويكون حجة، ويلزم العمل به.
الثاني: الرؤيا حجة إذا توافق عليها جماعة تواطأت على رؤيا واحدة.
الثالث: وعليه جمهور العلماء أن الرؤيا المنامية ليست بدليل شرعي مطلقاً.
أدلة المذهب الأول:
يستدل للمذهب الأول بعدة أدلة:
أولاً: بأن رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حق لقوله:
"من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي".
جهة الدلالة:
أن رؤيا المكلف للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في المنام، ما دامت حقاً تأخذ حكم رؤيته في حياته في اليقظة، فإذا أمر أو نهى في المنام فكأمره ونهيه في اليقظة فيجب العمل به، وتكون حجة في الشرع.
الاستدلال برؤيا الأذان ومحاولة الجمع بين رؤيا النبي واليقظة
ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد عمل بالرؤيا الصالحة في الأذان في حديث عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب.
فالعمل بالرؤى التي رآها غير المعصومين مطلقاً جائز، فمن باب أولى رؤيته للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم التي هي محفوظة من تلبس الشيطان بها.
ثالثاً: أن من رأى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في المنام يأمره أو ينهاه، فلا يخرج عن واحد من اثنين، إما أن يوافق ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في اليقظة فيكون العمل بها من باب الاستئناس، وإما أن يخالف ما ثبت عنه في اليقظة فإن وجد طريقا للجمع بينهما ولو بتأويل الرؤيا، أو البحث عن سند الوارد يقظة لعله ضعيف فكذلك، وإن لم يمكن الجمع من كل وجه، توقَّف عن العمل بالرؤيا، لمعارضتها بما ورد يقظة، وهذا لا يقدح في حجيتها كما لا يقدح تعارض الأدلة في حجيتها.
مناقشة أدلة المذهب الأول وبيان ضعف الاستدلال برؤيا الأذان
المناقشة:
أما الدليل الأول: فيناقش بأن النائم ليس من أهل التحمل، والرواية لعدم تحفظه، وأن عدم تمثل الشيطان بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، له معنى سبق في كلام الشاطبي بيانه، فيظهر من هذا ضعف التمسك بالحديث، للدلالة على حجية الرؤيا شرعاً.
ونرد على الدليل الثاني بما أورده العلامة الغماري في كتابه الرؤيا في القرآن حيث قال:
استشكل إثبات الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، ورؤيا غير الأنبياء لا يثبت بها حكم شرعي؛ لأنها ليست بوحي.
وأجيب:
باحتمال مقارنة الوحي لها بدليل قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
"إنها رؤيا حق",
أو أن ألفاظ الأذان والإقامة، لما كانت مشتملة على تعظيم الله، والشهادة له بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة والدعاء إلى الصلاة، وهذه معان لا يمكن أن تصدر عن الشيطان علم أن الذي ألقاها إلى عبد الله بن زيد ملك من الملائكة بإذن الله تعالى على أن الإشكال مدفوع من أصله، لأن هذه الرؤيا، شهد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بأنها حق فصارت حجة في ثبوت الحكم بلا نزاع، وإنما الممنوع ثبوت الحكم برؤيا لم يشهد لها الشارع.
الحكمة من رؤيا الأذان على لسان صحابي والرد على الدليل الثالث
فإن قيل: ما الحكمة في أن الأذان، رآه صحابي ولم يره النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ؟
فالجواب ما قاله السهيلي، وهو أن الحكمة في ذلك التنويه بعلو قدر النبيصلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حيث جاء الأذان الذي يسجل الشهادة له بجانب الشهادة لله على لسان غيره تفخيماً لشأنه [18].
ويناقش الدليل الثالث بأنه إن وافق فليس من محل النزاع، وإن خالف فليس هو في حال النوم من أهل التحمل، ولا يعد من رأى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في منامه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى صحابياً.
فبان تهافت أدلة ذلك المذهب، وسيظهر لنا في الخاتمة البلايا التي أصابت الأمة من اعتبار الرؤيا حجة تفيد دليلاً شرعياً.
الاستدلال بتواطؤ الرؤى على صدقها في المذهب الثاني
أدلة المذهب الثاني:
يستدل للمذهب الثاني بقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فيما أخرجه البخاري:
"أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر".
قال ابن حجر: ويستفاد من الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها، كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة [19].
ويناقش بأن النائم ليس أهلاً للتحمل.
ولا أرى في الحديث حجة أصلاً فهو ليس من محل النزاع، بل هو مما يستأنس به، وذلك لأنه يحتمل أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أخذ حكم أن ليلة القدر في العشر الأواخر من طريق آخر غير تواطؤ رؤياهم.
رؤيا النبي لليلة القدر وحدود حجية تواطؤ رؤى الصحابة
فقد ثبت في صحيح مسلم [20] أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد رأى رؤيا وافقت رؤياهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:
"أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر".
وتقدم حديث الشيخين عن أبي سعيد الخدري وفيه:
"... وقد رأيت هذه الليلة، فأنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر".
فثبت أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان رآها، وعلم عينها، ثم رفع علم ذلك عنه، وبقي أنها ليلة من العشر الأواخر، فتوافقت رؤياهم أيضاً على ذلك.
فالحجة في رؤيته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولهذا فالحديث ليس في محل النزاع.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما موقف جمهور الأصوليين من ذكر الرؤيا ضمن الأدلة الشرعية؟
أهملوها ولم يذكروها ضمن الأدلة
ما الحكم الذي قرره أبو إسحاق الإسفرائيني في إثبات الأحكام بالرؤيا؟
لا يجوز أن يثبت بالرؤيا شيء حتى لو رأى النبي يأمره
كم نوعاً للرؤيا ذكرها ابن حزم في الفصل في الملل والنحل؟
أربعة أنواع
ما الشرط الذي اشترطه ابن العربي الحاتمي لاعتبار رؤيا النبي في المنام؟
أن يراه على صورته الجسدية الحقيقية التي كان عليها في الدنيا
ما الذي قرره الزركشي بشأن رؤيا الأذان؟
الحجة فيها أمر النبي بالعمل به في مدارك العلم لا المنام
ما فائدة الرؤيا الصالحة عند الشاطبي؟
البشارة والنذارة فحسب
ما الذي يلزم على القول بحجية الرؤيا في الأحكام وفق الشاطبي؟
تجديد وحي بحكم بعد النبي وهو منهي عنه بالإجماع
ما الحكم الذي أصدره الشاطبي في رؤيا الحاكم التي تأمره بردّ شهادة عدلين؟
لا معتبر بها لأنها تخرم قاعدة من قواعد الشريعة
ما الحكمة في مجيء رؤيا الأذان على لسان صحابي لا النبي نفسه وفق السهيلي؟
التنويه بعلو قدر النبي بمجيء الشهادة له على لسان غيره تفخيماً لشأنه
ما موقف الشوكاني من حجية رؤيا النبي بعد وفاته؟
لا تكون حجة لأن الدين اكتمل وانقطعت البعثة بالموت
ما الذي يميز رؤيا الأنبياء عن رؤيا غيرهم؟
رؤيا الأنبياء وحي مقطوع بصحته بخلاف رؤيا غيرهم
في أي المجالات أجاز الشاطبي العمل بالمكاشفات والرؤى؟
في الأمور المباحة والتحذير والتبشير بشرط ألا تخرم حكماً شرعياً
ما التأويل الثاني لحديث من رآني في النوم فقد رآني عند علماء التعبير؟
أن الشيطان قد يشير إلى شخص آخر قائلاً هذا النبي فيوقع اللبس على الرائي
ما الذي قرره ابن دقيق العيد بشأن الأمر في المنام بترك واجب؟
لا يجوز العمل به لأنه يخالف ما ثبت في اليقظة
ما الذي يدل عليه إهمال الأصوليين للرؤيا في مصنفاتهم؟
أن الاستدلال بالرؤيا لم يرقَ إلى الحد الذي يستدعي رصده ضمن الأدلة
ما الفرق بين رؤيا الأنبياء ورؤيا غيرهم من حيث الحجية؟
رؤيا الأنبياء وحي مقطوع بصحته كرؤيا إبراهيم عليه السلام، أما رؤيا غيرهم فقد تصدق وقد تكذب ولا يُقطع على صحة شيء منها إلا بعد ظهور صحته.
ما المذاهب الثلاثة في حجية الرؤيا المنامية؟
الأول: تثبت بها الأحكام برؤيا النبي. الثاني: حجة عند تواطؤ جماعة عليها. الثالث وهو قول الجمهور: ليست دليلاً شرعياً مطلقاً.
لماذا قال الزركشي إن النائم ليس من أهل التحمل والرواية؟
لأن النائم لا يتحفظ ما يراه ولا يضبطه كما يضبط الصاحي، فلا تصح روايته لما رآه في منامه حتى وإن كانت رؤية النبي حقاً.
ما معنى قول الشاطبي إن فائدة الرؤيا البشارة والنذارة لا استفادة الأحكام؟
الرؤيا تُفيد صاحبها تأنيساً وتحذيراً وتبشيراً يترتب عليه الإقدام والإحجام، لكنها لا تُستخدم لاستنباط أحكام شرعية جديدة أو نسخ أحكام قائمة.
ما الشرط الذي وضعه الشاطبي لاعتبار المكاشفات والرؤى؟
ألا تخرم حكماً شرعياً ولا قاعدة دينية، فما يخرم قاعدة شرعية فهو إما خيال أو وهم أو إلقاء من الشيطان ولا يصح اعتباره.
كيف فسّر ابن رشد معنى حديث من رآني في النوم فقد رآني؟
معناه من رآه على صورته الحقيقية التي خُلق عليها فقد رآه، لأن الشيطان لا يتمثل به، وليس معناه أن كل من رأى في منامه أنه رآه فقد رآه حقيقة.
ما الذي يدل عليه تواطؤ رؤى الصحابة على ليلة القدر في العشر الأواخر؟
الحجة في ذلك رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لا تواطؤ رؤى الصحابة، لأنه ثبت أنه رآها ثم أُنسيها، فرؤيا الأنبياء هي الحجة.
ما الذي يُميّز الرؤيا الصادقة عن غيرها عند ابن حزم؟
الرؤيا الصادقة هي التي يريها الله للحالم إذا صفت نفسه من أكدار الجسد وتخلصت من الأفكار الفاسدة، وعلى قدر نقاء النفس يكون تفاضل صدق الرؤيا.
لماذا لا يجوز للقاضي ترك العمل بشهادة عدلين بناءً على رؤيا منامية؟
لأن ذلك يخرم قاعدة من قواعد الشريعة، والشريعة حاكمة لا محكوم عليها، ولو جاز ذلك لجاز نقض الأحكام بالرؤيا وهو باطل بالإجماع.
ما الحكمة في مجيء رؤيا الأذان على لسان صحابي لا النبي نفسه؟
قال السهيلي إن الحكمة التنويه بعلو قدر النبي، إذ جاءت الشهادة له بجانب الشهادة لله على لسان غيره تفخيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم.
ما الذي يعنيه الشاطبي بقوله إن مزايا الأمة مقتبسة من مشكاة النبوة؟
كل ما أُعطيته الأمة من مزايا وكرامات ومكاشفات إنما هي مقتبسة من نبوة النبي صلى الله عليه وسلم على مقدار الاتباع، ولا يحصل أحد على خير بدون وساطة نبوته.
ما الذي يدل عليه عمل النبي بالفراسة والرؤيا الصالحة بالنسبة للأمة؟
يدل على أن الأمة حكمها في ذلك حكمه، شأن كل عمل صدر منه ولم يثبت دليل على اختصاصه به دون غيره، مع مراعاة شرط الصواب وموافقة الشرع.
ما الذي يُعدّ دليلاً على بطلان الخارقة في نفسها عند الشاطبي؟
مخالفة الخارقة للشريعة دليل على بطلانها في نفسها، لأن الشريعة حاكمة لا محكوم عليها، ولو كانت الخوارق حاكمة عليها لصارت الشريعة محكوماً عليها بغيرها.
ما الذي يُستفاد من قصة شريك القاضي مع المهدي؟
تُبيّن القصة خطورة الاحتجاج بالأحلام في الأحكام وإصدار الأوامر بناءً عليها، وأن رؤيا الحاكم ليست كرؤيا الأنبياء ولا معبّره كيوسف عليه السلام.
ما الذي يُستفاد من قصة الإمام الذي أفتى بقتل القائل بخلق القرآن استناداً إلى رؤيا؟
تُبيّن أن قول إبليس في المنام لا يزيد على قوله في اليقظة ولا يُقلَّد، وأن الاستناد إلى الرؤيا في إصدار أحكام الحدود باطل.