اكتمل ✓
الفصل 25

هل تثبت الأحكام الشرعية بالرؤيا المنامية وما شروط الاحتجاج برؤيا النبي في المنام؟

جمهور العلماء على أن الرؤيا المنامية ليست دليلاً شرعياً مطلقاً لإثبات الأحكام، وإنما فائدتها البشارة والنذارة. ولا يُعمل بما يُرى في المنام إلا إذا وافق الشريعة الثابتة، ولا يجوز أن تُنسخ بها أحكام مقررة. أما رؤيا الأنبياء فهي وحي مقطوع بصحته، بخلاف رؤيا غيرهم.

25 دقيقة قراءة
  • هل يجوز إثبات الأحكام الشرعية بالرؤيا المنامية، وما موقف الأصوليين من الاستدلال بها؟

  • عامة الأصوليين لم يذكروا الرؤيا ضمن الأدلة الشرعية المعتمدة أو المختلف فيها، مما يدل على أنها لم ترقَ إلى مستوى الاحتجاج الفقهي المعتبر.

  • أبو إسحاق الإسفرائيني وابن العربي الحاتمي وابن دقيق العيد والزركشي والشاطبي والشوكاني تناولوا حجية الرؤيا بآراء متباينة تتراوح بين الإجازة المشروطة والرفض المطلق.

  • ابن حزم قسّم الرؤيا إلى أنواع: شيطانية، ونفسية، وطبعية، وصادقة من الله، وربط صدقها بصفاء النفس وبُعدها عن أكدار الجسد.

  • الشاطبي في الاعتصام والموافقات قرر أن الرؤيا لا تُثبت حكماً شرعياً، وأن كل رؤيا تخرم قاعدة شرعية فهي باطلة، وفائدتها البشارة والنذارة فحسب.

  • جمهور العلماء على ثلاثة مذاهب في حجية الرؤيا: الإثبات المطلق، والإثبات عند التواطؤ، والنفي المطلق الذي هو قول الجمهور.

عموم إهمال الأصوليين للرؤيا ضمن الأدلة الشرعية المعتمدة

إذا ذهبنا نتتبع كلام الأصوليين فى مصنفاتهم عن بيان الأدلة، سواء المتفق على حجيتها، أو المختلف فيها سواء ترجح حجيتها أو لم يترجح، نجد أن عامتهم - إن لم يكن معظمهم - لا يذكرون الرؤيا فيما ذكروا من الأدلة بأقسامها، حتى تلك الأدلة المرجوحة.

وإذا أخذنا فى الاعتبار أن بيان الأدلة يقصد به حصر ما استدل به المجتهدون فى استنباط الأحكام، وبيان ما يصح الاستدلال به منها، وما لا يصح، كان فى ذلك دلالة - لا يمكن تجاوزها - على أنه لم يكد يقع الاستدلال بالرؤيا محل الخلاف من أحد من الفقهاء المعتبرين، وأنه مهما قيل من استدلال شذوذ بها فإنه لم يرق بحال إلى الحد الذى يستدعى أن يرصده الأصوليون فيما رصدوا من أدلة صح الاحتجاج بها - بعد البحث الأصولى - أو لم يصح .

حتى إن بعض الأصوليين ذكر الإلهام، وأنه ليس بحجة فى حق غير النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كما ذكر آخرون التبخيت، ولم يذكر أي منهم الرؤيا مع قربها منهما .

رأي أبي إسحاق الإسفرائيني في الرؤيا وحدود دلالتها النبوية

وتبقى بعد ذلك طائفة جد قليلة من الأصوليين تكلموا حول حجية الرؤيا، منهم:

  1. الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني (ت 418هـ) فقال :

"إن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة"

وهذه الستة والأربعون كلها طرق علوم الأنبياء؛ فإن لهم طرقاً في العلوم لا نصل إلى شيء منها إلا بالخبر.

قال: وهو مثل ما يعرفون من كلام البهائم، والجمادات، والوحي، وغير ذلك، والرؤيا من تلك الجملة.

قال: وقد اجتهدت في تحصيل الستة والأربعين ما هي ؟ فبلغت منها إلى اثنين وأربعين، وقد ذكرتها في كتاب (الوصف والصفة)، وأنا في طلب الباقي.

قال: ولا يجوز أن يثبت بالرؤيا شيء حتى لو رأى واحد في منامه أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أمره بحكم من الأحكام، لم يلزمه ذلك " ا هـ.

قال الزركشي: " وقد حكى الأستاذ أبو إسحاق في كتاب (أدب الجدل) في ذلك وجها، والأصح الأول؛ لأن الأحكام لا تثبت بالمنام إلا في حق الأنبياء،أو بتقريرهم.

تقسيم ابن حزم لأنواع الرؤيا بين الشيطان والنفس والطبع

  1. وقال ابن حزم (458هـ) في الفصل في الملل والنحل :

" والقول الصحيح في الرؤيا هي أنواع:

  • فمنها ما يكون من قبل الشيطان، وهو ما كان من الأضغاث والتخليط الذي لا ينضبط.

  • ومنها ما يكون من حديث النفس، وهو ما يشتغل به المرء في اليقظة، فيراه في النوم من خوف عدو، أو لقاء حبيب، أو خلاص من خوف، أو نحو ذلك.

  • ومنها ما يكون من غلبة الطبع، كرؤية من غلب عليه الدم للأنوار والزهر والحمرة والسرور، ورؤية من غلب عليه الصفراء للنيران، ورؤية صاحب البلغم للثلوج والمياه، وكرؤية من غلب عليه السوداء الكهوف والظلم والمخاوف.

  • ومنها ما يريه الله عز وجل نفس الحالم إذا صفت من أكدار الجسد، وتخلصت من الأفكار الفاسدة، فيشرف الله تعالى به على كثير من المغيبات التي لم تأت بعد، وعلى قدر تفاضل النفس في النقاء والصفاء يكون تفاضل ما يراه في الصدق.

منزلة الرؤيا الصالحة وعلاقتها بالنبوة عند ابن حزم

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه لم يبق بعده من النبوة إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له، وأنها جزء من ستة وعشرين جزءاً من النبوة إلى جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة إلى جزءاً من سبعين جزءاً من النبوة.

وهذا نص جَلَّى ما ذكرنا من تفاضلها في الصدق والوضوح والصفاء من كل تخليط، وقد تخرج هذه النسب والأقسام على أنه عليه السلام إنما أراد بذلك رؤيا الأنبياء عليهم السلام، فمنهم مَن رؤياه جزء من ستة وعشرين جزءاً من أجزاء نبوته، وخصائصه وفضائله. ومنهم من رؤياه جزء من ستة وأربعين جزءاً من نبوته وخصائصه وفضائله. ومنهم من رؤياه جزء من سبعين جزءاً من نبوته وخصائصه وفضائله.

وهذا هو الأظهر والله أعلم، ويكون خارجاً على مقتضى ألفاظ الحديث بلا تأويل بتكلف.

حكم رؤيا الأنبياء وغيرهم وإمكان صدق رؤيا الكافر

وأما رؤيا غير الأنبياء فقد تكذب، وقد تصدق، إلا أنه لا يقطع على صحة شيء منها إلا بعد ظهور صحته، حاشا رؤيا الأنبياء، فإنها كلها وحي مقطوع على صحته كرؤيا إبراهيم عليه السلام، ولو رأى ذلك غير نبي في الرؤيا فأنفذه في اليقظة لكان فاسقاً عابثاً، أو مجنوناً ذاهبَ التمييز بلا شك، وقد تصدق رؤيا الكافر، ولا تكون حينئذ جزءاً من النبوة ولا مبشرات، ولكن إنذاراً له أو لغيره ووعظاً وبالله التوفيق"ا هـ.

ابن العربي الحاتمي وشروط حجية رؤيا النبي في المنام

  1. وقال ابن العربى الحاتمي (638هـ):

"المبشرات جزء من أجزاء النبوة، إما أن تكون من الله إلى العبد، أو من الله على يد بعض عباده، وهي الرؤيا يراها الرجل المسلم أو ترى له، فإن جاءته من الله في رؤياه على يد رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فإن كان حكماً تعبد نفسه به، ولا بد بشرط أن يرى الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على الصورة الجسدية التي كان عليها في الدنيا كما نقل إليه من الوجه الذي صح عنه، حتى إنه إن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يراه مكسور الثنية العليا فإن لم يره بهذا الأثر فما هو ذاك، وإن تحقق أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ورآه شيخاً، أو شاباً مغايراً للصورة التي كان عليها في الدنيا، ومات عليها، ورآه في حُسْن أَزْيدَ مما وُصِفَ له، أو قُبْح صورةٍ، أو يرى الرائي إساءةَ أدب في نفسه معه؛ فذلك كله غير الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ فما هو رسول الله.

فيكون ما رآه هذا الرائي عين الشرع: إما في البقعة التي يراه فيها عند ولاة أمور الناس، وإما أن يرجع ما يراه إلى حال الرائي أو إلى المجموع؛ غير ذلك فلا يكون، فيكون تغير صورته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عين إعلامه، وخطابه إياه بما هو الأمر عليه في حقه، أو حق ولاة العصر بالموضع الذي يراه فيه.

فإن جاء بحكم في هذه الصورة، فلا يأخذ به، إن اقتضى ذلك نسخ حكم ثابت بالخبر المنقول الصحيح المعمول به، وكل ما أتى به من العلوم والأسرار مما عدا التحليل والتحريم فلا تحجير عليه فيما يأخذه منها، لا في العقائد، ولا في غيرها .

عالم الخيال عند ابن العربي ودور معبر الرؤيا في إصابة الحق

وقال أيضاً:

" فإن كل رؤيا صادقة ولا تخطئ، فإذا أخطأت الرؤيا فالرؤيا ما أخطأت ولكن العابر الذي يعبرها هو المخطئ، حيث لم يعرف ما المراد بتلك الصورة.

ألا تراه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال لأبي بكر حين عبر رؤيا الشخص المذكور:

"أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً".

ثم قال:

" فالعابر للرؤيا هو الذي له جزء من أجزاء النبوة، حيث علم ما أريد بتلك الصورة؛ فقد يكون الرائي هو الذي يراها لنفسه، وقد يراها له غيره، والعابر هو صاحب علم تعبير الرؤيا.

فلا يعلم مرتبة عالم الخيال إلا الله، ثم أهله من نبي، أو ولي مختص، غير هذين فلا يعرف قدر هذه المرتبة، والعلم بها أول مقامات النبوة، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إذا أصبح، وجلس مجلسه بين أصحابه يقول لهم:

"هل فيكم من رأى رؤيا".

وذلك ليرى ما أحدث الله البارحة في العالم، أو ما يحدثه في المستقبل، وقد أوحى به إلى هذا الرائي في منامه، إما صريح وحي، وإما وحي في صورة يعلمها الرائي، ولا يعلم ما أريد بها فيعبرها رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فهذا كان من اعتنائه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بهذه المرتبة المجهولة عند العلماء.

فالتجلي الصوري في حضرة الخيال محتاج إلى علم آخر يدرك به الرائي ما أراد الله بتلك الصورة " .

تقسيم ابن دقيق العيد لأوامر المنام بين المخالفة والموافقة للشرع

  1. وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (ت702هـ) :

" إن كان أمره بأمر ثبت عنه في اليقظة خلافه، كالأمر بترك واجب أو مندوب، لم يجز العمل به، وإن أمره بشيء لم يثبت عنه في اليقظة خلافه، استحب العمل به ".

قال الزركشي: " ومن ثَم لم يجب الحد على من قذف امرأة بأنها وُطِئَت، في النوم، ولا عليه حد إذا أقر أنه زنى في النوم.

وذكر الشافعي في الأم: أن رجلاً قال لرجل: إنه وطئ أمه في النوم، فحمله إلي علي رضي الله عنه، فقال: أقمه في الشمس واضرب ظله. قال الشافعي: ولسنا نقول به ".

ترجيح الزركشي عدم ثبوت الأحكام بالمنام وتفسيره لرؤيا الأذان

  1. وقال الزركشي (ت794 هـ) في البحر المحيط :

" رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في النوم، على وجه حكاه الأستاذ أبو إسحاق يكون حجة، ويلزم العمل به، وقد سبق فيه مزيد بيان في صدر الكتاب، والصحيح أن المنام لا يثبت حكماً شرعياً، ولا بينة، وإن كانت رؤية النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حقاً، والشيطان لا يتمثل به، ولكن النائم ليس من أهل التحمل، والرواية لعدم تحفظه.

وأما المنام الذي روى في الأذان، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بالعمل به، فليس الحجة فيه -أي المنام- بل الحجة فيه أمره بذلك في مدارك العلم ".

الشاطبي وانتقاد بناء الأعمال على المقامات والرؤى المنامية

  1. وقال الإمام الشاطبي (790هـ) في الاعتصام :

"وأضعف هؤلاء احتجاجاً قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المقامات، وأقبلوا، وأعرضوا بسببها، فيقولون: رأينا فلاناً الرجل الصالح، فقال لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا. ويتفق مثل هذا كثير للمتمرسين برسم التصوف. وربما قال بعضهم: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في النوم فقال لي كذا، وأمرني بكذا، فيعمل بها ويترك بها، معرضاً عن الحدود الموضوعة في الشريعة، وهو خطأ؛ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعاً على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا، كما يحكى عن الكتاني رحمه الله قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في المنام، فقلت: ادع الله أن لا يميت قلبي، قال:

"قل كل يوم أربعين مرة: "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت"",

فهذا كلام حسن لا إشكال في صحته، وكون الذكر يحيي القلب صحيح شرعاً، وفائدة الرؤيا التنبيه على الخير، وهو من ناحية البشارة، وإنما يبقى الكلام في التحديد بالأربعين، وإذا لم يوجد على اللزوم استقام.

رؤية أبي يزيد البسطامي وموافقتها لمبدأ مجاهدة النفس في الشرع

وعن أبي يزيد البسطامي رحمه الله قال: "قد رأيت ربي في المنام، فقلت: كيف الطريق إليك ؟ فقال: اترك نفسك وتعال"، وشأن هذا الكلام من الشرع موجود فالعمل بمقتضاه صحيح؛ لأنه كالتنبيه لموضع الدليل، لأن ترك النفس معناه ترك هواها بإطلاق، والوقوف على قدم العبودية، والآيات تدل على هذا المعنى، كقوله تعالى:

{وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}

، وما أشبه ذلك.

فلو رأى في النوم قائلاً يقول: "إن فلاناً سرق فاقطعه، أو عالم فاسأله، أو اعمل بما يقول لك، أو فلان زنى فَحِدَّه"، وما أشبه ذلك، لم يصح له العمل حتى يقوم له الشاهد في اليقظة، وإلا كان عاملاً بغير شريعة، إذ ليس بعد رسول اللهصلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وحي.

جواب الشاطبي عن الاحتجاج بجزئية الرؤيا من النبوة وحديث من رآني

ولا يقال: إن الرؤيا من أجزاء النبوة، فلا ينبغي أن تهمل، وأيضاً إن المخبر في المنام قد يكون النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهو قد قال:

"من رآني في النوم فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي ",

وإذا كان... فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة؛ لأنا نقول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة، فليست إلينا من كمال الوحي بل جزء من أجزائه، والجزء لا يقوم مقام الكل من جميع الوجوه، بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه، وقد صرفت إلى جهة البشارة والنذارة وفيها كاف.

وأيضاً فإن الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة من شرطها أن تكون صالحة من الرجل الصالح، وحصول الشروط مما ينظر فيه، فقد تتوافر، وقد لا تتوافر.

وأيضاً فهي منقسمة إلى الحلم، وهو من الشيطان، وإلى حديث النفس، وقد تكون سبب هيجان بعض أخلاط، فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها وتترك غير الصالحة ؟

ويلزم أيضاً على ذلك أن يكون تجديد وحي بحكم بعد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهو منهي عنه بالإجماع.

قصص شريك القاضي والرجل القائل بخلق القرآن في نقد الاعتماد على الأحلام

يحكى أن شريك بن عبد الله القاضي دخل على المهدي، فلما رآه قال: علي بالسيف والنطع، قال: ولم يا أمير المؤمنين، قال: رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي وأنت معرض عني، فقصصت رؤياي على من عبرها، فقال لي: يظهر لك طاعة، ويضمر معصية، فقال له شريك: والله ما رؤياك برؤيا الخليل إبراهيم عليه السلام، ولا أن معبرك بيوسف الصديق عليه السلام، فبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين ؟ فاستحى المهدي، وقال: اخرج عني، ثم صرفه، وأبعده.

وحكى الغزالي عن بعض الأئمة أنه أفتى بوجوب قتل رجل يقول بخلق القرآن، فروجع فيه، فاستدل بأن رجلاً رأى في منامه إبليس اجتاز باب المدينة ولم يدخلها فقيل: هل دخلتها ؟ فقال: أغناني عن دخولها رجل يقول بخلق القرآن. فقام ذلك الرجل فقال: لو أفتى إبليس بوجوب قتلي في اليقظة هل تقلدونه في فتواه ؟ قالوا: لا، فقال: قوله في المنام، لا يزيد على قوله في اليقظة.

وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الرائي بالحكم، فلابد من النظر فيها أيضاً؛ لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته، فالحكم بما استقر، وإن أخبر بمخالف فمحال، لأنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته؛ لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية، لأن ذلك باطل بالإجماع.

تأويل حديث من رآني في النوم بين ابن رشد وعلماء التعبير

فمن رأى شيئاً من ذلك فلا عمل عليه، وعند ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة، إذ لو رآه حقاً لم يخبره بما يخالف الشرع.

لكن يبقى النظر في معنى قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

"من رآني في النوم فقد رآني".

وفيه تأويلان:

أحدهما: ما ذكره ابن رشد إذ سئل عن حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة في قضية، فلما نام الحاكم ذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقال له: ما تحكم بهذه الشهادة فإنها باطلة، فأجاب بأنه لا يحل له أن يترك العمل بتلك الشهادة، لأن ذلك إبطال لأحكام الشريعة بالرؤيا، وذلك باطل، لا يصح أن يعتقد، إذ لا يعلم الغيب من ناحيتها إلا الأنبياء الذين رؤياهم وحي، ومن سواهم إنما رؤياهم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.

ثم قال: وليس معنى قوله:

"من رآني فقد رآني حقاً"

أن كل من رأى في منامه أنه رآه فقد رآه حقيقة، بدليل أن الرائي قد يراه مرات على صور مختلفة، ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أخرى، ولا يجوز أن تختلف صور النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولا صفاته.

اشتراط رؤية الصورة الحقيقية للنبي وبيان تلبيس الشيطان في الرؤى

وإنما معنى الحديث: من رآني على صورتي التي خلقت عليها فقد رآني، إذ لا يتمثل الشيطان بي، إذ لم يقل: من رأي أنه رآني، فقد رآني، وإنما قال:

"من رآني فقد رآني",

وأني لهذا الرائي الذي رأى أنه رآه على صورة أنه رآه عليها ؟ وإن ظن أنه رآه ما لم يعلم أن تلك الصورة صورته بعينها، وهذا ما لا طريق لأحد إلى معرفته.

فهذا ما نقل عن ابن رشد، وحاصله يرجع إلى أن المرئي قد يكون غير النبيصلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وإن اعتقد الرائي أنه هو.

والتأويل الثاني - يقوله علماء التعبير -: أن الشيطان قد يأتي النائم في صورة ما من معارف الرائي وغيرهم، فيشير له إلى رجل آخر: هذا فلان النبي، وهذا الملك الفلاني، أو من أشبه هؤلاء ممن لا يتمثل الشيطان به، فيوقع اللبس على الرائي بذلك، وله علامة عندهم، وإذا كان كذلك أمكن أن يكلمه المشار إليه بالأمر والنهي غير الموافقين للشرع، فيظن الرائي أنه من قِبـَل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولا يكون كذلك، فلا يوثق بما يقول له، أو يأمر أو ينهى.

وما أحرى هذا الضرب أن يكون الأمر أو النهي فيه مخالفاً لكمال الأول، حقيق بأن يكون فيه موافقاً، وعند ذلك لا يبقى في المسألة إشكال.

التفريق بين الاستدلال بالرؤى والتبشير بها وذكر قصة يزيد الفارسي

نعم، لا يحكم بمجرد الرؤيا حتى يعرضها على العلم، لإمكان اختلاط أحد القسمين بالآخر، وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المُنّة.

نعم، يأتي المرئي تأنيساً، وبشارة، ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكماً، ولا يبنون عليه أصلاً، وهو الاعتدال في أخذها؛ حسبما فهم من الشرع فيها " ا.هـ. كلام الشاطبي.

نقول: ويدل على ما أشار إليه الشاطبي من أنه لا بد أن يرى الرائي النبيَّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في صورته الحقيقية، وأن يعرفه بنعته الذي نعته به الناعتون ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في الشمائل عن يزيد الفارسي قال:

" رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في النوم زمن ابن عباس، قال: وكان يزيد يكتب المصاحف. قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله في النوم. قال ابن عباس: فإن رسول الله كان يقول:

" إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني",

فهل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت ؟ قال: قلت: نعم، رأيت رجلاً بين الرجلين، جسمه ولحمه، أسمر إلى البياض، حسن المضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملأ نحره. قال عوف - الراوي عن يزيد الفارسي -: لا أدري ما كان مع هذا من النعت. قال ابن عباس: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا " .

عموم مزايا الأمة من مشكاة النبوة وعمل النبي بالفراسة والرؤيا

  1. ويقول الإمام الشاطبى أيضا فى الموافقات:

"كما أن الأحكام والتكليفات عامة فى جميع المكلفين على حسب ما كانت بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلا ما خص به، كذلك المزايا والمناقب، فما من مزية أعطيها رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم سوى ما وقع استثناؤه إلا وقد أعطيت أمته منها أنموذجا، فهى عامة كعموم التكاليف... وهذا الأصل ينبنى عليه قواعد، منها: أن جميع ما أعطيته هذه الأمة من المزايا والكرامات والمكاشفات والتأييدات وغيرها من الفضائل إنما هى مقتبسة من مشكاة نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، لكن على مقدار الاتباع، فلا يظن ظان أنه حصل على خير بدون وساطة نبوته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كيف وهو السراج المنير الذى يستضىء به الجميع....

ومنها: أنه لما ثبت أن النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حذر، وبشر، وأنذر، وندب، وتصرف بمقتضى الخوارق من الفراسة الصادقة، والإلهام الصحيح، والكشف الواضح، والرؤيا الصالحة كان من فعل مثل ذلك ممن اختص بشىء من هذه الأمور على طريق الصواب، عاملا بما ليس بخارج عن المشروع، لكن مع مراعاة شرط ذلك.

استدلال الشاطبي بعمل النبي والصحابة بالفراسة والرؤى بضوابط الشرع

ومن الدليل على صحته زائدا على ما تقدم أمران:

أحدهما: أن النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد عمل بمقتضى ذلك أمرا، ونهيا، وتحذيرا، وتبشيرا، وإرشادا، مع أنه لم يذكر أن ذلك خاص به دون أمته، فدل على أن الأمة حكمهم فى ذلك حكمه، شأن كل عمل صدر منه، ولم يثبت دليل على الاختصاص به دون غيره ، ويكفى ما ترك بعده فى أمته من المبشرات، وإنما فائدتها البشارة والنذارة، التى يترتب عليها الإقدام والإحجام. وقد قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لعبد الله بن عمر فى رؤياه الملكين، وقولهما له:

"نعم الرجل أنت لو تكثر من الصلاة",

فلم يزل بعد ذلك يكثر من الصلاة، وفى رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

"إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل"...

ودل صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أناسا شتى على ما هو أفضل الأعمال فى حق كل واحد منهم عملا بالفراسة الصادقة فيهم... إلى سائر ما أخبر به صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من المغيبات التى حصلت بها فوائد الإيمان والتصديق والتحذير والتبشير وغير ذلك، وهو أكثر من أن يحصى.

والثانى: عمل الصحابة رضى الله عنهم بمثل ذلك من الفراسة والكشف والإلهام والوحى المنامى، كقول أبى بكر:

"إنما هما أخواك وأختاك"...

وقول عمر لمن قص عليه رؤياه أن الشمس والقمر رآهما يقتتلان، فقال: مع أيهما كنت؟ قال: مع القمر. قال: كنت مع الآية الممحوة، لا تلى عملا أبدا... ويكثر نقل مثل هذا عن السلف الصالح... ولكن يبقى هنا النظر فى شرط العمل على مقتضى هذه الأمور.

شرط عدم خرم الحكم الشرعي في اعتبار المكاشفات والرؤى عند الشاطبي

وذلك أن هذه الأمور لا يصح أن تراعى وتعتبر إلا بشرط أن لا تخرم حكما شرعيا، ولا قاعدة دينية، فإن ما يخرم قاعدة شرعية، أو حكما شرعيا ليس بحق فى نفسه، بل هو إما خيال أو وهم، وإما إلقاء من الشيطان، وقد يخالطه ما هو حق وقد لا يخالطه، وجميع ذلك لا يصح اعتباره من جهة معارضته لما هو ثابت مشروع؛ وذلك أن التشريع الذى أتى به النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عام، لا خاص، وأصله لا ينخرم، ولا ينكسر له اطراد، ولا يحاشى من الدخول تحت حكمه مكلف، وإذا كان كذلك فكل ما جاء من هذا القبيل الذى نحن بصدده مضادا لما تمهد فى الشريعة فهو فاسد باطل.

ومن أمثلة ذلك مسألة سئل عنها ابن رشد فى حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة فى أمر فرأى الحاكم فى منامه أن النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال له: لا تحكم بهذه الشهادة، فإنها باطلة. فمثل هذه الرؤيا لا معتبر بها فى أمر، ولا نهى، ولا بشارة، ولا نذارة؛ لأنها تخرم قاعدة من قواعد الشريعة.

قضية وصية الميت في رؤيا أبي بكر وحدود أثر الكشف في الفقه

وما روى أن أبا بكر t أنفذ وصية رجل بعد موته برؤيا رؤيت، فهى قضية عين لا تقدح فى القواعد الكلية لاحتمالها، فلعل الورثة رضوا بذلك، فلا يلزم منها خرم أصل....

وعلى هذا لو حصلت له مكاشفة بأن هذا المَعِين مغصوب، أو نجس، أو أن هذا الشاهد كاذب، أو أن المال لزيد، وقد تحصل بالحجة لعمرو أو ما أشبه ذلك؛ فلا يصح له العمل على وفق ذلك ما لم يتعين سبب ظاهر، فلا يجوز له الانتقال إلى التيمم، ولا ترك قبول الشاهد، ولا الشهادة بالمال لزيد على حال؛ فإن الظواهر قد تعين فيها بحكم الشريعة أمر آخر، فلا يتركها اعتمادا على مجرد المكاشفة أو الفراسة، كما لا يعتمد فيها على الرؤيا النومية؛ ولو جاز ذلك لجاز نقض الأحكام بها وإن ترتبت فى الظاهر موجباتها، وهذا غير صحيح بحال.

تأكيد الحكم بالظاهر وترك الباطن في القضاء والعقيدة

وقد جاء فى الصحيح:

"إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحكم له على نحو ما أسمع منه"

الحديث؛ فقيد الحكم بمقتضى ما يسمع، وترك ما وراء ذلك، وقد كان كثير من الأحكام التى تجرى على يديه يطلع على أصلها، وما فيها من حق وباطل؛ لكنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يحكم إلا على وفق ما سمع، لا على وفق ما علم....

فإن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به فى الأحكام خصوصا، وبالنسبة إلى الاعتقاد فى الغير عموما أيضا؛ فإن سيد البشر صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مع إعلامه بالوحى يجرى الأمور على ظواهرها فى المنافقين، وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه....

ففتح هذا الباب يؤدى إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر، فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر فالعذر فيه واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر، بل بمجرد أمر غيبى ربما شوش الخواطر، وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة، ألا ترى إلى باب الدعاوى المستند إلى أن البينة على المدعى واليمين على من أنكر، ولم يستثن من ذلك أحد حتى إن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم احتاج إلى البينة فى بعض ما أنكر فيه مما كان اشتراه، فقال: من يشهد لى؛ حتى شهد خزيمة بن ثابت فجعلها الله شهادتين، فما ظنك بآحاد الأمة.

إهمال الاعتبارات الغيبية وطرح الخوارق المخالفة للشريعة

فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهى الشرعية.

ومن هنا لم يعبأ الناس من الأولياء وغيرهم بكل كشف أو خطاب خالف المشروع، بل عدوا أنه من الشيطان....

وأيضا فإن الخوارق وإن جاءت تقتضى المخالفة فهى مدخولة قد شابها ما ليس بحق، كالرؤيا غير الموافقة كمن يقال له: لا تفعل كذا، وهو مأمور شرعا بفعله، أو افعل كذا، وهو منهى عنه. وكثيرا ما يقع هذا لمن لم يبن أصل سلوكه على الصواب، أو من سلك وحده بدون شيخ، ومن طالع سير الأولياء وجدهم محافظين على ظواهر الشريعة، غير ملتفتين فيها إلى هذه الأشياء....

مجالات جواز العمل بالمكاشفات والرؤى في دائرة المباح والمصالح

إذا تقرر اعتبار ذلك الشرط، فأين يسوغ العمل على وَفْقِها ؟

فالقول فى ذلك: أن الأمور الجائزات أو المطلوبات التى فيها سعة يجوز العمل فيها بمقتضى ما تقدم، وذلك على أوجه:

أحدها: أن يكون فى أمر مباح، كأن يرى المكاشف أن فلانا يقصده فى الوقت الفلانى أو يعرف ما قصد إليه فى إتيانه من موافقة أو مخالفة، أو يطلع على ما فى قلبه من حديث، أو اعتقاد حق، أو باطل، وما أشبه ذلك فيعمل على التهيئة له حسبما قصد إليه، أو يتحفظ من مجيئه إن كان قصده الشر، فهذا من الجائز له، كما لو رأى رؤيا تقتضى ذلك، لكن لا يعامله إلا بما هو مشروع.

والثانى: أن يكون العمل عليها لفائدة يرجو نجاحها، فإن العاقل لا يدخل على نفسه ما لعله يخاف عاقبته... وقد كان صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يخبر بالمغيبات للحاجة إلى ذلك، ومعلوم أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يخبر بكل مغيب اطلع عليه، بل كان ذلك فى بعض الأوقات، وعلى مقتضى الحاجات....

والثالث: أن يكون فيه تحذير أو تبشير ليستعد لكل عدته، فهذا أيضا جائز كالإخبار عن أمر ينزل إن لم يكن كذا، أو لا يكون إن فعل كذا فيعمل على وفق ذلك، على وزان الرؤيا الصالحة، فله أن يجرى بها مجرى الرؤيا....

عموم سلطان الشريعة على الغيب والشهادة وطرح الخوارق المعارضة

والشريعة كما أنها عامة فى جميع المكلَّفين، وجارية على مختلفات أحوالهم فهى عامة أيضا بالنسبة إلى عالم الغيب وعالم الشهادة من جهة كل مكلف، فإليها نَرُدُّ كل ما جاءنا من جهة الباطن، كما نرد إليها كل ما فى الظاهر، والدليل على ذلك أشياء:

منها: ترك اعتبار الخوارق، إلا مع موافقة ظاهر الشريعة.

والثانى: أن الشريعة حاكمة لا محكوم عليها، فلو كان ما يقع من الخوارق والأمور الغيبية حاكما عليها بتخصيص عموم، أو تقييد إطلاق، أو تأويل ظاهر، أو ما أشبه ذلك لكان حاكما عليها، وصارت هى محكوما عليها بغيرها؛ وذلك باطل، فكذلك ما يلزم عنه.

والثالث: أن مخالفة الخوارق للشريعة دليل على بطلانها فى نفسها" انتهى كلامه فى الموافقات .

آراء العلماء في رؤيا النبي بعد موته وترجيح الشوكاني لعدم حجيتها

  1. وقال الشوكاني (ت 1250) في إرشاد الفحول :

"ذكر جماعة من أهل العلم منهم الأستاذ أبو إسحاق ، أنه يكون حجة، ويلزم العمل به.

وقيل: لا يكون حجة، ولا يثبت به حكم شرعي، وإن كانت رؤية النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حقاً، والشيطان لا يتمثل به، لكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية لعدم حفظه.

وقيل: إنه يعمل به ما لم يخالف شرعاً ثابتاً.

ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد كمله الله عز وجل وقال:

{اليوم أكملت لكم دينكم} .

ولم يأتنا دليل على أن رؤيته في النوم بعد موته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، إذا قال فيها بقول، أو فعل فيها فعلاً، يكون دليلاً وحجة، بل قبضه الله إليه عند أن كمل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه، ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها، وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع، وتبيينها بالموت، وإن كان رسولاً حياً وميتاً.

وبهذا تعلم أنه لو قدرنا ضبط النائم، لم يكن ما رآه من قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة ".

تلخيص المذاهب الثلاثة في حجية الرؤيا ومقدمة أدلة القول الأول

وبناء على ما سبق فلدينا مذاهب:

الأول: ما حكاه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني أن الأحكام تثبت بالمنام برؤيا النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ويكون حجة، ويلزم العمل به.

الثاني: الرؤيا حجة إذا توافق عليها جماعة تواطأت على رؤيا واحدة.

الثالث: وعليه جمهور العلماء أن الرؤيا المنامية ليست بدليل شرعي مطلقاً.

أدلة المذهب الأول:

يستدل للمذهب الأول بعدة أدلة:

أولاً: بأن رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حق لقوله:

"من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي".

جهة الدلالة:

أن رؤيا المكلف للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في المنام، ما دامت حقاً تأخذ حكم رؤيته في حياته في اليقظة، فإذا أمر أو نهى في المنام فكأمره ونهيه في اليقظة فيجب العمل به، وتكون حجة في الشرع.

الاستدلال برؤيا الأذان ومحاولة الجمع بين رؤيا النبي واليقظة

ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد عمل بالرؤيا الصالحة في الأذان في حديث عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب.

فالعمل بالرؤى التي رآها غير المعصومين مطلقاً جائز، فمن باب أولى رؤيته للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم التي هي محفوظة من تلبس الشيطان بها.

ثالثاً: أن من رأى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في المنام يأمره أو ينهاه، فلا يخرج عن واحد من اثنين، إما أن يوافق ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في اليقظة فيكون العمل بها من باب الاستئناس، وإما أن يخالف ما ثبت عنه في اليقظة فإن وجد طريقا للجمع بينهما ولو بتأويل الرؤيا، أو البحث عن سند الوارد يقظة لعله ضعيف فكذلك، وإن لم يمكن الجمع من كل وجه، توقَّف عن العمل بالرؤيا، لمعارضتها بما ورد يقظة، وهذا لا يقدح في حجيتها كما لا يقدح تعارض الأدلة في حجيتها.

مناقشة أدلة المذهب الأول وبيان ضعف الاستدلال برؤيا الأذان

المناقشة:

أما الدليل الأول: فيناقش بأن النائم ليس من أهل التحمل، والرواية لعدم تحفظه، وأن عدم تمثل الشيطان بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، له معنى سبق في كلام الشاطبي بيانه، فيظهر من هذا ضعف التمسك بالحديث، للدلالة على حجية الرؤيا شرعاً.

ونرد على الدليل الثاني بما أورده العلامة الغماري في كتابه الرؤيا في القرآن حيث قال:

استشكل إثبات الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، ورؤيا غير الأنبياء لا يثبت بها حكم شرعي؛ لأنها ليست بوحي.

وأجيب:

باحتمال مقارنة الوحي لها بدليل قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

"إنها رؤيا حق",

أو أن ألفاظ الأذان والإقامة، لما كانت مشتملة على تعظيم الله، والشهادة له بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة والدعاء إلى الصلاة، وهذه معان لا يمكن أن تصدر عن الشيطان علم أن الذي ألقاها إلى عبد الله بن زيد ملك من الملائكة بإذن الله تعالى على أن الإشكال مدفوع من أصله، لأن هذه الرؤيا، شهد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بأنها حق فصارت حجة في ثبوت الحكم بلا نزاع، وإنما الممنوع ثبوت الحكم برؤيا لم يشهد لها الشارع.

الحكمة من رؤيا الأذان على لسان صحابي والرد على الدليل الثالث

فإن قيل: ما الحكمة في أن الأذان، رآه صحابي ولم يره النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ؟

فالجواب ما قاله السهيلي، وهو أن الحكمة في ذلك التنويه بعلو قدر النبيصلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حيث جاء الأذان الذي يسجل الشهادة له بجانب الشهادة لله على لسان غيره تفخيماً لشأنه .

ويناقش الدليل الثالث بأنه إن وافق فليس من محل النزاع، وإن خالف فليس هو في حال النوم من أهل التحمل، ولا يعد من رأى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في منامه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى صحابياً.

فبان تهافت أدلة ذلك المذهب، وسيظهر لنا في الخاتمة البلايا التي أصابت الأمة من اعتبار الرؤيا حجة تفيد دليلاً شرعياً.

الاستدلال بتواطؤ الرؤى على صدقها في المذهب الثاني

أدلة المذهب الثاني:

يستدل للمذهب الثاني بقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فيما أخرجه البخاري:

"أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر".

قال ابن حجر: ويستفاد من الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها، كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة .

ويناقش بأن النائم ليس أهلاً للتحمل.

ولا أرى في الحديث حجة أصلاً فهو ليس من محل النزاع، بل هو مما يستأنس به، وذلك لأنه يحتمل أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أخذ حكم أن ليلة القدر في العشر الأواخر من طريق آخر غير تواطؤ رؤياهم.

رؤيا النبي لليلة القدر وحدود حجية تواطؤ رؤى الصحابة

فقد ثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد رأى رؤيا وافقت رؤياهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال:

"أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر".

وتقدم حديث الشيخين عن أبي سعيد الخدري وفيه:

"... وقد رأيت هذه الليلة، فأنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر".

فثبت أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان رآها، وعلم عينها، ثم رفع علم ذلك عنه، وبقي أنها ليلة من العشر الأواخر، فتوافقت رؤياهم أيضاً على ذلك.

فالحجة في رؤيته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولهذا فالحديث ليس في محل النزاع.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما موقف جمهور الأصوليين من ذكر الرؤيا ضمن الأدلة الشرعية؟

أهملوها ولم يذكروها ضمن الأدلة

ما الحكم الذي قرره أبو إسحاق الإسفرائيني في إثبات الأحكام بالرؤيا؟

لا يجوز أن يثبت بالرؤيا شيء حتى لو رأى النبي يأمره

كم نوعاً للرؤيا ذكرها ابن حزم في الفصل في الملل والنحل؟

أربعة أنواع

ما الشرط الذي اشترطه ابن العربي الحاتمي لاعتبار رؤيا النبي في المنام؟

أن يراه على صورته الجسدية الحقيقية التي كان عليها في الدنيا

ما الذي قرره الزركشي بشأن رؤيا الأذان؟

الحجة فيها أمر النبي بالعمل به في مدارك العلم لا المنام

ما فائدة الرؤيا الصالحة عند الشاطبي؟

البشارة والنذارة فحسب

ما الذي يلزم على القول بحجية الرؤيا في الأحكام وفق الشاطبي؟

تجديد وحي بحكم بعد النبي وهو منهي عنه بالإجماع

ما الحكم الذي أصدره الشاطبي في رؤيا الحاكم التي تأمره بردّ شهادة عدلين؟

لا معتبر بها لأنها تخرم قاعدة من قواعد الشريعة

ما الحكمة في مجيء رؤيا الأذان على لسان صحابي لا النبي نفسه وفق السهيلي؟

التنويه بعلو قدر النبي بمجيء الشهادة له على لسان غيره تفخيماً لشأنه

ما موقف الشوكاني من حجية رؤيا النبي بعد وفاته؟

لا تكون حجة لأن الدين اكتمل وانقطعت البعثة بالموت

ما الذي يميز رؤيا الأنبياء عن رؤيا غيرهم؟

رؤيا الأنبياء وحي مقطوع بصحته بخلاف رؤيا غيرهم

في أي المجالات أجاز الشاطبي العمل بالمكاشفات والرؤى؟

في الأمور المباحة والتحذير والتبشير بشرط ألا تخرم حكماً شرعياً

ما التأويل الثاني لحديث من رآني في النوم فقد رآني عند علماء التعبير؟

أن الشيطان قد يشير إلى شخص آخر قائلاً هذا النبي فيوقع اللبس على الرائي

ما الذي قرره ابن دقيق العيد بشأن الأمر في المنام بترك واجب؟

لا يجوز العمل به لأنه يخالف ما ثبت في اليقظة

ما الذي يدل عليه إهمال الأصوليين للرؤيا في مصنفاتهم؟

أن الاستدلال بالرؤيا لم يرقَ إلى الحد الذي يستدعي رصده ضمن الأدلة

ما الفرق بين رؤيا الأنبياء ورؤيا غيرهم من حيث الحجية؟

رؤيا الأنبياء وحي مقطوع بصحته كرؤيا إبراهيم عليه السلام، أما رؤيا غيرهم فقد تصدق وقد تكذب ولا يُقطع على صحة شيء منها إلا بعد ظهور صحته.

ما المذاهب الثلاثة في حجية الرؤيا المنامية؟

الأول: تثبت بها الأحكام برؤيا النبي. الثاني: حجة عند تواطؤ جماعة عليها. الثالث وهو قول الجمهور: ليست دليلاً شرعياً مطلقاً.

لماذا قال الزركشي إن النائم ليس من أهل التحمل والرواية؟

لأن النائم لا يتحفظ ما يراه ولا يضبطه كما يضبط الصاحي، فلا تصح روايته لما رآه في منامه حتى وإن كانت رؤية النبي حقاً.

ما معنى قول الشاطبي إن فائدة الرؤيا البشارة والنذارة لا استفادة الأحكام؟

الرؤيا تُفيد صاحبها تأنيساً وتحذيراً وتبشيراً يترتب عليه الإقدام والإحجام، لكنها لا تُستخدم لاستنباط أحكام شرعية جديدة أو نسخ أحكام قائمة.

ما الشرط الذي وضعه الشاطبي لاعتبار المكاشفات والرؤى؟

ألا تخرم حكماً شرعياً ولا قاعدة دينية، فما يخرم قاعدة شرعية فهو إما خيال أو وهم أو إلقاء من الشيطان ولا يصح اعتباره.

كيف فسّر ابن رشد معنى حديث من رآني في النوم فقد رآني؟

معناه من رآه على صورته الحقيقية التي خُلق عليها فقد رآه، لأن الشيطان لا يتمثل به، وليس معناه أن كل من رأى في منامه أنه رآه فقد رآه حقيقة.

ما الذي يدل عليه تواطؤ رؤى الصحابة على ليلة القدر في العشر الأواخر؟

الحجة في ذلك رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لا تواطؤ رؤى الصحابة، لأنه ثبت أنه رآها ثم أُنسيها، فرؤيا الأنبياء هي الحجة.

ما الذي يُميّز الرؤيا الصادقة عن غيرها عند ابن حزم؟

الرؤيا الصادقة هي التي يريها الله للحالم إذا صفت نفسه من أكدار الجسد وتخلصت من الأفكار الفاسدة، وعلى قدر نقاء النفس يكون تفاضل صدق الرؤيا.

لماذا لا يجوز للقاضي ترك العمل بشهادة عدلين بناءً على رؤيا منامية؟

لأن ذلك يخرم قاعدة من قواعد الشريعة، والشريعة حاكمة لا محكوم عليها، ولو جاز ذلك لجاز نقض الأحكام بالرؤيا وهو باطل بالإجماع.

ما الحكمة في مجيء رؤيا الأذان على لسان صحابي لا النبي نفسه؟

قال السهيلي إن الحكمة التنويه بعلو قدر النبي، إذ جاءت الشهادة له بجانب الشهادة لله على لسان غيره تفخيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم.

ما الذي يعنيه الشاطبي بقوله إن مزايا الأمة مقتبسة من مشكاة النبوة؟

كل ما أُعطيته الأمة من مزايا وكرامات ومكاشفات إنما هي مقتبسة من نبوة النبي صلى الله عليه وسلم على مقدار الاتباع، ولا يحصل أحد على خير بدون وساطة نبوته.

ما الذي يدل عليه عمل النبي بالفراسة والرؤيا الصالحة بالنسبة للأمة؟

يدل على أن الأمة حكمها في ذلك حكمه، شأن كل عمل صدر منه ولم يثبت دليل على اختصاصه به دون غيره، مع مراعاة شرط الصواب وموافقة الشرع.

ما الذي يُعدّ دليلاً على بطلان الخارقة في نفسها عند الشاطبي؟

مخالفة الخارقة للشريعة دليل على بطلانها في نفسها، لأن الشريعة حاكمة لا محكوم عليها، ولو كانت الخوارق حاكمة عليها لصارت الشريعة محكوماً عليها بغيرها.

ما الذي يُستفاد من قصة شريك القاضي مع المهدي؟

تُبيّن القصة خطورة الاحتجاج بالأحلام في الأحكام وإصدار الأوامر بناءً عليها، وأن رؤيا الحاكم ليست كرؤيا الأنبياء ولا معبّره كيوسف عليه السلام.

ما الذي يُستفاد من قصة الإمام الذي أفتى بقتل القائل بخلق القرآن استناداً إلى رؤيا؟

تُبيّن أن قول إبليس في المنام لا يزيد على قوله في اليقظة ولا يُقلَّد، وأن الاستناد إلى الرؤيا في إصدار أحكام الحدود باطل.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!